← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17804

التورق المصرفي

رياض بن راشد آل رشود

Полный текст (259 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

التوكيل، فالعميلُ لم يذهب إلى البنك إلا رغبة منه في الحصول على نقود، وبذلك نعرفُ أن العميلَ لا يريدُ أن يتحمل تكاليفَ قبض السِّلعة، ونقلها، وحيازتها، ولا يريدُ أن يقحم نفسه بسوق الأسهم لجهله بها، بل يريد التخلصَ من السِّلعة والأسهم، وحيث إنه لا يجوزُ بيع السِّلعة أو الأسهم على البنك؛ لأنَّ هذا عينة محرمة، فلا سبيلَ للتخلص منها إلا بطريق توكيل البنك في بيعها، "وليس صعبًا أن نستنتجَ مقدمًا ماذا سيكون مآل هذا الاتجاه، إنه مزيدٌ من تخفيض دور السِّلع في التَّمويل، ومزيد من الإغراق في الديون، والتوسُّع في تداولها، وهي نفس الملامح والخصائص التي يتَّسمُ بها النظام الربوي، ويرافق ذلك بطبيعة الحال ترسيخ مفهوم النَّقْد الحاضر بالنَّقْد المؤجَّل" (١). فالتوكيل في حقيقته جزء من الحيلة المبتكرة لتحليل الرِّبا، فعمليةُ التَّورُّق المصرفي باستخدام الأسهم تقومُ على عقود، هي في حقيقتها حيل لاستحلال الرِّبا، ويؤيد هذا الفقرة التالية. ٣ - من المعلوم أن اقتصادَ البلد لا يكونُ منتجًا إلا بوجود الحركة الحقيقية في السُّوق بتداول السِّلع، وهذا الأمرُ يكون معدومًا في عملية التَّورُّق المصرفي باستخدام الأسهم، إذ هي في الحقيقة تحصيلُ نقد مقابل زيادة في الذمة، واتخذت صورة البيع والشراء بالأسهم حيلة لذلك، وإذا ثبت أن عملية التَّورُّق باستخدام الأسهم هي من قبيل التَّحايل على الرِّبا، فإن العلماء ﵏ قد ذهبوا إلى أن ارتكاب الحيلة أشدّ إثمًا من ارتكاب المحرم مباشرة، وسيأتي توضيحُ هذا الأمر في المبحث القادم. الفرع الثاني: التكييف الفقهي للتمويل باستخدام الأسهم (برنامج وطني): إذا تأمَّلْنا إجراءات برنامج (وطني) لتقسيط الأسهم الذي طرحته شركة

стр. 177

الراجحي المصرفية، فإن هذا البرنامج يعد من قبيل (بيع المرابحة للآمر بالشراء)، فإن العميلَ يأمر شركة الراجحي بشراء بعض الأسهم المحلية، ليقوم البنك بعد شرائها ببيعها مرابحةً على الآمر، والذي جعلني أقول بأن هذا البرنامج هو من قبيل بيع المرابحة للآمر بالشراء، وليس تَّورُّقًا، الأمور التالية: ١ - أن شركةَ الرَّاجحي المصرفية لا تشتري الأسهم إلا بعد أمر العميلِ بالشراء، في حين أن البنوك الأخرى في عمليات التَّورُّق بالأسهم، يكون البنك مالكًا للأسهم قبل مجيء العميل، وهذا أمرٌ مهمٌّ في التفريق بين التَّورُّق المصرفي، وبيع المرابحة للآمر بالشراء، فقد سبق أن ذكرت هذا الأمر في الفصل الثاني عند بيان الفروق بين التَّورُّق المصرفي، وبيع المرابحة. ٢ - أن الأسهم في برنامج (وطني) في الغالب أنها تكونُ أسهمًا محلية، مثل (أسهم شركة سابك، أو شركة الاتصالات، أو الكهرباء) في حين أن الأسهم في عمليات التَّورُّق المصرفي غالبًا تكون أسهمًا دولية يتم شراؤها، وبيعها في البورصات، وقد تخفى حقيقة تلك الأسهم، فيحتمل أن تكون لأعمال محرَّمة شرعًا كتجارة المخدرات، أو الخمور، وغيرها. ٣ - أنه لا يمكنُ أن تتمَّ عمليةُ التَّورُّق المصرفي باستخدام الأسهم بدون دخول مبدأ الوكالة فيها، فالوكالة أمر لا بُدَّ منه في عملية التَّورُّق المصرفي، فالعميلُ في غالب الأمر يكون شخصًا يجهلُ التَّعامُل في السُّوق الدولية، والتَّعامُل بالأسهم فيها، فيقوم بتوكيل البنك في بيعها، وهذا هو المعروفُ من غالب العملاء، وكما قيل: المعروفُ عرفًا كالمشروط شرطًا، فالوكالةُ كأنها مشروطةٌ في العقد بدليل العرف، حتى ولو كان البنك يزعمُ بأن العميلَ له الخيار في توكيل البنك، أو عدمه، ولو تتبعنا عقود عمليات التَّورُّق المصرفي فلن نجدَ عملية خالية من التوكيل، فالتوكيلُ بدليل العرف صار شرطًا في عمليات التَّورُّق

стр. 178

المصرفي، في حين أن شركةَ الرَّاجحي في برنامجها (وطني) تقدَّم التوكيل كخدمة للعميل، بدليل أن هناك الكثيرَ من العملاء أمروا بشراء بعض الأسهم، وقاموا بمراقبة بعض أسعار الأسهم فباعوها بأنفسهم، ولم يقوموا بتوكيل الشركة في بيعها. غير أنَّه يمكنُ أن يثار هنا إشكال، فيمكن أن يقال: جاء في إجراءات برنامج (وطني) مبدأ التوكيل، فيمكن للعميل أن يقومَ بتوكيل شركة الراجحي في بيع الأسهم، والصُّورة المعروفة لبيع المرابحة للآمر بالشراء لم يردْ فيها مبدأ التوكيل، لا من قريب، ولا من بعيد!!. ويمكن الإجابةُ عن هذا الإشكال بما سبق، فشركة الراجحي المصرفية تقدِّم التوكيلَ كخدمة للعميل، بدليل أن هناك الكثير من العملاء لم يقوموا بتوكيل البنك، بل قاموا بمراقبة أسعار الأسهم فباعوها بأنفسهم، وبرنامج (وطني) لا يفتقر إلى التوكيل لإتمامه بعكس عمليات التَّورُّق المصرفي، فهي تفتقر إلى التوكيل، ولا يمكنُ أن نتصور عمليةَ تَّورُّق مصرفية مجردة عن التوكيل، فهذا من النادر، والنادرُ لا حُكْمَ له. وإذا ثبت أن برنامج (وطني) هو من قبيل بيع المرابحة للآمر بالشراء، فإن العلماء قد أجازوا بيعَ المرابحة للآمر بالشراء، إذا توفرت الشروط التالية (١): ١ - أن لا يكونَ العوضان من الأصناف الربوية التي يشترطُ فيها التقابض كبيع الريال مقابل الدِّيْنار، وذلك لأنَّ ثمن بيع المرابحة مؤجَّل بعضه، أو كله. ٢ - يُشترط قبضُ المصرف للسِّلعة، فالهيئة الشرعية لشركة الراجحي تشترط

стр. 179

القبض الحقيقي، وحيازة السِّلعة إلى المخازن إذا كانت سِّلعة داخلية، وبعض المصارف تكتفي بالقبض الحكمي. ٣ - أن يمتلكَ المصرفُ السِّلعة قبل بيعها على الآمر. ٤ - أن لا يأخذَ المصرف عربونًا من الآمر في مرحلة المواعدة؛ لأنَّ العربون لا يؤخذ إلا في عقد البيع، والمواعدةُ ليست عَقْدَ بيع. ٥ - أن لا يوكل المصرفُ الآمر بالشراء في شراء البضاعة وقبضها لسلامة بيع المرابحة، وإبعاده عن صورية البيع. ٦ - أن يتمَّ تحديد إجمالي ثمن البيع، وأجل السَّداد، ومواعيد السَّداد. ٧ - أن تكون المواعدةُ غيرَ ملزمة.

стр. 180

المبحث الرابع حكم برامج التَّورُّق المصرفي في البنوك المعاصرة المطلب الأول موقف الفقهاء من التَّورُّق المصرفي التَّورُّق المصرفيُّ صيغةٌ من صيغ التَّمويل التي طرحتها البنوك مؤخرًا، وقد تلقتها وسائلُ الإعلام المرئي منها، والمسموع بترويج الإعلانات المختلفة لهذه المعاملة، والتَّورُّق المصرفي يختلف كثيرًا كما سبق عن التَّورُّق، الذي يمارسه الأفراد، والذي تكلَّم حوله الفقهاء ﵏ وحيث إن التَّورُّق المصرفي معاملة حديثة، فليس في كتب الفقهاء ما ينصُّ على حُكْم هذه المعاملة صراحة، غير أن الفقهاء ﵏ تركوا لنا من الضَّوابط، والقواعد، والأسس، التي تكون كفيلةً لمعرفة رأيهم في التَّورُّق المصرفي. وهذا دليلٌ على عظمة الفقه الإسلامي، فالمجتهدُ قادر على إعطاء كل نازلة حكمها الشرعي بناءً على الأسس، والقواعد الشرعية التي أثبتها القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، والتي شرحها العلماء ﵏. أولًا: موقف الحنفية من التَّورُّق المصرفي: يتَّضح موقفُ الحنفية من التَّورُّق المصرفي بأمرين: ١ - عرفنا فيما سبق أن الحنفية لا يرون الحِيَل المذمومة، وما نقل عنهم من جواز الحِيَل إنما ينصرفُ إلى الحِيَل المباحة التي يحتال بها للتوصل إلى الحقّ، أو دفع الظالم بطريقة مباحة، ولا يجوزُ لشخص أن ينسب الحِيَلَ المحرَّمة إلى

стр. 181

إمام من الأئمة، فهم ﵏ أعلم بالله ورسوله ﷺ ، ودينه، وأتقى له من أن يفتوا بالحِيَل المحرمة. وإذا عرفنا موقفَ الحنفية من الحِيَل، نستطيع أن نقول: إن التَّورُّق المصرفي يكون ممنوعًا عند الحنفية، بناءٌ على قولهم بمنع الحِيَل المحرمة، وأما كون التَّورُّق المصرفي حيلة محرمة فهو أمر ظاهر؛ "لأن المقصود بها هو تحليل حرام، وهو الحصولُ على النَّقْد الحال في مقابل دفع أكثر منه في الأجل، واتخذت سلسلة من البيوع، والاتفاقيات، شاركت فيها مجموعةٌ من المؤسَّسات بخطة محكمة، وهذه العُقُود لا هدف، ولا غاية للمُتَوَرِّقين فيها، بل إن الرابطة تجمع عقودًا في عقد واحد وإن لم يصرح بذلك، لكنه معلومٌ بالقطع من القرائن، والأحوال، وطبيعة المعاملة" (١). ٢ - عرفنا فيما سبق أن الحنفية يحرمون العِيْنَةَ بصورتها، التي فيها عود السِّلعة إلى بائعها الأول، سواء أكان عودها مباشرة، أم بواسطة طرف ثالث محلل، وإذا كانت العِيْنَة بصورتها المعروفة محرمة عند الحنفية، فالتَّورُّق المصرفي يكونُ ممنوعًا؛ لأنه يمكنُ أن يقال: إن حقيقة التَّورُّق المصرفي عينة محرمة، وبيان هذا يتَّضح في الآتي: أن العميلَ (المُتَوَرِّق) لم يذهبْ إلى البنك إلا رغبة منه في الحصول على نقود، وبذلك نعرفُ أن العميل لا يريدُ أن يتحمل تكاليف قبض السِّلعة، ونقلها، وحيازتها، بل يريد التخلصَ من السِّلعة، وحيث إنه لا يجوزُ بيع السِّلعة على البنك لأنه عينة محرمة، فلا سبيلَ للتخلص من السِّلعة إلا بطريق توكيل البنك في بيعها، "فلولا وكالةُ المصرف بالبيع نقدًا لما قبل العميل بالشِّراء منه بأجل ابتداء، فالمصرفُ يعلن للملأ أنَّه يقدم تمويلًا نقديًا على أسس إسلامية، وهذا

стр. 182

يعني أن المصرفَ يلتزمُ بالوكالة بالبيع النَّقْديّ لإتمام التَّمويل بالنَّقْد، ولو انفصلت الوكالةُ عن البيع الآجل لانهار البرنامج، ولم يوجد التَّمويل أصلًا. . . فالمصرفُ هو مصدر السُّيُولة في العملية، وبدون السُّيُولة لا فائدة من العملية من أساسها، وهذا هو نفسُ الدور الذي يقومُ به المشتري -الثاني- في بيع العِيْنَة؛ لأنه بشرائه نقدًا يكون قد وفر السُّيُولة للعميل، فمن حيث الواقع لا فَرقَ بين كون المصرف وكيلًا، وكونه مشتريًا؛ لأنَّ التَّمويلَ متحقّق على كل تقدير، والعبرة في العُقُود، والتصرفات للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني" (١). مما سبق يتَّضحُ أن التَّورُّق المصرفي يكون ممنوعًا عند الحنفية، بناءً على رأيهم في الحِيَل، وبيع العِيْنَة. ثانيًا: موقف المالكية من التَّورُّق المصرفي: يتَّضحُ موقفُ المالكية من التَّورُّق المصرفي بالأمور التالية: ١ - عرفنا فيما سبق -في مبحث حكم التَّورُّق الفردي- أن المالكية يمنعون بعضَ صور التَّورُّق الفردي؛ لأنَّ تلك الصور فيها من القرائن ما يدلُّ على فساد نية البائع والمُتَوَرِّق، حيث إنَّ تلك القرائن توحي بأنَّ الهدف، والغاية من عملية التَّورُّق الفردي هو تأمين نقد حاضر مقابل زيادة في الذمة، واتخذت عملية البيع والشراء ستارًا لتحقيق ذلك الهدف، فالمتبايعان لم يدخلا في القَرْض باشتراط الفائدة لِعِلْمِهِما بحرمته، وإنما دخلا في عملية تورق صاحَبَها بعض الأمور والقرائن، التي تدلُّ على أن المقصدَ من عملية التَّورُّق هو إقراض المحتاج (المُتَوَرِّق) عشرة ليردَّها خمسة عشر. ومن تلك القرائن التي تُوحي بفساد نِيَّة المتبايعين في عملية التَّورُّق الفردي:

стр. 183

أ- إذا كان المُتَوَرِّق يتعاملُ مع أهل العِيْنَة، فهذه قرينة تدلُّ على أن المقصود من عملية التَّورُّق هو تحصيل نقود مقابل زيادة في الذمة. ب- أن يطلبَ المُتَوَرِّق من البائع أن يضعَ عنه من الثمن المؤجَّل، فهذه قرينة تدل على أن قصد المتبايعين هو النقود، فالمُتَوَرِّق لما أخذ السِّلعة من البائع لبيعها بنقدٍ حاضرٍ على طرف آخر، وجد المُتَوَرِّق أن سعر السِّلعة نقدًا أقل بكثير من سعرها المؤجَّل، الذي سيأخذه البائع، فرأى المُتَوَرِّق أن يرجعَ إلى البائع، ويطلب منه أن يضعَ من الثمن المؤجَّل لتقليص الخسارة عليه، فهذا الفعلُ عده المالكية قرينة تدلُّ على أن القصد من العملية هو تحليل الرِّبا، يقول ابنُ رشد: "وذلك أن يبيعَ الرجلُ من أهل العِيْنَة طعامًا، أو غيره بثمن إلى أجل، ثمَّ يستروضه المبتاع من الثمن فيضع عنه، فإن مالكًا وغيره من أهل العلم كرهوا ذلك؛ لأنه إنما يبيعه على المراوضة فإنما يضعُ عنه، ويرده إلى ما كان راوضه عليه، فصار البيع الذي عقداه تحليلًا للرِّبا الذي قصداه" (١). ج - أن يشتريَ المُتَوَرِّق السِّلعة على أن ينقدَ بعض الثمن، ويؤخر البعض، وقد نصَّ فقهاء المالكية على كراهة هذه الصُورة، حيث قالوا: "إذا اشترى طعامًا، أو غيره على أن ينقد بعض ثمنه، ويؤخر بعضه لأجل، فإن كان اشتراه ليبيعه كله لحاجته بثمنه فلا خير فيه، وهو قَولُ مالك" (٢). وقد سبقت الإشارة إلى هذه الصور، التي كرهها المالكية في صور التَّورُّق الفردي، وكذلك في موقف المالكية من بيع التَّورُّق (٣). وإذا عرفنا أن المالكية يمنعون بعضَ صور التَّورُّق الفردي لوجود القرائن،

стр. 184

التي تدل على فسادِ العملية، فإنَّ التَّورُّق المصرفي يكون ممنوعًا عند المالكية، بناءً على رأيهم في التَّورُّق الفردي، ويتَّضح هذا بأمرين: الأمر الأول: "التفريق بين أهل العِيْنَة وغيرهم، وأن أهلَ العِيْنَة يعاملون بما لا يعامل به سائر الناس، وهذا التفريقُ يثبت تفريق فقهاء المالكية بين العمل المنظم وبين العمل التلقائي، وهذا واضحٌ في أن المعاملة إذا تحوَلت من تصرُف فردي عفوي إلى عملٍ منظمٍ أخذت بعدًا آخر لم يكن معتبرًا من قبل. الأمر الثاني: الأخذ في الاعتبار أي علاقة إضافية بين المُتَوَرِّق والبائع، مثل رجوع المشتري للبائع ليضعَ عنه، أو أنه يدفع له بعضَ الثمن نقدًا، وبعضه نسيئة، من أجل تيسير المعاملة على المشتري في الحالتين، ومثل هذه العوامل لا توجدُ في التَّورُّق الفردي، الذي لا يتضمَّن أي صلة إضافية للبائع بالمُتَوَرِّق مطلقًا، فوجودُ علاقة إضافية بين البائع وبين المُتَوَرِّق تؤثر في الحكم قطعًا عند المالكية، فإذا اجتمع هذان الأمران (كون البائع من أهل العِينَة، ووجود علاقة إضافية بينه وبين المُتَوَرِّق) كان الحكم هو التَّحريم. . . ويرجع ذلك -والله أعلم- إلى أن أصلَ التَّورُّق مكروه عند المالكية، لاشتباهه بالرِّبا، فإذا وجدت قرائنُ إضافية تدلُّ على تواطؤ الأطراف المعنية من أجل تأمين النَّقْد الحاضر بالمؤجَّل، فهم يمنعون منها جَزْمًا، وبناءً على ذلك يمكنُ القَولُ بأن مذهبَ المالكية بناء على نصوص الإمام مالك، وأكابر أصحابه، وفقهاء المذهب يقتضي تحريم التَّورُّق المنظم. . . وذلك لأنَّ هذا العملَ يتضمَّن علاقة إضافية بين البائع والمُتَوَرِّق لا توجدُ في التَّورُّق الفردي، ولأنها تتمُّ مع جهات متخصصة ومتفرغة للتَّمْويل، ويتمُّ التفاهمُ بين الأطراف مسبقًا لقصد التمويل، وهذه تدلُّ صراحةً على تواطؤ الأطراف بغرض مبادلة دراهم حاضرة بمؤجَّلة، وهي العوامل التي لأجلها منعوا التَّعامُل مع أهل العِيْنَة (١).

стр. 185

٢ - عرفنا فيما سبق -في مبحث العِيْنَة- أن المالكية يحرمون بيع العِيْنَة بناءً على قاعدة من قواعد المذهب المالكي، وهي [سدّ الذرائع] يقول الدردير عن بيوع الآجال: "وهو بيعٌ ظاهره الجواز لكنه يؤدِّي إلى ممنوع فيمنع، ولو لم يقصد فيه التَّوصُّل إلى الممنوع سدًّا للذريعة التي هي من قواعد المذهب. . . كبيع سِّلعة بعشرة لأجل، ثمَّ يشتريها بخمسة نقدًا، فقد آل الأمر إلى رجوع السِّلعة، وقد دفع قليلًا عاد إليه كثيرًا" (١). وإذا كان المالكيةُ يحرِّمون بيع العِيْنَة لأنها حيلةٌ محرمة، وذريعة إلى الرِّبا، فالتَّورُّق المصرفي يكون محرَّمًا عند المالكية، إذ التَّورُّق المصرفي حيلة لتحصيل نقد حاضر مقابل زيادة في ذِمَّة العميل (المُتَوَرِّق)، واتخذت سلسلة من البيوع والاتفاقيات ستارًا لتحليل ذلك، فالقَولُ بتحريم العِيْنَة، وتحريم الحِيَل، والقول بقاعدة [سدّ الذرائع] كل هذا يدلّ على أن التَّورُّق المصرفي محرم عند المالكية، ولا يخفى أن التَّورُّق المصرفي يعدّ عينة محرمة، فالبنكُ يؤمِّن النَّقْد للعميل (المُتَوَرِّق) بموجب التوكيل، فالبنكُ هو مصدر السُّيُولة في عملية التَّورُّق المصرفي، وهذا هو نفسُ الدّور الذي يقومُ به المشتري الثاني في بيع العِيْنَة، وسيأتي بَسْطُ هذا في الأمور الدالة على حُرمة التَّورُّق المصرفي. ٣ - عرفنا فيما سبق -من موقف المالكية من بيع التَّورُّق- أن المالكية يرون كراهة التَّورُّق الفردي، بناءً على قاعدة [المدخلات والمخرجات] ومعنى هذه القاعدة: أن تقويمَ التَّعامُل بين طرفي الصفقة يتمُّ من خلال النظر في مدخلاتها ومخرجاتها ككلّ، دون النظر إلى تفاصيل ما يدورُ بين طرفيها، فحقيقتها عدم اعتبار ما كان لغوًا من تصرُّفات العاقدين، بل الاعتبار مرتبط بالمحصلة النهائية،

стр. 186

فإذا كانت المحصلةُ النهائيةُ نقدًا حاضرًا بزيادة في الذمة فهي ربا، ولا عبرةَ بما توسط ذلك من عقود (١). وإذا طبَّقنا هذه القاعدة على عملية التَّورُّق المصرفي، فإن السِّلعة تنتقلُ من ملك البنك إلى العميل (المُتَوَرِّق)، ليقومَ العميلُ بتوكيل البنك في بيعها على طرف آخر، فنجد أن السِّلعة قد خرجت من ملك البنك لتدخل في ملك العميل (المُتَوَرِّق)، ثمَّ تخرج من ملكه إلى ملك طرف آخر، وبذلك نعرف أن السِّلعة ليست إلا مجرد لغو بدليل أن العميل (المُتَوَرق) لا يعرفُ ماهية السِّلعة، فهي لغوٌ لا عبرةَ بها، وبذلك تكون محصِّلةُ التَّعامُل بين البنك والعميل (المُتَوَرِّق) نقدًا حاضرًا بيد العميل، مقابل ثمن أكثر منه في ذمته، فالاعتبارُ ليس بما كان لغوًا من تصرُّفات العاقدين، بل الاعتبار بالمحصِّلة النهائية للمعاملة. وبذلك نعرفُ أن التَّورُّق المصرفي محرَّم عند المالكية، بناءً على الأمور التالية: ١ - قَولُهم بمنع التَّورُّق الفردي إذا كانت هناك قرائن تدلُّ على أن القصد من العملية إقراض عشرة مثلًا باثني عشر، وقد وجدت هذه القرائن بشكل أوضح، وأكثر صراحةً في التَّورُّق المصرفي. ٢ - قَولُهم بتحريم العِيْنَة، وتحريم الحِيَل. ٣ - قَولُهم بقاعدة [سدّ الذرائع]. ٤ - قَولُهم بقاعدة [المدخلات، والمخرجات]. ثالثًا: موقف الشافعية من التَّورُّق المصرفي: عرفنا فيما سبق -من موقف الشافعية من الحِيَل، ومن بيع العِيْنَة- أن الشافعية يرون جوازَ الحِيَل، وجواز بيعِ العِيْنَة، بناء على موقفهم من العُقُود

стр. 187

عامة، حيث إنهم يرون أن العبرةَ في العُقُود بالظاهر، ولا تأثيرَ لنية المتعاقدين على العقد، ولا يعني هذا جواز إضمار نيَّة المحرم؛ لأنَّ الشافعية يفرِّقون بين صحة العقد وبين نية العاقد، فإذا نوى شخصٌ ما هو محرم أثم، ولا يستلزمُ بطلان العقد عندهم، وقَولُهم بجواز الحِيَل، وبيع العِيْنَة يستلزمُ القَول بجواز التَّورُّق المصرفي، ولكن الأمر ليس كذلك، فالشافعيةُ مع أنهم يقولون بجواز الحِيَل والعِيْنَة، إلا أن التَّورُّق المصرفي لا يدخلُ في العِيْنَة التي أجازها علماء الشافعية، بل يكون التَّورُّق المصرفي بصورته المعروفة اليوم محرّمًا عند الشافعية، ودليل أنَّه محرّم عندهم ما يلي: أن الشافعية حينما أجازوا بيعَ العِيْنَة، فقد أجازوه بشرطين، هما: ١ - أن لا يكونَ هناك ارتباطٌ بين البيعتين، بحيث لا تظهرُ نية الحصول على النَّقْد، وقد فُهِمَ هذا الشَّرْط من كلام الشافعي ﵀ حينما تحدَّث عن العِيْنَة، فقال: "وليست البيعة الثانية من البيعة الأولى بسبيل" (١)، فإذا كان هناك ارتباطٌ بين البيعتين بحيث تظهرُ نية الحصول على النَّقْد، فلا تصحُّ العِيْنَة عنده؛ لأنها ستكون حينئذٍ تحايل لاستحلال الرِّبا، ولذلك فإن أكثر علماء الشافعية ينصُّون على قيد القبض في تعريفهم لبيع العِيْنَة -كما سبق في تعريف بيع العِيْنَة عند الشافعية-؛ لأنه إذا وجد القبض دلَّ على أنَّه ليس هناك ارتباطٌ بين البيعتين، وإذا لم يوجد القبض، فإن ذلك يوحي بفسادِ نيَّة المتبايعين التي يترتب عليها بطلانُ البيع؛ لأنَّ عدم القبض يعطي دلالةً على أن نية المتبايعين هي الحصولُ على النَّقْد، واتخذت صورة البيع حيلة لاستحلال الرِّبا، فالشافعية ينصُّون على القبض في تعريفهم لبيع العِيْنَة، لكي يثبتوا أن البيعة الثانية ليستْ من البيعة الأولى بسبيل. ٢ - أن لا يكونَ العقدُ الثاني مشروطًا في العقد الأول، إما بالنَّصِّ عليه، أو

стр. 188

بدلالة العرف والعادة، فإذا كان العقدُ الثاني في بيع العِيْنَة مشروطًا في العقد الأول، فإنَّ العقدين باطلان جميعًا، سواء كان وجودُ الشَّرطْ بالنص عليه أثناء العقد الأول، أو كان وجوده بدلالة العادة، والعرف. وإذا عرفنا أن الشافعية لا يقولون ببيع العِيْنَة إلا بتوفر الشَّرْطين السابقين "فإن التَّورُّق المصرفي لا يدخلُ في بيع العِيْنَة، الذي أجازه الشافعي؛ لأنَّ الشافعي يشترطُ ألا يكون هناك ارتباطٌ بين البيعتين: البيعة التي بالأجل والبيعة التي بالنَّقْد، وألا تظهر نية الحصول على النَّقْد، وكلا الشَّرْطين غيرُ متحقّق في التَّورُّق المصرفي، فالارتباطُ بين البيعتين منصوصٌ عليه في العقد، فالمصرفُ هو الذي يبيعُ السِّلعة نسيئة بأكثر من ثمنها نقدًا، ويشترط (١) على المستَّورُّق أن يُوكله في بيعها نقدًا بأقل مما باعها له به نسيئة ويسلمه الثمن، ويلتزمُ المصرف بهذا، ولولا التزام المصرف ببيع السِّلعة نقدًا، وتسليمه الثمن ما قبل المستورق شراء السِّلعة من المصرف بأكثر من ثمنها نقدًا" (٢). وأما نيةُ الحصول على النَّقْد فظاهرةٌ كل الظهور، بل هي مصرَّح بها، فمن يرى وسائل الإعلام اليوم يجد الإعلانات عن برامج التَّورُّق المصرفي تُصَرح بالسُّيُولة النَّقْديّة، فالبنكُ الأهليُّ التجاريُّ يقول: تيسير الأهلي أول تمويل نقدي إسلامي، والبنكُ العربيُّ الوطنيُّ يقول: ويستفيد من التَّورُّق المبارك الذين يرغبون في الحصولِ على سيولة نقدية، والبنك السُّعودي الأمريكي يقول:

стр. 189

احصلْ على السُّيُولة بكل يُسْرٍ وسهولة (١)، وإذا كانت نيةُ الحصول على النقود ظاهرة في بيع العِيْنَة، فإن الشافعية يحرمونها؛ لأنَّ ظهورَ نية الحصول على النقود يدلُّ على أن بيع العِيْنَة، إنما عُقد ليتحايل به البائع والمشتري على الرِّبا، ونية الحصول على النقود في التَّورُّق المصرفي أمر مصرَّح به، فيكون مُحَرَّمًا عند الشافعية. وإذا عرفنا أيضًا أن الشافعية يُحرِّمون العِيْنَة إذا كان العقد الثاني مشروطًا في العقد الأول، فإن التَّورُّق المصرفي يكون مُحرَّما كذلك عند الشافعية، فإن دلالةَ العُرف تدل على أن العميل (المُتَوَرِّق) لم يكنْ ليذهب إلى البنك لولا قيامُ البنك ببيعها عنه بالنيابة على طرف آخر، والمعروفُ عرفًا كالمشروط شرطًا، فالعرفُ عند المصارف أنها تقومُ ببيع السِّلعة عن المُتَوَرِّق بالنيابة، وهذا العرفُ هو بمثابة الاشتراط، فكأن العقد الثاني في عملية التَّورُّق المصرفي مشروطٌ في العقد الأول بدلالة العُرف، وإذا كان الأمر كذلك فالتَّورُق المصرفي يكون محرَّمًا؛ لأنَّ العَقْدَ الثاني مشروط بدلالة العرف في العقد الأول. وبهذا نعرفُ أن التَّورُّق المصرفي محرَّم عند الشافعية للأسباب التالية: ١ - لأن فيه ارتباطًا بين العُقُود التي يقومُ عليها التَّورُّق المصرفي. ٢ - ولأن نية الحصول على النقود ظاهرة أشد الظهور، بل مصرَّح بها. ٣ - ولأن العقدَ الثاني في عملية التَّورُّق المصرفي مشروطٌ بدلالة العرف في العقد الأول. ولا يصحُّ أن نحكمَ بجواز التَّورُّق المصرفي بناءً على تجويز الشافعية لبيع العِيْنَة، فهم إنما أجازوه بضوابط تدلُّ على عدم وجود التلاعب والتحايل، وإذا فقدت تلك الضَّوابط كما في التَّورُّق المصرفي، فإنَّه حينئذٍ نحكم بالتَّحريم.

стр. 190

رابعًا: موقف الحنابلة من التَّورُّق المصرفي: يتَّضح موقفُ الحنابلة من التَّورُّق المصرفي بالأمور التالية: ١ - عرفنا فيما سبق -في حكم التَّورُّق الفردي- أن الإمامَ أحمد رُوي عنه ثلاثُ روايات في حكم التَّورُّق الفردي: الجواز، والكراهة، والتَّحريم، وقد سبق ذِكْرُ بعضِ أوجه الجمع بين هذه الروايات، ونريد هنا أن نذكرها باختصار، ونضيف وجهًا آخر، وهذه الأوجهُ هي على النحو التالي: أن الكراهة عند المتقدمين تفيدُ التَّحريم غالبًا تورُّعًا منهم عن إطلاق القول بالتَّحريم، فلا إشكالَ في رواية الكراهة، إذ يُرادُ بها التَّحريم، فيبقى وَجْهُ الجمع بين التَّحريم والجواز، وهو على النحو التالي: أ- من المعلوم أن مَنْعَ الحِيَل من أصول الإمام أحمد، يقول ابنُ قدامة: "قد ثبت من مذهب أحمد أن الحِيَلَ كلها باطلة" (١)، والتَّورُّق حيلةٌ بلا ريب، وإنما وقع الخلافُ هل هو حيلة جائزة أم ممنوعة، وبهذا تكون روايةُ التَّحريم مبنيةٌ على قوله بمنع الحِيَل التي يُعَدُّ التَّورُّق من صورها، بينما يمكن حمل رواية الجواز على حالة الضَّرورة حينما يضطرُّ الشخص إلى نقود، ولا يجد من يقرضه. ب- ويمكن الجمعُ بين الروايتين بوجه آخر، وهو: أن روايةَ التَّحريم تحمل على ما كان من أهل العِيْنَة (٢)، بمعنى أن المُتَوَرِّق إذا ذهب إلى أهل العِيْنَة لكي يتَّورُّق منهم، فإن هذا محرَّم عند الإمام أحمد؛ لأنَّ أهل العِيْنَة عُرف عنهم أنهم لا يبيعون إلا بنسيئة، فكون المُتَوَرِّق يذهب إلى أهل العِيْنَة، ويتَّورُّق منهم، فإن هذا قرينة تدلُّ على تواطؤ البائع والمشتري على النَّقْد بالنَّقْد، وبهذا يكونُ الإمامُ أحمد موافقًا للمالكية، حيث عدّوا التَّورُّق مع أهلِ العِيْنَة ممنوعًا،

стр. 191

لأنَّ التَّورُّق مع أهلِ العِيْنَة قرينة تدلُّ على أن المقصودَ من التَّورُّق هو تحصيل نقد مقابل زيادة في الذمة. وروايةُ الجواز تحملُ على التَعامُل مع غير أهل العِيْنَة؛ لأنَّ عملية التَّورُّق الفردي إذا كانت مع غير أهل العِيْنَة، فليس هناك قرينة تدل على تواطؤ البائع والمشتري. وإذا عرفنا ما تقدَّم من أوجه الجمع بين الرِّوايات، فإن التَّورُّق المصرفي يكونُ محرَّمًا عند الحنابلة، بناءً على رواية التحريم، فرواية تحريم التَّورُّق الفردي نستفيدُ منها في تحريم التَّورُّق المصرفي، وبيان هذا: أن رواية التَّحريم إذا حملتْ على ما كان من أهل العِيْنَة، حيث إنهم لا يبيعون إلا بنسيئة، فيكونون مرجعًا للمحتاجين، فالتَّورُّق المصرفي يكون محرَّمًا؛ لأنَّ المصرفَ لا يبيع إلا بنسيئة، فيكون مرجعًا للمحتاجين، وكون أهل العِيْنَة أو المصرف لا يبيع إلا بنسيئة، فإن هذا قرينة تدلُّ على تواطؤ البائع والمشتري على النَّقْد بالنَّقْد في عملية التَّورُّق، سواء أكانت فردية أم مصرفية. ٢ - عرفنا فيما سبق -في صور العِيْنَة- أنَّه رُوي عن الإمام أحمد أنَّه قال: "العِيْنَة: أن يكونَ عند الرجل المتاعُ، فلا يبيعه إلا نسيئة" (١)، والسبب الذي جعل الإمامَ أحمدَ يحكم على فعل الشخص الذي لا يبيع إلا نسيئة أنَّه عينة هو: "أن مَنْ لا يبيع إلا نسيئة، يكونُ في الغالب مرجعًا للمحتاجين للنقد، فيشترون منه نسيئة، لكي يبيعوا نقدًا بأقل، فتكون المعاملةُ نقدًا بنقد. . . وسبب المنع من التفرغ للبيع بنسيئة هو مَنْعُ التَّورُّق من أن يتحوَّل لعملٍ منظم، لكونه حينئذ قرينة جلية على تواطؤ البائع والمشتري على النَّقْد بالنَّقْد" (٢). ولذلك قال ابنُ عقيل: "إنما كره النَّسِيئة لمضارعتها الرِّبا، فإن الغالب أن

стр. 192

البائعَ بنسيئة يقصدُ الزيادة بالأجل" (١)، يقول ابنُ تيمية: "ولهذا كره العلماءُ أن يكونَ أكثر بيع الرجل أو عامته نسيئة، لئلا يدخلَ في اسم العِيْنَة، وبيع المضطر" (٢). وبذلك نقول: إن التَّورُّق المصرفي يكون محرَّمًا بناءً على كلام الإمام أحمد وابن عقيل؛ لأنَّ المصرفَ لا يبيعُ إلا نسيئة، وبذلك يكون مرجعًا للمحتاجين للنقد، فيشتري المُتَوَرِّق من المصرف نسيئة، ليقومَ العميلُ بتوكيل المصرف في بيعها، فتكون المعاملةُ نقدًا بنقد، أو نقول بعبارة أخرى: إن سَبَبَ المنع من التفرغ للبيع بنسيئة هو منع التَّورُّق من أن يتحوَّل لعملٍ منظم، وعملياتُ التَّورُّق في المصارف اليوم مرتبة، ومنظمة، وفق إجراءات وشروط، ومن تلك الإجراءات: أن المصرف لا يبيعُ السِّلع على عملائه إلا نسيئة، فلما كانت عملياتُ التَّورُّق المصرفي مرتبة، ومنظمة، علمنا أن ذلك الترتيب والتنظيم إنما هو قرينة جلية على تواطؤ العميل المُتَوَرِّق والمصرف على النَّقْد بالنَّقْد. ٣ - عرفنا فيما سبق -في موقف الحنابلة من الحِيَل- أن الحنابلة يمنعون الحِيَل كالمالكية، يقول ابنُ قدامة: "والحِيَلُ كلها محرَّمة، غير جائزة في شيء من الدَّيْن" (٣)، وبناءً على قولهم بمنع الحِيَل يكون التَّورُّق المصرفي محرمًا عند الحنابلة، إذ التَّورُّق المصرفي حيلة لاستحلالِ الرِّبا. ٤ - عرفنا فيما سبق -في موقف الحنابلة من بيع العِيْنَة- أن الحنابلةَ يُحَرِّمون بيع العِيْنَة، وبناءً على قولهم بتحريم العِيْنَة يكون التَّورُّق المصرفي مُحرَّمًا؛ لأنَّ التَّورُّق المصرفي هو عينةٌ في حقيقته. ٥ - عرفنا فيما سبق رأي ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم في التَّورُّق الفردي، فهما يقولان بحرمته؛ لأنَّ المعنى الذي لأجله حُرِّم الربا موجودٌ في التَّورُّق، فإذا كان التَّورُق الفردي بصورته البسيطة العفوية البريئة محرمة عندهما، فالتَّورُّق

стр. 193

المصرفي أولى بالتَّحريم عندهما من التَّورُّق الفردي، إذ عملية التَّورُّق المصرفي كثيرة الأطراف، والعُقُود، والاتفاقيات، ولا قَبْضَ للسِّلعة فيها، فتكون أشدَّ تحريمًا عندهما من التَّورُّق الفردي. خامسًا: موقف الظاهرية من التَّورُّق المصرفي: عرفنا فيما سبق -في موقف الظاهرية من بيع العِيْنَة- أن الظاهرية يرون جوازَ بيع العِيْنَة إذا لم يكنْ عن شرط في العقد"، ولكن التَّورُّق المصرفي لا يدخلُ في بيع العِيْنَة الذي أجازه ابن حزم؛ لأنَّ ابنَ حرّم يجيزُ بيع العِيْنَة الذي لا شَرطَ فيه"، وفي التَّورُّق المصرفي أكثر من شرط: فيه شرط شراء المستَّورُّق السِّلعة من المصرف بأكثر من ثمنها، الذي يشتريها المصرف به، وفيه شرط بيعها بأقل من الثمن الذي اشتراها المستَّورُّق به، وفيه شرط توكيل المستَّورُّق المصرف في بيعها (١)، وشرطٌ واحدٌ من هذه الشروط يكفي لجعل التَّورُّق المصرفي حرامًا مفسوخًا عند ابن حزم" (٢). * * * المطلب الثاني موقف العلماء المعاصرين والمختصين الاقتصاديين من التَّورُّق المصرفي لا تخفى أهميةُ موضوع التَّورُّق المصرفي في عَصرِنا الحاضر، فمعظمُ

стр. 194

عمليات التَّمويل، التي تجريها المصارف مع عملائهم اليوم هي من قبيل التَّورُّق، إضافة إلى كثرة السؤال عن حُكْم هذه المعاملة، وما نراه كل يوم في وسائل الإعلام من الإعلانات التي تشجع الناس للدخول في عملية التَّورُّق المصرفي، ولذلك رأيت من المناسب أن أعرضَ بعضَ آراء العلماء المعاصرين، والأساتذة، والمختصين الاقتصاديين، لتكون الصُّورةُ أوضح. وحيث إن الموضوعَ محلُّ اجتهاد، فإن العلماء المعاصرين اجتهدوا، فذهب أكثرهم إلى حُرْمة التَّورُّق المصرفي، وذهب البعضُ إلى جوازه، والبعض -وهم قليل- توقف في المسألة، وأوصى بعدم الاستعجال، والنظر في المسألة بشكل أدق، وأما آراؤهم فهي على النحو التالي: أولًا: آراء المانعين من التَّورُّق المصرفي: ١ - يقول الدكتور سامي السويلم -أحد أعضاء الهيئة الشرعية سابقًا لشركة الراجحي المصرفية- في التَّورُّق المصرفي: "فحاصلُ العملية إذًا أن المصرفَ يقولُ للعميل: أوفر لك مئة نقدًا مقابل أن تكونَ مدينًا لي بمئة وعشرين مؤجلة، وهذا هو الرِّبا، فالمصرفُ الربوي وظيفته توفير السُّيُولة للمدين مقابل دين بزيادة في ذمته، فمن الناحية الوظيفية لا فَرْقَ بين المصرف الربوي وبين المصرف الذي يقدِّم التَّورُّق المنظم" (١). ويقول أيضًا: "لا يمكن اعتبار ما يجري اليوم في صورة التَّورُّق المنظم من باب التَّورُّق الفردي، الذي وردت رواية الإمام أحمد بجوازه" (٢). ٢ - يقول الدكتور عبد الله السعيدي -الأستاذ في كلية التربية قسم الثقافة الإسلامية بجامعة الملك سعود- في التَّورُق المصرفي: "أوصي بمنع التَّورُّق

стр. 195

المصرفي المنظَم، لما فيه من مخالفة وتجاوز، ولما فيه من متاجرة بالدَّيْن والاستهلاك، وتسويق وترويج لهما، وإغراء بهما من خلال الدعاية، ولما فيه من تهجير المال لتستفيد منه السُّوق الدولية، وتحرم منه السُّوق الداخلية" (١). ٣ - يقول الدكتور علي السّالوس -الأستاذ بكلية الشَّريعة بقطر- في التَّورُّق المصرفي: "التَّورُّق المصرفي الذي يجعلُ وظيفة البنك الذي يطبقه هي وظيفة البنك الربوي، وليس الإِسلامي، بيَّنت أنَّه ربا صريح محرَّم. . . فإذا كان التَّورُّق المصرفي هو البديلَ للقروض الربوية، فبئس البديل، وبئس المبدل منه، ولا حاجةَ إذًا لبنوك تُسَمَّى إسلامية" (٢). ٤ - يقول الدكتور حسين حامد حسان -رئيس هيئة الفتوى والرقابة الشرعية ببنك دبي الإِسلامي- في التَّورُّق المصرفي: "إن التَّورُّق المصرفي حيلةٌ محرَّمةٌ؛ لأنَّ المقصودَ بها هو تحليلُ حرام، وهوالحصولُ على النَّقْد الحالّ في مقابل دفع أكثر منه مقبل الأجل، واتخذت سلسلةٌ من البيوع والاتفاقيات، شاركت فيها مجموعةٌ من المؤسَّسات بخطة محكمة، وهذه العُقُودُ لا هدفَ ولا غاية للمُتَوَرِّقين فيها، بل إنها الرابطةُ تجمعُ عقودًا في عقدٍ واحدٍ، وإنْ لم يُصرِّحْ بذلك، لكنه معلومٌ بالقطع من القرائن، والأحوال، وطبيعة المعاملة" (٣). ٥ - يقول الدكتور أحمد علي عبد الله -الأمين العام للهيئة العليا للرقابة الشرعية للجهاز المصرفي، والمؤسَّسات المالية بالسودان- عن التَّورُّق المصرفي: "التَّورُّق المصرفي بجميع أنواعه يأخذُ صورةَ البيع الصحيح، ولكن جوهره يفضي إلى شُبْهة ربوية ظاهرة، تتمثلُ في شراء المُتَوَرِّق بالكثير في مقابل

стр. 196

الأجل، ويبيعُ بالنَّقْد القليل، فإذا استبعدنا السِّلعة صارت المعاملة من قبيل القَرض بشرط الزيادة" (١). ٦ - يقول الشّيخُ محمَّد المختار السلامي -مفتي الجمهورية التونسية سابقًا- في التَّورُّق المصرفي: "فالذي تمَّ هو تعقيدات أدخلتْ على معاملة ربوية بُذلت مجهودات لإخفائها، والله لا تخفى عليه خافية" (٢). ٧ - يقول الدكتور عبد الرحمن يسري -أستاذ المحاسبة بجامعة الإسكندرية- في التَّورُّق المصرفي: "ويجب أن يكون واضحًا إثبات ربوية التَّورُّق المصرفي. . . والقيام بعمليات التَّورُّق المصرفي يذهب بأهداف البنوك الإسلامية، ويخرجها عن أهدافها الحقيقية" (٣). ٨ - يقول الشّيخُ يوسف القرضاوي: "أخالفُ أشدَّ المخالفة الإخوة الذين يبيحون عمليات التَّورُّق" (٤). ٩ - يقول الدكتور محمَّد عبد الحليم -أستاذ المحاسبة ومدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر- في التَّورُّق المصرفي: "إن التَّورُّق المصرفي هو بدايةُ النهاية للبنوك والشركات التي تتعامل به ... وعمليةُ التَّورُّقٍ المصرفي هي في حقيقتها عمليةُ بيعٍ صورية، وليست حقيقية. . . فهو في جوهره قرض ربوي يأخذُ من الناحية الشرعية حكم الرِّبا" (٥). ١٠ - يقول الدكتور شوقي دنيا -أستاذ الاقتصاد، وعميد كلية التجارة بجامعة

стр. 197

الأزهر- في التَّورُّق المصرفي: "التَّورُّق المصرفي له مخاطره الاقتصادية المتعددة. . . هذه المخاطرُ الاقتصادية كفيلة بأن تجعله غير مقبول اقتصاديًا، ومن الناحية الشرعية مرفوضٌ لأنه يؤولُ في النهاية إلى الرِّبا الفاحش" (١). ١١ - يقول الدكتور وهبة الزحيلي -رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق- في التَّورُّق: "أصلُ التَّورُّق في المذاهب جائز، لكنه أصبح جسرًا للتمويل، أو للاقتراض والربح، ولذلك وجب منعه، وتحريمه" (٢). ١٢ - يقول الدكتور يوسف إبراهيم -المستشار العلمي لمركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر- عن التَّورُّق المصرفي: "إن التَّورُّق يصرفُ البنوك التي تتعامل به عن مهمتها الحقيقية، وهي مهمةٌ استثمارية تنموية، فالبنكُ -هنا- يتحول إلى مجرد مقرض للعملاء عن طريق التَّورُّق، ولا يشارك في عمليات استثمارية وإنتاجية حقيقية" (٣). ثانيًا: آراء المجيزين للتَّورُّق المصرفي: ١ - يقول الشّيخُ عبد الله المنيع: "الواقع أنَّه ليس هناك اختلافٌ بين التَّورُّق في القديم والحديث، بل إن التَّورُّق هو التَّورُّق قديمًا وحديثًا، وليسا قسمين، ولا نوعين، وإنما التَّورُّق لدى المصارف الإِسلامية هو التَّورُّق المعروف لدى فقهاء المسلمين ممن ذكروه في كتبهم، وذكروا جوازه، بشرط ألا تعود السِّلعة إلى بائعها الأول عن طريق شرائه إياها، فتصير بذلك العِيْنَة المحرمة" (٤). والغريب أن الشيخَ عبد الله المنيع أجاز جميعَ أنواع التَّورُّق المصرفي، فقد

стр. 198

أجاز التَّورُّق في مرابحات السِّلع الدولية مع المؤسَّسات المالية، بل إنه أجاز التَّورُّق الذي يمكِّنُ العملاء من سدادِ مديونياتهم لدى المصارف التقليدية، والانتقال إلى التَّعامُل مع المصارف الإِسلامية. وقد سبق مناقشة هذا في المبحث الثاني من الفصل الثالث. ٢ - يقول الدكتور محمَّد العلي القريّ -عضو هيئة الفتوى والرقابة الشرعية بالبنك الأهلي التجاري- في التَّورُّق المصرفي: "ولذلك يمكنُ القَولُ أن للتعامل بالتَّورُّق مآلات اقتصادية نافعة على مستوى الاقتصاد" (١) ومن يطَّلع على بحث الدكتور يجد أنه من القائلين بالجواز بشدة، حيث يحاول مناقشة كلِّ ما يقدحُ في عملية التَّورُّق المصرفي. ٣ - يرى الدكتور محمَّد تقي العثماني -رئيس مجلس المعايير الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية بالبحرين، وعضو المجمع الفقهي -أن الأصل في التَّورُّق المصرفي هو الجواز إذا كان بالضَّوابط الشرعية المنصوص عليها في العقد، غير أنه لا ينصحُ بالتوسُّع في مثل هذه العمليات نظرًا إلى المفاسد المحتملة (٢). ٤ - يقول الدكتور موسى آدم عيسى -إدارة الخدمات المصرفية الإسلامية بالبنك الأهلي التجاري- في التَّورُّق المصرفي: "صيغة التَّورُّق التي تمَّ تطويرها، واستخدامها من قبل المصارف، والتي تتضمَّن توكيل العميل للمصرف في إعادة بيع السِّلعة المشتراة، وقيد ثمنها في حساب العميل، هذه الصيغةُ تستوفي في نظري الضَّوابط الشرعية. . . ولا ينبغي التوسُّع في التَّورّق في مجال التَّمويل

стр. 199

التجاري حفاظًا على الآثار الإيجابية الناشئة من استخدام صيغ التَّمويل الإسلامي الأخرى كالمضاربة، والمشاركة" (١). ويمكن أن نستنتجَ الأسبابَ التي جعلت القائلين بالجواز، يقولون بجواز التَّورُّق المصرفي، وهي على النحو التالي: ١ - إما لأنهم لم يتصوَّروا المعاملة تصورًا كاملًا، فالمجتهدُ لابد أن يدرسَ إجراءات المعاملة، والهدف منها، وتأثيرها على الحركة الاقتصادية، ولا بُدَّ أن يعرفَ الأسس الاقتصادية الإِسلامية، فيحتمل أنَّهم حكموا بالجواز، لعدم تصورهم الكامل للعملية. ٢ - وإما لأنهم نظروا إلى صورة العملية مجرَّدة عن غاياتها، وحقيقتها، فمن قصر نظره على الصُّورة فقط، فإنَّه يحكم بالجواز. ٣ - وإما لأنهم يرون أن في هذه العملية تحقيقًا لبعض الاحتياجات، وبعض الأمور الاقتصادية. * * * المطلب الثالث الأدلة والإشكالات والمناقشات بعد عرض موقف الفقهاء وموقف العلماء المعاصرين، والأساتذة، والمختصين الاقتصاديين من التَّورُّق المصرفي، فإنَّه لا يشكُّ أحدٌ في حرمة التورُّق المصرفي، وما ذكر من الكلام عن موقف الفقهاء منه كفيل بتحريم التَّورُّق المصرفي، غير أني سأقومُ بعرض بعض الأمور التي تدلُّ على حرمة هذا

стр. 200

النوع من المعاملات، إضافةً إلى ذِكْرِ بعض الشبه التي تمسك بها من يجيز التَّورُّق المصرفي، ومناقشتها. المسألة الأولى: الأمور الدالة على تحريم التَّورُّق المصرفي: الأمر الأول: أن التَّورُّق المصرفي يدخلُ في بيع العِيْنَة، الذي حرَّمه جمهور الفقهاء؛ لأنَّ العميل (المُتَوَرِّق) لم يذهب إلى البنك إلا رغبة منه في الحصول على نقود، وبذلك نعرفُ أن العميلَ لا يريدُ أن يتحمل تكاليف قبض السِّلعة، ونقلها، وحيازتها، بل يريد التخلص من السِّلعة، وحيث إنه لا يجوزُ بيع السِّلعة على البنك؛ لأنه عينة محرَّمة، فلا سبيل للتخلص من السِّلعة إلا بطريق توكيل البنك في بيعها، "فلولا وكالة المصرف بالبيع نقدًا لما قبل العميل بالشراء منه بأجل ابتداء، فالمصرف يعلن للملأ أنَّه يقدِّم تمويلًا نقديًا على أسس إسلامية، وهذا يعني أن المصرف يلتزمُ بالوكالة بالبيع النَّقْديّ لإتمام التَّمويل بالنَّقْد، ولو انفصلت الوكالة عن البيع الآجل لانهار البرنامج، ولم يوجد التَّمويل أصلًا. . . فالمصرفُ هو مصدرُ السُّيُولة في العملية، وبدون السُّيُولة لا فائدة من العملية من أساسها، وهذا هو نفس الدَّوْرِ الذي يقوم به المشتري الثاني في بيع العِيْنَة؛ لأنه بشرائه نقدًا يكون قد وفر السُّيُولة للعميل، فمن حيث الواقع لا فَرقَ بين كون المصرف وكيلاً وكونه مشتريًا؛ لأنَّ التَّمويل متحقّق على كُلِّ تقدير، والعبرة في العُقُود، والتصرفات للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني" (١) وبهذا نعرفُ أن البنك هو الذي يبيع السِّلعة للمتورق بالأجل، وهو الذي يتولى بيعها نقدًا، فلا فَرْقَ بين هذا وما لو اشتراها البنك لنفسه، فالبنك إذًا يتولى كل شيء ليحقّق السُّيُولة للعميل (المُتَوَرِّق)، وهذا الدور هو نفس دور

стр. 201

البائع الأول في العِيْنَة، وبذلك يمكن أن نقول: إن التكييفَ الفقهيَّ للتورق المصرفي هو: أنَّه عينة محرمة. الأمر الثاني: أن التَّورُّق المصرفي حيلة محرَّمة لاستحلال الرِّبا، بدليل أنها عملية تبدأ وتنتهي في جلسة واحدة، وبمجرد توقيع بعض الأوراق، يكون العميلُ قد اشترى، ووكَّل، وباع، وحصل له ما يريد من النقود مقابل زيادة في ذمته، وهذه هي حقيقة الرِّبا المحرم، فالسلسلة التي نراها من العُقُود والاتفاقيات أثناء عملية التَّورُّق المصرفي، ليست إلا حيلة لتجويز هذه العملية، بدليل أن العميل يشتري السِّلعة، ولا يعرف ماهيتها "وهذه العُقُود لا هدف ولا غاية للمتورقين فيها، بل إنها الرابطة تجمع عقوداً في عقد واحد، وإن لم يصرح بذلك، لكنه معلومٌ بالقطع من القرائن، والأحوال، وطبيعة المعاملة" (١). وبذلك يمكن أن نقول: إن التكييفَ الفقهيَّ لهذه العملية هو أنها حيلة لاستحلال الرِّبا. وإذا ثبت أن التَّورُّق المصرفي حيلة من الحِيَل، فإن العلماء ﵏ يرون أن ارتكاب الحِيَلة أشدّ إثمًا من ارتكاب المحرم مباشرة، يقول ابنُ القيم: "ولهذا مسخ الله اليهود قردة لما تحيلوا على فعل ما حرمه الله، ولم يعصمهم من عقوبته إظهار الفعل المباح، لما توسَّلوا به إلى ارتكاب محارمه. . . فإن اليهود لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها، فإنها بعد الإذابة يفارقها الاسم، وتنتقل إلى اسم الودك، فلما تحيَّلُوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك. . . فإن من أراد أن يبيع مئة بمئة وعشرين إلى أجل، فأعطى سلعة بالثمن المؤجَّل، ثمَّ اشتراها بالثمن الحال، ولا غرض لواحد منهما في السِّلعة بوجه ما، وإنما هي كما قال فقيه الأمة: دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة (٢) فلا

стр. 202

فرق بين ذلك وبين مئة بمئة وعشرين درهمًا بلا حيلة البتة، لا في شرع، ولا في عقل، ولا عُرف، بل المفسدة التي لأجلها حرّم الرِّبا بعينها قائمة مع الاحتيال، أو أزيد منها، فإنها تضاعفت بالاحتيال، لم تذهب، ولم تنقص، فمن المستحيل على شريعة أحكم الحاكمين أن يحرِّمَ ما فيه مفسدة، ويلعن فاعله، ويؤذنه بحرب منه ورسوله، ويوعده أشد الوعيد، ثمَّ يبيحُ التحيل على حصول ذلك بعينه، سواء مع قيام تلك المفسدة وزيادتها بتعب الاحتيال في معصية ومخادعة الله ورسوله، هذا لا يأتي به شرعٌ، فإن الرِّبا على الأرض أسهل وأقل مفسدة من الرِّبا بسلم طويل صعب التراقي، يترابى المترابيان على رأسه" (١). الأمر الثالث: نستطيع أن نعرفَ حرمةَ التَّورُّق المصرفي من خلال تطبيق قاعدة [المدخلات، والمخرجات]، فإن هذه القاعدة تعني: أن الاعتبار مرتبط بالمحصلة النهائية للعملية، ولا عبرة بما دخل في العملية ولا بما خرج، بمعنى أنه لا عبرة بما توسط العملية من عقود، بل العبرة بالمحصِّلة النهائية، والمحصِّلة النهائية لعملية التَّورُّق المصرفي هي: نقد حاضر يحصل عليه العميل (المُتَوَرِّق) مقابل زيادة في ذمته، وهذه هي حقيقة الرِّبا. الأمر الرابع: أن التَّورُّق المصرفي يقومُ على عدة عقود، وهذه العُقُودُ تكون صحيحة إذا استوفت شروطها، والواقع يدلُّ على أن هناك ارتباط بين تلك العُقُود، "فالبنك يشتري السِّلعة بناء على اتفاقية سابقة مع شركة معينة وهو لم يكن ليشتري السِّلعة إذا لم يتوقعْ أن هناك متورقين مستعدين لشرائها، والمستورق لا يشتري بالقطع، إلا لأنه يعلمُ أنَّه يبيعُ ما اشتراه بثمن مؤجَّل بنقد حال أقل منه. . . فهذه العمليةُ يجب الحكم عليها في مجموعها، أي: باعتبارها عملية واحدة، وإن تعددت أطرافها وعقودها دون الحكم على كل عملية، أو

стр. 203

عقد منها على انفراد، ثمَّ ينظر إلى قَصد أطراف المعاملة، وهو أنهم يتعاونون على الوصول إلى هدف واحد تتحد فيه إرادتهم، هو توفير مبالغ نقدية للمتعاملين حتى يدفعوا أكثر منها بعد أجل. . . ولا شكَّ في أن غايةَ هذه العملية محرَّمة، ونتيجتها ممنوعة شرعًا، ألا وهي حصولُ المُتَوَرِّقين على نقودٍ حالّة في مقابل الالتزام بنقود أكثر منها بعد أجل، وللمجموع في الشَّريعة حكم يختلف عن حكم كل فرد من أفراده، فكل من بيعتي العِيْنَة مباح لاستيفاء الأركان والشروط، ويحرم اجتماعهما؛ لأنَّ هذا الاجتماعَ قرينةٌ قوية على قصد الحصول على نقد في الحال، ودفع أكثر منه في المستقبل، والسِّلعة محلل لذلك" (١). الأمر الخامس: أن التَّورُّق الفردي بصورته البسيطة العفوية قد اختلف العلماء في حكمه اختلافًا قويًا، وعدّه المانعون بأنّه ذريعة إلى الرِّبا، بل بعضهم كابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما ﵏ منعوه لزعمهم أن المعنى الذي لأجله حرم الرِّبا موجود فيه، فما بالك بالتَّورُّق المصرفي البالغ التعقيد، الكثير الأطراف؟! بل إن بعض الفقهاء حرَّموا التَّورُّق الفردي لوجود قرائن تدلُّ على أن العملية اتخذت صورةَ التنظيم، فما بالك بالتَّورُّق المصرفي الذي بلغ غاية التنظيم والترتيب، والعلماء لما منعوا التَّورُّق الفردي لوجودِ صورةِ التنظيم، إنما منعوه لأنَّ التنظيمَ يدلُّ على أن القصد من العملية تحصيل نقد مقابل زيادة في الذمة. الأمر السادس: أن الحكم الشرعي إنما جاء ليحقّق مصالحَ الناس في شتى مجالات حياتهم الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والمصلحة الاقتصادية تقتضي منع التَّورُّق المصرفي، فإن تقويمَ هذه المعاملة من الناحية الاقتصادية يعكسُ لنا صورةً من أضرارها الاقتصادية على المجتمع، فعمليةُ التَّورُّق

стр. 204

المصرفي لا تفيد الحياة الاقتصادية بقدر ما تضرُّها، حتى لو كانت طريقًا للحصول على السُّيُولة، فإن الرِّبا يحقّق السُّيُولة للمقترض، ولم يعنِ هذا جوازه، فالمنافع الاقتصادية التي يحقّقها البيع والشراء الحقيقي معدومة في التَّورُّق المصرفي، وبيان هذا يتَّضحُ في الآتي: "أن البيع مبادلةٌ لشيئين مختلفين، واختلاف البدلين هو الذي يسمح أن تكون المبادلة نافعة للبائع والمشتري" (١). فكل طرف في المبادلة يبذل ليأخذ ما يحتاج إليه، وعملية التبادل التي تتمُّ بواسطة البائع والمشتري هي بدورها تقوم بتنشيط حركة السُّوق، والتي تفيد الحياة الاقتصادية، فالبائع يأخذ الثمنَ ليستفيد منه في قضاء حاجاته، والمشتري يأخذ السلعة ليستفيد منها إما بالاستهلاك، أو بالاستثمار، وهكذا لتبقى الحياة الاقتصادية نشيطة دون فتور، أو كساد. وأما عمليةُ التَّورُّق المصرفي فهي في حقيقية الأمر مبادلةٌ بين متماثلين كالقرض باشتراط الفائدة، فهي في الحقيقة تحصيل نقد مقابل زيادة في الذمة، واتخذ البيع ستارًا لذلك، فعملية التبادل في التَّورُّق المصرفي معدومة النفع بحكم أن العملية كانت بين بدلين متماثلين، وعملية التبادل لا تجدي، ولا تنفع الحركة الاقتصادية إلا إذا كان البدلان مختلفين، كما يجري في البيع والشراء الحقيقي، ولذلك فإن المجتمع إذا فشتْ فيه عمليات التَّورُّق المصرفي، فإنَّه حتمًا سينعدم النشاط الاقتصادي المنتج، وتعم المدْيُونيَّة، ويزداد الغنيّ غنى، والفقير فقرًا تمامًا كالأضرار الناجمة عن الرِّبا. الأمر السابع: أن التَّورُّق المصرفي لا يحقّق فلسفةَ التَّمويل في الإسلام، وبيان هذا كالآتي: أن التَّمويل يخدمُ البيع والشراء، الذي يحقّق مصلحة كلِّ من البائع والمشتري، بمعنى أن النشاط الاقتصادي الذي تقوم عليه الحياة هو

стр. 205

معاملات البيع والشراء الفعلي، والتَّمويل وسيلة لإتمام عمليات البيع والشراء، وإنجازها (١)، وبالمثال يتَّضح المقال: عقد السلم يحتاج للتمويل حتى يتم؛ لأنَّ البائع لا يملك المسلَّم فيه لإتمام العملية، وليست عنده سيولة نقدية، فيحتاج البائع تمويلًا ليستطيعَ من خلاله أن يعملَ حتى يحقّق رغبة المشتري، فالتَّمويلُ في عقد السلم يكون تابعا وخادمًا لعملية البيع والشراء، ولتتضح الصُّورةُ أكثر نضرب مثالًا آخر: في عقد الاستصناع يكون صاحبُ العمل مفتقرًا للتمويل -أي: للسيولة النَّقْديّة -لشراء المواد الأولية، والتي من خلالها يستطيع أن يقوم بالعملية الإنتاجية المطلوبة منه، ولولا التَّمويلُ لما تمَّت عملية الاستصناع، فالتَّمويلُ في عقد الاستصناع جاء خادمًا، وتابعًا لعقد الاستصناع. وبذلك نعرف أن الحاجة للتمويل تنشأ إذا كان أحدُ الطرفين لا يملك العوض اللازم، لإتمام العملية، كالبائع في عقد السلم، فإنَّه لا يملك المسلّم فيه حين التعاقد، وكذلك صاحب العمل في عقد الاستصناع لا يملك ما طلب منه حين التعاقد، ولذلك كان لا بُدَّ من تمويل البائع في عقد السلم، وصاحب العمل في عقد الاستصناع حتى تتمّ كلتا العمليتين. إذًا نعرف الآن أن فلسفةَ التَّمويل في الإسلام هي: أن التَّمويل لا بُدَّ أن يكون تابعًا وخادمًا للمبادلات الاقتصادية (٢) حتى تتمَّ تلك المبادلات كعقد السلم، وعقد الاستصناع، يكون التَّمويل فيهما خادمًا للعمليتين حتى تتمّان،

стр. 206

وليس العكس، بأن تكون عملية البيع والشراء خادمة للتمويل، وإذا كان التَّمويلُ خادمًا وتابعًا للمبادلات الاقتصادية، فسيكون نافعًا للنشاط الاقتصادي. وبناء على ما سبق، فإن الأمر إذا انعكس وصارتِ المبادلاتُ الاقتصادية كالبيع والشراء متابعة للتمويل، وخادمة له، فقد انعكست فلسفة التَّمويل في الإسلام، ليكونَ التَّمويلُ بهذا الانعكاس وسيلةً لتدمير النشاط الاقتصادي. وحينما نتأمل عملية التَّورُّق المصرفي نجد أن عملية البيع والشراء في العملية جاءت لتكون خادمة للتمويل، بمعنى أن العميلَ محتاجٌ لسيولة نقدية،-أي: لتمويل- فيذهب إلى البنك، ليدخل مع البنك في عملية شراء وبيع وتوكيل، ليحصل على التَّمويل، فالعميلُ حين ذهابه إلى البنك لا يريد السِّلعة، ولا يقصد الشراء ولا البيع، بل مراده الحصول على التَّمويل، ولكي يحصل على التَّمويل لا بُدَّ أن يدخل في عملية تورق مع البنك، وبهذا نعرف: أن البيع والشراء في عملية التَّورُّق المصرفي صار خادمًا وتابعًا للتمويل، بمعنى أن البيعَ والشراء صار وسيلةً لتحقيق التَّمويل، وإذا كان البيعُ والشراء خادمًا للتمويل، فإن التَّمويلَ حينئذ يكون أداة لتدمير النشاط الاقتصادي. فالشرع المطهَّر جعل التَّمويل خادمًا وتابعًا للمبادلات الاقتصادية، وبالتَّورُّق المصرفي يكون التَّمويلُ مخدومًا بدل أن يكون خادمًا، ومتبوعًا بدل أن يكون تابعًا. المسألة الثانية: الإشكالات المتعلقة بإجراءات عملية التَّورُّق المصرفي: بعضُ الباحثين حَكَمَ بجواز التَّورُّق المصرفي لسلامة العُقُود التي يقوم عليها، ولاستيفائها الشروط والأركان، فالبعضُ قصر نظره على الصُّورة فقط، ولم ينظر إلى الحقيقة، فحكم بالجواز، والحقيقةُ أن إجراءات عملية التَّورُّق

стр. 207

المصرفي يكتنفها بعض الغموض والإشكالات، التي تكون كفيلة لمنع هذه العملية، ولو فرضنا أن حقيقة العملية، وغايتها مشروعة، فإن الإشكالات الموجودة في إجراءاتها تقتضي منع العملية، وهذه الإشكالات هي على النحو التالي: ١ - إشكال يتعلق بالسِّلعة وقبضها: من المعلوم أن أغلبَ عمليات التَّورُّق المصرفي تتمُّ عبر البورصات العالمية، والحقيقة أن السِّلعَ التي تجري عليها عملياتُ التَّورُّق لا وجودَ لها في الواقع العملي؛ لأنَّ الذي يُتداول في البورصات العالمية هو ما يُعرَف بإيصالات المخازن، فالبضائعُ التي يُراد بيعها عن طريق البورصات تُرسَل أولًا إلى أحد المخازن -مثل مخزن روتردام الأكثر شهرة- وبعد التفريغ، واتخاذ الإجراءات اللازمة تبدأ عملية الوزن لوحدات متساوية، وكل وحدة تزن (٢٥) طنًا، وبعد الوزن تكتب البيانات الكاملة المتصلة بهذه الوحدة، فيكتب الجنس، والصفات. . . إلخ. وهذه الورقةُ المكتوبة هي إيصالُ المخازن، وهي التي تتداول في البورصات، ولا يوجد مصرف من المصارف الإسلامية تسلَّم سلعة من السِّلع، أو تسلم الإيصالات الأصلية. ولذلك فإن المصارف الإسلامية يعرضُ عليها ثمن شرائها الحال، وبيعها الآجل في وقت واحد، فالبنك الأهلي -مثلًا- لا يشتري ويتسلم إيصالات المخازن، التي تثبت الملكية، ثم يبيع، ويسلم هذه الإيصالات للمشترين المُتَوَرِّقين، وإنما تمَّ الاتفاق بينه وبين من يقوم بدور البائع، ومن يقوم بدور المشتري من الشركات العالمية، فالذي يثبتُ الملكية هو ورقة من الشركة، التي تقومُ بدور البائع، وليس إيصالات مخازن، والمعروف عند بعض البنوك، والشركات العالمية، أن عدمَ وجود إيصالات مخازن أصلية يعني عدم وجود

стр. 208

سلع، وبهذا نعرف أن الأمرَ لا يعدو أن يكون قيودًا لا يقابلها شيء في الواقع العملي، وقَولُ ابن عباس: (دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة) (١) لا ينطبق على التَّورُّق المصرفي، فحتى هذه الحريرة غير موجودة، وإنما دراهم بدراهم، ليس بينهما شيء إلا ورقة مكتوبة (٢). وعلى فرض وجود سلعة، فإن هناك إشكالًا آخر يتمثل في القبض، فالبورصات العالمية تجري فيها بيوع كثيرة في لحظات بسرعة فائقة، ونتيجة السرعة فإنه "لا تُراعى فيها الشروط الشرعية من تعيُّن المبيع، وإفرازه عن غير المبيع، ومن كون المبيع. في ملك البائع وحَوْزته، وإنما تقع البيوع المتعددة بتبادل الأوراق، وهي في كثير من الأحيان لا تمثل بضاعة معينة، وإنما تمثل حقّ الحامل في تسلم كمية من المخازن التي تودع فيها آلاف الأطنان من نفس السِّلعة، والكمية التي تمثله هذه الأوراق غير متميزة عن الكمية الباقية، فلا تأتي الكميةُ المشتراةُ في ضمان المشتري، ويبيعها المشتري إلى آخر قبل أن تتميزُ وتضمن من قبل المشتري، فيقع فيها محظور ربح ما لم يضمن" (٣) فالبنكُ إذا اشترى السِّلعة من الشركة البائعة بقصد بيعها على المُتَوَرِّقين بربح، فإنَّه يقعُ في محظور ربح ما لم يضمن، وذلك لأنَّ البنك يشتري السِّلعة، ولا يقبضها، فيبيعها على المُتَوَرِّق بربح، وقد قال رسولُ الله ﷺ : "لا يحلّ سلف، وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن" (٤)، وعلى فرض أن السِّلعة قد

стр. 209

عُينت، وحُدِّدت، والقول بـ (القبض الحكمي) الذي يحكم بانتقال الضَّمان بمجرد العقد إذا تعينت السِّلعة، فإننا نقعُ في إشكالية أخرى، وهي: أن القبضَ الحكمي كما يكونُ طريقًا للتيسير، فإنَّه يكونُ طريقًا للاحتيال والتلاعب، فعمليةُ التَّورُّق المصرفي "تتمّ برأس مال كبير، وسرعة فائقة، فاحتمالُ التلاعب فيها وارد، وبخاصة أن التَّعامُل في أصله مع جهات أجنبية تجهل الدِّيْن وأحكامه، بل لا تدين به، وقد يكون الطرفُ الآخر ممن لا يأنف الرِّبا أيضًا، وهذا لا يناسبه الاعتبار بالقبض الحكمي" (١). والذي يؤيد أن القبض الحكمي صار طريقًا للتلاعب والاحتيال في البنوك: أن السِّلعة لا تبرحُ مكانها، مع أنَّه يجري على تلك السِّلعة العشرات من العُقُود، ومن اطلع على بيانات بعض العُقُود يجد أن رقم السِّلعة، التي هي محلّ العملية، يتكرر دائمًا في عمليات كثيرة، مما يدلُّ على أن السِّلعة جامدة في مكانها. والغريب الذي يثيرُ الإعجابَ أن الإجراءات العملية للتورق المصرفي تؤكد بشدة وجود القبض في العملية، حتى تكون صورة عقد التَّورُّق المصرفي صحيحة، فهم يؤكدون أن العميل (المُتَوَرِّق) سيقبض السِّلعة حكميًا، والبنك بتأكيده وجود القبض في العملية إنما يريدُ أن يثبت أن عملية التَّورُّق المصرفي مستوفية الشروط والأركان، وعلى فرض وجود القبض في العملية، فإنَّه لا يشترطُ -هنا- في حقّ المُتَوَرِّق؛ لأنَّ النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن، والمُتَوَرِّق لا يربح أصلًا، بل إنه يخسرُ بدليل أنه يبيع السِّلعة بثمن أقل من الثمن المؤجَّل، وبما أن المُتَوَرِّق لا يربحُ، فلا يشترط القبض في حقّ المُتَوَرِّق، وأما في حقّ البنك فالقبضُ مشروطٌ؛ لأنَّ البنك يربحُ في السلعة دون قبض، فيقع في نهي النبي ﷺ (ولا ربح ما لم يضمن).

стр. 210

٢ - إشكال يتعلق بالوكالة: باستقراء أحكام الوكالة عند العلماء، نجدُ أن الوكيلَ مطالب بالعمل لتحقيق مصلحة موكله، فإذا عمل بما يضرُّه فعلى الوكيل الضمان، يقول ابن قُدامة: "وإن باع بأقل من ثمن المثل. . . أو باع بدون ما قدره له، فحكمه حكم من لم يؤذن له في البيع والشراء. . . وعن أحمد: أن البيع جائز، ويضمن الوكيل النقص" (١). ويقول البهوتيُّ: "وإن باع هو أي وكيل ومضارب بدون ثمن المثل. . . أو باع بأنقص مما قدّره له الموكل، أو ربّ المال، صحَّ البيع. . . وضمنا" (٢). ومن يطلع على أحكام الوكالة يجد الكثير من الأحكام التي تفيد أن مقصود عقد الوكالة هو العمل لمصلحة الموكل، ولذلك منع الفقهاء الوكالة إذا كانت التهمةُ تلحق الوكيل كأن يبيعَ الوكيل لنفسه، أو لولده (٣). والمُتَوَرِّق في عملية التَّورُّق المصرفي بعد شرائه السِّلعة، يقومُ بتوكيل البنك في بيعها بأقل من الثمن الذي اشتراها به، وفي هذا خسارة على المُتَوَرِّق، فالبنك هنا يعمل لتحقيق مصلحة نفسه، ولا يعملُ لتحقيق مصلحة موكله؛ لأنه يبيع السِّلعة ابتداءً على العميل بربح، ثم يكون وكيلًا عن المُتَوَرِّق ليبيع السِّلعة بخسارة، وهذا أمرٌ معروفٌ لا بُدَّ منه في عمليات التَّورُّق المصرفي، فصار بهذا العرف كأنه مشروط، بمعنى أن البنك كأنه يشترطُ على العميل بأن يبيعه السِّلعة بربح، ثمَّ يكون وكيلًا ليبيع السِّلعة بخسارة، وهذا إشكال قويٌّ في عقد الوكالة، الذي يكون في عمليات التَّورُّق المصرفي.

стр. 211

٣ - إشكال يتعلق بخيار العميل في توكيل المصرف وعدمه: تنصُّ الإجراءاتُ العملية لعمليات التَّورُّق المصرفي على أن العميل (المُتَوَرِّق) له الخيار في توكيل البنك لبيع السِّلعة وعدمه، فعلى سبيل المثال: جاء في المنشورة التعريفية لبرنامج (تيسير الأهلي) قولهم: "للعميل الحقّ في أن يتسلَّم سلعته في مكان تسليمها إذا رغب في ذلك، أو أن يوكل البنك في بيعها نيابة عنه" (١). والحقيقة أن وجودَ هذا الخيار كعدمه؛ لأنَّ العميلَ لم يأتِ إلى البنك إلا رغبة منه في الحصول على السُّيُولة النَّقْديّة، وهو يعلمُ أنَّه لا سبيل لتحصيلها إلا بالتوكيل، فلولا الوكالة لما أتى العميل للبنك، فتكون الوكالة كأنها أمرٌ مشروطٌ في العملية؛ لأنَّ المعروفَ عرفًا كالمشروط شرطًا، والمعروف أن عمليات التَّورُّق المصرفي لا تقومُ إلا على التوكيل، بدليل أنَّه لا توجد عملية تورق في البنوك خالية من التوكيل، وبهذا نعرف أن هذا الخيارَ لا وجودَ له في الواقع العملي. "وإنما العبرةُ هل يملك المصرف الخيار في قبول التوكيل وعدمه؟ والجواب: أن المصرفَ لا يملكُ هذا الخيار؛ لأنه التزم مسبقًا مع المشتري النهائي، وإذا كان كذلك كانت المعاملة عينةً ثنائية؛ لأنَّ المصرف ضامنٌ للثمن النَّقْديّ، ولا فَرْقَ في هذه الحالة بين أن يشتريها هو أو غيره؛ لأنَّ العبرةَ بالضَّمان، وهو حاصلٌ على كل تقدير" (٢). ٤ - إشكال يتعلق بالاتفاقات السابقة على عقد البيع: عرفنا فيما سبق -في تصوير التَّورُّق المصرفي- أن البنك يعقدُ اتفاقات مع

стр. 212

شركة بائعة تبيع على البنك السِّلع، التي هي محلّ عملية التَّورُّق، وكذلك تعقد مع شركة باعتبارها مشتريًا نهائيًا في عملية التَّورُّق المصرفي، وهذه الشركةُ المشترية تلتزم بموجب الاتفاقية بالشراء النهائي للسلع التي يبيعها البنك وكالة عن العميل "وهذا الالتزام ضمان للسعر المباع به أن لا يتجاوز حدودًا معينة حماية من تقلب الأسعار، علمًا أن السعر المتفق عليه يتضمَّن عمولةً للمشتري النهائي مقابل الضمان، ويقابل هذا الضمان التزام المصرف بالبيع عليه، بمعنى أنَّه لا يحقّ للمصرف أن يبيعَ السِّلع في السُّوق حتى لو ارتفع سِعْرُها عن السعر المتفق عليه مع المشتري النهائي، وبذلك يكون هذا الضمانُ من الطرفين: المصرف بأن يبيع على المشتري النهائي، والمشتري النهائي بالشراء بالثمن المحدد" (١). والإشكال هنا من وجهين: أ- أن هذا الالتزامَ يصدرُ قبل توكيل العميل، بل قبل مجيء العميل للبنك، فيكون الالتزامُ في غير محلّه؛ لأنَّ البنكَ لا يملكُ التصرف في مال غيره قبل الإذن، ثمَّ إن هذا الالتزام قد يخالفُ مصلحة العميل إذا ارتفع سعر السُّوق عن السعر الملتزم به، فالبنك يبيعُ بالسعر المتفق عليه. ب- أن عملية التَّورُّق المصرفي بهذا الالتزام يكون حاصلها التزام البنك بتوفير النَّقْد مقابل دين له في ذِمَّةِ العميل، فالبنكُ يلتزمُ ببيع السِّلعة بالثمن المحدد لتوفير النَّقْد للعميل، وهذا هو دورُ البائع في العِيْنَة، فإنَّه يلتزم بتوفير النَّقْد للعميل (٢). ٥ - التعسف الموجود في عملية التَّورُّق المصرفي: لا تخلو عملية التَّورُّق المصرفي من بعض التعسفات، التي تؤكِّد الحكم

стр. 213

بتحريم هذه العملية، فقد أوضح بعضُ الباحثين أن هناك إشكالًا متعلقًا بما في العقد بين البنك والعميل من تعسف، ومن ذلك: أ- اشتراط البنك على العميل إسقاط خيار الردّ بالعيب، كما جاء في بعض المنشورات التعريفية: "ليس للبنك علاقةٌ بعد توقيع هذا العقد بالسِّلعة" (١). والحقيقة أن العميل لا يشاهد السِّلعة أصلًا، فكيف سيكون له الخيار؟! بمعنى: أن خيار الرد بالعيب إنما يستفيدُ منه الشخص الذي يرى السِّلعة، ويكتشف العيب، والعميل في عملية التَّورُّق المصرفي لا يرى السِّلعة أصلًا، بل قد لا يعرف ماهيتها، فكيف سيكون له خيار الرد بالعيب وهو لم يرَ السِّلعة أصلًا؟! فلا أسلم للباحث ثبوت خيار الرد بالعيب للعميل، ولكن قد يقال: كون البنك يخلي مسؤوليته بالكامل بعد توقيع العقد فيه نوع من التعسف، لإسقاط حقّ العميل في خيار المجلس. ب- ومن التعسف الذي يوجد في العملية "اشتراط تحميل العميل رسومًا إدارية، تتراوح من (٧٠٠ - ٢٠٠٠) ريال تختلف باختلاف البنك والمعاملة، زعموا أنها مقابل ما يتكبده البنك من أعباء إدارية في سبيل البيع على العميل" (٢). المسألة الثالثة: الشبه التي تمسَّك بها من أجاز التَّورُّق المصرفي ومناقشتها: الشُّبهة الأولى: أن التَّورُّقَ المصرفي بديلٌ شرعي عن عقد القَرْض الربوي، وبذلك يكون أهونَ من الوقوع في الرِّبا، فالدخولُ في عملية التَّورُّق المصرفي

стр. 214

يؤدي إلى خَفْض القروض الربوية "حيث انحسرت نسبة نشاطها بمقارنها بنسبة استخدام التَّورُّق إلى (٣٠ %) واستحوذ التَّورُّق على (٧٠%) وبزيادة مستمرة" (١). وبمكن الجواب عن هذه الشُّبهة بالآتي: إذا كنا سنتحدث بمنطق هذه الشُّبهة، فإن العِيْنَة ستكون أهونَ من الوقوع في الرِّبا، ونكاح المتعة أهون من الوقوع في الزنى، وارتكاب الحِيَل أهونُ من الوقوع في المحرم مباشرة، وكون التَّورُّق المصرفي يؤدي إلى خفض القروض الربوية لا يعني جوازه؛ لأنَّ التَّورُّق المصرفي يأخذ حكم الرِّبا بل يكون أشد، إذ فيه تكلفةٌ ليست في الرِّبا، فإن الرِّبا يُعَدُّ من أسهل وأيسر الطرق لتحصيل النَّقْد، والمعنى الذي لأجله حرم الرِّبا موجودٌ في التَّورُّق المصرفي مع زيادة الكلفة، والمشقة، والتلاعب، والتحايل في التَّورُّق، وخفض القروض الربوية مطلب شرعي يجب على كل المسؤولين العمل، لتحقيق ذلك في ظل القواعد والضَّوابط الشرعية، أما أن نسعى لخفضها بحيلٍ محرَّمة كالتَّورُّق المصرفي فغير مشروع، ثمَّ إن بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا كان بالضَّوابط الشرعية، فإنه يؤدي إلى خفض القروض الربوية، فلماذا نلجأ إلى عملية كاد العلماء يجمعون على تحريمها، ونترك ما هو مشروع؟! الشُّبهة الثانية: أن الرِّبا لا يتحقّقُ إلا باجتماع شخصين دافع للربا، وآخذ له، فإذا اعتبرنا أن المُتَوَرِّق هو دافع الرِّبا، فمن هو الآخذُ في التَّورُّق المصرفي؟ ويمكن الجواب عن هذه الشُّبهة بالآتي: أن آخذ الرِّبا في عملية التَّورُّق المصرفي هو آليةُ المصرف التي تروّج للتورق المصرفي، وتجعل منه صيغة تمويلية (٢).

стр. 215

الشُّبهة الثالثة: أن التَّورُّق المصرفي يجوزُ بناءً على رأي الشافعي في العِيْنَة والحِيَل، فالشافعي يرى جواز العِيْنَة والحِيَل، فيكون التَّورُّق المصرفي جائزًا. ويمكن الجواب عن هذه الشُّبهة بالآتي: أن الشافعيَّ أجاز العِيْنَة بضوابط لا توجد في التَّورُّق المصرفي، فالتَّورُّق المصرفي لا يدخلُ في العِيْنَة التي أجازها الشافعي، وقد سبق بَسْطُ هذا الأمر في موقف الشافعية من التَّورُّق المصرفي. الشُّبهة الرابعة: أن التَّورُّق المصرفي صيغة استثمارية يستفيدُ منها الأشخاص، والمؤسَّسات المالية. ويمكن الجواب عن هذه الشُّبهة بالآتي: القول بأن التَّورُّق المصرفي صيغة استثمارية يخالف الواقع؛ "لأنَّ القصدَ منه هو الحصول على سيولة، والعمليةُ في ذاتها ليست استثمارًا، والقَولُ بأن المُتَوَرِّق سوف يستخدم النقود في مشروع استثماري بعيد عن الواقع، ولا يستقيم مع المنهج العلمي، فسلسلة العُقُود والاتفاقيات بين المؤسَسات التي تقومُ بهذه العمليات ليست عقودَ استثمار بصيغة شرعية، ولكنها موجهة جميعًا لغرض واحد، هو توفير النقود للمتورق (١). الشُّبهة الخامسة: أن التَّورُّق المصرفي لا يدخل في العِيْنَة المحرمة؛ لأنَّ العلاقة في بيع العِيْنَة هي علاقة ثنائية، بمعنى: أن العِيْنَة تكونُ بين طرفين فقط، وأما الأطرافُ المشتركة في عملية التَّورُّق المصرفي قد تصل إلى أربعة أطراف كما سبق ذكره، فلا تدخل هذه العمليةُ في بيع العِيْنَة المحرم. ويمكن الجوابُ عن هذه الشُّبهة بالآتي: لا نسلّم بأن العِيْنَة تكون بين طرفين فقط، فقد ذكرت في صور العِيْنَة أنها قد تكونُ بين ثلاثة أطراف، وهي التي تُسَمَّى بـ (العِيْنَة الثلاثية) لأنها حصلت بين ثلاثة أطراف، وجيء بالثالث
следующие страницы →