← Сияса и кади

Сияса и кади · id 17810

توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية

عبد الله بن محمد الخنين

Полный текст (1 181 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية: مما تقرر من الأحكام والضوابط في هذه الواقعة ما يلي: ١ - أَنَّ للقاضي استنباط ثبوت الواقعة وحقيقتها والأوصاف والمعاني المؤثرة فيها من كلام الخصمين وبيِّنَاتهما حسب طرق الاستنباط وأصوله وأوجه الدلالة المقررة كما هو مبين في هذا الكتاب. فقد استنبط القاضي من عدم تسليم الثمن مع كثرته، والإقرار بقبضه، وكون المزرعة لا زالت في يد المدعى عليه منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وأَنَّ للتعامل الذي دفع به المدعى عليه أصلًا- أَنَّ البيع المقرّ به صوريٌّ، وأَنَّ حقيقة التعامل بينهما رهن لا بيع. ٢ - تصريح القاضي بتَوْصِيفِ الواقعة عند الاقتضاء، فقد قرر القاضي أَنَّ حقيقة التعاقد بين المترافعين على المزرعة رهن لا بيع. ٣ - الحكم بخلاف إقرار الخصم إذا كان ثَمَّ قرينة قوية تؤيد الدعوى، بدليل قصة المرأتين الوارد سياقها في أسباب الحكم. ٤ - أَنَّ ما أبعدته العادة أَوْ أحالته من الأقارير والشهادات ونحوها فهو مردود كما حققه العلماء ومنهم العز بن عبد السلام الوارد نَصُّ كلامه في سياق أسباب الحكم. ٥ - العمل بالقرينة في إثبات عقود التلجئة ونحوها. * * *

стр. 1017

المبحث السادس قضية في دعوى شراء جزء مشاع من عقار وفيه: * عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها. * الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.

стр. 1018

عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها: الوقائع: تتلخص وقائع الدعوى ادعاء المدعي: أَنَّه اشترى من المدعى عليه أمتارًا حددها مشاعًا من أرض وصفها، وطلب توثيق هذا البيع بالإفراغ له. وتتلخص إجابة وكيل المدعى عليه: بأَنَّ المدعي سَلَّم لموكله (المدعى عليه) ستة آلاف ريال ثمن أمتار من الأرض المذكورة، وما عداها فلا حق له فيه، ثم حضر المدعى عليه أصالة، وأنكر الدعوى وأَنه استلم من المدعي أي ثمن لأيِّ متر من الأرض المدعاة، وقرر بأنَّ المدعي لم يشتر منه أي شيء من الأرض. الحكم وأسبابه: لقد أنهى القاضي القضية بحكم مُبَيَّن الأسباب. جاء فيه: إنَّه بعد دراسة القضية وتأملها، وبما أَنَّه ليس للمدعي بينة موصلة على ما يدعيه، ذلك بأنَّ إقرار الوكيل الأول لا يُعْتَدُّ به؛ لأَنَّ المدعى عليه أصالة قد أنكره، والوكيل وكيل في الدعوى، ولم يصرح له بالإقرار في وكالته، جاء في المنتهى وشرحه [٢/ ٣١٥]:

стр. 1019

"وليس للوكيل في الخصومة إقرار على موكله مطلقًا نَصًّا، كإقراره عليه بقود وقذف، وكالولي"، وأَمَّا شهادة المدعو ... فإنَّه يشهد لنفسه بالحوالة التي استلمها من المدعي (١)، فهو بذلك يجرُّ لنفسه نفعًا بهذه الشهادة، ويدفع عنها ضررًا؛ إذ إنَّ الشاهد المذكور لو أنكر استلامه للحوالة من المدعي لاستطاع المحال عليه -وهو المدعي حالًا- مخاصمة الشاهد المذكور واستحلافه عند الإنكار، وتكليفه بالتسليم عند النكول، والحوالة لم تثبت ببينة، وإنَّما تصادق المحال -وهو الشاهد المذكور- والمحال عليه -وهو المدعي -عليها مع إنكار المحيل -وهو المدعى عليه- فشهادة الشاهد المذكور لا تعدو أَنْ تكون إقرارًا باستلام الحوالة لا شهادة، ولا يخفى بأَنَّ الإقرار حجة قاصرة على المقرّ فقط، ولا يتعداه إلى غيره، ثم إنَّه لم يرد في كلام الشاهد المذكور بيان مقدار الأمتار المباعة، ولا ثمن المتر، وهذه جهالة في الشهادة، والمجهول ينزل منزلة المعدوم كما ذكره ابن رجب في قواعده [القاعدة ١٠٦]، وذكره ابن تَيْمِيَّة في مجموع الفتاوى [٢٩/ ٢٦٢، ٣٣٢]، كما أنَّ شهادة الشاهد المذكور في حقيقتها ادّعاء الحوالة لنفسه، ولم يثبت هذا الادعاء، وأَمَّا شهادة المدعو ... فإنَّها غير مقبولة؛ لأنَّه شهد لنفسه وللمدعي، وشهادته لنفسه مردودة، فكذلك شهادته للمدعي، جاء في الكافي لابن قدامة

стр. 1020

[٤/ ٥٣١] ما نَصُّه: "فصل: وتمنع التهمة قبول الشهادة، وهي ستة أنواع- حتَّى قال- النوع الخامس: من شهد بشهادة ترد في البعض ردت في الكل"، وأَمَّا الشاهد المدعو ... فإنَّه لم يشهد بالمدعى به، ولا بما يَدُلُّ عليه، وكذلك الشاهد ... فإنَّه لم يوضح المشهود به ومقداره، كما أَنَّ صورة سند البيع لا تقوم بها حجة ولم يثبت الأصل، والمدعى عليه ينكر ما تضمنته؛ لذلك جميعه فقد أعلمت المدعي بأَنَّ بينته غير موصلة، وأَنَّ له اليمين على المدعى عليه أصالة بنفي دعواه على البتات متى طلبها، فأبى تحليفه، فبناءً على جميع ما سلف فقد حكمت بصرف النظر عن دعوى المدعي هذه لعدم استحقاقه لما يدعيه وله يمين خصمه على نفي دعواه على البتات متى طلبها، وبإعلام الطرفين بالحكم لم يقنع المدعي به وطلب تمييزه. تدقيق الحكم: هذا الحكم دُرِس من قِبَل محكمة التمييز واعترضت عليه ونقضته، وبدارسته وأوراق القضية من قِبَل مجلس القضاء الأعلى بهيئته الدائمة قررت صِحَّة الحكم، وأَنَّ القضية منتهية بموجبه. الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية: مما تقرر في هذه الواقعة من ذلك ما يلي: ١ - أَنَّ الوكيل في الخصومة لا يُقِرُّ عن موكله ما لم يُصَرَّح له في الوكالة بالإقرار.

стр. 1021

٢ - أَنَّ العبرة بالمعاني وحقائق الأمور لا بالألفاظ والمباني وصور الأمور، وذلك جارٍ في العقود والتصرفات، كما يجري في تفسير الشهادات، فإنَّ شهادة الشاهد الأول في حقيقتها ادّعاء الحوالة أَوْ إقرار بحق للمدعي، وليست شهادة على المدعى عليه؛ لأَنَّ الشهادة في حقيقتها إخبار بحق للغير على الغير، والدعوى إخبار بحق لنفسه على الغير، والإقرار إخبار بما على نفسه لغيره (١). ٣ - أَنَّ المجهول ينزل منزلة المعدوم وإن كان الأصل بقاءه إذا شق اعتباره أَوْ يئس من الوقوف عليه. ٤ - ردّ شهادة الشاهد إذا كان يجرُّ لنفسه نفعًا بهذه الشهادة، أَوْ يدفع عنها ضررًا، وكذا إذا كان متهمًا بأن شهد لنفسه وغيره بحق، فمن شهد بشهادة ترد في البعض ردت في الكل. ٥ - عدم الاعتداد بصورة الكتابة إذا لم تثبت بطريق شرعي آخر. ٦ - عدم تحليف المدعى عليه في اليمين المتوجهة عليه عند عدم البينة حقيقة أَوْ حكمًا إلَّا بطلب خصمه المدعي (٢).

стр. 1022

٧ - ما جرى به العمل من بيان أسباب الحكم شرعيّة أَوْ واقعيّة، ومن ذلك: بيان وجه رد الشهادة عند عدم إعمالها. ٨ - في هذه الواقعة مثال للتَّوصِيفِ الفرعي (١) الذي يستدعيه الرد على الشهادات غير الموصلة، فقد وصَّف القاضي شهادة أحد الشهود عند ردها بأنَّها ادِّعاء للحوالة وليست شهادة. * * *

стр. 1023

المبحث السابع قضية في مطالبة أجير بأجرته على بناء عمارة ودفع المدعى عليه بالمطالبة بغرامة التأخير وفيه: * عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها. * الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.

стр. 1024

عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها: الوقائع: تتلخَّص وقائع الدعوى في ادِّعاء المدعي بأَنَّه تعاقد مع المدعى عليه علي بناء عمارة له وصفها؛ العمل على المدعي، ومواد البناء من المدعى عليه، وأَنّه أكمل عمله، ويطلب تسليم أجرته. وأجاب المدعى عليه بما حاصله المصادقة على أصل التعاقد، والدفع بأَنَّ المدعي لم يكمل العمل، بل عليه نواقص حددها في إجابته، وعليه غرامة بسبب تأخره في تنفيذ العمل. الحكم وأسبابه: لقد فصل القاضي في الواقعة بحكم مبين الأسباب، وقد جاء فيه: بعد دراسة القضية وتأملها، وبما أَنَّ المدعي يطالب ببقية استحقاقه على عمله في عمارة المدعى عليه التي تقع في ... وبما أَنَّ مجموع الاستحقاق بموجب التمتير مبلغ مليونين وخمسمائة وعشرين ألف ريال حسب إفادة الطرفين، وبما أَنَّه قد وصل المدعي منها حسب تصادق الطرفين مبلغ مليون وخمسمائة وثلاثين ألف ريال، كما يستنزل على المدعي مبلغ ثلاثمائة وعشرة آلاف وأربعمائة

стр. 1025

وسبعة عشر ريالًا مقابل ما قام به المدعى عليه من أعمال السباكة والرخام وغيرها حسب تصادق الطرفين على ذلك، كما يستنزل منها عشرة آلاف ريال لإصلاح ميول ولياسة جلسة بعض الشبابيك، وستة آلاف ريال لبعض أعمال الكهرباء حسب قرار أهل الخبرة، وبذلك يكون المتبقي للمدعي مبلغ ستمائة وثلاثة وستين ألفًا وخمسمائة وثلاثة وثمانين ريالًا، وبما أَنَّ ما دفع به المدعى عليه من مطالبته بغرامة الشرط الجزائي مقابل تأخر تسعة أشهر قد دفعه المدعي بأَنَّ السبب في ذلك تأخر المدعى عليه في إحضار المراد وقيامه بتنفيذ بعض الأعمال معه، ولم يثبت المدعى عليه ما يوجب ضمان المدعي للتأخير، بل إن استلام المدعى عليه للورقة الموجهة إليه من المدعي والتي تضمنت: أنَّه في حال تمكنكم من إحضار بلاط الرخام ... وإنهاء أعمال التكييف والألمنيوم، يمكننا إنجاز أعمال مشروع عمارتكم ... حسب الموعد المحدد. اهـ، مع عدم الإعتراض والرد عليها في حينه قرينة على أَنَّ المدعى عليه هو المتسبب في التأخير؛ لأَنَّ السكوت في موضع الحاجة إلى البيان بيانٌ، كما أَنَّ الشرط الجزائي لا يتحقق أثره بالغرم إلَّا بوصفين: الأل: حصول التأخير. والثاني: كون موجبه من المدعي. ولم يثبت الثَّاني، فكان القول قول المدعي في نفيه بخلوّ ذمته مما يوجب الغرم عليه، فالمدعى عليه يدعي موجب الغرم على

стр. 1026

المدعي، والمدعي ينكر ذلك، فكان القول قوله؛ لأَنَّ الأصل براءة ذمته من الغرم، ولذلك نظائر مما قرره أهل العلم فقد ذكروا أَنّه إذا اصطدمت سفينتان واختلفا في التفريط فالقول قول القَيِّمِ بيمينه؛ لأَنَّ الأصل براءة ذمته [الكشاف ٤/ ١٣٠]؛ لذلك فقد أفهمت المدعى عليه بأَنَّ له اليمين المشروعة على المدعي بأَنه لم يتسبب في تأخير التنفيذ وأَنَّ المتسبب في ذلك هو المدعى عليه متى طلبها، وقد أبي المدعى عليه طلب اليمين؛ لذا فقد حكمت بإلزام المدعى عليه بتسليم ستمائة وثلاثة وستين ألفًا وخمسمائة وثلاثة وثمانين ريالًا، وله يمين المدعي بالله العظيم على الصفة المنوه عنها سابقًا متى طلبها، وبإعلام الطرفين بالحكم قرر المدعى عليه عدم الاقتناع به. تدقيق الحكم بتمييزه: بدراسة صَكّ الحكم واللائحة الاعتراضية من قِبَل محكمة التمييز قررت الموافقه عليه. كما دُرِس صَكّ الحكم مع كافة أوراق المعاملة من قِبَل مجلس القضاء الأعلى بهيئته الدائمة وقَرَّرَ الموافقه عليه. الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية: مما تقرر في هذه الواقعة من ذلك ما يلي: ١ - أَنَّ عبء الإثبات في غرامة التأخير يقع على مدعيه؛ لأَنَّ غرامة التأخير لا تتحقق إلَّا بوصفين: ثبوت التأخير، وثبوت كون

стр. 1027

سبب التأخير هو المدعى عليه، ولا يمنع ذلك سماع بينة المدعى عليه بأَنَّ التأخير من المدعي إن كانت له بينة، وهكذا إذا كان لأحد الطرفين قرينة قوية تَدُلُّ على التأخير أَوْ نفيه عُمِل بها. ٢ - أَنَّ غرامة التأخير في تنفيذ العمل تسقط بتسبب المشترط في التأخير؛ لأَنَّ ذلك عذر للمشترط عليه (١). ٣ - استنباط الوصف المؤثر في التوصيف، أَوْ ثبوت الواقعة من أدلة الخصم وأقواله. فقد استنبط القاضي من استلام المدعى عليه للورقة الموجهة من المدعي، مع عدم الإعتراض أَوْ الرد عليها في حينه أَنَّ المدعى عليه هو المتسبب في التأخير، وجعل ذلك قرينة دالة عليه. فلا يشترط في إعمال البينة أَنْ تكون نَصِّيَّة الدلالة، بل قد يستنبط منها القاضي ثبوت بعض الأوصاف المؤثرة في الحكم نفيًا أَوْ إثباتًا مما تَدُلُّ عليه ألفاظها حسب الدلالات المقررة، يقول ابن العربي (ت: ٥٤٣ هـ) في قوله -تعالى-: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]: "قال علماؤنا: هذا دليل على جواز الاجتهاد والاستدلال بالأمارات والعلامات على ما خفي من المعاني والأحكام" (٢). * * *

стр. 1028

المبحث الثامن قضية فيها عقد باطل لجهالة المعقود عليه وفيه: * عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها. * الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.

стр. 1029

عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها: الوقائع: تتلخَّص وقائع الدعوى في ادِّعاء المدعي بأَنَّه تعاقد مع المدعى عليه على أَنْ يقوم المدعى عليه ببناء دار للمدعي، وبَيَّنَ العمل المتعاقد عليه وأجرته، وأَنَّ المدعى عليه لم يكمل العمل، وطلب المدعي تكليف المدعى عليه بإكمال العمل. وأجاب المدعى عليه بما حاصله المصادقة على العقد بينهما المشار إليه في الدعوى، وأَنه نَفَّذَ العمل إلَّا شيئًا يسيرًا في أشياء بيَّنها، وأَن المدعي لم يسلمه المتبقي من أجرته، وطالب بإلزام المدعي بتسليم بقية الأجرة وحدَّدها. الحكم وأسبابه: لقد أنهى القاضي الحكم في القضية بحكم مبين الأسباب، وقد جاء فيه: إنَّه بعد دراسة القضية وتأملها، وبما أَنَّ العقد اشتمل على جهالة في المتفق عليه، من ذلك: طول الخزانات؛ فقد جاء في العقد

стр. 1030

أَنّها حسب الأبعاد التي يحددها المالك، وهذه جهالة في عمق وعرض وطول الخزانات، والتي تختلف باختلاف الرغبات. كما جاء في العقد بأَنَّ المالك إذا رغب الخزان العلوي من "الفيبرجلاص"، فيقوم بتوريده، وهذه جهالة في المعقود عليه: هل يدخل الخزان في عقد بناء الدار أَوْ لا؟ . ومن ذلك: ما ورد في الاتفاق على نوعية الشبابيك ومواصفاتها، فلم تستوف جميع أوصافها المؤثرة في الثمن، واكتفى عن ذلك باعتماد العيِّنة من المالك قبل الترغيب، وهذه جهالة في المتفق عليه. وبما أَنَّه قد حصل خلاف بين الطرفين في التمتير: أهو للجدران بالنسبة للمباني المغلقة- حسب دفع المدعى عليه- أَمْ أَنّه للمسطحات- حسب دعوى المدعي-؟ والعبارة الواردة في العقد فيما يتعلق بذلك هي: "سعر المتر المربع لجميع المباني المغلقة - حتَّى قال- هو ستمائة وخمسة وعشرون ريالًا"، وهي عبارة مجملة محتملة التأويل وغير حاسمة الدلالة بالنسبة لما يدعيه كل واحد من الطرفين في السعر -أي فهي متساوية الدلالة من غير مرجح-، فإذا نظرنا للعرف فإذا هو بجانب تفسير المدعي حسب اعتراف المدعى عليه نفسه، فقد ذكر أَنَّ العرف الغالب أَنَّ التمتير للمسطحات، وإذا نظرنا للسعر والفارق الكبير فيه فقد قدرته الهيئة

стр. 1031

-أي أهل الخبرة- بمبلغ ثمانمائة وخمسين ريالًا للمتر المسطح، أي بزيادة حوالي الثُّلث عن السعر المتفق عليه والمشار إليه في العقد- فإذا هو بجانب تفسير المدعى عليه، واختلاف المترافعين في العمل الذي يُمَتَّر وعدم قيام ما يرجح أحد التفسيرين يحمل على التَّوَقُّف في ترجيح أحدهما على الآخر، ويجعل سعر العقد مجهولًا (١)، وبما أَنَّ جهالة أطوال الخزانات ومواصفات النوافذ تصيِّر العقد مجهولًا، ويكون باطلًا، ولا تترتب عليه آثاره من الإلزام بإكمال العمل ونحوه، قال ابن رجب ﵀ في القاعدة السادسة والأربعين في العقود الفاسدة: هل هي منعقدة أَوْ لا؟ قال: "ما لا يترتب عليه ذلك - أي ما لا يترتب عليه حكم مبني على التغليب ولا السراية والنفوذ كالنكاح والبيع والإجارة- فالمعروف من المذهب أَنّه غير منعقد وتترتب عليه أحكام الغصب". أمَّا قرار المكتب الهندسي فلا يعمل به؛ لأَنَّ المهندس بني قراره على تفسير السعر بنفسه، وقد مَرَّ ما في هذا التفسيرين احتمالات تجعله غير مستقر، ثم إنَّ العقد باطل ويحتاج نظرًا قضائيًا، ولا يكفي فيه قرار مهندس لا علم له بِصِحَّة العقود من بطلانها.

стр. 1032

لذلك فقد أفهمت طرفي النِّزاع بأَنَّ اتفاقهما علي بناء الدار موضع النزاع باطل غير منعقد، ولا تترتب عليه آثاره من المطالبة بإكمال العمل، وبذلك قضيتُ، وإذا كان لأحدهما على الآخر دعوى محاسبة للمنفذ فهو عليها، وبإعلان الحكم على الطرفين قرر المدعى عليه الاقتناع به، أَمَّا المدعي فقد قرر عدم الاقتناع به وطالب بتمييزه. تدقيق الحكم بتمييزه: بدراسة الحكم واللائحة الاعتراضية من قِبَل محكمة التمييز جرت الموافقة عليه. الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية: مما تقرر في هذه الواقعة من ذلك ما يلي: ١ - هذه الواقعة مثال للمجمل بالقوة من الوقائع، وهو أَنَّه قد تكون الدلالة ظاهرة في شيء ولكن عارضها دلالة أخرى جعلتها مجملة لتساوي الدلالتين من غير مرجح، فإنَّ اختلاف الخصمين فيما يحتسب من الأمتار أهو المسطحات حسب العرف- وهذا هو الظاهر عند الإطلاق- أَمْ هو المباني المغلقة حسب دفع المدعى عليه؟ والذي قَوَّاه الفارق الكبير في السعر، فعارض دلالة العرف، ولم يوجد ما يرجح أحدهما، ونَصُّ العقد يحتملهما، فكان مجملًا.

стр. 1033

٢ - تَوْصِيف العقد بالبطلان وإظهار هذا التوْصِيف وأَنَّ مرجعه للقاضي لا إلى الخصوم. ٣ - أَنَّ الواقعة إذا كانت مجملة، وتعذر تفسيرها فتحمل على الجهالة؛ لأَنَّ من المقرر في قواعد تفسير الوقائع المجملة أَنَّ المجمل يجب التَّوَقُّف في تفسيره، وما لم يقم دليل يفسره فإنَّه يهمل (١). ٤ - أَنَّ العقد الباطل لا ينعقد، ولذلك لا يحتاج من الحاكم إلى الحكم ببطلانه، بل يكتفى بإعلام أَوْ إفهام الطرفين بأَنَّه لم ينعقد (٢)، ويقضي القاضي بذلك، كأَنْ يقول بعد تسبيب الحكم: لذا فقد أفهمت طرفي النزاع بأَنَّ العقد باطل لم ينعقد، وبذلك قضيت. ٥ - أَنَّ للقاضي رد قرار الخبرة بتسبيب يقرره (٣)، كما في هذه الواقعة؛ فقد جرى رد قرار المهندس وبيّن السبب. * * *

стр. 1034

المبحث التاسع قضية في المطالبة بأجرة ترميم دار والدفع بالشرط الجزائي وفيه: * عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها. * الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.

стр. 1035

عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها: الوقائع: تتلخص الوقائع في مطالبة المدعي المدعى عليه بتسليمه بقية أجرة عمله على تنفيذ ترميم دار للمدعى عليه. وقد أجاب المدعى عليه بالمصادقة على العقد بترميم المبنى، ودفع بأنَّ العمل به نواقص وملحوظات، كما أَنَّ المدعي قد تأخر في تنفيذ العمل، وعليه غرامة الشرط الجزائي، وأجرة الدار المستأجرة بدلًا عن الدار التي تنفذ، وزيادة أجرة المهندس المشرف، وزيادة سعر جهاز الأشعة، وطالب باستنزال ما يجب لهذه الأشياء من ضمان من الأجرة، وبذلك يكون المدعي مدينًا للمدعى عليه، وبعد مداولات بين الخصوم انحصرت طلبات المدعى عليه في غرامة الشرط الجزائي، وأجرة الدار البديلة، وزيادة سعر جهاز الأشعة، وزيادة أجرة المشرف، وادعى كل واحد من الطرفين بأَنَّ السبب في التأخير من الطرف الآخر. طرق الحكم والإثبات في هذه القضية: لما كانت دفوع الطرفين في سبب التأخير تدور على تأخير

стр. 1036

تسديد استحقاق المدعي وأسبابه الفنية رأى القاضي الكتابة للجنة من مهندسي المحكمة لتطبيق العقد، وتقرير ما يرونه بصدد سبب التأخير، وتلقى القاضي إجابتهم، وحاصلها: أَنَّ اللجنة اطلعت على العقد المبرم بين الطرفين، وعلى الصورة المتضمنة لادعاء الطرفين، ودفوعهما لدى القاضي، ومستنداتهم، وتبين لها فيما يتعلق بالتأخير في العمل ما يلي: (أ) تمَّ تعميد المقاول بأعمال أخرى زيادة عن العقد الأساس. (ب) قام المالك نفسه بأعمال ترميمات نَفَّذها مقاول آخر، وهذه الأعمال خارج بنود الاتفاقية. (ج) هنالك مواد تم شراؤها بواسطة المالك ليقوم المقاول بتنفيذها. (د) تم تعميد المقاول بعقد خاص لغرفة الأشعة، والتي سوف يقوم بتركيب أجهزتها مؤسسة ... - وهي مؤسسة لا علاقه لها بالمدعي-، والتي طلبت من المقاول جدولة الأعمال، وكان طلبها متأخرًا عن التعميد بمدة شهرين. (هـ) هنالك تأخير في تسليم الدفعات- الأقساط الحالّة من الأجرة- للمقاول في موعدها. بناءً على ما تَمَّ ذكره فإن اللجنة ترى أَنَّ التأخير الذي يدعي به

стр. 1037

المالك سببه الطرفان- المقاول (المدعي)، والمالك (المدعى عليه) - وترجح نسبة المقاول في التأخير تعادل ٦٠ %، والمالك ٤٠ %. (ز) ترى اللجنة في مثل هذه وبناءً على ما اطلعت عليه من مسببات لكل طرف أَنْ تطبق على المقاول غرامة التأخير المَنْصُوص عليها في وزارة الأشغال العامة والإسكان، والتي أقصاها ١٠ % من جملة استحقاق المقاول، وعليه فإن نسبة المقاول من غرامة التأخير تساوي ٦٠ % من إجمالي غرامة التأخير. اهـ. وبعد تدوين هذا القرار جرت تلاوته على الطرفين، وقد وافق المقاول (المدعي) على هذا القرار، وعارض عليه المالك (المدعى عليه) متمسكًا بكامل طلباته في الغرامات المذكورة. الحكم وأسبابه: لقد فصل القاضي في هذه القضية بحكم مبين الأسباب، جاء فيه: وبعد دراسة القضية وتأملها، وبناءً على مصادقة الطرفين على إجمالي الاستحقاق والمستنزل بسبب الملحوظات والنواقص على العمل، وأَنَّ الباقي بعد ذلك هو مبلغ ... يستنزل منه نسبة ستين في المائة من عشرة في المائة من إجمالي الاستحقاق المذكور مقابل غرامة الشرط الجزائي حسب قرار اللجنة آنف الذكر، وقد بلغ

стр. 1038

ذلك ... وباستنزالها من المتبقي للمدعي يكون استحقاق المدعي الواجب دفعه مبلغ ... وبما أَنَّ الشرط الجزائي معتبر بحسب ما يقرره أهل الخبرة، وقد قرروا بأَنَّ المدعي مدان بنسبة ستين في المائة منه، كما أَنَّ المدعى عليه مدان بنسبة أربعين بالمائة منه، كما قررت اللجنة بأَنَّ المستنزل لهذا الشرط يكون بنسبة عشرة بالمائة، وقد رضيها المقاول (المدعي)، وعارض عليها المالك (المدعى عليه)، ولا وجه لمعارضته؛ لأَنَّ الاستنزال يكون حسب ما يقرره أهل الخبرة لا حسب المتفق عليه، كما أنَّه لا وجه لما طلبه المدعى عليه من أجرة المبنى المستأجر ومن قيمة الأشعة وأجرة الاستشاري (المهندس المشرف)؛ لأَنَّ هذه الأمور اشترطت لإزالة ضرر التأخير، فهي من ضمن الشرط الجزائي، فاشتراط الشرط الجزائي مُغْنٍ عنها؛ لأَنَّ هذا الشرط جعل لإزالة ضرر التأخير، فتكون متداخلة معه، وقد سبق الاعتداد بالشّرط الجزائي واستنزال ما تقرر له. لذا فقد ألزمتُ المدعى عليه بتسليم مبلغ ... للمدعي، وصرفت النظر عما يطالب به المدعى عليه من زيادة في الشرط الجزائي وما ألحق به من أجرة المستوصف، وفرق أجرة الاستشاري، وفرق سعر الأشعة، والمبلغ الذي يطالب به في دفعه للدعوى؛ لأَنَّه لا يستحق شيئًا من ذلك، وبذلك قضيت.

стр. 1039

تدقيق الحكم بتمييزه: بدراسة الحكم مع اللائحة الاعتراضية من قِبَل محكمة التمييز قررت موافقتها عليه. الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية: مما تقرر في هذه الواقعة من ذلك ما يلي: ١ - تَوْصِيف هذه الواقعة بأَنَّها من قبيل الشرط الجزائي. ٢ - الاعتداد بالشَّرط الجزائي، وقد مضت الإشارة إلى ذلك في قضاء شريح على المستأجر. ٣ - أَنَّ تقدير الشرط الجزائي يكون حسب العرف- إذا كان كثيرًا- لا حسب المشروط. ٤ - أَنَّ العرف الجاري عند إصدار الحكم في الرياض: ألَّا يزيد الشرط الجزائي على عشرة في المائة من مجموع الاستحقاق. ٥ - إذا كان التأخير من طرفي العقد فتتجزأ غرامة التأخير عليهما بحسب اشتراك كل واحد منهما في التأخير، فكل واحد من الطرفين يتحمل جزءً منه (١)، ويرجع في تقرير مقدار الضمان إلى أهل الخبرة.

стр. 1040

٦ - أَنَّ الشرط الجزائي يتداخل، فمهما تَعَدَّدَتْ الشروط الجزائية التي الغرض منها حثّ المتعاقد على سرعة التنفيذ، وضمان ما فات على المشترط بسبب التأخير فهي واحدة وجزاؤها واحد فقط لا يَتَعَدَّدُ. ٧ - استعانة القاضي بالخبراء في بيان المتسبب في تأخير تنفيذ العمل عند الاختلاف فيه بين المتداعيين في الشرط الجزائي إذا كان ذلك مما يدرك بالخبرة كهذه الواقعة؛ لأَنَّ ذلك من قبيل دليل وقوع مُعَرِّفَات الحُكْم الذي يدركه الخبراء، بل قد يختصون بإدراكه دون القاضي (١)، وقد ذكر الفقهاء أَنَّ الراعي لو فعل فعلًا وصادق رب الماشية على وقوعه واختلفا في كونه تعديًا رُجع في تقرير كونه تعديًا إلى أهل الخبرة؛ لأَنَّهم أدرى بذلك وأعلم (٢)، كما ذكروا: أَنه لو تصادق المستأجر والمؤجر على وجود صفة في العين المستأجرة واختلفا في كونها عيبًا فإنَّه يرجع في ذلك إلى أهل الخبرة (٣). * * *

стр. 1041

المبحث العاشر قضية في المطالبة بسيَّارات كلٌّ يدَّعي أسبقية شرائه لها وفيه: * عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها. * الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.

стр. 1042

عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها: الوقائع: تتلخَّص وقائع الدعوى بادعاء المدعي شراءه خمس سيارات - وصفها- من مالكها المدعو (زيد)، وأَنَّها الآن في يد المدعى عليه، ويطلب تكليفه بتسليمها. وأجاب المدعى عليه بما حاصله: أَنَّ السيارات في يده؛ لأَنَّها كانت في الأصل مملوكة له، وباعها مع سيارات أخرى على المدعو (زيد) بثمن مؤجل، وعاد واشترى المدعى عليه السيارات من (زيد) بثمن حال أقلّ من ثمنها الذي باعها به، وكانت قيمتها استقطاعًا من الدَّين، وكان شراء المدعى عليه للسيارات قبل شراء المدعي وطلب رد دعوى المدعي. الحكم وأسبابه: قد حكم القاضي في هذه الواقعة بحكم بيّن فيه أسبابه، جاء فيه: إنَّه بناءً على ما دفع به المدعي من أَنَّ العقود التي قدمها

стр. 1043

المدعى عليه قبل شرائه هي عقود صوريّة، وأَنَّ الغرض منها ضمان حقوقهم عند الزبون إذا لم يسدد فهو يقول: "إنَّ العقود المذكورة صوريّة، الغرض منها حفظ حقوقهم فقط- حتَّى قال- وقد كانت الشركة موكلة المدعى عليه تطلب من الزبائن الذين يشترون منها السيارات بالتقسيط التوقيعَ على مبايعة من الزبون لهم، ويبقى تاريخها فارغًا يكتب عند الاقتضاء، ويعملون ذلك ضمانًا لحقوقهم في مواجهة الإدارة العامة للشركة". اهـ. كما قال المدعي في جلسة أخرى- عن عقود شراء المدعى عليه للسيارات-: "إنَّ كتابة العقود الصورية التي ذكرتها سابقًا من قبل الشركة -أي المدعى عليها- لأجل ضمان حق الفرع عند الزبون إذا لم يسدد، كما كان يستخدم في مواجهة الإدارة المركزية للشركة، وقد وَقَّعَ على هذه المبايعات (زيد) عند شرائه للسيارات من المدعى عليه قبل بيعها عليَّ". وهذه الأقوال من المدعي يستنبط منها: أَنَّ عقود المدعى عليه على شراء السيارات من البائع (زيد) كتبت ووقعت عند شراء (زيد) للسيارات من المدعى عليه، وأنَّهم فعلوا ذلك لا قصدًا لشراء السيارات، وإنَّما ضمانًا لحقهم في استيفاء ثمن المبيع، ويَدُلُّ شراء المدعى عليه للسيارات فور بيعها على أَنَّ عقود الشراء صورية لأجل ضمان حقهم في ثمن المبيع، وهذه هي حقيقة الرهن؛ لأَنَّ استيثاق العين في ثمن المبيع رهن في الحقيقة

стр. 1044

لا بيع؛ ذلك بأنَّ العبرة للمعاني لا للألفاظ والمباني، كما هو مقرر عند الفقهاء، قال ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "الاعتبار في العقود والأفعال بحقائقها ومقاصدها، دون ظواهر ألفاظها وأفعالها" [الإعلام ٣/ ٩٥]، فمن رهن سلعة بلفظ البيع فهو رهن لا بيع، ومن وهب سلعة لآخر بعوض فهو بيع لا هبة يتقرر له جميع أحكام البيع من ردٍّ بعيب وأخذٍ بشفعة وغيرها، وإذا كان ذلك رهنًا للوجه الذي فَصَّلته، فيكون بيع (زيد) للسيارات على المدعي بيع مرهون، وهو باطل لا يَصِحُّ، ولا يعارض هذا ما قرره المدعى عليه من أَنَّه اشترى السيارات بعد بيعها بثمن حالٍّ أقل من ثمنها الذي باعها به؛ لأَنَّ حقيقة هذا العقد رهن لا بيع، ولم يثبت ما يعارضه بدعوى في مواجهة المدعو (زيد)، والأحكام تتجزأ باختلاف أسبابها [القواعد والأصول الجامعة لابن سعدي ص ٧٥]، أليس من ادعى خلع زوجته على عوض وأنكرته يثبت الطلاق بإقراره ولا يثبت له العوض إلَّا ببينة؟ (١). لذلك كله فقد صرفت النظر عن دعوى المدعي، وأفهمته بأَنه لا يستحق تسليم السيارات الموصوفة في الدعوى له، وبذلك قضيتُ.

стр. 1045

تدقيق الحكم بتمييزه: بدراسة الحكم المذكور مع اللائحة الاعتراضية من قِبَل محكمة التمييز صدر قرارها بالموافقة عليه. الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية: مما تقرَّر فيها من ذلك ما يلي: ١ - الاعتداد عند تفسير الوقائع بحقائق الأمور ومعانيها ومقاصدها إذا ظهرت، لا بألفاظها ومبانيها، فالعقد الثَّاني بين المدعى عليه وبين (زيد) صورته صورة بيع، ولكن حقيقته رهن فصَحَّ رهنًا؛ إعمالًا للحقائق والمعاني والمقاصد عند ظهورها (١)، ولو جعلنا ذلك العقد بيعًا لكان فاسدًا؛ لأَنه من قبيل بيع العينة (٢). ٢ - أَنَّ للقاضي استنباط الواقعة المؤثرة وثبوتها من كلام الخصمين وبيناتهما حسب أصول وطرق الاستنباط وأوجه الدلالة السالف ذكرها- في تفسير الوقائع- ما لم يكن شيء من ذلك مخالفًا لأصل شرعي. ٣ - أَنَّ الاعتداد في التَّوْصِيف بما يقرره القاضي من وصف للعقد حسب ما يستنبطه من الحجج والبينات، ولا يعتدّ بتَوْصِيفِ

стр. 1046

الخصوم إذا عارض ذلك، فقد تمسك كل واحد من الطرفين بتَوْصِيفِ عقده بيعًا، ولكن ذلك أُهْدِر وأعمل تَوْصِيف القاضي بأَنَّه رهن (١). ٤ - تصريح القاضي في هذه الواقعة بإعلان التَّوصِيف مع أَنَّ الغالب إعمال التَّوْصيف عند تقريره من دون إعلانه، ولكن المقام اقتضى ذلك للاشتباه. * * *

стр. 1047

المبحث الحادي عشر قضية مطالبة زوجة بدين لها على زوجها المتوفى في مواجهة بقية ورثته وفيه: * عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها. * الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.

стр. 1048

عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها: الوقائع: تتلخَّص وقائع هذه الدعوى بادّعاء المدعية بأَنَّ زوجها المتوفى مدين لها بمبلغ ستين ألف ريال باقي ثمن أرض باعتها عليه، ثم عادت في جلسة أخرى وقالت بأَنَّها فرض عليه وليست ثمن أرض وأَنّها غلطت في سبب الاستحقاق، وطالبت بإثبات هذا المبلغ على المتوفى لتستوفيه من التركة عند قسمتها. وأجاب المدعى عليه- والد المتوفى والوكيل والولي عن بقية الورثه-: بأَنَّه لا علم له بما ادعته المدعية، لكن المدعية سبق أن باعت على زوجها المتوفى أرضًا، وكُتِبَ في صَكّ الأرض استيفاؤها للثمن، كما أَنَّ والدة المتوفى أخبرته بأَن المدعية سبق أن أقرت لها باستيفائها لدين لها على زوجها المذكور. وأفهم القاضي المدعى عليه بأَنَّ إجابته غير محررة؛ لأَنَّه قال: لا علم له بما ادعته المدعية، وأَنَّ عليه الإجابة بجواب ملاقٍ للدعوى بإثبات أَوْ نفي -أي بإقرار أَوْ إنكار- إلَّا أَنَّ المدعى عليه أصرّ على

стр. 1049

إجابته السابقة، وقرر القاضي السير في الدعوى وسماع البينة باعتبار المدعى عليه ناكلًا عن الجواب بعد إنذاره وإصراره على جوابه السابق. الحكم وأسبابه: لقد أنهى القاضي هذه القضية بحكم مبين الأسباب، جاء فيه: وبعد دراسة القضية وتأملها، وبما أَنَّه قد ثبت إدانة المتوفى - زوج المدعية- بمبلغ ستين ألف ريال للمدعية حسب إقراره في السند ... والذي أكد قرارُ أهل الخبرة صِحَّتَه، وأَن المتوفى هو الكاتب لهذا السند صلبًا وتوقيعًا، وبما أنَّ ذمة المتوفى شغلت بهذا الدين، فيبقى في ذمته اسْتِصْحَابًا لأصل شغل الذمة حتَّى ثبوت العكس، ولم يثبت ذلك؛ لأَنَّ دفع المدعية بأَنَّ إقرارها لوالدة الميت بالاستلام كان دفعًا لِلَّائِمة عنها -أي نفيًا للحرج عنها -، وهي في الحقيقة لم تستلم- دفعٌ مقبول؛ لأَنَّها ذكرت أَنَّ زوجها المتوفى هو الذي طلب منها الإقرار بالاستلام لوالدته، وطمأنتها، ففعلت وهي لم تستلم؛ لأَن للوالدة إرادة غالبة يترجح أَنَّها هي التي دفعت الابن للإلحاح على زوجته بطمأنة والدته والإقرار بالاستلام وهي لم تستلم (١)، وهذه قرائن حالية تؤيد دفع المدعية المشار إليه آنفًا، ولا

стр. 1050

يعارض هذا إقرار المدعية بالاستلام؛ لأَنَّه إذا قويت القرائن قُدِّمت على الاعتراف كما في قضيتنا هذه، وبرهان ذلك: ما أخرجه الإمامان البُخاريّ ومسلم -واللفظ له- من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنَّما ذهب بابنك أنتِ، وقالت الأخرى: إنَّما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، وقضى به للكبرى، فخرجتا إلى سليمان بن داود ﵉ فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا تفعل - يرحمك الله- هو ابنها، فقضى به للصغرى" (١)، قال ابن القَيِّمِ - كما في الطرق الحكمية [ص ٦]-: "فإنَّه حكم به لها مع قولها: وهو ابنها، وهذا هو الحق؛ فإن الإقرار إذا كان لعلة اطلع عليها الحاكم لم يلتفت إليه أبدًا". وقد ترجم الإمام النسائي على هذا الحديث تراجم عدة، منها ما قاله بنَصِّه: "الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم له إذا تبيّن للحاكم أن الحق غير ما اعترف به" (٢)، قال ابن القَيِّمِ في الطرق الحكمية [ص ٦]- معلقًا على ذلك-: "فهكذا يكون الفهم عن الله ورسوله"، كما علق ابن القَيِّمِ على هذه الترجمة في إعلام الموقعين [٤/ ٣٧١] بقوله: "وهذا هو العلم استنباطًا ودليلًا"، وجاء في

стр. 1051

مختصر الفتاوى المصرية [ص ٦٠٨]: "ولا تقبل الدعوى بما يناقض إقراره إلَّا أَنْ يذكر شبهة تجري بها العادة"، وبما أَنَّ اختلاف أقوال المدعية في سبب الدين بين ثمن الأرض أَوْ القرض لا يوجب ردّ دعواها؛ لأَنَّها ذكرت أنها غلطت في الأولى والصَّحِيح أنه قرض (١)، وبما أَنَّ ثبوت الدين بموجب ورقة كتبت بيد المتوفى صلبًا وتوقيعًا، وليس هناك شبهة في ثبوته، وبما أَنَّ دفع المدعية- بأَنَّ الثلاثين ألف ريال التي استلمتها بشيك باسم ابنها من زوج سابق لعلاج الابن (فيصل) الذي هو ابنها من زوجها المتوفى، وصرفتها في ذلك- هو دفعٌ راجح؛ لأَنَّ الشيك باسم ابنها من زوجها السابق وليس باسمها، ولو أرادت إنكار استلامها لهذا المبلغ لما لزمها مما يرجح صدقها، كما أَنَّ الابن (فيصلًا) مريض حسب إقرار المدعى عليه، كل ذلك قرائن حالية تؤيد ما دفعت به المدعية، والأصل أَنَّها مؤتمنة، والقول قولها بيمينها في إنفاقها. لذلك كله ولأَنَّ الناكل عن الجواب تسمع عليه البينة فقد قضيت بثبوت مبلغ ستين ألف ريال للمدعية على الميت ... تستوفى من التركة عند قسمتها وعليها اليمين بأَنَّ المبلغ المدعى به لا زال في ذمة المتوفى لم تستلم منه شيئًا أَوْ تتنازل عنه، وأَنَّ الثلاثين ألف ريال التي استلمتها بموجب الشيك إنَّما هي لعلاج ابنها (فيصل) وليست

стр. 1052

سدادًا من الدين، وقد أبي المدعى عليه طلب اليمين، وبما أَنَّ القضية بها قاصر فقد وجهت اليمين على المدعية على الصفة سالفة الذكر فاستَعَدَّت بالحلف، وحلفت اليمين المطلوبة مغلظة في الصيغة، وبذلك انتهت الدعوى. تدقيق الحكم بتمييزه: بدراسة الحكم مع اللائحة الاعتراضية من قبل محكمة التمييز صدر قرارها بالموافقة عليه. الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية: مما تقرر من ذلك ما يلي: ١ - أنه إذا قامت الأدلة والقرائن القوية المؤيدة لِصِحَّة الدعوى وعدم صِحَّة الإقرار عُمِل بها، وقُدِّمت على حجية الإِقرار. ٢ - أَنَّ الخصم إذا جمع بين كلاميه المتناقضين بوجه سائغ تَدُلُّ عليه القرائن قُبِل منه، ومن ذلك: إذا قال: غلطت في كلامي الأول. ٣ - أَنَّ القضية إذا كانت لقاصر، وتوجهت له اليمين، وأبى الولي طلبها فللحاكم طلبها وتحليف المتوجهة عليه ولو لم يطلبها ولي القاصر؛ لأَنَّ ذلك محض مصلحة للقاصر فتستوفى، ولأَنَّه ربما نكل فقضي عليه.

стр. 1053

٤ - ما جرى به العمل أَنَّ المدعى عليه إذا أنكر الخط والتوقيع أَوْ نفى معرفته أَوْ علمه به فإن القاضي يأمر بفحصه والتحقق من صِحَّتَه من قِبَل خبراء المخطوط، وما يقررونه يعمل به القاضي ما لم يظهر في قرار الخبرة طعن من وجه يوجب رده. * * *

стр. 1054

المبحث الثَّاني عشر قضية في حضانة طفل تنازعه اثنان ودخل معهما ثالث وفيه: * عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها. * الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.

стр. 1055

عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها: الوقائع: تتلخَّص وقائع هذه الدعوى في قيام المدعي بدعوى ضد مطلقته التي تحضن ابنًا له عمره خمسة أعوام وقد تزوجت زوجًا آخر، ويطلب أَنْ تكون الحضانة له وتسليمه الطفل. وأجابت الأُمّ المدعى عليها بامتناعها عن تسليم الطفل؛ لأَنَّها أحق بحضانته، ولأَنَّ والدتها جدةَ الطفل لأُمّه مستعدة بحضانته، وقادرة على ذلك، وقد حضرت الجدة والدة الأمّ وطالبت بالحضانة، ووافقت والدة الطفل أَنْ تكون حضانته لأُمّها، وعارض المدعي، وتمسك بحقه في الحضانة. الحكم وأسبابه: لقد أنهى القاضي النزاع بين الأطراف بحكم مبين الأسباب، جاء فيه: إنَّه بعد التأمل للقضية، وبما أَنَّ جدة الطفل لأُمّه قد طالبت بالحضانة واستَعَدَّت بما يلزم لها، وبما أَنَّ جدة الطفل لأُمّه أحق بحضانته من الأب ومقدمة عليه فيها كما هو مقرر فقهًا، لذا فقد أفهمت طرفي النزاع بأَنَّ جدة الطفل لأُمّه أحق بحضانة الطفل، ويلزم
следующие страницы →