٢ - جواز المصالحة عن حقوق الوقف إذا ظهرت مصلحة الوقف في ذلك (١)، وجعل القاضي هنا من المصلحة استئلاف مستأجره.
٣ - مراعاة الشريعة الإسلامية للظروف الطارئة والاستثنائية التي ترد على العقود والتصرفات، وذلك باستنزال ما يقابل الجائحة، وإنقاص الأجرة في المأجور إلى القدر المعتاد حسب الشروط المقررة لها، كما حصل في هذه الواقعة.
وتلك أحكام راسخة في شريعتنا الإسلامية وَرَدَ تقريرها منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان (٢)، وطبقها القضاة في مسيرتهم القضائية خلال عصور أمتنا الإسلامية السالفة، وهي تعرف باسم "وضع الجوائح"، وقد روى جابر ﵁: "أَنَّ النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح" (٣).
والجوائح: هي الآفات السماوية التي لا يمكن معها تضمين أحد (٤)، ومن ذلك: ما ذكره شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّهَ (ت: ٧٢٨ هـ)
стр. 982
فقد قال: "إذا استأجر ما تكون منفعة إجارته للناس، مثل الحَمَّام، والفندق، والقيسارية (١)، ونحو ذلك، فنقصت المنفعة المعروفة، مثل أَنْ ينتقل جيران الملك، ويقل الزبون لخوفٍ، أَوْ خرابٍ، أَوْ تحويل ذي سلطان لهم ونحو ذلك- فإنَّه يحط عن المستأجر من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة المعروفة، سواء رضي الناظر وأهل الوقف أَوْ سخطوا" (٢).
وقد سبق الفقهُ الإسلاميُّ بذلك القانونَ الوضعيَّ الفرنسيَّ، وسائرَ القوانين الوضعية التي سارت في ركابه، والتي لم تعرف ذلك إلَّا في القرن الثالث عشر الهجري، والتاسع عشر الميلادي (٣).
٤ - جواز تَوْصِيف الواقعة القضائية بتوصيفين متفقين في النتيجة والحكم كما في هذه الواقعة، فقد رَدَّ القاضي على معارضيه في الحكم بأن ذلك من باب نظر القاضي لِحَظِّ الأوقاف ومصلحتها، كما يُعَدُّ من باب وضع الجوائح.
* * *
стр. 983
المبحث الثالث حكم في تنازع شخصين لدار في الأندلس
وفيه:
* عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها.
* الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.
стр. 984
عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها (١):
الوقائع:
حاصل وقائع هذه القضية رفع المدعية (سعيدة) لدعواها لدى القاضي مدعية دارًا لنفسها، وأجابت المدعى عليها (ابنة رضوان) بأَنَّ الدار دار والدتها، وقد توفيت والدتها وكانت قد أوصت بثلثها وباقيها لورثتها.
طرق الحكم والإثبات في هذه القضية:
يظهر من إجراءات الدعوى أَنَّ المدعى عليها أثبتت دعواها بثلاثة شهود عدول، وقد أعذر القاضي المدعية في البينة بمطعن أَوْ مدفع، وضرب لها آجالًا واسعة لإحضار ما تدّعيه، ولم توافه بشيء.
تقرير الحكم القضائي:
قد أنهى القاضي الحكم في هذا النزاع بثبوت الدار لوالدة المدعى عليها (ابنة رضوان)، وحكم بثلث الدار لوصيتها، وباقيها لورثتها، وواضح من هذا الإجراء أَنَّ القاضي ثبت عنده انطباق
стр. 985
الأوصاف المقررة في الحكم الكلي الفقهي على الواقعة القضائية، وبالتالي قرر حكمها القضائي.
طلب إعادة النظر في الحكم:
بعد تقرير القاضي للحكم عادت المحكوم عليها (المدعية) طالبة إعادة النظر في الحكم، وقدمت بينة شهدت بأَنَّها تعرف الدار للمدعية (سعيدة)، ووصفوا حدودها، كما أَنَّ أحد شهود المحكوم لها رجع عن شهادته، لكن تقرر لدى القاضي أنْ ليس فيما قدمته المدعية ما يوجب نقض الحكم، أَمَّا رجوع أحد الشهود فإنَّ نِصَاب الشهادة تامّ بدونه، وأَمَّا شهود المحكوم عليها فلا تعارض الشهادة التي بُني عليها الحكم؛ لأن شهود المدعية لم يَعْرِفا الحدَّ الجوفي، وعرفه شهود المدعى عليها.
الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية:
مما تقرر في هذه الواقعة من ذلك ما يلي:
١ - الإعذار للخصم في الشهود بمدفع في الشهادة أَوْ طعن في الشهود، وهذا أمرٌ مقرر عند العلماء (١).
٢ - مشروعية إعادة النظر في الحكم بعد صدوره من قبل مُصَدِّره إذا جاء المحكوم عليه بدفع صَحِيح لم يورده قبل ذلك وكان
стр. 986
له تعلق بالحكم، ومشروعية سماع شهوده وبينته على هذا الدفع عند الاقتضاء، ولا يلزم من إعادة النظر في الحكم نقضه (١)، وهكذا لو جاء ببينة ظهرت له لم يقدمها من قبل.
٣ - الترجيح بين البينات القضائية عند التعارض بوجه شرعي (٢).
* * *
стр. 987
الفصل الثالث وقائع تطبيقية في العصر الحاضر من محاكم المملكة العربية السعودية
وفيه مدخل، وسبعة عشر مبحثًا:
مدخل.
المبحث الأول: قضية زوجية فيها المصالحة بين زوجين على أَلَّا يسافر بالزوجة من بلدها.
المبحث الثاني: قضية في منع إحداث مقهى أمام البيوت.
المبحث الثالث: قضية فيها نقض الحكم للخطأ في تَوْصِيفه وتقرير حكمه الكلي الفقهي.
المبحث الرابع: قضية في منازعة عقار لم يثبت لأيٍّ من الخصمين.
المبحث الخامس: قضية في المطالبة بتسليم ثمن مزرعة.
المبحث السادس: قضية في دعوى شراء جزء مشاع من عقار.
المبحث السابع: قضية في مطالبة أجير بأجرته علي بناء عمارة ودفع المدعى عليه بالمطالبة بغرامة التأخير.
стр. 988
المبحث الثامن: قضية فيها عقد باطل لجهالة المعقود عليه.
المبحث التاسع: قضية في المطالبة بأجرة ترميم دار والدفع بالشرط الجزائي.
المبحث العاشر: قضية في المطالبة بسيارات كلٌّ يدعي أسبقية شرائه لها.
المبحث الحادي عشر: قضية مطالبة زوجة بدين لها على زوجها المتوفى في مواجهة بقية ورثته.
المبحث الثاني عشر: قضية في حضانة طفل تنازعه اثنان ودخل معهما ثالث.
المبحث الثالث عشر: قضية مطالبة زوج باستعادة مهر من والد زوجته التي زوجها إيَّاه وهي معيبة.
المبحث الرابع عشر: قضية امرأة ناشز تطلب فراق زوجها.
المبحث الخامس عشر: قضية دعوى رضاعة لم تثبت.
المبحث السادس عشر: قضية في المطالبة بأجرة حضانة.
المبحث السابع عشر: قضية فيها دعوى على زوجة تقيم خارج المملكة.
стр. 989
مدخل
الأقضية متواصلة ومتجددة فما من عصر إلَّا ويحدث فيه أحداث ونوازل لم تكن فيما سبقه؛ لأَنَّ وقائع الناس ونوازلهم تكون مما يقع بينهم في عصرهم حسب نشاطهم البشري في كافة جوانب الحياة.
وقد حُفِظَتْ الوقائع القضائية في هذا العصر في سجلات المحاكم، كما نُشِرَتْ بعض المؤلفات التي فيها عرض لبعض الأقضية، ككتاب: "فتاوى ورسائل" للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ (ت: ١٣٨٩ هـ)، وقد أوردت صورًا من هذه الوقائع والأقضية منتظمة في سبعة عشر مبحثًا، كل واقعة في مبحث مستقل، وقد أردت بها أَنْ تكون نماذج تطبيقية معاصرة لما ذكرته من أصول هذا البحث وفروعه.
* * *
стр. 990
المبحث الأول قضية زوجية فيها المصالحة بين زوجين على أَلَّا يسافر الزوج بالزوجة من بلدها
وفيه:
* عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها.
* الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.
стр. 991
عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها (١):
الوقائع:
حاصل الوقائع دعوى زوج على زوجته بأَنَّه يريد السفر بها إلى غير بلدها، وهي ممتنعة عن ذلك؛ لاشتراطها عليه مصالحةً بعد العقد البقاءَ في بلدها، وطلبت البقاء في بلدها، وتهيئةَ سكنٍ لها فيه، والقدومَ عليها حسب ما تقتضيه المصالح الزوجية.
ويظهر من الوقائع إجابة الزوج عن ذلك بالامتناع من تهيئة المسكن، وعدم موافقته على بقائها في بلدها، بل يطلب إلزامها بالانتقال معه حيث انتقل.
طرق الحكم والإثبات في هذه القضية:
يظهر من الوقائع أنْ لا تناكر بين الطرفين في الشرط الذي اشترطته الزوجة حين مصالحته معها على أَنْ تبقى في بلدها وأَلَّا تنتقل معه.
стр. 992
تقرير الحكم القضائي:
لقد أنهى القاضي الواقعة بالحكم فيها على الزوج بثبوت الصلح الجاري بين الزوجين على أَلَّا يسافر بها عن بلدها، وأَنْ يهيِّء لها بيتًا في بلدها وينفق عليها، وأفهم الزوج بأنَّه لا يمكنه السفر بها خارج بلدها إلَّا برضاها، وأَنَّ على الزوج أَلَّا يكون غيابه عنها أكثر من ستة أشهر، وأَنْ تكون أقل مدة حضوره شهرًا ونِصْف الشهر؛ لأَنَّ الاستقرار والمودة والأنس بين الزوجين لا تتحقق بأقل من ذلك.
ولم أقف على تصريح القاضي بمستنده في الحكم، ويبدو في الواقعة عدة تَوْصِيفات:
ففيما يتعلق بالشرط قَرَّرَ القاضي صِحَّتَه وألزم بالصلح المتضمن لبقائها في بلدها.
وفيما يتعلق بالحضور كل مدة فهو من قبل العشرة الواجبة.
وفيما يتعلق بالإلزام بالنفقة والسكن فهي من قبيل حقوق النفقة الواجبة للزوجة على زوجها.
التدقيق الوارد على الحكم:
بدراسة الحكم من قبل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت: ١٣٨٩ هـ) - رئيس قضاة المملكة العربية السعودية في وقته - أجازه بقوله: "بدراسته لم يظهر ما يوجب الاعتراض عليه" (١).
стр. 993
وكان الحكم قد اعتُرِض عليه من قبل الهيئة المدققة له: بأَنَّ للزوج أَنْ يسافر بزوجته ما لم تشترط دارها أَوْ بلدها في صلب العقد أَوْ قبله، وأَنَّ إقرار القاضي اشتراطها البقاء في بلدها بعد العقد مخالف لما هو مصرح به في كتب الأَصْحَاب -يعني الحنابلة- من أَنَ الشرط المعتدّ به ما كان في صلب العقد أَوْ قبله.
وقد أجاب الشيخ محمد بن إبراهيم عن هذا الاعتراض بقوله: "ما ذَكَرَتْهُ - يعني الهيئة المدققة للحكم- هنا في غير محله؛ إذ اشتراطها على زوجها البقاء في بلدها لم يكن شرطًا إنشائيًا مجردًا عما يتصل به، ويسوغ إقراره، وإنَّما كان جزءً من اتفاقية تمت بين الزوج وزوجته لقاء معاوضة ومصالحة، ولا شك أَنَّ له حق نقل زوجته إلى مكان إقامته إذا لم يكن ثم مانع شرعي يمنعه من ذلك، ولم يكن لها عليه شرط البقاء في دارها أَوْ بلدها في صلب العقد أَوْ قبله، إلَّا أَنَّه بموافقته ... معها على النحو المذكور في الحكم، ومنه: أَلَّا ينقلها عن بلدها ... أسقط حقه ذلك" (١).
الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية:
مما تقرر في هذه الواقعة من ذلك ما يلي:
١ - تَعَدُّد التَّوْصِيف في الدعوى القضائية الواحدة لِتَعَدُّد الطلبات وتنوع الوقائع إذا كان بينها اتصال ولا يمكن البَتُّ في الطلب
стр. 994
الأصلي إلَّا بعد البَتِّ في تلك الطلبات أَوْ كانت التجزئة غير ممكنة (١).
٢ - لزوم الصلح الذي يجري بين الزوجين مع شرط الزوجة بقاءها في بلدها ولو بعد العقد والدخول؛ لأَنَّ الزوج بقبول الصلح على هذه الصفة أسقط حقه المقرر شرعًا من لزوم متابعتها له في المسكن -كما قرر ذلك الشيح محمد بن إبراهيم في رده آنف الذكر-، ويؤيده: ما ذكره فقهاء الحنابلة من أَنَّ الحكمين عند الشقاق الزوجي لو اشترطا شرطًا لا ينافي النكاح مثل أَنْ يسكنها في مَحِلَّةِ كذا صَحَّ ولزم (٢).
٣ - أَنَّ القضية الواحدة قد تشتمل على عدة طلبات، على القاضي البَتُّ فيها إذا كانت هذه الطلبات متصلة اتصالًا لا يتوصل إلى الحكم في القضية إلَّا بالفصل فيها، ففي هذه الواقعة حَكَم للزوجة بأَلَّا يسافر بها، وبوجوب نفقةٍ ومسكنٍ لها، وبحقها في قدومه لها كل ستة أشهر، وكلها مبنية على طلبات مُتَعَدِّدَةٌ مُتَّصِلَة.
٤ - أَنَّ الزوج ليس له الغيبة عن زوجته أكثر من ستة أشهر إذا
стр. 995
لم يكن ثَمَّ عذر يوجب ذلك (١)، ودليله: أَنَّ امرأة في عهد عمر ﵁ استبطأت عودة زوجها من الجهاد، فسأل عمر حفصة ﵄: "كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أَوْ أربعة أشهر، فقال عمر ﵁: لا أحبس الجيش أكثر من هذا" (٢).
أَمَّا تحديد القاضي أقلَّ مدةِ مكثِه عندها بعد قدومه عليها بشهر ونِصْف الشهر فهو أمرٌ اجتهادي يخلتف باختلاف الزمان والمكان والمواصلات وغيرها، ولم أقف على من ضرب مثل هذه المدة من الفقهاء، ولكنه أمرٌ سائغٌ قضاءً، بخاصة في الزمن الذي وقع فيه - عام ١٣٨٣ هـ -؛ إذ لم تكن وسائل الاتصال والمواصلات آنذاك متهيئة مثل الآن.
* * *
стр. 996
المبحث الثاني قضية في منع إحداث مقهى أمام البيوت
وفيه:
* عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها.
* الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.
стр. 997
عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها (١):
الوقائع:
حاصلها دعوى المدعين بأَنَّ المدعى عليه أحدث أمام بيوتهم مقهىً يَضُرُّ بهم ضررًا كبيرًا، وطالبوا بإغلاق المقهى، ويظهر أَن المدعى عليه أجاب بامتناعه عن إغلاق المقهى؛ لأَنَّه لا ضرر منه على المدعين.
طرق الحكم والإثبات في هذه القضية:
قيام بينة وهي شهادة شهود معدلين، ومعاينة القاضي لموقع النزاع على حصول الضرر من هذا المقهى على مجاوريه وهم المدعون.
الحكم وأسبابه:
قد تضمن الحكم القضائي الذي أصدره القاضي: أَنّه بناءً على شهادة البينة المعدلة، وبناءً على مشاهدته لموضع النزاع في هذه القضية فقد ثبت لديه أَنَّ وجود المقهى العائد للمدعى عليه فيه ضرر لبيت المدعي والمجاورين له؛ لمقابلته للمقهى المذكور؛ لأَنَّ النساء
стр. 998
لا يتمكَّنَ من الخروج والدخول إلى البيوت المذكورة طالما أَنَّ الرجال الذين يجلسون بالمقهى ويرتادونه يتابعون النظر إليهن، كما أَنَّ السكان لا يتمكنون من فتح الأبواب، لذا فقد حكم القاضي على المدعى عليه بإغلاق المقهى المواجه لبيت المدعي وعدم فتحه منعًا للضرر الذي لحق به وبالمجاورين له.
التدقيق الوارد على الحكم:
بدراسة هذا الحكم من قبل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رئيس القضاة في وقته - أيَّده.
الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية:
مما تقرر في هذه الواقعة من ذلك ما يلي:
١ - تَوْصِيف وجود المقهى محل النزاع بأَنَّه مُضِرٌّ بالمدعي
والمجاورين له، وتصريح القاضي بهذا التَّوْصِيف.
٢ - وجوب إزالة الضرر عند تحققه (١).
٣ - مشروعية وقوف القاضي مع الشهود وأهل الخبرة على موضع النزاع لمعاينته عند الاقتضاء (٢).
* * *
стр. 999
المبحث الثالث قضية فيها نقض الحكم للخطأ في توْصِيفه وتقرير حكمه الكلي الفقهي
وفيه:
* عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها.
* الأحكام والضوابط المقررة في القرار المؤيد لقرار النقض في هذه القضية.
стр. 1000
عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها (١):
الوقائع:
حاصل وقائع هذه الدعوى أَنَّ رجلًا قام ضد آخر مدعيًا أَنَّه جعل إليه بيع بيته، وأَنَّه أثناء المناداة عليه حال بينه وبين إتمام العمل من إكمال المناداة، وعَقَدَ البيع بنفسه مع مشترٍ من المشترين، ويطلب المدعي إلزام المدعى عليه بتسليم أجرته على التوسط في البيع والمناداة على المبيع.
وقد أجاب المدعى عليه بما حاصله: رفضُه تسليم الأجرة؛ لأَنَّه قد تولى العقد بنفسه قبل إكمال المدير المناداة على البيت وتمام التوسط في بيعه.
طرق الحكم والإثبات في هذه القضية:
يظهر أَنَّ الواقعة قد ثبتت لدى القاضي بطريق مُسَطَّر في صَكّها، لكنه لم يظهر في المرجع الذي وقفنا منه على الواقعة.
تقرير الحكم القضائي:
لقد انتهى القاضي في تقرير حكمه لهذه القضية بإلزام المدعى
стр. 1001
عليه بتسليم الأجرة المدعى بها للمدعي موصفًا العمل الذي قام به المدعي بأَنَّه من قبيل الإجارة، والإجارة عقد لازم يستحق المستأجر الأجرة كاملة؛ لأَنَّها لا تنفسخ بفسخ أحد الطرفين من دون رضا الطرف الآخر، وذكر القاضي مستنده في ذلك مما قرره أهل العلم، ولم يرد في المرجع المذكور ذكر هذا المستند، لكن سوف يرد لاحقًا الإشارة إلى ما يَدُلُّ عليه.
التدقيق الوارد على الحكم:
الحكم المذكور دُرِسَ من قبل محكمة التمييز فنقضته، غير أنَّه لم يرد في المرجع الذي وقفت عليه والمذكور آنفًا أسباب النقض، وقد درس هذا الحكم -أيضًا- من قبل رئيس القضاة سابقًا بالمملكة العربية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت: ١٣٨٩ هـ) فأكد النقض بقوله: "جرى الاطلاع على الحكم الصادر من ... وعلى ما ظهر به من النقض من قبل ... فظهر لنا أَنَّ هذه الدعوى من باب الجعالة كما هو قول شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّةَ (١)، وكما صرح بذلك الأَصْحَاب؛ قال في المغني [٥/ ٤٩٤] ما ملخصه: إذا استأجر إنسان كَحَّالًا يكحله بشرط البرء، فحال المستأجر بين الأجير وبين إكمال العمل فهذه جعالة، وللأجير أجرة عمله، والعبارات التي نقل قاضي -يعني مصدر الحكم- ... ليست نَصًّا
стр. 1002
في أَنَّها إجارة ولا يستقيم الحكم عليها بأَنَّها إجارة؛ لفقد شرطها، وهو العلم بقدر العمل، وأكثر ما في العبارات التي نقلت جواز دفع الثوب ونحوه إلى الدَّلَّال من غير تعيين أجرةٍ نظيرَ دخول الحمام، وركوب السفينة من غير تعيين أجرة اكتفاء بأجرة العادة، وبهذا يعرف أَنَّ الدَّلَّال لا يستحق من السعي إلَّا بقدر عمله فقط" (١).
الأحكام والضوابط المقررة في القرار المؤيد لقرار النقض في هذه القضية:
مما يتقرر من ذلك ما يلي:
١ - تصريح الناقض بتَوْصِيفِ الواقعة عند الاقتضاء.
٢ - ما جرى به العمل من نقض الحكم المخالف للأصول الشرعية.
٣ - ما جرى به العمل من ذكر الناقض مستنده في النقض، كما فعل الشيخ آنفًا.
٤ - نقض الحكم للخطأ في تَوْصِيف الواقعة والحكم؛ لأَنَّ القاضي جعل العمل من قبيل الإجارة وهو من قبيل الجعالة، فأخطأ في تَوْصِيف الواقعة والحكم القضائي لها، فاستوجب النقض.
* * *
стр. 1003
المبحث الرابع قضية في منازعة عقار لم يثبت لأيٍّ من الخصمين
وفيه:
* عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها.
* الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.
стр. 1004
عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها (١):
الوقائع:
حاصل وقائع هذه القضية: دعوى المدعي أَنَّ بجوار ملك المدعى عليه أرضًا ذكر حدودها وأطوالها، ويريد إحياءها لأَنَّها مرفق لبلاده- أي مزرعته- لكن المدعى عليه يمانعه من التعرض لها وإحيائها بغير وجه شرعي، وطلب الحكم على المدعى عليه بمنعه من التعرض له في هذه الأرض ليتمكن من إحيائها.
وقد أجاب المدعى عليه بالمصادقة على أَنَّ الأرض المتنازع فيها أرض موات خالية من الإحياء، وهي من مرافق الأملاك المجاورة التي لا يختص بها المدعي دون مجاوريه.
الحكم وأسبابه:
لقد صدر من القاضي في هذه القضية حكم مبين الأسباب، ونَصُّ الحكم مع أسبابه فيما يلي:
يقول حاكمه: "وبعد إجراء ما يلزم إجراؤه في هذه القضية تبين ما يلي:
стр. 1005
١ - تَصَادَقَ الطرفان المذكوران على الأرض موضع النزاع، وأَنّها محدودة بالشارع العام شرقًا، وبيان ذرعتها على ما هو مشروح بعاليه.
٢ - تصادق الطرفان المذكوران على أَنّه يَحُدُّ الأرض موضع النزاع من الجهة الغربية العقم الترابي، ثم الشارع الفاصل بينها وبين بلاد المدعي المذكور.
٣ - أقرَّ المدعي أَنَّ وجود الشارع المذكور الذي يفصل بين بلاده وبين الأرض موضع النزاع وجوده سابق لشرائه البلاد المذكورة، وأَنَّ بلاده تحدد به من الجهة الشرقية.
٤ - تصادق الطرفان المذكوران على أَنَّ الأرض موضع النزاع ملاصقة من الجهة الشمالية للزبائر الترابية المسماة زبائر خيف المانعية.
٥ - مصادقة المدعي للمدعى عليه من أَنّه يقع شمالًا عن الأرض موضع النزاع بعد الزبائر الترابية المذكورة عدة بلدان، منها بلاد الوقوف التي تحت نظارة المدعى عليه المذكور، وأَنَّ تلك البلدان مطاولة لذلك الحدّ على ما هو مشروح بعاليه.
٦ - تنازع الطرفان المذكوران فيما تحدد به الأرض موضع النزاع المذكورة من الجهة القِبْلِيَّة، فالمدعي يحددها بشارع هو الذي أحدثه، والمدعى عليه يحددها بخارجة وقف المدني حسب الحجة الموجودة بيده.
стр. 1006
٧ - أَنَّ الحجج الشرعية الثلاث التي أبرزها المدعى عليه لبعض البلدان المتجاورة المؤقتة شمالي الأرض موضع النزاع، ومصادقة المدعي على أَنَّها هي حججها، وإحداها لبلاد الوقف التي تحت نظارة المدعى عليه المذكور، تحدد جميعها من الجهة القبلية بخارجة محمد المدني.
٨ - أَنَّه يظهر من مقارنة الذرعة، والمذكورة طولًا لبلاد الجار بالذرعة المذكورة طولًا لبلاد الوقف المذكورة زيادة ذرعة بلاده عليها في الطول مما يبرر أَنْ يكون ما هو على سمت بلاد الجار من الأرض موضع النزاع داخل في ذرعتها ثم خارجة المدني بعد ذلك.
٩ - تصادق الطرفان المذكوران على أَنَّ البلدان المذكورة ومنها بلاد الوقف المذكورة الواقعة جميعها شمالًا عن الأرض موضع النزاع المذكورة هي متلاصقة وصغيرة المساحة، وأَنّها جميعًا محفوفة بالأملاك والطرق، فمن الغرب بملك المدعي المذكور، ومن الشرق بالطريق العام، ومن الشمال بالزبائر الترابية والمسماة زبائر خيف المانعية كذلك، ثم الطريق لبعضها، ثم أملاك الغير للبعض الآخر، ومن القبلة الزبائر الترابية المسماة زبائر خيف المانعية كذلك، ثم الأرض موضع النزاع المذكورة على ما جاء من حال المشاهدة، وأَنّها إن لم ترتفق بالأرض موضع النزاع على فرض انفكاكها عن ملك الغير فليس أمامها ما ترتفق به، وتضع جرينها فيه سوى الطريق على ما جاء في أقوال المدعي المذكور.
стр. 1007
١٠ - أَنَّ المدعي لم يُحْدِث في الأرض موضع النزاع المذكورة إحياءً ولا تحجيرًا حسب إقراره.
١١ - إقرار المدعى عليه من أَنّه لم يحدث هو نفسه في الأرض موضوع النزاع إحياءً ولا تحجيرًا لجهة الوقف المذكور.
١٢ - وبناءً على ذلك فإنَّ الأرض موضع النزاع المذكور بين الطرفين المذكورين إمَّا أَنْ تكون هي خارجة بلاد المدني، وتكون داخلة في حدود من يحدد بها من البلدان المذكورة ومنها البلدان الثلاثة المنوه عنها بموجب الصُّكُوك المشروحة بعاليه، وتكون كذلك بالنسبة لبقية البلدان التي لم تبرز صكوك تملكها لديَّ، ومرتفقًا ومنتفعًا كلٌّ بما يجاور بلاده على ما تفيده مصادقة الطرفين المذكورين المطابقة لحال المشاهدة.
الحكم:
لكل ما تقدم فقد صرفت النظر عن دعوى المدعي المذكور وأفهمته بعدم التعرض للأرض المذكورة حدودها وذِرْعَتُها بعاليه، كما أفهمت المدعى عليه المذكور بعدم التعرض للأرض المذكورة ما لم يثبت بيعه ما يحاذي بلاد الوقف المذكورة، والتي تحت نظارته من الأرض موضع النزاع للوقف بوجه شرعي، وأفهمت الطرفين ذلك مشافهة في المجلس، وقرر المدعي والمدعى عليه عدم قناعتهما بذلك وما هو الواقع، حرر في ٣/ ٢/ ١٣٩٢ هـ".
стр. 1008
فالحكم صدر على الطرفين كل واحد منهما بعدم التعرض للأرض موضع الدعوى.
تدقيق الحكم بتمييزه:
بدراسة الحكم من قبل محكمة التمييز أصدرت قرارًا بإجازته؛ لموافقته للأصول المتبعة، وهذا نَصُّ القرار المُومَأِ إليه: "جرى الاطلاع على هذا الصَّكّ الصادر من فضيلة القاضي بالمحكمة ... الشيخ ... وعلى صورة ضبطه ولائحته الاعتراضية، وتقرر ما يلي:
أولًا: أَن المدعي يذكر في دعواه أَنَّه بقرب ملكه قطعة أرض موات يريد إحياءها، ولكن المدعى عليه يمانعه من إحيائها، والمدعى عليه صَادَقَ أَنَّ الأرض هي أرض موات خالية من الإحياء، وهي من مرافق الأملاك المجاورة لها لا يختص بها أحد دون الآخر، هكذا جاء في الدعوى والجواب عنها.
ثانيًا: أَنَّ المَنْصُوص عليه أَنَّ ما قرب من العامر وتعلق بمصالحه لا يملك، فما ذكره المدعي في دعواه ولائحته غير وارد، وما أجراه الحاكم من صرف نظره عن دعوى المدعي موافق للأصول المتبعة، فلهذا جرى تصديقه وعلى هذا حصل التوقيع".
الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية:
مما تقرر في هذه الواقعة من ذلك ما يلي:
١ - لقد جاء في أسباب الحكم ما يبين ما قام به القاضي من
стр. 1009
بيان المتفق عليه والمختلف فيه من الوقائع المؤثرة في الحكم مما أقر به أحد الخصمين أَوْ كلاهما، وما بنى عليه القاضي تَوْصِيفه وحكمه من بينات وما استنبطه من أوصاف مؤثرة في ثبوت الواقعة، وكلها أعمال مهمة في تَوْصِيف الواقعة.
٢ - ما جرى عليه العمل من تسبيب الحكم بذكر ما استند إليه حاكمه في ثبوت الوقائع.
٣ - تحرك مراكز أطراف الخصومة، وأَنَّ المدعي يكون مدعيًا كما يكون مدعى عليه في آن واحد، والمدعى عليه يكون مدعى عليه، كما يكون مدعيًا في آن واحد (١)، فقد ظهر في هذه القضية أَنَّ كل واحد من الخصمين مدّعٍ بالأرض، ومدعى عليه بالمنع منها.
٤ - أَنَّ الطلبات في الدعوى إذا كان بينها اتصال وثيق يجب البَتُّ فيها معًا ولا تُجَزَّأ، ففي هذه الدعوى حكم القاضي بعدم استحقاق المدعى للأرض وبمنع المتنازعين من التعرض لها.
* * *
стр. 1010
المبحث الخامس قضية في المطالبة بتسليم ثمن مزرعة
وفيه:
* عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها.
* الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.
стр. 1011
عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها:
الوقائع:
تتلخَّص وقائع هذه الدعوى بادّعاء المدعي بأَنَّه باع على المدعى عليه مزرعة وصفها وحدَّدها بثمن قدره واحد وستون مليونًا وسبعمائة وستة عشر ألف ريـ ٦١.٧١٦.٠٠٠ ـال، وأَنَّه أفرغ هذا البيع لدى الدائرة المختصة- أي: وَثَّقَه له- ولم يسلم له الثمن، ويطلب إلزام المدعى عليه بتسليم الثمن المذكور.
وقد أجاب المدعى عليه بأَنَّه لم يشتر المزرعة المذكورة من المدَّعي، وطلب رد الدعوى، وأضاف في دفوعه بأَنَّ المزرعة رهن له في دين على والد المدعي، وأَنَّها أُفْرِغَتْ بيعًا صوريًّا توثيقًا لتلك الديون.
الحكم وأسبابه:
لقد فَصَلَ القاضي في هذه الواقعة بحُكْمٍ مُبَيَّن الأسباب.
جاء فيه: إنَّه بدراسة القضية وتأملها، وبما أَنَّ الطرفين قد تصادقا على إفراغ المزرعة الموصوفة في الدعوى من المدعي إلى المدعى عليه، وهذا يوافق ما في الصَّكّ الصادر من كتابة عدل ...
стр. 1012
برقم ... وتاريخ ... وقد جاء في صَكّ الإفراغ آنف الذكر: أَنَّ الثمن واحد وستون مليونًا وسبعمائة وستة عشر ألفَ ريالٍ سُلِّمَتْ عدًّا ونقدًا، وأَنَّ المبيع سُلِّمَ بحدوده لوكيل المشتري، وقد تصادق الطرفان على أَنَّ المزرعة لم تُسَلَّم لموكل المدعى عليه حتى الآن، وأَنَّ الثمن لم يقبض، وبما أَنَّ المدعى عليه قد دفع بصوريَّة العقد، وأَنّه لم يقع بيع ولا شراء حقيقةً، وأَنَّ ما حصل من إفراغ إنَّما هو رهن للمزرعة، وبما أَنَّ دفع المدعى عليه هذا يؤيده تصادق الطرفين على عدم قبض الثمن المذكور مع كثرته، وهذا أَمْر تُبْعِده العادة؛ إذ يَبْعُد عادةً أن يُقِرَّ شخص باستلام مبلغ كثير جدًّا وهو واحد وستون مليونًا وسبعمائة وستة عشر ألفَ ريالٍ عدًّا ونقدًا وهو لم يستلمه ويكون العقد حقيقة، وما أحالته العادة أَوْ أبعدته فهو مردود؛ يقول ابن عبد السلام في قواعده [٢/ ١٢٥]: "القاعدة في الأخبار والدعاوى والشهادات والأقارير وغيرها: أَنَّ ما كذبه العقل أَوْ جوَّزه، وأحالته العادة فهو مردود، وأَمَّا ما أبعدته العادة من غير إحالة فله رُتَبٌ في البعد والقرب قد يختلف فيها، فما كان أبعد وقوعًا فهو أولى بالرَّدِّ، وما كان أقرب وقوعًا فهو أولى بالقبول، وبينهما رتب متفاوتة".
ينضاف إلى ذلك: أَنَّ المزرعة لا زالت في يد المدعي منذ
الإفراغ بتاريخ ١٣/ ١١/ ١٤١٤ هـ وحتى الآن في ٢/ ٢/ ١٤١٨ هـ حسب إقرارهما، وأَنَّ للتعامل الذي دفع به المدعى عليه أصلًا، وذلك حسب ما قَدَّم من الورقتين؛ إحداهما: معنونة باسم "محضر
стр. 1013
اتفاق تسوية حسابات الأسهم"، والثانية: الخطاب الموجه من والد المدعي إلى المدعى عليه، وقد تضمن الخطاب ذِكْرَ رَهْنِ المزرعة موضع الدعوى للمدعى عليه، فكل ذلك قرائن مؤيدة لما دفع به المدعى عليه من أَنَّ حقيقة التعاقد رَهْنٌ لا بَيْعٌ، وتلجئة العقود يثبت بالقرينة كما ذكره فقهاؤنا [الكشاف ٣/ ١٥٠]، ولا يعارض هذا إفادةُ الغرفة التجارية، والتي قَدَّمَها المدعي متضمنة: أَنّه قد يحدث أحيانًا أن يُفْرَغ العقار ويُقَرّ باستلام الثمن وهو لم يُسْتَلم؛ لأَنَّ ما يحدث أحيانًا لا يُعتدّ به، ولا يُخِلُّ بالقاعدة - كما سبق بيانه من كلام العزّ ابن عبد السلام-، كما لا يعارض ما قررته من أَنَّ صَكّ المزرعة باسم المدعي والديون المرهونة بها مستحقة على والده، ذلك بأَنَّ للإنسان أَنْ يرهن ماله في دين على غيره كما ذكره فقهاؤنا [الاختيارات ١٣٣]، والمدعي قد فعل ذلك، فقد أفرغ المزرعة لدى كاتب العدل حسب الإفراغ آنف الذكر، وكان ذلك برضاه واختياره، فهو رهن منه لهذه المزرعة برضاه واختياره، لما أسلفت من قرينة، كما لا يعارض ما قررته من أَنَّ المدعى عليه قد أقر بواسطة وكيله قبوله لهذا الإفراغ لدى كاتب العدل -كما في صَكّ الإفراغ -؛ لأنَّ الإقرار إذا شهدت قرينة قوية بِرَدّه لم يعمل به، برهان ذلك: ما أخرجه البخاري ومسلم- واللفظ له- في صَحِيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه
стр. 1014
لصاحبتها: إنَّما ذهب بابنكِ أنتِ، وقالت الأخرى: إنَّما ذهب بابنكِ أنتِ، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا إلى سليمان بن داود- ﵉ فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أَشُقُّه بينكما، فقالت الصغرى: لا تفعل- يرحمك الله- هو ابنها، فقضى به للصغرى" (١)، قال ابن القَيِّمِ في الطرق الحكمية [ص ٦]- بعد أن ساق الخبر-: "فأيُّ شيء أحسن من اعتبار هذه القرينة الظاهرة، فاستدَلَّ برضا الكبرى بذلك، وأَنَّها قصدت الاسترواح إلى التأسي بمساواة الصغرى في فَقْدِ ولدها، وبشفقة الصغرى عليه وامتناعها من الرضا بذلك- على أَنَّها هي أُمّه، وأَنَّ الحامل لها على الامتناع ما قام بقلبها من الرحمة والشفقة التي وضعها الله في قلب الأُمّ، وقويت هذه القرينة عنده حتى قَدَّمها على إقرارها، فإنَّه حكم به لها مع قولها: "هو ابنها"، وهذا هو الحق؛ فإنَّ الإقرار إذا كان لعلة اطّلَع عليها الحاكم لم يلتفت إليه، ولذلك ألغينا إقرار المريض مرض الموت بمال لوارثه؛ لانعقاد سبب التهمة، واعتمادًا على قرينة الحال في قصده تخصيصه".
وممن خرَّج الحديث السابق -أيضًا- الإمامُ النسائي، وقد ترجم عليه عدة تراجم، منها قوله: "الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم له إذا تبين للحاكم أَنَّ الحق في غير ما اعترف به" (٢)، قال
стр. 1015
ابن القَيِّمِ معلقًا على ذلك- كما في الطرق-[ص ٦]: "فهكذا يكون الفهم عن الله ورسوله"، كما علق ابن القَيِّمِ على هذه الترجمة في الإعلام [٤/ ٣٧١] بقوله: "وهذا هو العلم استنباطًا ودليلًا".
فبناءً على ما سلف فقد أعلمت المدير بأنَّه لا يستحق ما ادّعاه على المدعى عليه من ثمن المزرعة الموصوفة في الدعوى، وأَنَّ حقيقة العقد بينهما رهن لا بيع، وللمدعي على المدعى عليه اليمين الشرعيّة مغلظة في الصيغة (١) بأَنَّ حقيقة العقد بينهما في المزرعة الموصوفة في الدعوى رهن وليس بيعًا متى طلب المدعي اليمين، فأبى طلبها، وليس له إلَّا ذلك متى طلبها، وقد استَعَدَّ المدعى عليه ببذل اليمين عند طلبها منه؛ لذلك كله فقد حكمت بصرف النظر عن دعوى المدعي، وأَنه لا يستحق ما ادّعاه من ثمن المزرعة المذكورة في الدعوى؛ لأَنَّ حقيقة العقد بينهما على المزرعة رهن لا بيع.
تدقيق الحكم بتمييزه:
وبدراسة هذا الحكم ولائحته الاعتراضية من قِبَل محكمة التمييز صدر قرارها بالموافقة على الحكم.
стр. 1016
الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية:
مما تقرر من الأحكام والضوابط في هذه الواقعة ما يلي:
١ - أَنَّ للقاضي استنباط ثبوت الواقعة وحقيقتها والأوصاف والمعاني المؤثرة فيها من كلام الخصمين وبيِّنَاتهما حسب طرق الاستنباط وأصوله وأوجه الدلالة المقررة كما هو مبين في هذا الكتاب.
فقد استنبط القاضي من عدم تسليم الثمن مع كثرته، والإقرار بقبضه، وكون المزرعة لا زالت في يد المدعى عليه منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وأَنَّ للتعامل الذي دفع به المدعى عليه أصلًا- أَنَّ البيع المقرّ به صوريٌّ، وأَنَّ حقيقة التعامل بينهما رهن لا بيع.
٢ - تصريح القاضي بتَوْصِيفِ الواقعة عند الاقتضاء، فقد قرر القاضي أَنَّ حقيقة التعاقد بين المترافعين على المزرعة رهن لا بيع.
٣ - الحكم بخلاف إقرار الخصم إذا كان ثَمَّ قرينة قوية تؤيد الدعوى، بدليل قصة المرأتين الوارد سياقها في أسباب الحكم.
٤ - أَنَّ ما أبعدته العادة أَوْ أحالته من الأقارير والشهادات ونحوها فهو مردود كما حققه العلماء ومنهم العز بن عبد السلام الوارد نَصُّ كلامه في سياق أسباب الحكم.
٥ - العمل بالقرينة في إثبات عقود التلجئة ونحوها.
* * *
стр. 1017
المبحث السادس قضية في دعوى شراء جزء مشاع من عقار
وفيه:
* عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها.
* الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.
стр. 1018
عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها:
الوقائع:
تتلخص وقائع الدعوى ادعاء المدعي: أَنَّه اشترى من المدعى عليه أمتارًا حددها مشاعًا من أرض وصفها، وطلب توثيق هذا البيع بالإفراغ له.
وتتلخص إجابة وكيل المدعى عليه: بأَنَّ المدعي سَلَّم لموكله (المدعى عليه) ستة آلاف ريال ثمن أمتار من الأرض المذكورة، وما عداها فلا حق له فيه، ثم حضر المدعى عليه أصالة، وأنكر الدعوى وأَنه استلم من المدعي أي ثمن لأيِّ متر من الأرض المدعاة، وقرر بأنَّ المدعي لم يشتر منه أي شيء من الأرض.
الحكم وأسبابه:
لقد أنهى القاضي القضية بحكم مُبَيَّن الأسباب.
جاء فيه: إنَّه بعد دراسة القضية وتأملها، وبما أَنَّه ليس للمدعي بينة موصلة على ما يدعيه، ذلك بأنَّ إقرار الوكيل الأول لا يُعْتَدُّ به؛ لأَنَّ المدعى عليه أصالة قد أنكره، والوكيل وكيل في الدعوى، ولم يصرح له بالإقرار في وكالته، جاء في المنتهى وشرحه [٢/ ٣١٥]:
стр. 1019
"وليس للوكيل في الخصومة إقرار على موكله مطلقًا نَصًّا، كإقراره عليه بقود وقذف، وكالولي"، وأَمَّا شهادة المدعو ... فإنَّه يشهد لنفسه بالحوالة التي استلمها من المدعي (١)، فهو بذلك يجرُّ لنفسه نفعًا بهذه الشهادة، ويدفع عنها ضررًا؛ إذ إنَّ الشاهد المذكور لو أنكر استلامه للحوالة من المدعي لاستطاع المحال عليه -وهو المدعي حالًا- مخاصمة الشاهد المذكور واستحلافه عند الإنكار، وتكليفه بالتسليم عند النكول، والحوالة لم تثبت ببينة، وإنَّما تصادق المحال -وهو الشاهد المذكور- والمحال عليه -وهو المدعي -عليها مع إنكار المحيل -وهو المدعى عليه- فشهادة الشاهد المذكور لا تعدو أَنْ تكون إقرارًا باستلام الحوالة لا شهادة، ولا يخفى بأَنَّ الإقرار حجة قاصرة على المقرّ فقط، ولا يتعداه إلى غيره، ثم إنَّه لم يرد في كلام الشاهد المذكور بيان مقدار الأمتار المباعة، ولا ثمن المتر، وهذه جهالة في الشهادة، والمجهول ينزل منزلة المعدوم كما ذكره ابن رجب في قواعده [القاعدة ١٠٦]، وذكره ابن تَيْمِيَّة في مجموع الفتاوى [٢٩/ ٢٦٢، ٣٣٢]، كما أنَّ شهادة الشاهد المذكور في حقيقتها ادّعاء الحوالة لنفسه، ولم يثبت هذا الادعاء، وأَمَّا شهادة المدعو ... فإنَّها غير مقبولة؛ لأنَّه شهد لنفسه وللمدعي، وشهادته لنفسه مردودة، فكذلك شهادته للمدعي، جاء في الكافي لابن قدامة
стр. 1020
[٤/ ٥٣١] ما نَصُّه: "فصل: وتمنع التهمة قبول الشهادة، وهي ستة أنواع- حتَّى قال- النوع الخامس: من شهد بشهادة ترد في البعض ردت في الكل"، وأَمَّا الشاهد المدعو ... فإنَّه لم يشهد بالمدعى به، ولا بما يَدُلُّ عليه، وكذلك الشاهد ... فإنَّه لم يوضح المشهود به ومقداره، كما أَنَّ صورة سند البيع لا تقوم بها حجة ولم يثبت الأصل، والمدعى عليه ينكر ما تضمنته؛ لذلك جميعه فقد أعلمت المدعي بأَنَّ بينته غير موصلة، وأَنَّ له اليمين على المدعى عليه أصالة بنفي دعواه على البتات متى طلبها، فأبى تحليفه، فبناءً على جميع ما سلف فقد حكمت بصرف النظر عن دعوى المدعي هذه لعدم استحقاقه لما يدعيه وله يمين خصمه على نفي دعواه على البتات متى طلبها، وبإعلام الطرفين بالحكم لم يقنع المدعي به وطلب تمييزه.
تدقيق الحكم:
هذا الحكم دُرِس من قِبَل محكمة التمييز واعترضت عليه ونقضته، وبدارسته وأوراق القضية من قِبَل مجلس القضاء الأعلى بهيئته الدائمة قررت صِحَّة الحكم، وأَنَّ القضية منتهية بموجبه.
الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية:
مما تقرر في هذه الواقعة من ذلك ما يلي:
١ - أَنَّ الوكيل في الخصومة لا يُقِرُّ عن موكله ما لم يُصَرَّح له في الوكالة بالإقرار.