← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17804

التورق المصرفي

رياض بن راشد آل رشود

Полный текст (259 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

كان الوكيل مشتريًا للبضاعة، أو تحصيله من المشتري إذا تم بيع السِّلعة على طرف ثالث. ٥ - تحديد الآلية التي تتمُّ من خلال عملية الشراء والبيع، وهي على النحو التالي: أ- يتم التفاهمُ الأوليُّ عبر الهاتف، ثم يرسل الوكيل فاكسًا (فاكس الإيجاب) يعرضُ فيه على المصرف سلعة يشتريها المصرف، ويبيعها عليه، ويتضمَّن ذلك العرضُ معلومات أساسية عن السِّلعة المطلوب شراؤها، وكذلك يتضمَّن العرض رغبة الوكيل في شراء السِّلعة لنفسه، أو لجهة أخرى. ب- في حال موافقة المصرف على العَرْض المُرْسَل عبر الفاكس، والمتضمن قبوله شراء البضاعة من الجهة المحددة (البائع) بالثمن المحدد، وقبوله تسديد الثمن في التاريخ المحدد، وقبوله بيع تلك السِّلعة إلى الوكيل مرابحة، ويسمى هذا الفاكس بالقبول. ج- بعد أن يتسلَّم الوكيل فاكس القبول من المصرف، يرسلُ الوكيلُ فاكسًا ثالثًا يسمى (فاكس التأكيد) يؤكد فيه ما جاء في فاكس الإيجاب، وفاكس القبول، كما يؤكد فيه شراءه نيابةً عن المصرف، وبيعها لنفسه بتكلفتها، زائدًا هامش ربح محدد يسدد في أجل محدد. د- بعد أن تتمَّ عمليةُ البيع والشراء مرابحة للوكيل، يقوم الوكيل بإعادة بيع السِّلعة تَّورُّقًا للحصول على ثمنها نقدًا (١).

стр. 142

المطلب الثاني التكييف الفقهي لهذه المعاملة بعد النظر في الآلية التي تقومُ عليها عمليةُ التَّورُّق في مرابحات السِّلع الدولية مع المؤسَّسات المالية، يمكن القَولُ بأن هذه المعاملة تقوم على أربعة عقود، وهي على النحو التالي: ١ - عقد وكالة: فيقوم المصرفُ بتوكيل المؤسَّسة المالية، لتقومَ المؤسَّسة بعملية البيع والشراء نيابة عن المصرف. ٢ - عقد بيع: فتقوم المؤسَّسةُ باعتبارها وكيلًا عن المصرف، بشراء سلعة من مالكها بثمن نقديّ حاضر. ٣ - عقد بيع ثانٍ: فتقوم المؤسَّسةُ باعتبارها وكيلًا عن المصرف ببيع السِّلعة مرابحة، إما على نفسها، أو تبيعها على طرف آخر. ٤ - عقد بيع ثالث: في حالة بيع المؤسَّسة السِّلعة على نفسها، وتصبح السِّلعة ملكًا لها، تقومُ ببيع السِّلعة تورقًا للحصولِ على الثمن. وبعد بيان تلك العُقُود التي تقومُ عليها مرابحات السِّلع الدولية، يمكن القَولُ بأن تلك العملية: "عبارة عن شراء المصرف الإسلامي لسلع موصوفة نقدًا بواسطة وكيل معين، وإعادة بيعها بالأجل إلى الوكيل نفسه، أو إلى طرف ثالث، ثم يقوم الوكيلُ، أوالطرف المشتري لتلك السِّلع بإعادة بيعها نقدًا للحصول على السُّيُولة" (١). وبعض الباحثين ذَكَرَ هذه المعاملة، وحكم بأنها مجرَّد بيع يصحُّ إذا توافرت فيه الشروط والأركان، يقول الشّيخُ عبد الله المنيع: "هذا النوعُ من التَّورُّق

стр. 143

لا يظهر فيه مانع من اعتباره، وجوازه، سواء أكان على مستوى فردي، أم على مستوى محلي أو دولي، وسواء أكان ذلك بين الأفراد أم كان بين المؤسَّسات المالية إذا كان البيع، مما توافرت فيه أسباب اعتباره من أركان البيع، وشروطه، وانتفاء أسباب بطلانه، أو فساده" (١). وذكر الدكتور موسى آدم أن المصارف الإسلامية حتى تؤكّد أن تلك العمليات، التي تجريها في مرابحات السِّلع الدولية حقيقية، وليست صورية، فإنها توقع مع الوكلاء خمسة شروط مهمة، وهي على النحو التالي: ١ - إقرار الوكيل بأن عمليات البيع والشراء حقيقية، وليست عمليات صورية. ٢ - أن يقوم المصرف بنفسه بتسديد الثمن للبائع، للتأكد من أن هناك عملية بيع حقيقية. ٣ - أن يقبض الوكيل مستندات شراء السِّلع، قبل إجراء عملية إعادة بيع السِّلعة. ٤ - أن يحفظ الوكيل جميع المستندات المؤكدة لعملية البيع والشراء، لتقديمها إلى المصرف، لإجراء عمليات التدقيق الشرعي. ٥ - أن لا يتعامل الوكيل بالفائدة الربوية (٢). ويقول الدكتور بعد ذكر هذه الشروط: "وفي ضوء هذه المعطيات يمكن القَولُ بأن مرابحات السِّلع الدولية في حال استيفائها الشروط المذكورة، وتمامها عبر وكلاء موثوق بهم، فمانها تكون صحيحة شرعًا لاستكمالها

стр. 144

للجوانب الشكلية للعقود، ولعدم تعارضها مع الأصول الشرعية" (١). ويقول الدكتور علي السَّالوس في هذه المعاملة: "لا تدخل ضمن التَّورُّق، فالمصارف الإسلامية تشتري نقدًا، وتبيعُ بالأجل مع زيادة البيع الآجل عن بيع الحال، والمشتري من المصرف مؤسَّسة مالية تجارية، تريدُ من الشراء ربح التاجر، لا خسارة المُتَوَرِّق، أو تريد السِّلعة إن كانت من مستهلكيها، وهذا بعيد عن التَّورُّق. . . ومن خبرتي مدة خمس عشرة سنة في أعمال المصارف الإسلامية، ومراجعتي لعمليات السِّلع والمعادن في أماكن تنفيذها في أوروبة خلال تلك السنوات، اكتشفت أن كثيرًا من هذه العمليات تستوفي الشكل الظاهري فقط للضوابط الشرعية، وتكون في حقيقتها قروضًا ربوية، وليست تَّورُّقًا، ولا بيعًا، ولا شراءً" (٢). والذي يبدو لي -والله أعلم- أن التَّورُّق في مرابحات السِّلع الدولية مع المؤسَّسات المالية، هو من قبيل (ربح ما لم يضمنْ) فالأطراف المشتركة في هذه المعاملة يقعون في هذا المحظور، وبيان ذلك يتَّضح في الآتي: ١ - أن هذه المعاملة تتمُّ في بورصات السِّلع العالمية، وهذه البورصات تجري فيها بيوعٌ كثيرة، ليست حقيقية، بمعنى أن السِّلع لا تسلم إلى المشتري، وإنما تعقد بيوع كثيرة متتالية على الحاسب الآلي، وتبدأ هذه المعاملة وتنتهي بتبادل الأوراق، ولا تراعى فيها الشروط الشرعية من تعيُّن المبيع وإفرازه عن غير المبيع، ومن كون المبيع في ملك البائع وحوزته، ثم إن هذه الأوراقَ التي يحملها صاحِبُها إنما تمثل حقّ الحامل في تسلُّم كمية من السِّلعة، والكمية المكتوبة في الأوراق غير متميزة عن الكمية الباقية، فلا تأتي الكميةُ المشتراةُ في

стр. 145

ضمان المشتري (المصرف)، ويبيعها المشتري بالمرابحة قبل أن تتميز، وتضمن من قِبل المشتري الذي هو المصرف، فيقع في هذه المعاملة محظور (ربح ما لم يضمنْ) (١)، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا يحلّ سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن" (٢). فالمعاملاتُ التي تجري في بورصات السِّلع العالمية هي بيوعٌ صورية ليست حقيقية، ولذلك نجد أن المصارفَ قد اشترطتِ الشروط الخمسة المذكورة سابقًا، لتكون تلك المعاملات عمليات حقيقية، وليست عمليات صورية، والحقيقةُ أن تلك الشروط لا يتمُّ تفعيلها في الواقع العملي، وحتى لو تمَّ تفعيلها في الميدان، فإننا لن نسلم من وقوعنا في ربح ما لم يضمن. ٢ - وعلى فرض أن السِّلعةَ قد عُينت، وحُدِّدت، والقَولُ بـ (القبض الحكمي) الذي يحكم بانتقال الضمان بمجرد العقد إذا تعينت السِّلعة، فإننا نقعُ في إشكالية أخرى، وهي: أن القبضَ الحكميَّ كما يكون طريقًا للتيسير، فإنه يكون طريقًا للاحتيال والتلاعب، فعمليةُ التَّورُّق في مرابحات السِّلع الدولية مع المؤسَّسات المالية "تتمُّ برأس مال كبير، وسرعة فائقة، فاحتمال التلاعب فيها وارد، وبخاصة أن التَّعامُلَ في أصله مع جهات أجنبية تجهل الدِّيْن، وأحكامه، بل لا تدينُ به، وقد يكون الطرف الآخر ممن لا يأنفُ الرِّبا أيضًا، وهذا لا يناسبه الاعتبار بالقبض الحكمي" (٣).

стр. 146

وإذا نظرنا إلى هذه المعاملة من جهة مآلها، فإنه يبدو -والله أعلم- أنها من قبيل (القَرْض الرَّبوي) فإن المصارفَ تهتم كثيرًا بالشكل الظاهري لعملياتها التَّمويلية، وتحاول بقدر الإمكانِ أن تجعلَ الإجراءات لتلك العمليات خاضعة للضوابط الشرعية، ومع اهتمامهم بالشكل الظَّاهري، غير أنهم يغفلُون عن المآل والمقصد من تلك العمليات، وعملية التَّورُّق في مرابحات السِّلع الدولية مع المؤسَّسات المالية هي في حقيقتها قرض ربوي، فالمُتَوَرِّق -سواء كان هو وكيلَ المصرف (المؤسَّسة المالية) أو طرفًا آخرَ غير الوكيل- يحصل على سيولة نقدية مقابل زيادة في ذمته، واتخذت صورة البيع والشراء، والوكالة ستارًا لذلك. ومما يؤيدُ هذا أننا لو وضعنا هذه المعاملة، وقاعدة [المدخلات والمخرجات] (١) في ميزان المقارنة، لوجدنا أن محصلة التَّعامُل بين الأطراف المشتركة في هذه المعاملة هي نقد حاضر بزيادة في الذمة، وهذه هي حقيقة الرِّبا. ولو قيل: لو وضعنا التَّورُّق الفردي المعروف عند الفقهاء، وقاعدة [المدخلات والمخرجات] في ميزان المقارنة، لوجدنا أن المحصلة النهائية للتَّورُّق الفردي هي نفسها المحصلة النهائية لعملية التَّورُّق في مرابحات السِّلع الدولية، مع المؤسَّسات المالية!!. والجواب عن هذا الاعتراض يتَّضح في أمرين: ١ - لو تأملنا إجراءات عملية التَّورُّق في مرابحات السِّلع الدولية مع

стр. 147

المؤسَّسات المالية، فإنها ليست على بساطة التَّورُّق المعروف عند الفقهاء، وإذا كان التَّورُّق الفردي فيه خلاف بين الفقهاء وهو على صورته البسيطة، فما بالك بإجراءات هذه المعاملة البالغة التعقيد والصعوبة، والتي تقوم على أربعة عقود اتخذت ستارًا للتحايل على الرِّبا، إضافة إلى علم كل الأطراف المشتركة في هذه المعاملة، بما تؤول إليه هذه المعاملة، في حين أن كل طرف من الأطراف المشتركة في التَّورُّق الفردي لا يعلمُ بمراد الآخر في الغالب. ٢ - أن تقويم عملية التَّورُّق في مرابحات السِّلع الدولية مع المؤسَّسات المالية من الناحية الاقتصادية، يعكس لنا الفرق الشاسع بين هذه المعاملة وعملية التَّورُّق الفردي، فعمليات التَّورُّق في مرابحاتِ السِّلع الدولية مع المؤسَّسات المالية لا تفيدُ في تنشيط الحركة الاقتصادية؛ لأن السِّلع التي هي محلّ المعاملة تكاد تكون جامدة في مخازنها، فلا تنتقلُ من مكانها مع أنه يجري على تلك السِّلع العشرات من العُقُود، ومن اطلع على بيانات بعض العُقُود يجد أن رقمَ السِّلعة التي هي محلّ العملية يتكرر دائمًا، وهذا يدل على أن السِّلعة جامدةٌ في مكانها، فلا تفيدُ هذه المعاملة في تنشيط الحركة الاقتصادية، بينما نجد التَّورُّق الفردي يفيدُ في تنشيط الحركة الاقتصادية نوعًا ما، فالمُتَوَرِّق يشتري السِّلعة بثمن مؤجَّل، ثم يقوم ببيعها على طرف آخر بنقد، فتنتقلُ السِّلعة، ولا تبقى جامدة، وانتقال السِّلع من مكان إلى آخر يدلّ على وجود الحركة في السُّوق، وهذا بدوره يفيد في تنشيط الحركة الاقتصادية. ومما سبق يمكن القَولُ بأن التكييف الفقهي لهذه المعاملة يكون من جهتين: ١ - من جهة الإجراءات الشكلية للمعاملة: فإنها تكون من قبيل (ربح ما لم يضمن) لأن المصرفَ يبيع السِّلعة مرابحة قبل أن تكون في ضمانه، والنبي عليه

стр. 148

الصلاة والسلام نهى عن ربح ما لم يضمن (١) وعلى فرض كون السِّلعة في ضَمانه بتعيين السِّلعة، فإن طبيعةَ المعاملات في البورصات قائمة على التلاعب، والاحتيال، الذي يؤدي إلى التهاون في مسألة القبض. ٢ - من جهة المقصد والمآل لهذه المعاملة: فإنها تكونُ من قبيل (القَرْض الربوي) لأن المُتَوَرِّق يحصلُ على سيولة نقدية مقابل زيادة في الذمة، دون أي فائدةٍ تعودُ على الحركة الاقتصادية، والمعاملة بالنظر إلى مآلها يترتب عليها نفس الآثار المترتبة على الرِّبا.

стр. 149

المبحث الثاني التَّورُّق لتمكين العملاء من سداد مديونياتهم لدى المصارف التقليدية، والانتقال إلى التَّعامُل مع المصارف الإسلامية المطلب الأول تصوير المعاملة وبيان إجراءاتها لما ظهرت صيغة التَّورُّق باعتبارها أداة تمويلية مشروعة، اتجه العديد من العملاء إلى التَّعامُل بالتَّورُّق للحصول على السُّيُولة النَّقْدية، التي تمكنهم من سداد مديونياتهم الناشئة عن قروض ربوية، والمديونيات الناشئة عن القروض الربوية كانت تزعجُ العملاء لإيمانهم بحرمتها، ولذلك لجؤوا إلى الدخول في التَّورُّق، ليتخلصوا من ثقلِ تلك المديونيات، ولينتقلوا إلى التَّعامُل مع المصارف الإسلامية. وإجراءاتُ هذه المعاملة وآلياتها العملية، هي نفسها الإجراءات والآليات العملية لعمليات التَّورُّق المصرفي السابق ذكرها، وهي على النحو التالي باختصار: ١ - يتقدم العميلُ المُتَوَرِّق بطلب شراء سِّلعة من البنك بثمن مؤجَّل. ٢ - يقوم البنكُ ببيع السِّلعة بثمن مؤجَّل إلى العميل. ٣ - ثم يقومُ العميلُ بتوكيل البنك في بيع السِّلعة بثمن نقديّ حاضر. ٤ - يقوم البنكُ ببيع السِّلعة على إحدى الشَّركات نيابة عن العميل بثمن نقدي حاضر أقل من الثمن المؤجَّل.

стр. 150

٥ - ثمَّ يقوم البنكُ بوضع ثمن السِّلعة في حساب العميل خلال يومين. ٦ - وبعد ذلك يقوم العميلُ بتسديد الدَّيْن الذي عليه. وتسديد المديونات الربوية عن طريق التَّورُّق له صورتان (١): الصُّورة الأولى: إذا كان الدَّيْن لبنك آخر: ومثال هذه الصُّورة: يقوم زيد -المدين للبنك الهولندي بمئة ألف- بطلب التَّمويل من صراف الرَّاجحي عن طريق التَّورُّق، وبعد حصول زيد على السُّيُولة النَّقْديّة يقوم بتسديد ذلك الدَّيْن للبنك الهولندي. الصُّورة الثانية: إذا كان الدَّيْن لنفس البنك الذي يقدم التَّورُّق للعميل: ومثال هذه الصُّورة: أن يكون زيد مدينًا للبنك الأهلي بخمسين ألف ريال، فيقوم زيد بطلب التَّمويل عن طريق التَّورُّق من نفس البنك، فيشتري زيدٌ سلعةً من البنك بسبعين ألف ريال مؤجَّلة، ثم يقومُ بتوكيل البنك في بيعها بخمسين ألف ريال حالة، فيحصل زيد على خمسين ألف ريال ليقوم بتسديد ذلك الدَّيْن. الفرق بين الصورتين: يلاحظ في الصُّورة الثانية أن البنكَ الذي قدَّم التَّمويل لزيد هو نفسه البنك الدائن، فالبنكُ في الصُّورة الثانية هو الدائن والمموّل في نفس الوقت، بينما نجدُ في الصُّورة الأولى أن البنك الدائن ليس هو نفسه المموّل الذي يقدِّم التَّمويل، وهذا التفريقُ يفيد في بيان التكييفِ الفقهي للصورتين.

стр. 151

المطلب الثاني التكييف الفقهي لهذه المعاملة تسديد المديونيات الربوية عن طريق التَّورُّق المصرفي له صورتان، كما سبق بيانهما: ١ - إذا كان الدَّيْن لبنكٍ آخر. ٢ - إذا كان الدَّيْن لنفس البنك الذي يقدمُ التَّورُّق للعميل. التكييف الفقهي للصورة الأولى: بعضُ الباحثين ذهب إلى مشروعية الصُّورة الأولى، فالدكتور موسى آدم يقول: "في حال كون تلك المديونيات هي لمصارف أخرى، وليس للمصرف، الذي يقدم للعميل التَّمويل عن طريق التَّورُّق، هذه الحالة تبدو مقبولة، وتتفق مع الهدف الأساس، وهوالتحرر من ربقة الرِّبا، والدخول في المعاملات الإِسلامية، فهي لا تعارضُ أصلًا من الأصول الشرعية، فالعميل بعد أن يتَّورُّق يصبحُ حرًا في استخدامه المبلغ الذي حصل عليه بالطريقة التي يراها مناسبة له" (١). والذي يبدو لي أنه يجبُ التفريق بين أمرين في الصورة الأولى: الأمر الأول: مبدأ تسديد المديُونيَّة. الأمر الثاني: تسديد المديُونيَّة عن طريق التَّورُّق المصرفي فالأمرُ الأولُ لا يشكُّ أحد في مشروعيته، إذا كانت طريقة السَّداد مشروعة، فلو اشترى مدينٌ قد أتعبه ذلّ الدَّيْن سِّلعة من آخر بثمن مؤجَّل لغرض

стр. 152

بيعها، والانتفاع بثمنها في تسديد الدَّيْن الذي عليه، فهو أمر جائز إذا ثبتت حاجة المدين لتلك النقود. وأما الأمر الثاني، وهو تسديدُ المديُونيَّة عن طريق التَّورُق المصرفي، فإن بعضَ الباحثين الذي أجاز هذا الأمر قد خلط بين الأمرين، فحكم بالجواز؛ لأنَّ هذه العملية -أعني: تسديد الدَّيْن عن طريق التَّورُّق المصرفي- سوف تحرِّره من الدَّيْن، وتخلِّصه من المصارفِ التقليدية، والحقيقة أن الغايةَ إذا كانت مشروعة، فإنها لا تبرر الوسيلة، بمعنى أن التخلصَ من ذل الدَّيْن هو غاية مشروعة، ولكن لا يعني هذا جواز الوسيلة، التي ستقودنا إلى هذه الغاية، فإنَّ عمليات التَّورُّق المصرفي يكتنفها العديدُ من الإشكاليات في إجراءاتها، وفي غاياتها، كما سيأتي بيانه. فمن يرى جواز عملية سداد الدَّيْن عن طريق التَّورُّق المصرفي، فإنَّه حكم باعتبار مشروعية المآل والغاية لهذه العملية، وغضّ الطرف عن إجراءات العملية نفسها، وإذا تأمَلْنا كلامَ القائلين بالجواز -السابق ذكره في بداية المطلب- فإنَّه علل الجواز بأنه يحقّقُ الهدفَ الأساسَ من هذه العملية، وهو التحرر من ربقة الرِّبا، والديون، والدُّخول في المعاملات الإِسلامية. ولذلك رأيتُ أنه لابدَّ من التفريق بين الأمرين، فتسديدُ المدْيُونيَّة أمر مشروع إذا كان بالطريق المشروع، وأما تسديدُ المديُونيَّة عن طريق التَّورُّق المصرفي، فهذا فيه نظر لما تحمله عمليةُ التَّورُّق المصرفي من الإشكاليات. التكييف الفقهي للصورة الثانية: تسديدُ المديونيات الربوية عن طريق التَّورُّق المصرفي، إذا كان الدَّيْن لنفس البنك الذي يقدمُ التَّورُّق للعميل هو من قبيل [قلب الدَّيْن على المدين] الذي أجمع العلماءُ على تحريمه (١)، وبيان هذا يتَّضح على النحو التالي: أن يكون

стр. 153

زيدٌ مدينًا للبنك الأهلي مثلًا بخمسين ألفًا، فيقوم زيد بطلبِ التَّمويل عن طريق التَّورُّق من نفس البنك، فيشتري زيد سِّلعة من البنك بسبعين ألفًا مؤجَّلة، ثمَّ يقومُ بتوكيل البنك في بيعها بخمسين ألفًا حالة، فيحصل زيدٌ على خمسين ألفًا في حسابه، وبعد ذلك تقومُ الجهةُ المسؤولة في البنك عن الديون بسحب الخمسين ألفًا، لتسديد الدَّيْن الذي على زيد، فنلاحظ هنا أنَّه قد نشأ دين جديد عن طريق التَّورُّق على زيد أكثر من الدَّيْن السابق، وهذا هو حقيقة [قلب الدَّيْن على المدين] ومعناه: زيادة الدَّيْن في ذمَة المدين بأي طريقة كانت، فالدَّيْنُ الذي كان على زيد، وهو خمسون ألفًا، قد زاد وصار سبعين ألفًا. يقول شيخُ الإِسلام ابن تيمية عن قلب الدَّيْن: "وأما إذا حلَّ الدَّيْن، وكان الغريم معسرًا لم يجزْ بإجماع المسلمين أن يقلب بالقلب، لا بمعاملة ولا غيرها" (١). وقلب الدَّيْن على المدين قد أجمع العلماءُ على تحريمه؛ لأنه يعدّ نوعًا من أنواع الرِّبا، وهو كما يسمِّيه العلماءُ بربا الجاهلية الواضح في صورته، وذلك بأن يقولَ الدائنُ للمدين: إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن وفَّاه وإلا زاد الدائن في الأجل، وزاد المدينُ في المال، غير أن أكلة الرِّبا يبتكرون حيلًا لقلب الدَّيْنِ على المدين، فيعمدون إلى معاملات ظاهرها الصحة، وهي في الحقيقة من قلب الدَّيْن على المدين، وتسديد المديونيات في هذه الصُّورة من قبيل التحايل لقلب الدَّيْنِ على المدين. والغريبُ أن بعضَ الباحثين أقرَّ بأن هذه المعاملة من قبيل قلب الدَّيْن على المديون، غير أنَّه يرى جوازها بالنظر إلى أنَّ المعاملة تخلصه من البنوك الربوية، والبعض يرى جوازها؛ لأنَّ منع قلب الدَيْن على المدين خاص بالمعسر، وإليك بعض كلامهم:

стр. 154

١ - يقول الشّيخُ عبد الله المنيع: "الذي يظهرُ لي أن هذا التَّورُّق من صور قلب الدَّيْن. . . وأنه لا يجوزُ إذا كان المدين معسرًا، ولكن نظرًا إلى أن القصدَ من ذلك هوالتحول من التَّعامُل مع البنوك الربوية إلى البنوك الإِسلامية، وأن في الأخذ بالتَّورُّق طريقًا للتخلُّص من هذه البنوك الربوية ومديونياتها، فقد لا يظهر لي مانعٌ من الأخذ بالتَّورُّق للتخلص من هذه الديون الربوية، والتمكُّن من الانتقال عنها إلى المؤسَّسات الإِسلامية، وقد يكون من تبرير ذلك الأخذ بقاعدة: ارتكاب أدنى المفسدتين لتفويت أعلاهما" (١). ٢ - ويقول الدكتور موسى آدم: "في حال كون تلك المديونيات هي للمصرف، الذي يقدِّم التَّمويل للعميل، ففي هذه الحالة فإن المصرف سيقومُ بقلب الدَّيْن الذي على العميل من قرضٍ ربوي إلى دين آخر ينشأ عن طريق التَّورُّق، وهذه الصُّورة هي التي يسمِّيها الفقهاء بـ[قلب الدَّيْن على المدين] وهي غير جائزة. . . بيد أن عِلَّةَ النهي المشار إليها أعلاه قد لا تتحقّق في الحالات، التي تكون فيها رغبة العميل هي التخلص من دَيْن ربوي. . . وهذا ما أفتتْ به الهيئةُ الشرعية بإدارة الخدمات المصرفية الإِسلامية بالبنك الأهلي التجاري" (٢). ٣ - ويقول الدكتور محمَّد العلي القريّ: "إلا أن صفةَ قلب الدَّيْن الممنوعة، إنما هي متعلِّقةٌ بالمعسر الذي أمرنا بإنظاره إلى الميسرة، أما الموسر القادر على الوفاء فالدُّخول معه في معاملات جديدة يترتب عليها دين ليس من قلب الدَّيْن الممنوع" (٣).

стр. 155

وحيث إنَّ هذه المعاملة محلّ نظر واجتهاد، فإنَّه يمكن الجوابُ عن كلام القائلين بجواز الدُّخول في عملية التَّورُّق المصرفي مع البنك الدَّائن لسداد الدَّيْن، بالأمور التالية: ١ - الحقيقةُ أنَّه مهما كانت المبررات، فإنها لا تقوى على تحليل ما أجمعت الأمة على تحريمه، فالحاجة الماسة إلى النقود لا تبيحُ الدخولَ في الرِّبا، والفاقة الشديدة لا تبيحُ لصاحبها السَّرقة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى من يريد سداد دَيْنه، والتخلص من البنوك الربوية، فإنَّه لا يحلُّ له الدخول في عملية التَّورُّق المصرفي مع البنك الدائن، وكما ذكرت سابقًا أن الغاية وإن كانت مشروعة، فإنها لا تبرر الوسيلة، فالتخلصُ من رقِّ الدَّيْن والبنوك الربوية غاية مشروعة، إلا أن الوسيلةَ التي هي عملية التَّورُّق المصرفي مع البنك الدَّائن لا تصحُّ لسببين: أ- أن هذه الوسيلةَ من قبيل [قلب الدَّيْن على المدين] الذي يُعَدُّ نوعًا من أنواع الرِّبا المجمع على تحريمه. ب- أن عمليةَ التَّورُّق التي تجريها المصارف تشوبها الإشكالياتُ في الإجراءات، والغايات، كما سيأتي بيانه. ٢ - وأما القاعدة الفقهية [ارتكاب أدنى المفسدتين لتفويتِ أعلاهما] فلا تكون مبررًا لجواز هذه المعاملة؛ لأنَّ شرط العمل بالقاعدة، وهو تعيُّن وقوع إحدى المفسدتين معدوم، إذ يستطيع المدينُ أن يحصلَ على تمويل بطريقة أخرى، ويتخلَّص من كلتا المفسدتين، أو نقول بعبارةٍ أخرى: إن المدين أمام مفسدتين: المفسدة الأولى: الاستمرار في التَّعامُل مع البنوك التقليدية بالقروض الربوية.

стр. 156

المفسدة الثانية: الدخول في التَّورُّق المصرفي مع البنك الدائن، وهذا يعني الدخولَ في معاملة [قلب الدَّيْن على المدين]، فالشّيخُ عبد الله المنيع رأى جوازَ الدخول في عملية التَّورُّق المصرفي مع البنك الدائن لسداد المديُونيَّة، التي تُعَدُّ من قلب الدَّيْن على المدين احتجاجًا بهذه القاعدة الفقهية؛ لأنه يرى أن مفسدةَ الدخولِ في التَّورُّق المصرفي مع البنك الدائن أخف من مفسدة الاستمرار في التَّعامُل مع البنوك الربوية، وهذا أمرٌ صحيحٌ، أعني: أن مفسدةَ الدخولِ في التَّورُّق المصرفي أخفّ من مفسدة الاستمرار في التَّعامُل مع البنوك التقليدية بالقروض الربوية، ولكنَّ الاحتجاجَ بالقاعدة، وجَعْلها مبررًا للجواز لا يستقيم هنا؛ لأنه لا يعملُ بالقاعدة إلا إذا تعينت إحدى المفسدتين، بحيث لا يستطيعُ الشخص التخلص من المفسدنين إلا بارتكاب إحداهما، فلا مفرَّ ولا مناصَ إلا بارتكاب إحداهما، يقول الزركشيُّ عن قاعدة تعارض المفسدتين: "من القواعد الكلية أن تدرا أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، إذا تعين وقوعُ إحداهما" (١). وبالنظر إلى حال المدين أمام تلك المفسدتين، فإنَّه يستطيعُ التخلص من كلتا المفسدتين، حيث يمكنه أن يطلبَ التَّمويلَ لسداد دينه بطريقة أخرى من طرق التَّمويل المشروعة كالاقتراض، أو بالتَّورُّق الفردي، أو بصيغة المرابحة للآمر بالشراء، ولا يصحُّ أن نزعمَ أن المدين لا يستطيع التخلص من تلك المفسدتين، ولذلك لا يصحُّ الاحتجاج بالقاعدة، وجعلها مبررًا للجواز. ٣ - وأما ما ذكره الدكتور محمَّد القريّ فإنَّه يلاحظ أنَّه فَهِمَ من تقييد العلماء المنع بالمعسر، أن ذلك يجوزُ في حقّ الموسر، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الموسرَ يجبُ عليه الوفاء، فليست هناك حاجة تدعو إلى قلب الدَّيْن، يقول شيخُ

стр. 157

الإِسلام: "وإن كان موسرًا كان عليه الوفاء، فلا حاجةَ إلى القلب لا مع يساره، ولا مع إعساره" (١). وهذا يدلُّ على أن تقييدَ العلماء المنع بالمعسر لا مفهومَ له، بمعنى أن العلماء قيدوا منع قلب الدَّيْن بالمدين المعسر؛ لأنَّ غالبَ القلب في العادة لا يكون إلا على معسر، والموسر يجب عليه الوفاء، فلا حاجةَ إلى قلبه، ويمكن أن نقول: إن تقييد المنع بالإعسار لا مفهوم له؛ لأنَّ صفة الإعسار خرجتْ مخرج الغالب، فلا يعتبر مفهومها، يقول القرافيُّ: "إنما قال العلماءُ أن مفهومَ الصفة إذا خرجت مخرج الغالب لا يكون حُجَّة ولا دالًا على انتفاء الحكم عن المسكوت عنه، بسبب أن الصفة الغالبة على الحقيقة تكون لازمة لها في الذهن بسبب الغلبة، فإذا استحضرها المتكلمُ ليحكم عليها حضرت معها تلك الصفة، فنطق بها المتكلم لحضورها في الذهن مع المحكوم عليه، لا أنه استحضرها ليفيد بها انتفاء الحكم عن المسكوت عنه" (٢). وبذلك نعرف أن الدكتور محمَّد القريّ أجاز للمدين الموسر الدخول في عملية التَّورُّق المصرفي مع البنك الدائن، والتي تُعَدُّ من قبيل قلب الدَّيْن، بناءً على مفهوم المخالفة، الذي فهمه من نصوص العلماء، حينما قيدوا منع قلب الدَّيْن بالإعسار، وهذا المفهومُ كما ذكرت لا عبرة له؛ لأن صفة الإعسار خرجتْ مخرج الغالب، فلا مفهومَ لها.

стр. 158

المبحث الثالث استخدام التَّورُّق المصرفي في التَّمويل الشخصي المطلب الأول التَّورُّق عن طريق البطاقات الائتمانية البطاقاتُ الائتمانيةُ هي مستند خاص يصدره المصرف، ويتمكن حاملُها من الحصول على سِّلع، أو خدمات، أو نقود ممن يقبلُ التَّعامُل بهذه البطاقة، ليستوفيها من الجهة التي أصدرتها، على أن يسددَ حامل البطاقة لمصدرها فيما بعد قيمة السِّلع، أوالخدمات، أو النقود التي حصل عليها. ويرجع تاريخُ بطاقات الائتمان إلى أواخر القرن التاسع عشر عندما أصدرت شركة المنسوجات والألبسة البريطانية قسائم وزعتها على عملائها، تمكنهم من شراء حاجياتهم من عدد من المحلات التجارية، مقابل تسليم هذه القسائم دون حاجة إلى دفع ثمن هذه الحاجيات لهذه المحلات، وكانت الشركةُ تدفعُ قيمةَ هذه الحاجيات لأصحاب المحلات، ثمَّ تقبض من عملائها مشتري الحاجات ما دفعته عنهم (١). وبطاقة الائتمان تفيد حاملها بعدة أمور، منها: ١ - أنها تعطي الأمانَ من أخطار سرقة المال، أو غصبه، فالشخص لا حاجة له في حمل النقود ما دام أنه يحملُ البطاقة الائتمانية.

стр. 159

٢ - سهولة دفع ثمن الحاجيات للمحلات التجارية، التي تتعاملُ مع هذه البطاقة. ٣ - حصول حاملها على خصومات في الفنادق، والمطاعم، وغيرها. ٤ - حصول حاملها على خدمات كثيرة كخدمة الهاتف الدولي، حيث يمكنه استعمال الهاتف متى شاء، وتسجل أجور المكالمات على مصدر البطاقة، ليقوم المصدر باستيفاء هذه الأجور فيما بعد. وكذلك الأمر بالنسبة إلى مصدر البطاقة، فإنَّه يستفيدُ من إصدارها، وتتمثل الفائدة التي يحصل عليها مصدر البطاقة في الأمور التالية: ١ - الرسوم التي يحصلُ عليها المصدر من إصدار البطاقة، كرسوم الإصدار، ورسوم العضوية. ٢ - الفوائدُ التي يحصل عليها المصدر، إذا تأخر حاملُ البطاقة عن سداد ما دفعه مصدر البطاقة عنه من أثمان المشتريات، وغيرها. ٣ - زيادةُ السُّيُولة عند البنك بسبب الإيداعات، التي تنهال عليه للحصول على البطاقة، حيث إن أكثرَ البنوك لا تصدرُ البطاقة إلا لمن له حسابٌ فيها. ٤ - العمولةُ التي يحصِّلها من التجار، الذين يقبلون التَّعامُلَ مع البطاقة (١). وقد توسعتْ بعضُ البنوك في عملية التَّورُّق، حيث جعلت بطاقة الائتمان قادرة على توفير الائتمان للعميل بطريقة التَّورُّق، فقد أفتت الهيئة الشرعية لكل من البنك الأهلي التجاري، والبنك السعودي الأمريكي بجواز ذلك، غير أن الحكم بالجواز فيه نظر، ويتضح ذلك في المسائل التالية:

стр. 160

المسألة الأولى: تصوير عملية التَّورُّق في بطاقة تيسير الأهلي: مما ينبغي التنبيه عليه قبل بيان عملية التَّورُّق في بطاقات التيسير، ذكر بعض التعريفات، التي تفيدنا في فَهْم بعض المصطلحات التي جاء ذكرها في إجراءات العملية، فقد جاء في شروط وأحكام بطاقات تيسير الأهلي التالي (١): ١ - البطاقة: هي بطاقةُ التيسير الأهلي الفيزا، أو الماستركارد، التي يصدرها البنك الأهلي التجاري باسم العميل (حامل البطاقة) بناءً على طلبه ليستخدمها كإحدى وسائل الدفع، وبحيث لا يتجاوز شروط وأحكام هذه الاتفاقية، وتعتبر البطاقة ملكًا للبنك، ويلتزم العميل بإعادة البطاقة إلى البنك عند الاقتضاء. ٢ - حامل البطاقة: هو الشخصُ الذي تصدرُ البطاقة باسمه، ويلتزم بالمحافظة عليها، وعدم السماح لغيره باستخدامها. ٣ - تنشئ هذه الاتفاقية بين البنك وحامل البطاقة علاقة ضمان: يضمن بموجبها البنك ما يثبت في ذمة العميلِ من التزامات مالية، ناتجة عن استخدام البطاقة. ٤ - كشف الحساب: هو بيانٌ شهريٌ يصدره البنك لحامل البطاقة، مثبتًا فيه كافة القيود المتعلقة بتعاملاته بالبطاقة خلال دورة إعداد المستندات الشهرية، ويعتبر كشف الحساب صحيحًا، وملزمًا لحامل البطاقة ما لم يستلم البنك اعتراضًا خطيًا خلال ثلاثين يومًا من تاريخ إصدار كشف الحساب. وبعض الباحثين (٢) يُسَمِّي كشفَ الحساب بالفاتورة.

стр. 161

٥ - ميعاد الاستحقاق: تستحقُّ كافة الالتزامات المترتبة على حامل البطاقة نتيجة إصدار البطاقة، أو استعمالها في تاريخ إصدار البنك، لكشف الحساب، وبحيث يقوم حامل البطاقة بسداد قيمة الرصيد (كاملًا، أو يلتزم بسداد الحد الأدنى الواجب دفعه (٥ %) من كامل المبلغ المستحق، أو مبلغ (٢٥٠) ريالًا أيهما أكثر، إلى البنك خلال (٢٠) يومًا من تاريخ إصدار كشف الحساب، وفي حالة عدم تسديد المبلغ كاملًا، أوالحد الأدنى على الأقل يقوم البنك ببيع سِّلعة معينة يملكها البنك، ويبيعها على العميل، ويقسط الثمن على (٢٤) قسطًا. وأما تصوير عملية التَّورُّق، وبيان إجراءاتها باستخدام بطاقة التيسير فهي على النحو التالي (١): ١ - بعد صدور كشف الحساب، الذي يبيِّن ما دفعه البنك عن العميل من مستحقّات، يكون العميل ملزمًا بدفع تلك المستحقّات إلى البنك. ٢ - في حالة عدم التسديد يلجأ البنك إلى خطوات (تيسير الأهلي)، وهي على النحو التالي: أ- يقوم البنكُ ببيع سِّلعة مملوكة له على العميل بثمن مؤجَّل يدفعُ على شكل أقساط، والسِّلع في البنك الأهلي تكونُ من المعادن الأساسية (الزنك- النيكل- الصفيح- النحاس- البرونز) والتي يجري عليها التبادلُ يوميًا في أسواق التجارة العالمية. ب- يقوم العميلُ بتوكيل البنك في بيع السِّلعة، ويوقع العميلُ على نموذج وكالة.

стр. 162

ج - يقوم البنك بإتمام عملية البيع -باعتباره وكيلًا- لصالح العميل. د- ثمَّ يودع المبلغ في حساب العميل. هـ - ثمَّ تقومُ جهةُ إصدار البطاقة في البنك بسحب المبلغ لتسديد المبالغ الموجودة في كشف الحساب. فحاصل العملية باختصار: أن العميل لمَّا كان مدينًا للبنك بسبب استخدامه بطاقة الائتمان، ولم يستطع سدادَ ذلك الدَّيْن، فإن البنك في هذه الحالة يلجأ إلى برنامج التَّورُّق المعروف باسم (تيسير الأهلي) ليحصل العميل بسبب برنامج التَّورُّق على سيولة نقدية، ليقوم بتسديد الدَّيْن الناشئ عن استخدام بطاقة الائتمان، وبالمثال يتَّضح المقال: استخدم زيد بطاقة الائتمان، وبعد مضيّ شهر صدر كشف الحساب للبطاقة (الفاتورة)، فيكون زيد ملزمًا بدفع المبلغ الموجود في كشف الحساب، ولنفرض أنه خمسة آلاف، ولكن زيدًا لا يستطيعُ تسديدَ ذلك المبلغ، فيقوم البنك ببيع معدن النحاس على زيد بـ (٧) آلاف مؤجَّلة، ثمَّ يقوم زيد بتوكيل البنك في بيع السِّلعة نقدًا، فيبيعها البنك نيابةً بخمسة آلاف نقدًا وتوضع في حساب زيد، ثمَّ تقومُ جهةُ إصدار البطاقة بسحب الخمسة آلاف، لتسديد الالتزامات على زيد الموجودة في كشف الحساب. المسألة الثانية: تصوير عملية التَّورُّق في بطاقة الخير للبنك الأمريكي: ممَّا ينبغي التنبيه عليه -قبل بيان عملية التَّورُّق باستخدام بطاقة الخير الائتمانية- ذِكْر بعض ما جاء في (اتفاقية بطاقة الخير الائتمانية المعتمدة من هيئة الرقابة الشرعية) (١)، وهي على النحو التالي:

стр. 163

١ - جاء في تغطية حساب البطاقة ما يلي: أ) في حالة عدم دَفْع كامل المديُونيَّة المطلوبة من عضو البطاقة، فسوف يقوم سامبا بوقف البطاقة، وفي حال استمرار عدم الدَّفْع يقومُ سامبا بإلغاء البطاقة، ولن يتمَّ إصدار بطاقة بديلة إلا بعد سداد كامل المبلغ، مع أن سامبا يتيح لعضو البطاقة فرصة لسداد المدْيُونيَّة عن طريق دخوله مع سامبا في عملية تَّورُّق، تجنبًا لإلغاء البطاقة. ب) سيُبقي سامبا المبالغ المتحصلة من تنفيذ عملية التَّورُّق لديه، لتغطية المبالغ المستحقّة على بطاقة الخير المال الائتمانية، وما زاد على ذلك يودع في حساب عضو البطاقة. ٢ - وجاء في نهاية الاتفاقية: (في حال رغبة العميل في تغطية مديونية البطاقة عن طريق التَّورُّق، تكون مدة البيع بالتقسيط (١٥) شهرًا بمعدل ربح (١٦.٣٠ %) على كامل المدة، وإذا كان المبلغ المتبقي على العميل أقل من (٥٠٠) ريال، فلن يلبي البنك طلبه لتنفيذ عملية تَّورُّق) (١). وجاء في ختام الاتفاقية: (نموذج وكالة: أو كل السادةُ مكتب ع ع. ق للاستشارات الشرعية والنظامية في شراء سِّلع من إدارة الائتمان الشخصي لدى البنك السعودي الأمريكي (سامبا) بالتقسيط، بغرض تنفيذ عمليات التَّورُّق في حال وجودِ رصيدِ مدين على بطاقة الخير الائتمانية في يوم الاستحقاق، أو بعده من كل شهر، وذلك حسب سجلات البنك، كما أنني أوكل إدارة الائتمان الشخصي لدى سامبا ببيع السِّلعة التي اشتريتها، وذلك لطرف آخر حسب السعر السائد وقت البيع، مع حقّ توكيل إدارة الائتمان الشخصي لدى سامبا لطرف

стр. 164

آخر لإتمام عملية الوكالة، واستخدام المبالغ المتحصلة لتسوية الرصيد المدين على بطاقة الخير الائتمانية) (١). والحقيقة أن عَمَلَ بطاقة الخير الائتمانية لا يختلفُ عن بطاقة التيسير، فالعميلُ إذا استخدم بطاقة الخير، يكون مدينًا للبنك، فإذا لم يستطع سداد ذلك الدَّيْن، فإن البنك في هذه الحالة يلجأ إلى عملية التَّورُّق، فيبيعُ البنك سِّلعة مملوكة له على العميل بثمن مؤجَّل يدفع على شكل أقساط (١٥) شهرًا، ثمَّ يوكلُ العميلُ البنك في بيع السِّلعة نقدًا، فيقومُ البنك ببيع السِّلعة باعتباره وكيلًا إلى طرف ثالث بثمن نقديِّ حاضر، فيوضع الثمن في حساب العميل، ثمَّ تقومُ جهة إصدار البطاقة بسحبه لتسديد الدَّيْن القائم على بطاقة الخير، لينشأ دَيْنٌ آخر على حامل البطاقة بسبب عملية التَّورُّق. وعندما نتأمل شروطَ وأحكامَ البطاقتين، فإنَّه لا يوجد فرقٌ جوهريٌّ في حقيقة البطاقتين، سوى بعض الإجراءات التي لا تؤثر في الحقيقة المشتركة بين البطاقتين، ويتَّضِحُ هذا في المسألة التالية. المسألة الثالثة: أوجه الشَّبه والاختلاف بين بطاقتي التيسير والخير: وجه الشَّبه بين البطاقتين: عندما نقرأ ونقارنُ بين شروط وأحكام البطاقتين، فإننا نتوصَّلُ إلى نتيجة مشتركة بين البطاقتين، إذ "كلُّ من البطاقتين تتيحُ لحاملها سداد الدَّيْن -الذي استحقّ بسبب استعمالها- عن طريق إجراء عملية تورق، وذلك ببيع سِّلعة مملوكة للبنك على حامل البطاقة، ومن ثمَّ يتولَّى البنكان بيع هذه السِّلعة لمصلحة العممِل على طرف ثالث، وتؤخذ القيمة، ويسدَّد بها الدَّيْن الأول، وينشأ بعد ذلك دَيْن جديد على حامل البطاقة يسدّده خلال مده معينة" (٢).

стр. 165

فبطاقةُ الخير الائتمانية هي نفسها بطاقة تيسير الأهلي من حيث العملُ والمآل، فالعميلُ عند استخدامه إحدى البطاقتين يكون مَدِينًا للبنك، فإذا لم يستطعْ سدادَ الدَّيْن، فالبنكُ في هذه الحالة يلجأ إلى عملية التَّورُّق ليتيح للعميل إمكانية السَّداد بالسُّيُولة النَّقْديّة، التي سيحصلُ عليها جرَّاء عملية التَّورُّق، ومن ثمَّ ينشأ عليه دَيْن جديدٌ بسبب عملية التَّورُّق. أوجه الاختلاف بين البطاقتين: يتَّضح الاختلافُ بين البطاقتين في النواحي الشكلية، والإجرائية، التي لا تؤثر في النتيجة المشتركة بينهما، حيث إن هذا الاختلافَ لا يؤثر في الحكم على البطاقتين، بحيث يكونُ لكل بطاقة حكم يغايرُ حكم الأخرى بسبب هذا الاختلاف، إذ الاختلافُ فقط في الشكليات، ولا أثر له في الحقيقة والنتيجة المشتركة بين البطاقتين، وأوجه الاختلاف هي على النحو التالي (١): ١ - تختلفان في إجراء عملية التَّورُّق: ففي بطاقة التَّيسير عن طريق البيع الفضولي (٢)، حيث يتولَّى البنكُ عملية الشراء لحامل البطاقة والبيع لطرف ثالث،

стр. 166

ويعتبر التصرف نافذًا خلال عشرين يومًا إذا لم يعترضْ حاملُ البطاقة، وأما بطاقةُ الخير فعن طريق التوكيل لطرفٍ ثالث بشراء السِّلع، ومن ثمَّ توكل إدارة الائتمان الشخصي ببيعها لطرفٍ آخر. ٢ - تختلفان في مُعَدَّل الربح: ففي بطاقةِ الخير يكون: (١٦.٣٠%) وهو أكثر بكثير من معدلات الربح العالمية في بيع الأجل والمرابحة، وأما بطاقةُ التيسير فلم يذكر ما يتعلَّق بمعدلات الربح.

стр. 167

٣ - تختلفان في مدة الأجل في سداد عملية التَّورُّق: ففي بطاقةِ التيسير (٢٤) شهرًا، وأما في بطاقة الخير (١٥) شهرًا. المسألة الرابعة: التكييف الفقهي للتَّورُّق في بطاقتي التيسير والخير: عرفنا من خلال تصوير عمل البطاقتين، أنهما تتيحان لحاملهما سداد الدَّيْن، الذي وجب بسبب استخدامهما عن طريق إجراء عملية التَّورُّق، والحقيقة أن عمليةَ التَّورُّق باستخدام إحدى البطاقتين، لا تقومُ بتسديد الدَّيْن فحسب، وإنما تنشئ دينًا جديدًا على حامل البطاقةِ يسدِّده خلال فترةٍ محددةٍ، وبهذا نعرفُ أن التَّورُّق في بطاقتي التيسير والخير هو من قبيل [قلب الدَّيْن على المدين] الذي أجمع العلماءُ على تحريمه، وبيان هذا يتَّضحُ على النحو التالي: شخص استخدم إحدى البطاقتين، واستفاد منها إما بالسَّحب من مكائن الصَّرف، أو بالشراء من المحلات التجارية، ثمَّ صدر كَشْف الحساب الذي يبيِّن ما على حامل البطاقة من مستحقّات، ولنفرضْ أن المبلغَ المسجَّل في كشف الحساب هو ستة آلاف، فاعتذر حاملُ البطاقة عن السَّداد، فإنَّ البنكَ في هذه الحالة يدخلُ مع حامل البطاقة في عملية التَّورُّق، فيبيع البنكُ سلعةً مملوكة له على حامل البطاقة بثمانية آلاف مؤجلة تدفعُ في أقساط، ثمَّ يوكلُ حامل البطاقة البنك في بيع السِّلعة لطرف ثالث بثمن نقدي حاضر، فيقوم البنكُ ببيع السِّلعة نيابة عن حامل البطاقة بستة آلاف حالة توضعُ في حساب حامل البطاقة، ثمَّ بعد ذلك تقومُ جهة إصدار البطاقة بسحب الستة آلاف لتسديد الدَّيْن الناشئ عن استخدام البطاقة، فيلاحظ هنا أنَّه قد نشأ دَيْنٌ جديد أكثر من الدَّيْن السابق على حامل البطاقة بسبب الدُّخول في عملية التَّورُّق، وهذا في الحقيقة هو [قَلْبُ الدَّيْن على المدين] أي: زيادة الدَّيْن في ذمة المدين بأي طريقة كانت، فالدَّيْن الذي كان على حامل البطاقةِ هو ستة آلاف قد زاد، وصار ثمانية آلاف. وقلب الدَّيْن على المدين قد أجمع العلماءُ على تحريمه؛ لأنه يُعَدُّ نوعًا من

стр. 168

أنواع الرِّبا، وهو كما يسميه العلماءُ بربا الجاهلية، فقد كان معروفًا عند الجاهلية بصورته البسيطة الواضحة، وذلك بأن يقولَ الدائن للمدين: إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن وفَّاه وإلا زاد الدائن في الأجل، وزاد المدينُ في المال، يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) يقول قتادة: "إنَّ ربا أهل الجاهلية يبيعُ الرجلُ البيعَ إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل، ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده، وأخر عنه" (٢). وجاء في التفسير: "إنما كان الرِّبا في الجاهلية في التضعيف، وفي السن يكونُ للرجل فَضْل دين، فيأتيه إذا حلَّ الأَجَلُ، فيقول له: تقضيني، أو تزيدني، فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، وإلا حوله إلى السّن التي فوق ذلك، إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثمَّ حقّة، ثمَّ جذعة، ثمَّ رباعيًا، ثمَّ هكذا إلى فوق، وفي العين يأتيه؛ فإن لم يكنْ عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضًا، فتكون مئة فيجعلها إلى قابل مئتين فإن لم يكن عنده جعلها أربعمئة، يضعفها له كل سنة، أو يقضيه" (٣). والأضعافُ المضاعفةُ التي وردت في الآية هي وصفٌ لواقع، وليست شرطًا يتعلق به الحكم، والآيات التي وردتْ في سورة البقرة قاطعة في حرمة أصل الرِّبا بلا تحديد ولا تقييد ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (٤). أيًا كان، فالأضعافُ المضاعفةُ وصفٌ ملازمٌ للنظام الربوي المقيت أيًا كان سعر الفائدة، والنظام الربوي يعني إقامة دورة المال كلها على هذه القاعدة،

стр. 169

ومعنى هذا: أن العمليات الربوية ليست عمليات مفردةً، ولا بسيطة، فهي عمليات مكررةٌ من ناحية، ومركبةٌ من ناحية أخرى، فهي تنشئ مع الزمن، والتكرار، والتركيب أضعافًا مضاعفة بلا جدال (١). غير أن أكلة الرِّبا يبتكرون حيلًا لقلب الدَّيْن على المدين، فيعمدون إلى معاملاتٍ ظاهرها الصِّحَّة، ويحاولون جاهدين أن تكونَ إجراءاتها خاضعةً للضوابط الشرعية، إلا أنها في حقيقة الأمر تكونُ من قلب الدَّيْن على المدين المعروف بربا الجاهلية. وحين النظرِ إلى التَّورُّق في بطاقتي التيسير والخير، نجد أنها من قبيل التحايل لقلب الدَّيْن على المدين (حامل البطاقة)، فإذا صدر كَشْفُ الحساب: فحاملُ البطاقة يكون مخيرًا بين الوفاء بالدَّيْن، أو بالدخول في عملية التَّورُّق حين عجزه عن السَّداد، وهذه العملية -أي: التَّورُّق- هي في الحقيقة حيلة لقلب الدَّيْن على حامل البطاقة، بمعنى أن السِّلعة اتخذت ستارًا وحيلةً لقلب الدَّيْن، بدليل أن حامل البطاقة لا يريد السِّلعة، بل إنه قد لا يعرفها أصلًا، والعبرة في العُقُود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني، والعلماءُ ﵏ يرون أن التحايل لاستحلال ما حرَّم الله أشدّ إثمًا من ارتكاب المحرم مباشرة؛ لأنَّ الحيلةَ المحرَّمة -كما ذكرت سابقًا فُي مبدأ الحِيَل- تقتضي رفع التَّحريم مع قيام موجبه، ومقتضيه، ويلزمُ منها فعل المحرم مع ما تتضمَّنه من المكر، والخداع، والتلبيس، إضافةً إلى أن الحيلة قد توجب الكلفة بشراء السِّلعة، وبيعها بخسارة، يقول ابن القيم نقلًا عن شيخ الإسلام: "المعنى الذي لأجله حرّم الرِّبا موجود فيها -يعني: صورة التَّورُّق الفردي- بعينه مع زيادةِ الكلفة بشراء السِّلعة، وبيعها، والخسارة فيها، فالشَّريعةُ لا تحرِّمُ الضَّررَ الأدنى، وتبيح ما هو أعلى منه" (٢).

стр. 170

وبهذا نعرفُ أن جميعَ صور الحِيَل لاستحلال الرِّبا "تتضمَّن تكلفة، ومشقة، وخسارة أكبر من ربا النَّسِيئة الصريح، ومن الثابت شرعًا أن المشقة في ذاتها غير مقصودة للشارع، بل جاء الشرعُ بضدها، وهو اليسر، ورفع الحرج، فإذا كان هناك معاملتان تستويان في النتيجة، والهدف، والغاية إحداهما أكثر كلفة ومشقة من الثانية، فإنَّ جوازَ الأكثر مشقة يستلزمُ بالضَّرورة جواز الأقل مشقة، وتحريم الأقل مشقة يستلزمُ بالضَّرورة تحريم الأكثر مشقة، والقَولُ بخلاف ذلك متناقضٌ ومنافٍ لمنهج التشريع" (١). مما سبق يمكن القَولُ بأن التكييف الفقهي للتَّورُّق في بطاقتي التيسير والخير، هو على النحو التالي: ١ - أنه يعدُّ من الرِّبا؛ لأن حقيقةَ التَّورُّق في البطاقتين هي قَلْبُ الدَّيْن على حامل البطاقة. ٢ - أنه من قبيل التحايل على الرِّبا، وقد سبق في مبدأ الحِيَل أن الحيلةَ باطلة، ومحرمة (٢). * * * المطلب الثاني التَّورُّق باستخدام الأسهم المسألة الأولى: تصوير التَّورُّق بالأسهم: تتمتع الأسهمُ بالسُّوق النشطة لها، وتتميزُ بالاستقرار النسبي في الأسعار، ولذلك فإن البنوك تستخدمُ ا ١ لأسهمَ في عمليات التَّمويل، والحقيقة أن عملية

стр. 171

التَّورُّق بالأسهم لا تختلفُ عن عمليات التَّورُّق بالسِّلع الأخرى، غير أن الأسهم استُخدمت في بعض صِيَغ التَّمويل التي تشابهُ عملية التَّورُّق، ولذلك أفردت دراسة التَّورُّق باستخدام الأسهم في مطلبٍ خاصّ، كي نعرف تلك الصيغ التي تشابه التَّورُّق، وتكييفها الفقهي. الفرع الأول: تصوير عملية التَّورُّق باستخدام الأسهم: ١ - يتقدم العميلُ بطلب التَّمويل، فيشتري أسهمًا من البنك بثمن مؤجَّل، ولنفرضْ أن الثمن المؤجَّل (٣٠.٠٠٠) يسدده العميلُ على شكل أقساط. ٢ - يقوم العميلُ ببيع الأسهم بنفسه، أو بتوكيل البنك في بيعها نقدًا. ٣ - في حالة التوكيل يقومُ البنك ببيع الأسهم نيابة عن العميل لطرف ثالث بمبلغ نقدي حاضر (٢٥.٠٠٠) فتوضع في حساب العميل (المُتَورِّق). نلاحظُ أن عملية التَّورُّق باستخدام الأسهم هي نفسها عملية التَّورُّق، باستخدام السِّلع الأخرى إلا أن بعضَ المصارف قد منعتِ التَّورُّق باستخدام الأسهم، "فلقد تقدّمت إدارةُ شركة الرَّاجحي المصرفية إلى هيئتها الشرعية بالسَّماح لها باستخدام التَّورُّق في بيع الأسهم، وقد فطنتِ الهيئةُ إلى أنَّه إذا سمحتْ بذلك، فإن الشركة سوف تستغني عن كل العُقُود، والأدوات الإِسلامية، وتكون عملية التَّورُّق هي العملية السائدة، والفرق بين التَّورُّق والتَّمويل بفائدة فرقٍ ضئيل يتمثلُ بالفرق بين سعر البيع والشراء" (١). وسنعرف سبب منع الشركة عملية التَّورُّق، باستخدام الأسهم في التكييف الفقهي لهذه المسألة. الفرع الثاني: تصوير التَّمويل باستخدام الأسهم: (التَّمويل باستخدام الأسهم): هي عمليةٌ طرحتها البنوك قبل فترة لتقسيط

стр. 172

الأسهم، وقد وضعت بعضُ البنوك مسميات لهذه العملية، فمثلًا شركة الرَّاجحي المصرفية تطلقُ على هذه العملية برنامج (وطني)، وقد جاء في المنشورة التعريفية للبرنامج ما يلي: "يعتبر سوقُ الأسهم نوعًا من أنواع الاستثمارات الشائعة في جميع أنحاء العالم، سواء كان الهدفُ منها الربح المباشر، أو بغرض توزيع تلك الاستثمارات، وكذلك السُّوق السعودي للأسهم فهو من السوق النشطة ضمن حركة الاقتصاد الوطني، وكما نعلمُ أن فرصة الدخول في هذا السُّوق ليست متاحةً لكل مواطن من ذوي الدخل المحدود. ومن هنا كانت فكرة ولادة برنامج وطني لتقسيط الأسهم، الذي يعطي العميلَ الفرصةَ لامتلاك أسهم الشركات، التي يرغبها بالكمية المطلوبة، ومن ثمَّ يقومُ بسدادها بأقساط مريحة، وذلك وفقًا لشروط وأحكام مجازة من الهيئة الشرعية، مما يعودُ عليه بالمنفعة، ويُمكِّنه من الاستثمار، وتكوين محفظة استثمارية له، ولأسرته" (١). وتتضح صورةُ برنامج (وطني) بعد بيانِ إجراءاته، وهي على النحو التالي (٢): ١ - يبدي العميلُ رغبته في الحصول على سيوله نقدية تقارب مثلًا (٤٠.٠٠٠). ٢ - يتقدم العميلُ بطلب لشراء بعض الأسهم المحلية.

стр. 173

٣ - تقوم شركةُ الرَّاجحي المصرفية بشراء الأسهم بمبلغ (٤٠.٠٠٠). ٤ - ثمَّ تقوم الشركةُ ببيع الأسهم مرابحة على العميل بمبلغ (٤٥.٠٠٠)، ويسدد العميل هذا المبلغ على شكل أقساط في فترة محددة. ٥ - بعد توقيع العميل على عَقْد البيع، يكون العميلُ مخيرًا، فيمكنه بيع الأسهم بنفسه أو يقوم بتوكيل الشركة في بيعها، وفي حالة التوكيل: تقوم الشركة ببيع الأسهم على طرف ثالث بـ (٤٠.٠٠٠) نقدًا لتوضع في حساب العميل خلال ثلاثة أيام. والحقيقةُ أن هذا البرنامجَ يشابه عملية التَّورُّق المصرفي باستخدام الأسهم، وأوجه الشبه بينهما هي على النحو التالي: ١ - تتفق رغبةُ العميل في كلتا العمليتين، فهو لم يأتِ إلى المصرف إلا رغبة في الحصول على السُّيُولة النَّقْديّة. ٢ - تتفق العمليتان في المحصلة النِّهائية، وهي: الحصول على نقد حاضر مقابل زيادة في ذمة العميل. ٣ - دخول مبدأ التَّوكيل في كلتا العمليتين. ٤ - دخول مبدأ المرابحة في كلتا العمليتين. ٥ - أن العميلَ يقوم بتسديد ما عليه على شكلِ أقساط. غير أن هناك فروقًا بين برنامج (وطني) وبين عملية التَّورُّق المصرفي باستخدام الأسهم، قد تؤثر في التكييف الفقهي للعمليتين، وهي على النحو التالي: ١ - أن شركة الرَّاجحي لا تقوم بشراء الأسهم إلا بعد طَلَب العميل في برنامج (وطني)، في حين أن البنك في عملية التَّورُّق المصرفي يكونُ مالكًا للأسهم قبل مجي العميل، وطلبه.

стр. 174

٢ - أن الأسهمَ في برنامج (وطني) هي أسهمٌ محلية في الغالب، في حين أن الأسهمَ في عمليات التَّورُّق المصرفي تكونُ أسهمًا دولية. ٣ - أن شركة الراجحي تطلبُ من العميل فتح محفظة استثمارية عن طريق مؤسّسة النَّقْد، لتوضع فيها الأسهمُ حين يشتريها العميل، في حين أني لم أجدْ من ينصّ على ضرورة فتح محفظة استثمارية عند إجراء عملية التَّورُّق المصرفي باستخدام الأسهم. المسألة الثانية: التكييف الفقهي للتورق بالأسهم الفرع الأول: التكييف الفقهي للتورق باستخدام الأسهم: إذ تأمَّلْنا إجراءات عملية التَّورُّق باستخدام الأسهم، نُلاحظ بعض الأمور التي تدلُّ على أنَّ هذه العملية من قبيل الحيلة المذمومة شرعًا، فهذه العمليةُ في حقيقتها تحايل لاستحلال الرِّبا، ولذلك نجدُ أن الهيئة الشرعية لشركة الرَّاجحي المصرفية قد أفتتْ بعدم الجواز؛ لأنَّ التَّورُّق باستخدام الأسهم حيلة مكشوفة لاستحلال الرِّبا، والذي يدلُّ على أن التَّورُّق باستخدام الأسهم هو من قبيل التَّحايل على الرِّبا ما يلي: ١ - أن عمليةَ التَّورُّق المصرفي باستخدام الأسهم تبدأ وتنتهي في جلسةٍ واحدة، وبمجرد توقيع بعض الأوراق تتداخلُ كل التصرفات التعاقدية، وهذا الفعلُ يذكِّرنا ببيع العِيْنَة، إذ هو بيعٌ يبدأ وينتهي في جلسة واحدة، وبمجرَّد تبادل بالألفاظ بين الطرفين يكونُ المشتري الأول قد أخذ نقدًا مقابل زيادة في ذمته، واتخذ البيع حيلة وستارًا لاستحلال الرِّبا، فالمحصلةُ النهائيةُ لعملية التَّورُّق المصرفي باستخدام الأسهم، ولبيع عينة واحدة، إذ هي تحصيلُ نقد مقابل زيادة في الذمة، ولو قيل: طبيعة العلاقة في بيع العِيْنَة هي علاقةٌ ثنائيةٌ بمعنى أنها تتمُّ

стр. 175

من خلال طرفين فقط، بينما نجدُ عملية التَّورُّق باستخدام الأسهم لا تتمُّ إلا بثلاثة أطراف، أو أكثر!!. قلت: يمكن الجوابُ عن هذا بالتالي: أن العلاقة في بيع العِيْنَة قد تكون ثلاثية، والتي تُسَمَّى بـ (العِيْنَة الثلاثية) وهي التي تتمُّ من خلال ثلاثة أطراف، وجيء بالطرف الثالث حيلة لاستحلال العِيْنَة التي هي حيلة لاستحلال الرِّبا، يقول ابن رشد: "وسُئِلَ مالك عن رجل مما يعين يبيع السِّلعة من الرجل بثمنٍ إلى أجل، فإذا قبضها منه ابتاعها منه رجل حاضر كان قاعدًا معهما، فباعها منه، ثم إن الذي باعها الأول اشتراها منه بعد، وذلك في موضع واحدٍ قال: لا خير في هذا، ورآه كأنه محلّل فيما بينهما" (١) فوجودُ الطرف الثالث في بيع العِيْنَة لا يعني جوازها، وكذلك عمليةُ التَّورُّق باستخدام الأسهم، فالطرف الثالث إنما جيء به حيلةً لاستحلال الرِّبا بدليل أن الطرف الثالث يكون غالبًا إحدى الشركات، وهي نفسها التي تقومُ ببيع الأسهم على البنك، ثمَّ تعيدُ الشراء بأن تشتري ما يعرضه البنكُ بموجب توكيل العميل في بيعها، وبذلك نجدُ الأسهمَ تدورُ من يد مالكها إلى البنك، ليبيعها على العميل الذي يقومُ بتوكيل البنك في بيعها، ثمَّ يقومُ البنك ببيعها على مالكها الأول، فتدورُ الأسهم من يد مالكها اليمنى إلى اليسرى، ثمَّ إلى يده اليمنى وهكذا، وهذا هو حقيقة التحايل المذموم. ٢ - جاء في تعريف بيع العِيْنَة عند المالكية، كما سبق ذكره (بيع المشتري ما اشتراه لبائعه، أو لوكيله لأجل) وقد ذكرت أن الوكالة قد تدخلُ في عمليات التَّمويل كحيلة لاستحلال ما حرم الله، وهذا التعريفُ من فقه المالكية الدقيق لبيع العِيْنَة، فعملياتُ التَّمويل في العصر الحديث لا تكاد تخلو من الوكالة، وعمليةُ التَّورُّق المصرفي باستخدام الأسهم، أو باستخدام سِّلع أخرى قائمة على

стр. 176

التوكيل، فالعميلُ لم يذهب إلى البنك إلا رغبة منه في الحصول على نقود، وبذلك نعرفُ أن العميلَ لا يريدُ أن يتحمل تكاليفَ قبض السِّلعة، ونقلها، وحيازتها، ولا يريدُ أن يقحم نفسه بسوق الأسهم لجهله بها، بل يريد التخلصَ من السِّلعة والأسهم، وحيث إنه لا يجوزُ بيع السِّلعة أو الأسهم على البنك؛ لأنَّ هذا عينة محرمة، فلا سبيلَ للتخلص منها إلا بطريق توكيل البنك في بيعها، "وليس صعبًا أن نستنتجَ مقدمًا ماذا سيكون مآل هذا الاتجاه، إنه مزيدٌ من تخفيض دور السِّلع في التَّمويل، ومزيد من الإغراق في الديون، والتوسُّع في تداولها، وهي نفس الملامح والخصائص التي يتَّسمُ بها النظام الربوي، ويرافق ذلك بطبيعة الحال ترسيخ مفهوم النَّقْد الحاضر بالنَّقْد المؤجَّل" (١). فالتوكيل في حقيقته جزء من الحيلة المبتكرة لتحليل الرِّبا، فعمليةُ التَّورُّق المصرفي باستخدام الأسهم تقومُ على عقود، هي في حقيقتها حيل لاستحلال الرِّبا، ويؤيد هذا الفقرة التالية. ٣ - من المعلوم أن اقتصادَ البلد لا يكونُ منتجًا إلا بوجود الحركة الحقيقية في السُّوق بتداول السِّلع، وهذا الأمرُ يكون معدومًا في عملية التَّورُّق المصرفي باستخدام الأسهم، إذ هي في الحقيقة تحصيلُ نقد مقابل زيادة في الذمة، واتخذت صورة البيع والشراء بالأسهم حيلة لذلك، وإذا ثبت أن عملية التَّورُّق باستخدام الأسهم هي من قبيل التَّحايل على الرِّبا، فإن العلماء ﵏ قد ذهبوا إلى أن ارتكاب الحيلة أشدّ إثمًا من ارتكاب المحرم مباشرة، وسيأتي توضيحُ هذا الأمر في المبحث القادم. الفرع الثاني: التكييف الفقهي للتمويل باستخدام الأسهم (برنامج وطني): إذا تأمَّلْنا إجراءات برنامج (وطني) لتقسيط الأسهم الذي طرحته شركة

стр. 177

الراجحي المصرفية، فإن هذا البرنامج يعد من قبيل (بيع المرابحة للآمر بالشراء)، فإن العميلَ يأمر شركة الراجحي بشراء بعض الأسهم المحلية، ليقوم البنك بعد شرائها ببيعها مرابحةً على الآمر، والذي جعلني أقول بأن هذا البرنامج هو من قبيل بيع المرابحة للآمر بالشراء، وليس تَّورُّقًا، الأمور التالية: ١ - أن شركةَ الرَّاجحي المصرفية لا تشتري الأسهم إلا بعد أمر العميلِ بالشراء، في حين أن البنوك الأخرى في عمليات التَّورُّق بالأسهم، يكون البنك مالكًا للأسهم قبل مجيء العميل، وهذا أمرٌ مهمٌّ في التفريق بين التَّورُّق المصرفي، وبيع المرابحة للآمر بالشراء، فقد سبق أن ذكرت هذا الأمر في الفصل الثاني عند بيان الفروق بين التَّورُّق المصرفي، وبيع المرابحة. ٢ - أن الأسهم في برنامج (وطني) في الغالب أنها تكونُ أسهمًا محلية، مثل (أسهم شركة سابك، أو شركة الاتصالات، أو الكهرباء) في حين أن الأسهم في عمليات التَّورُّق المصرفي غالبًا تكون أسهمًا دولية يتم شراؤها، وبيعها في البورصات، وقد تخفى حقيقة تلك الأسهم، فيحتمل أن تكون لأعمال محرَّمة شرعًا كتجارة المخدرات، أو الخمور، وغيرها. ٣ - أنه لا يمكنُ أن تتمَّ عمليةُ التَّورُّق المصرفي باستخدام الأسهم بدون دخول مبدأ الوكالة فيها، فالوكالة أمر لا بُدَّ منه في عملية التَّورُّق المصرفي، فالعميلُ في غالب الأمر يكون شخصًا يجهلُ التَّعامُل في السُّوق الدولية، والتَّعامُل بالأسهم فيها، فيقوم بتوكيل البنك في بيعها، وهذا هو المعروفُ من غالب العملاء، وكما قيل: المعروفُ عرفًا كالمشروط شرطًا، فالوكالةُ كأنها مشروطةٌ في العقد بدليل العرف، حتى ولو كان البنك يزعمُ بأن العميلَ له الخيار في توكيل البنك، أو عدمه، ولو تتبعنا عقود عمليات التَّورُّق المصرفي فلن نجدَ عملية خالية من التوكيل، فالتوكيلُ بدليل العرف صار شرطًا في عمليات التَّورُّق

стр. 178

المصرفي، في حين أن شركةَ الرَّاجحي في برنامجها (وطني) تقدَّم التوكيل كخدمة للعميل، بدليل أن هناك الكثيرَ من العملاء أمروا بشراء بعض الأسهم، وقاموا بمراقبة بعض أسعار الأسهم فباعوها بأنفسهم، ولم يقوموا بتوكيل الشركة في بيعها. غير أنَّه يمكنُ أن يثار هنا إشكال، فيمكن أن يقال: جاء في إجراءات برنامج (وطني) مبدأ التوكيل، فيمكن للعميل أن يقومَ بتوكيل شركة الراجحي في بيع الأسهم، والصُّورة المعروفة لبيع المرابحة للآمر بالشراء لم يردْ فيها مبدأ التوكيل، لا من قريب، ولا من بعيد!!. ويمكن الإجابةُ عن هذا الإشكال بما سبق، فشركة الراجحي المصرفية تقدِّم التوكيلَ كخدمة للعميل، بدليل أن هناك الكثير من العملاء لم يقوموا بتوكيل البنك، بل قاموا بمراقبة أسعار الأسهم فباعوها بأنفسهم، وبرنامج (وطني) لا يفتقر إلى التوكيل لإتمامه بعكس عمليات التَّورُّق المصرفي، فهي تفتقر إلى التوكيل، ولا يمكنُ أن نتصور عمليةَ تَّورُّق مصرفية مجردة عن التوكيل، فهذا من النادر، والنادرُ لا حُكْمَ له. وإذا ثبت أن برنامج (وطني) هو من قبيل بيع المرابحة للآمر بالشراء، فإن العلماء قد أجازوا بيعَ المرابحة للآمر بالشراء، إذا توفرت الشروط التالية (١): ١ - أن لا يكونَ العوضان من الأصناف الربوية التي يشترطُ فيها التقابض كبيع الريال مقابل الدِّيْنار، وذلك لأنَّ ثمن بيع المرابحة مؤجَّل بعضه، أو كله. ٢ - يُشترط قبضُ المصرف للسِّلعة، فالهيئة الشرعية لشركة الراجحي تشترط

стр. 179

القبض الحقيقي، وحيازة السِّلعة إلى المخازن إذا كانت سِّلعة داخلية، وبعض المصارف تكتفي بالقبض الحكمي. ٣ - أن يمتلكَ المصرفُ السِّلعة قبل بيعها على الآمر. ٤ - أن لا يأخذَ المصرف عربونًا من الآمر في مرحلة المواعدة؛ لأنَّ العربون لا يؤخذ إلا في عقد البيع، والمواعدةُ ليست عَقْدَ بيع. ٥ - أن لا يوكل المصرفُ الآمر بالشراء في شراء البضاعة وقبضها لسلامة بيع المرابحة، وإبعاده عن صورية البيع. ٦ - أن يتمَّ تحديد إجمالي ثمن البيع، وأجل السَّداد، ومواعيد السَّداد. ٧ - أن تكون المواعدةُ غيرَ ملزمة.

стр. 180

المبحث الرابع حكم برامج التَّورُّق المصرفي في البنوك المعاصرة المطلب الأول موقف الفقهاء من التَّورُّق المصرفي التَّورُّق المصرفيُّ صيغةٌ من صيغ التَّمويل التي طرحتها البنوك مؤخرًا، وقد تلقتها وسائلُ الإعلام المرئي منها، والمسموع بترويج الإعلانات المختلفة لهذه المعاملة، والتَّورُّق المصرفي يختلف كثيرًا كما سبق عن التَّورُّق، الذي يمارسه الأفراد، والذي تكلَّم حوله الفقهاء ﵏ وحيث إن التَّورُّق المصرفي معاملة حديثة، فليس في كتب الفقهاء ما ينصُّ على حُكْم هذه المعاملة صراحة، غير أن الفقهاء ﵏ تركوا لنا من الضَّوابط، والقواعد، والأسس، التي تكون كفيلةً لمعرفة رأيهم في التَّورُّق المصرفي. وهذا دليلٌ على عظمة الفقه الإسلامي، فالمجتهدُ قادر على إعطاء كل نازلة حكمها الشرعي بناءً على الأسس، والقواعد الشرعية التي أثبتها القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، والتي شرحها العلماء ﵏. أولًا: موقف الحنفية من التَّورُّق المصرفي: يتَّضح موقفُ الحنفية من التَّورُّق المصرفي بأمرين: ١ - عرفنا فيما سبق أن الحنفية لا يرون الحِيَل المذمومة، وما نقل عنهم من جواز الحِيَل إنما ينصرفُ إلى الحِيَل المباحة التي يحتال بها للتوصل إلى الحقّ، أو دفع الظالم بطريقة مباحة، ولا يجوزُ لشخص أن ينسب الحِيَلَ المحرَّمة إلى
следующие страницы →