مختصر الفتاوى المصرية [ص ٦٠٨]: "ولا تقبل الدعوى بما يناقض إقراره إلَّا أَنْ يذكر شبهة تجري بها العادة"، وبما أَنَّ اختلاف أقوال المدعية في سبب الدين بين ثمن الأرض أَوْ القرض لا يوجب ردّ دعواها؛ لأَنَّها ذكرت أنها غلطت في الأولى والصَّحِيح أنه قرض (١)، وبما أَنَّ ثبوت الدين بموجب ورقة كتبت بيد المتوفى صلبًا وتوقيعًا، وليس هناك شبهة في ثبوته، وبما أَنَّ دفع المدعية- بأَنَّ الثلاثين ألف ريال التي استلمتها بشيك باسم ابنها من زوج سابق لعلاج الابن (فيصل) الذي هو ابنها من زوجها المتوفى، وصرفتها في ذلك- هو دفعٌ راجح؛ لأَنَّ الشيك باسم ابنها من زوجها السابق وليس باسمها، ولو أرادت إنكار استلامها لهذا المبلغ لما لزمها مما يرجح صدقها، كما أَنَّ الابن (فيصلًا) مريض حسب إقرار المدعى عليه، كل ذلك قرائن حالية تؤيد ما دفعت به المدعية، والأصل أَنَّها مؤتمنة، والقول قولها بيمينها في إنفاقها.
لذلك كله ولأَنَّ الناكل عن الجواب تسمع عليه البينة فقد قضيت بثبوت مبلغ ستين ألف ريال للمدعية على الميت ... تستوفى من التركة عند قسمتها وعليها اليمين بأَنَّ المبلغ المدعى به لا زال في ذمة المتوفى لم تستلم منه شيئًا أَوْ تتنازل عنه، وأَنَّ الثلاثين ألف ريال التي استلمتها بموجب الشيك إنَّما هي لعلاج ابنها (فيصل) وليست
стр. 1052
سدادًا من الدين، وقد أبي المدعى عليه طلب اليمين، وبما أَنَّ القضية بها قاصر فقد وجهت اليمين على المدعية على الصفة سالفة الذكر فاستَعَدَّت بالحلف، وحلفت اليمين المطلوبة مغلظة في الصيغة، وبذلك انتهت الدعوى.
تدقيق الحكم بتمييزه:
بدراسة الحكم مع اللائحة الاعتراضية من قبل محكمة التمييز صدر قرارها بالموافقة عليه.
الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية:
مما تقرر من ذلك ما يلي:
١ - أنه إذا قامت الأدلة والقرائن القوية المؤيدة لِصِحَّة الدعوى وعدم صِحَّة الإقرار عُمِل بها، وقُدِّمت على حجية الإِقرار.
٢ - أَنَّ الخصم إذا جمع بين كلاميه المتناقضين بوجه سائغ تَدُلُّ عليه القرائن قُبِل منه، ومن ذلك: إذا قال: غلطت في كلامي الأول.
٣ - أَنَّ القضية إذا كانت لقاصر، وتوجهت له اليمين، وأبى الولي طلبها فللحاكم طلبها وتحليف المتوجهة عليه ولو لم يطلبها ولي القاصر؛ لأَنَّ ذلك محض مصلحة للقاصر فتستوفى، ولأَنَّه ربما نكل فقضي عليه.
стр. 1053
٤ - ما جرى به العمل أَنَّ المدعى عليه إذا أنكر الخط والتوقيع أَوْ نفى معرفته أَوْ علمه به فإن القاضي يأمر بفحصه والتحقق من صِحَّتَه من قِبَل خبراء المخطوط، وما يقررونه يعمل به القاضي ما لم يظهر في قرار الخبرة طعن من وجه يوجب رده.
* * *
стр. 1054
المبحث الثَّاني عشر قضية في حضانة طفل تنازعه اثنان ودخل معهما ثالث
وفيه:
* عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها.
* الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.
стр. 1055
عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها:
الوقائع:
تتلخَّص وقائع هذه الدعوى في قيام المدعي بدعوى ضد مطلقته التي تحضن ابنًا له عمره خمسة أعوام وقد تزوجت زوجًا آخر، ويطلب أَنْ تكون الحضانة له وتسليمه الطفل.
وأجابت الأُمّ المدعى عليها بامتناعها عن تسليم الطفل؛ لأَنَّها أحق بحضانته، ولأَنَّ والدتها جدةَ الطفل لأُمّه مستعدة بحضانته، وقادرة على ذلك، وقد حضرت الجدة والدة الأمّ وطالبت بالحضانة، ووافقت والدة الطفل أَنْ تكون حضانته لأُمّها، وعارض المدعي، وتمسك بحقه في الحضانة.
الحكم وأسبابه:
لقد أنهى القاضي النزاع بين الأطراف بحكم مبين الأسباب، جاء فيه:
إنَّه بعد التأمل للقضية، وبما أَنَّ جدة الطفل لأُمّه قد طالبت بالحضانة واستَعَدَّت بما يلزم لها، وبما أَنَّ جدة الطفل لأُمّه أحق بحضانته من الأب ومقدمة عليه فيها كما هو مقرر فقهًا، لذا فقد أفهمت طرفي النزاع بأَنَّ جدة الطفل لأُمّه أحق بحضانة الطفل، ويلزم
стр. 1056
المدعى عليها تسليم الطفل ... لأُمّها ... لحضانته عندها ورَدَدْتُ دعوى المدعي في المطالبة بحضانة الطفل، وبذلك قضيت.
تدقيق الحكم بتمييزه:
بدراسة الحكم مع اللائحة الاعتراضية من قِبَل محكمة التمييز صدر قرارها بالموافقة على ما حكم به القاضي.
الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية:
مما تقرر من ذلك ما يلي:
١ - جريان العمل على الإدخال الأصلي في الدعوى، فإنَّ الدعوى كانت في البداية بين الزوج ومطلقته، ثم جاءت جدة الطفل لأُمّه طالبة حضانته، وسمعت دعواها، وقضي لها في دعوى واحدة، ولم تطالب بتقديم دعوى جديدة بطلبها، ويَدُلُّ له سماع النبي ﷺ دعوى ثلاثة في حضانة ابنة حمزة (١).
٢ - استحقاق جدة الطفل لأُمّه حضانته وتقديمها على الأب (٢) ما لم تقتض مصلحة الطفل خلاف ذلك؛ إذ لا يُقَرُّ محضون بيد من لا يصونه ولا يصلحه (٣).
* * *
стр. 1057
المبحث الثالث عشر قضية مطالبة زوج باستعادة مهر من والد زوجته التي زوَّجها إيَّاه وهي معيبة
وفيه:
* عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها.
* الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.
стр. 1058
عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها:
الوقائع:
تتلخَّص وقائع هذه الدعوى في ادِّعاء الزوج على ولي امرأة بأَنَّه زوَّجه ابنته التي ظهرت مريضة، وأَنّه طلقها بعد عشرين يومًا من الدخول عليها، ووَثَّق هذا الطلاق بعد انتهاء عدتها، وطلب إلزام الولي بإعادة المهر وما أنفقه في الزواج من ذهب وغيره، وقدره ثمانية وسبعون ألف ريال؛ لأَنَّ الولي قد غرَّه بتزويجه ابنته وهي مريضة.
وقد أجاب المدعى عليه بِصِحَّة واقعة الطلاق، ورفض إعادة أيِّ شيء مما طلبه المدعي.
الحكم وأسبابه:
لقد أنهى القاضي هذه القضية بحكم مبين الأسباب، جاء فيه:
إنَّه بعد دراسة القضية وتأملها، وبما أَنَّ الزوج قد طلق زوجته برضاه واختياره، ووثق هذا الطلاق لدى محكمة ... بعد انتهاء عدة المطلقة، وبما أَنّه لا تتوجه المطالبة بالتغرير لأجل العيب بعد الطلاق؛ وذلك لأَنَّ سبب المطالبة على الغارِّ إنَّما هو الفسخ فقط، ولم يوجد في هذه الواقعة؛ لسبق الطلاق، فلا يتوجه مناقشة للعيب ولا للغرر ولا طلب بينة، ولا يجب عليه يمين هنا، جاء في الدليل
стр. 1059
وشرحه [منار السبيل ٢/ ١٨١]- في حديثه عن خيار العيب في النكاح-: "ولا يَصِحُّ الفسخ هنا ... بلا حاكم، فإن فسخ قبل الدخول فلا مهر، وبعد الدخول أَوْ الخلوة يستقر المسمى، ويرجع على المُغَرِّر، وإن حصلت الفرقة من غير فسخ بموت أَوْ طلاق فلا رجوع؛ لأَنَّ سببه الفسخ ولم يوجد". اهـ، فبناءً على ما سلف فقد أفهمت المدعي بأَنَّه لا يستحق ما ادعاه على المدعى عليه، وحكمت بإخلاء سبيل المدعى عليه من هذه الدعوى.
وبإعلان الحكم على الطرفين قرر المدعي الاقتناع به، وانتهت الدعوى بذلك.
الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية:
مما تقرر في هذه الواقعة من ذلك ما يلي:
١ - تَوْصِيف الدعوى بأَنَّها من قبيل مطالبة المدعى عليه بتضمين الغارّ في عيب النكاح بعد الطلاق، ولم يصرح بهذا التَّوْصِيف اكتفاءً بظهوره من الأسباب.
٢ - أَنَّ الوصف المؤثر في الواقعة المتنازع فيها إذا كان معترفًا به فإنَّ القاضي لا يطلب إثباته ولا يوجّه اليمين على نفيه، فقد اعترف المدعي بأنَّه طلق المرأة قبل المطالبة بالفسخ، فكان ذلك كافيًا في ثبوت الواقعة.
* * *
стр. 1060
المبحث الرابع عشر قضية امرأة ناشز تطلب فراقا زوجها
وفيه:
* عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها.
* الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.
стр. 1061
عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها:
الوقائع:
تتلخَّص وقائع هذه الدعوى في ادِّعاء زوجة بأَنَّ زوجها المدعى عليه تزوجها ودخل بها منذ ثلاثة أعوام، وأَنّها مكثت عنده عامًا واحدًا، ثم خرجت منه إلى أهلها منذ عامين؛ لأَنَّها تبغضه ولا تطيق العيش معه، وتطلب فسخ نكاحها منه.
وأجاب المدعى عليه بالمصادقة على واقعة الزواج، والدخول، ومدة مكثها عنده، وخروجها لأهلها منذ عامين، وقَرَّر بأَنَّه لن يطلقها ولا يوافق على فسخ نكاحها.
طرق الحكم والإثبات في هذه القضية:
بعد نُصْحِ القاضي للزوجة بالرجوع لزوجها، ومحاولته الإصلاح بينهما، ولم يثمر ذلك، ولم يوافق الزوج على فراقها- أَمَر القاضي الخصمين باختيار كل واحد منهما حَكَمًا من أهله، فاستجابا لذلك، واختار كل واحد منهما حكمًا من أهله، وباشر الحكمان المهمة بعد إرشادهما إلى طريقة التحكيم، وارتأى الحكمان التفريق
стр. 1062
بين الزوجين على عوض قدَّرَه حَكَمُ الزوج بمائة ألف ريال، وقدَّره حَكَمُ الزوجة بخمسين ألف ريال.
الحكم وأسبابه:
لقد أنهى القاضي القضية بحكم مبيّن الأسباب، جاء فيه:
إنَّه بعد تأمل القضية ودراستها، وبما أَنَّ الزوجة قد خرجت من بيت زوجها منذ عامين حسبما ذكره المدعى عليه في جوابه على الدعوى، وبما أَنَّ المدعية قد طلبت الفسخ وأصرَّت عليه، وامتنع المدعى عليه من مفارقتها، وتعذر الإصلاح بينهما، وارتأى الحكَمان التفريق بينهما على عوض، واختلف الحكَمان في تقديره على نحو ما هو مبين في قرارهما، فيؤخذ بالأقل من التقديرين؛ لأَنَّه الموافق لأصل المهر، وقد استَعَدَّت المدعية ببذله، والزيادةُ على المهر لا تلزمها، ولما ذكره أهل العلم من أَنَّ المقوِّمَيْن إذا اختلفا أُخِذ بالأقل كما في المنتهى وشرحه للبهوتي [٣/ ٥٣٤]، وهذا مثله، وبما أَنَّ بقاء الزوجة هذه المدة الطويلة ناشزًا ضررٌ عليها، والضرر مرفوع في الشريعة؛ لقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار"، رواه ابن ماجة والدارقطني وحسنه النووي في الأربعين (١)، وقد نهى الله- عن إمساك النساء ضرارًا؛ فقال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ الآية [البقرة: من الآية ٢٣١]،
стр. 1063
ومشروعية رفع هذا الضرر بالفرقة لقوله ﷺ في قصة ثابت بن قيس بن شماس مع امرأته: "خُذ الحديقة وطَلِّقْها تطليقة" رواه البخاري (١)، والأصل في الأمر الوجوب (٢)، وقد امتنع المدعى عليه عن الطلاق وهو واجب عليه، ومن وجب عليه شيء وامتنع من أدائه استوفاه عنه الحاكم (٣).
لذلك كله فقد فسخت نكاح المدعية ... من زوجها المدعى عليه ... على عوض قدره خمسون ألف ريال، وبذلك قضيت.
تدقيق الحكم بتمييزه:
بدراسة الحكم واللائحة الاعتراضية من قِبَل محكمة التمييز قررت موافقتها عليه.
الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية:
مما تقرر في هذه الواقعة من ذلك ما يلي:
١ - بعث حكمين عند الشقاق بين الزوجين ورفع أمرهما للحاكم.
٢ - الأخذ بقرار الحكمين وإعماله ما لم يظهر فيه ما يوجب رده.
стр. 1064
٣ - فسخ المرأة المبغضة لزوجها بعد بعث الحكمين لمحاولة الوقوف على أسباب الكراهية وإزالتها والإصلاح بين الزوجين ما أمكن على الاجتماع، فإن لم تستجب المرأة فعلى الفرقة، فإن لم يستجب الزوج وترجح للحكمين صِحَّة دعوى البغض والكراهية فإنَّه يفرق بينهما مع إعادة المرأة المهر للزوج (١).
* * *
стр. 1065
المبحث الخامس عشر قضية دعوى رضاعة لم تثبت
وفيه:
* عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها.
* الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.
стр. 1066
عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها:
الوقائع:
تتلخَّص وقائع الدعوى في ادِّعاء والد الزوجة بأَنَّ المدعى عليه -وهو الزوج- قد خطب منه ابنته ... فزوجه إياها، وقد تبين أَنَّ بينهما رضاعة محرمة تمت في الحولين تزيد على خمس رضعات من لبن ثاب عن حمل، ويطلب التفريق بينهما.
وقد أجاب المدعى عليه -وهو الزوج- بإنكار هذه الرضاعة.
كما حضرت الزوجة وقررت أَنّه لا صِحَّة لهذا الرضاع، وأَنَّ الغرض من الدعوى التفريقُ بينها وبين زوجها لخلاف عائلي بين أهليهما.
الحكم وأسبابه:
لقد فصل القاضي في هذه الدعوى بحكم مبين الأسباب، جاء فيه:
إنَّه بعد دراسة القضية وتأملها، وبما أَنَّه لم يكن للمدعي بينة سوى جدة الزوجين لِأُمَّيْهِمَا المدعوَّة ... والتي أَدْلَتْ بشهادتها لدينا، وقد اختلفت أقوالها في الشهادة، فنجدها قد ذكرت في
стр. 1067
الشهادة المصدقة من محكمة ... بأَنَّها أرضعت- أحد إخوة المدعى عليه مع خالته ... - بينما نجدها تشهد لدينا بأَنَّها أرضعت - أخا الزوج المذكور مع خاله ... - كما ذكرت لدينا بأَنَّ ... - أخا الزوج- لم يرضع مع خاله ولا خالته المذكورين سابقًا، ثم إنَّه قد ثبت حسب شهادة ... و ... المعدلين التعديل الشرعي أَنَّ بين ... خال المدعى عليه المذكور سابقًا وبين أخيه ... المارّ ذكره سبعة عشر عامًا مما يبعد في العادة حصول رضاع بينهما مع فارق هذا السن و ... - أخي الزوج-، وإن لم يكن المعني في هذه الدعوى إلَّا أَن اختلاف أقوال الشاهدة فيه يَدُلُّ على عدم ضبطها للشهادة مما يوجب ردّ شهادتها.
كما أَنَّ الشاهدة المذكورة سبق أن ذكرت أمام ... - ثلاث نسوة مسميات- والمعدلات التعديل الشرعي أنَّها إنَما أرضعت ... - المدعى عليه- رضعتين فقط، مما يؤكد عدم ضبط الشاهدة للشهادة.
لذلك كله فإنَّه لم يثبت لدي الرضاع المدعى به، وأخليت سبيل المدعى عليه من هذه الدعوى، وبذلك قضيت.
تدقيق الحكم بتمييزه:
بدراسة الحكم واللائحة الاعتراضية من قبل محكمة التمييز، صدر قرارها بالموافقة على الحكم.
стр. 1068
الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية:
مما تقرر في هذه الواقعة من ذلك ما يلي:
١ - جواز رفع الدعوى الحسبية من غير ذي المصلحة المباشرة (١)، كما في هذه الصورة، فإنَّ المدعي ليس وكيلًا عن الزوجة، بل الزوجة كانت تعارض هذه الدعوى وتنكرها.
٢ - ما جرى به العمل من تسبيب الأحكام القضائية، ومن ذلك تسبيب رد الشهادة.
٣ - أَنَّ الشاهد إذا ظهر من شهادته ما يَدُلُّ على سوء حفظه وعدم ضبط الشهادة رُدَّتْ شهادته (٢).
* * *
стр. 1069
المبحث السادس عشر قضية في المطالبة بأجرة حضانة
وفيه:
* عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها.
* الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.
стр. 1070
عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها:
الوقائع:
تتلخَّص وقائع هذه الدعوى بادّعاء امرأة مطلقة على مطلقها بأَنَّها تحضن ابنه منها، والمولود بتاريخ ٣/ ٧/ ١٤١٧ هـ، وأنَّه صدر لها صَكّ من المحكمة بتقرير نفقة شهرية للطفل، وتطلب تقرير أجرة حضانتها للطفل وتكليف والده -المدعى عليه- بتسليمها؛ لأَنَّها كانت تحضنه بنية المطالبة بالأجرة.
وأجاب المدعى عليه بما حاصله المصادقة على صِحَّة الوقائع، والدفع بالامتناع عن تسليم أجرة الحضانة؛ لأَنَّه معسر، واكتفاءً بالنفقة عن أجرة الحضانة.
طرق الحكم والإِثبات في هذه القضية:
لقد كتب القاضي لأهل الخبرة لتقدير أجرة الحضانة، فقرروا الأجرة مبلغًا معينًا، فاعترض عليها المدعى عليه؛ لكثرتها، فأُعِيد قرار الخبرة إليهم لمراجعة التقدير، فأعادوا النظر في ذلك وقرروا إنقاصها إلى مبلغ معين قدره ... وقد ارتضت هذا التقدير الأخير
стр. 1071
المدعية، أَمَّا المدعى عليه فلم يعترض على كثرته، ولكن تمسك بدفوعه السابقة بعدم تسليم الأجرة.
الحكم وأسبابه:
لقد أنهى القاضي القضية بحكم مبين الأسباب، جاء فيه:
إنَّه بعد تأمل القضية ودراستها، وبما أَنَّ أجرة الحضانة أمرٌ مقرر فقهًا فقد صرح الفقهاء أَنَّ الأُمّ أولى بالحضانة ولو بأجرة مثلها ووجود متبرعة [منار السبيل ٢/ ٢٨٠]، وبما أَنَّ أجرة الحضانة تبدأ بعد نفقة العدة؛ لأَنَّه لا يجمع لها بين أجرة الحضانة ونفقة العدة تخريجًا على ما ذكره الفقهاء في عدم الجمع بين أجرة الرضاعة ونفقة الزوجية [الاختيارات ص ٢٨٦]، كما أَنَّ أجرة الحضانة تجب مع نية الرجوع بها تخريجًا على ما ذكره الفقهاء في وجوب النفقة على الصغير بنية الرجوع [التنقيح المشبع ص ٢٨٦].
لذلك كله فقد ألزمت المدعى عليه بتسليم ... ريال للمدعية كل شهر أجرة الحضانة انعطافًا من ١/ ٥/ ١٤١٨ هـ، وله عليها اليمين بأَنَّها قد نوت الرجوع بالأجرة منذ ذلك التاريخ، وأَنّه تاريخ انتهاء عدتها، وقد طلب المدعي يمين المدعية، وحلفت اليمين المشروعة طبقًا لما سلف، وقررت الاقتناع بالحكم، أَمَّا المدعى عليه فقد قرر عدم الاقتناع به.
стр. 1072
تدقيق الحكم بتمييزه:
بدراسة صَكّ الحكم مع اللائحة الاعتراضية المقدمة من المدعى عليه من قِبَل محكمة التمييز قررت موافقتها عليه.
الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية:
مما تقرر في هذه الواقعة الأحكام والضوابط الآتية:
١ - أَنَّ أجرة الحضانة حق مقرر للحاضنة على والد المحضون، لها المطالبة بها، وتنعطف من تاريخ الحضانة إذا كانت قد نوت الرجوع بها ما لم تتداخل مع حق آخر.
٢ - أَنَّ أجرة الحضانة تتداخل مع نفقة الأُمّ إذا كانت زوجة، أَوْ نفقةِ عدتها إذا كانت معتدة.
٣ - في هذا الحكم أنموذج لتخريج الفروع على الفروع عند عدم وقوف القاضي على حكم مقرر في النازلة، فقد خرَّج القاضي تداخل أجرة الحضانة مع نفقة العدة على تداخل أجرة الرضاعة مع نفقة الزوجية؛ لعدم الفارق، كما خرَّج عدم وجوب أجرة الحضانة إلَّا بنية الرجوع على عدم وجوب نفقة الطفل للمنفق إلَّا بنية الرجوع؛ لعدم الفارق بين الصورتين.
* * *
стр. 1073
المبحث السابع عشر قضية فيها دعوى على زوجة تقيم خارج المملكة
وفيه:
* عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها.
* الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.
стр. 1074
عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها:
الوقائع:
تتلخَّص وقائع هذه الدعوى في ادّعاء زوج من مدينة الرياض ضد زوجته الغائبة عن مجلس الحكم والتي خرجت من بيته وسكنت القاهرة، يطالبها بالرجوع إلى بيت الزوجية الذي تركته في الرياض، وطلب الحكم عليها بذلك.
الحكم وأسبابه:
لقد فصل القاضي في هذه الواقعة بحكم مسبب، جاء فيه:
إنَّه بعد دراسة القضية وتأملها، وبما أَنَّ المدعي قد أثبت زواجه بالمدعى عليها بموجب وثيقة عقد النكاح ... ، كما أَنَّ المدعى عليها قد استَعَدَّت بالرجوع إلى زوجها إذا هيَّأ لها سكنًا تسكنه وحدها حسب التزامها بذلك لدى سفارة خادم الحرمين بالقاهرة والمبينة آنفًا، وبما أَنَّ المدعي قد استَعَدَّ بإسكان المدعى عليها في بيت مستقل وحدها، ويتحمل تذاكر سفرها عودتها.
لذلك جميعًا فقد حكمت بإلزام المدعى عليها بالعودة لزوجها
стр. 1075
المدعي وطاعته، وعليه إسكانها في منزلي وحدها، وتحمُّل تذاكر عودتها، وإذا لم تستجب المحكوم عليها للحكم فإنَّ حقوقها الزوجية من نفقة ونحوها ساقطة، ولا يكتسب هذا الحكم القطعية إلَّا بعد تمييزه.
ثم ألحق القاضي بالصَّك ما نَصُّه: "الحمد لله وحده، وبعد: ثم إنَّه جرى إبلاع المدعى عليها بالحكم عن طريق المراجع الرسمية لتمكينها من الاعتراض عليه طبقًا لتعميم معالي وزير العدل ذي الرقم ٢٢٠/ ١/ ك/ ت والتاريخ ٣/ ١٢/ ١٣٩١ هـ، وقد أفادت سفارة خادم الحرمين بالقاهرة حسب برقيتها ذات الرقم ٣٠٢/ ٩٤/ ٥٢٢ والتاريخ ٢٧/ ٩/ ١٤٠٤ هـ بأَنَّ المدعى عليها تبلغت بالحكم إلَّا أَنها رفضت العودة، هذا ولم يردنا من المدعى عليها اعتراض، كما لم تحضر لدى المحكمة أَوْ ترسل وكيلًا، وعليه فإنَّ الحكم بعد المصادقة عليه من محكمة التمييز يكون نهائيًّا غير قابل للطعن والاستئناف".
تدقيق الحكم بتمييزه:
بدراسة الحكم واللائحة الاعتراضية من قِبَل محكمة التمييز قررت موافقتها عليه.
الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية:
مما تقرر في هذه الواقعة من ذلك ما يلي:
١ - جواز سماع الدعوى غيابيًا على الزوجة المقيمة
стр. 1076
خارج المملكة حسب الإجراءات المنظمة لذلك.
٢ - جرى العمل بأَنَّه إذا حكم على زوجة باللحاق بزوجها أَنّه ينوه في الحكم بأَنَّها إذا لم تستجب فإنَّ حقوقها الزوجية من نفقة ونحوها ساقطة، وفائدة ذلك ألَّا تحمل الزوجة جبرًا إلى بيت الزوجية، بل إن نفذت ذلك بالطرق الودية، وإلَّا سقطت حقوقها المشار إليها.
* * *
стр. 1077
الخاتمة
وفيها:
* ملخص البحث.
* أبرز نتائج البحث.
* التوصيات.
стр. 1078
ملخَّص البحث
لقد سرت مع هذا البحث في رحلة ممتعة، تناولت خلالها تقرير أصول وفروع تنزيل الأحكام الكلية على الوقائع القضائية (تَوْصِيف الأَقْضِيَة)، وهأنذا ألخِّصُ لك هذا البحث في النقاط التالية:
١ - المراد بتَوْصِيف الأَقْضِيَة شرعًا: تحلية الواقعة القضائية الثابتة بالأوصاف الشرعية المقررة في مُعَرِّفَات الحُكْم الكلي.
٢ - يطلق على تَوْصِيف الأَقْضِيَة عدة إطلاقات، هي:
تَوْصِيف الأَقْضِيَة، وتطبيق الأحكام الكلية على الوقائع القضائية، وتنزيل الأحكام الكلية على الوقائع القضائية، وتحقيق المناط بتعيين محل الحكم الشرعي، وإيقاع الحكم الشرعي على محله.
٣ - مشروعية تَوْصِيف الأَقْضِيَة ثابتة بالأَدِلة من الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعنى، والمعقول، وجميعها مفصلة في الأصل.
٤ - ينقسم التَّوْصِيف بعامة أربعة أقسام، هي: تَوْصِيف تشريعي، وتَوْصِيف فقهي، وتَوْصِيف فتوي، وتَوْصِيف قضائي.
стр. 1079
فالمراد بالتَّوْصِيف التشريعي: ما جاء من الأحكام مُنَزَّلًا على وقائع بأعيانها مباشرة بِنَصٍّ الكتاب والسنة، إفتاءً أَوْ قضاءً، وهذا شأن كل آية نزلت بسبب، أَوْ حديث ورد لسبب أَوْ فصلًا بين متخاصمين.
والمراد بالتَّوْصِيف الفقهي: أَنْ يكون هناك قاعدة كلية مقررة بنصٍّ كتاب، أَوْ سنة، أَوْ اتفاق، فيقوم المجتهد (الفقيه) بتنزيلها على الفرع في الأذهان على تلك الأوصاف في القاعدة.
والمراد بالتَّوْصِيف الفتوي: تحلية الواقعة الفتوية (واقعة معينة) بالأوصاف الشرعية المقررة في مُعَرِّفَات الحُكْم الكلي.
أَمَّا التَّوْصِيف القضائي (توصيف الأقضية) فقد سبق بيانه في الفقرة الأولى من هذا الملخص.
وهناك فروق بين تَوْصِيف الأَقْضِيَة وغيره من التقسيمات الأخرى سبق بيانها في الأصل.
وينقسم تَوْصِيف الأَقْضِيَة إلى إجرائي، وفرعيّ، وموضوعي:
فالمراد بالإجرائي: تحلية القاضي إجراءات الدعوى بالأوصاف الشرعية المقررة في الحكم الكلي الإجرائي من الاختصاص، وصِحَّة الدعوى، وتحديد المدعي من المدعى عليه، وغير ذلك من الإجراءات.
والمراد بالتوصيف الفرعيّ: تحلية واقعة فرعيّة متعلقة بالدعوى بمعرِّفات الحكم الكلي المقرَّر لها.
стр. 1080
وأَمَّا التَّوْصِيف الموضوعي فالمراد به: تحلية القاضي للواقعة القضائية الثابتة بالأوصاف الشرعية المقررة في مُعَرِّفَات الحُكْم الكلي.
كما ينقسم التَّوْصِيف القضائي الموضوعي إلى ابتدائي، ونهائي:
فالمراد بالابتدائي: قيام القاضي بعد استجواب الخصمين وقبل سماع البينة بتَوْصيف الواقعة المتنازع فيها لتحديد الأوصاف المؤثرة في الحكم القضائي لينقحها ابتداءً، ويثبتها، وهو مُنَزَّل على صِحَّة أقوال الخصوم، كأنَّه فتوى؛ إذ الغرض منه تهيئة الواقعة للإثبات.
والمراد بالنهائي: تحلية الواقعة القضائية الثابتة بالأوصاف الشرعية في مُعَرِّفَات الحُكْم الكلي بعد استيفاء جميع أقوال الخصوم، ودفوعهم، وبيناتهم، مراعى فيه طلبات الخصوم، وأصول تَوْصِيف الأَقْضِيَة، وهو المراد بالتَّوْصِيف القضائي (توصيف الأقضية) عند الإطلاق.
كما ينقسم التَّوْصِيف القضائي إلى إيجابي، وسلبي:
فالمراد بالايجابي: تحلية الواقعة القضائية الثابتة بالأوصاف الشرعية المقررة في مُعَرِّفَات الحُكْم الكلي بعد ثبوت الوقائع المدعاة وتحققها، وهو التَّوْصِيف القضائي النهائي عينه.
стр. 1081
أَمَّا السلبي فالمراد به: تقرير القاضي عدم استحقاق المدعي الحق المدعى به لعدم ثبوت الواقعة المتنازع فيها، لكنه لا يستغني عن التَّوْصِيف الابتدائي لتنقيح الوقائع وتهيئتها للإِثبات.
٥ - الحكم الكلي والواقعة القضائية هما قطبا التَّوْصِيف.
والمراد بالحكم الكلي: مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً، أَوْ تخييرًا، أَوْ صِحَّةً، أَوْ بطلانًا، أَوْ وضعًا.
والمراد بالواقعة القضائية: الحادثة يقع فيها التنازع لدى القاضي تقتضي فصلًا بحكم ملزِم أَوْ صلح عن تراض.
٦ - الثمرة العظمى لفنّ توصيف الأَقْضِيَة هي: العلم بصفة تنزيل الأحكام الكلية على الوقائع القضائية.
وثَمَّة فوائد أخرى من جهة كونه عملًا يؤديه القاضي هي: أَنّه يعين القاضي على تنقيح الوقائع المدعاة، ويهديه إلى الحكم القضائي الصَّحِيح، ويبعده عن الحدس والتخمين في الأحكام، وبه تتحول الأحكام الكلية من معانٍ مجردة في الأذهان إلى وقائع مُشَخَّصة على الوقائع والأعيان، ويتمكن المحكوم عليه من الطعن في الحكم عند الاعتراض عليه، كما يُسَهِّل على المحكمة المختصة أداء مهمتها بمراجعة الحكم وتدقيقه، وبالتَّوْصِيف تختصر الإجراءات، ويعجل الفصل في القضية.
٧ - الحكم الكلي ينقسم قسمين هما: الحكم التكليفي، والحكم الوضعي (مُعَرِّفَات الحُكْم).
стр. 1082
فالمراد بالحكم التكليفي: مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً، أَوْ تخييرًا، أَوْ صِحَّةً، أَوْ بطلانًا.
والمراد بالحكم الوضعي (مُعَرِّفَات الحُكْم): مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين وضعًا بكون الشيء سببًا، أَوْ شرطًا، أَوْ مانعًا لشيء آخر.
والأصل في إطلاق الحكم أَنّه يراد به الحكم التكليفي، وتدخل معه مُعَرِّفَات الحُكْم (الحكم الوضعي) في هذا الإطلاق تبعًا؛ لأَنَّه لا يتم بدونها.
٨ - الحكم الكلي مكون من شطرين، هما: الحكم الوضعي، والحكم التكليفي.
فالحكم الوضعي هو أوصاف، وأعلام، ومعرفات للحكم التكليفي من سبب وشرط وعدم مانع، وفي الأصل بيان لهذه المُعَرِّفَات.
أَمَّا الحكم التكليفي فهو الحرمة، والوجوب، والندب، والكراهة، والإِباحة، والصِّحَّة، والبطلان، وفي الأصل بيان لهذه الأحكام.
والحكم الوضعي (مُعَرِّفَات الحُكْم) هو المؤثر، والحكم التكليفي هو الأثر، فكأَنَّه قيل: إذا حدث كذا وكذا (من السبب والشرط وانتفاء المانع) فسوف يحكم بكذا من الوجوب، والحرمة ... إلخ.
стр. 1083
وهذا التحليل للحكم من الأهمية بمكان عند التوْصِيف؛ لأَنَه يساعد على تحليل الحكم الكلي إلى عناصره الأساس (الأوصاف المؤثرة)، ومن ثَمَّ المطابقة بينه وبين الواقعة القضائية؛ إذ التَوْصِيف يعمل في مجال مُعَرفَات الحُكْم.
٩ - الحكم الكلي له صفتان، هما: أَنه عام، ومجرد.
والمراد بعمومه: شموله لكل الأشخاص والأزمان والوقائع التي تشترك معه في صفاته المؤثرة من غير تعلق بشخص أَوْ واقعة معينة، وعند التَّوْصِيف يخصق هذا العموم بواقعة وشخص معين.
والمراد بتجريده: أَنَّ الحكم الكلي مفترض في الأذهان على الأوصاف المجردة عن الأشخاص المعينين والأعيان المحددة، وعند التَّوْصِيف يتنزل على شخص وواقعة معينة تتمثل فيها صفات الحكم على الأعيان بدلًا من افتراضها في الأذهان.
١٠ - يطلق على الحكم الكلي إطلاقان، هما: الحكم الكلي، والقاعدة الكلية الشرعية.
١١ - للحكم الكلي أَدِلَّة تَدُلُّ على شرعيته، وأَدِلَّة تَدُلُّ على وقوعه.
أَمَّا أَدِلَّة شرعية الحكم الكلي فهي الكتاب، والسنة، والإِجماع، والقياس، والاستصحاب، والاستحسان، وقول الصحابي، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع، وشرع من قبلنا.
стр. 1084
وهذه الأَدِلَّة هي التي تَدُلُّ على شرعية الحكم الكلي من وجوب، وحرمة ... إلخ، كما تدلُّ على شرعية مُعَرفَات الحُكْم من السبب، والشرط، وعدم المانع، فلا يعرف الوجوب والحرمة وغيرها من الأحكام التكليفية إلَّا بها، كما لا يعرف سببية السبب، وشرطية الشرط، ومانعية المانع إلَّا بها.
وهذه الأَدِلَّة مُتَوَقِّفَةٌ على نصب من الشرع، وهي محصورة مبينة على خلاف في بعضها.
وأَمَّا أَدِلَّة وقوع الأحكام فهي الأَدلة الحسية أَوْ العقلية ونحوها الدالة على حدوث مُعَرِّفَات الحُكْم من السبب، والشرط، وعدم المانع، وهي تدلُّ على وجود المُعَرفَات أَوْ انتفائها في المحل المحكوم فيه.
وأَدِلَّة وقوع الأحكام تنقسم قسمين؛ عامة، وقضائية:
فالعامة: ما دَلَّ على وقوع مُعَرفَات الأحكام بوجه عام.
وأصولها: العقل، والحس، والعادة، والتجربة، والخبر المتواتر، والعرف، والخبرة، والعد والحساب، والاستصحاب.
ويحتاجها كل مكلف من عامي، وشاهد، وفقيه، ومفت، وقاضٍ.
وأَمَّا القضائية فهي أدِلَّة وطرق الحكم المقررة لدى القضاة من
стр. 1085
الإقرار، والشهادة، واليمين، والنكول، وغيرها، وعليها يعتمد القضاة.
وأَدِلَّة وقوع الأحكام عامةً أَوْ قضائية غيرُ محصورة، بل بكل طريق حصل العلم بوقوع مُعَرِّف الحكم اعتددنا به، ولا يَتَوَقَّفُ العمل بها على نصبها من قبل الشرع، وفي الأصل تفصيل لذلك، وبيان للفرق بين أَدِلَّة شرعية الأحكام، وأَدِلَّة وقوعها عامةً أَوْ خاصة.
١٢ - يجب على القاضي إعداد الحكم الكلي المراد تطبيقه على الواقعة المعينة بتمييزه من بين أحكام أخرى قد تكون مشابهة أَوْ متداخلة، أَوْ باستنباطه بالاجتهاد من أصوله وقواعده.
ولإعداد الحكم الكلي وتهيئته للتطبيق طرق مقررة هي: الاجتهاد عند القدرة عليه، والاتباع عند تعذر الاجتهاد، ثم التقليد عند تعذر الاتباع، كما للقاضي التخريج عند مقتضيه من خلوّ النازلة عن حكم مقرر لمجتهد، فيخرج على الأصول العامة للشرع، أَوْ على الأصول والقواعد المذهبية أَوْ على الفروع المذهبية.
وإذا سلك القاضي مسلك التمذهب فيأخذ بما صَحَّ دليله إذا قدر على النظر في الأَدِلَّة، ثم بما جرى به العمل، ثم بما اشتهر وظهر في المذهب، وله الأخذ بالقول المرجوح لمقتض شرعي من حاجة أَوْ ضرورة وذلك بشروط مفصلة في الأصل.
١٣ - إذا عرض للقاضي من الأقضية ما لا دليل عليه بجزئه
стр. 1086
من كتاب أَوْ سنة، وما لا قول فيه للفقهاء إمَّا لتجدد الواقعة، أَوْ لتغير العرف أَوْ المصلحة الطارئة، أَوْ لتجدد التجارب والخبرات التي كشفت عن أوصاف جديدة للواقعة، أَوْ لتغير أحوال الناس- فإنَّ على القاضي الاجتهاد في تقرير الحكم الكلي لها من مصادره بالاجتهاد، أَوْ التخريج أَوْ السوابق القضائية.
١٤ - تغيّر الحكم لتغير العرف أَوْ المصلحة لا يُعَدُّ تغييرًا في أصل الخطاب الشرعي، وإنَّما تغيرت الواقعة فاجتهد الفقيه أَوْ القاضي لتقرير الحكم المناسب لها والملاقي لأوصافها المؤثرة.
١٥ - عند تنزيل الحكم الكلي على الواقعة القضائية وتَوْصِيفها به فلا بُدَّ من أَنْ يكون النَّصّ المتضمن للحكم الكلي مفهومًا مفسرًا، فما كان منه نَصًّا لا يحتمل التأويل لم يترك العمل به إلَّا بنسخ، وما كان مجملًا لم يعمل به إلَّا بعد البيان، وما كان ظاهرًا لم يُعدل عنه إلَّا بدليل يقتضي ذلك، ويحمل مطلق النُّصُوص على مقيدها، وعامها على خاصها، ومنطوقها على مفهومها، ويعمل بدلالة مفهومها موافقةً أَوْ مخالفة ما لم يعارض ذلك في الدلالة ما هو أقوى منها وذلك بشروط مقررة مذكورة في موضعها من هذا البحث.
ووقوف القاضي على أسباب النزول وأعراف العرب حال نزول القرآن وورود الحديث مما يعين على فهم النَصّ الشرعي وتفسيره.
ولمقاصد الشريعة وحكمة شرعية الحكم أثرٌ كبير في البيان
стр. 1087
والتفسير، فهي تكشف ما غمض من الألفاظ والنُّصُوص، أَوْ ترجح دلالة أَوْ قولًا على آخر، أَوْ تعضد تعدية حكم أصل لفرع لكونها مناطًا له، وهناك تفصيلات في الترجيح عند التعارض يرجع لها في أصل البحث.
١٦ - لِلنُّصُوص الفقهية طرق لتفسيرها، وهي في الجملة لا تخرج على قواعد تفسير النُّصُوص الشرعية من الكتاب والسنة، غير أَنه لا بُدَّ من مراعاة مصطلحات العلماء في تقريرها، ومراعاة العرف الجاري وقت تقرير النَّصّ الفقهي؛ لأَنَّه مما يعين على فهمه وتفسيره، أَوْ الانتقال عنه إلى غيره من الأصول عند موجب ذلك، وهكذا مراعاة قصد الفقيه في تقرير الحكم من سدّ ذريعة، أَوْ منع حيلة، ونحو ذلك مما لا بُدَّ منه لفهم الأحكام الفقهية المقررة بالاجتهاد بناءً على تلك الأصول.
وعند تعارض النُّصُوص الفقهية إذا أردنا استظهار قول الفقيه ومن في حكمه فإنَّه يجمع بينها ما أمكن بحمل عامها على خاصها، ومطلقها على مقيدها، أَوْ بحمل أحدهما على حال أَوْ زمن إن أمكن.
كما يرجح بينها بكون متأخرها ناسخًا لمتقدمها، وما ذكره الفقيه في مظنته وبابه مقدم على ماذكره استطرادًا في موضع آخر، وما كان أظهر في الدلالة مقدم على ضده، فيقدم المَنْصُوص على المخرَّج، والنَّص على الظاهر، والظاهر على المفهوم، ومفهوم
стр. 1088
الموافقة على مفهوم المخالفة، ولكل مذهب طريقة في ترتيب الأقوال وترجيحها للعمل بها في الفتيا والقضاء وذلك عند تَعَدُّدها، وهي مذكورة في مظانها من هذا البحث.
١٧ - الوقائع القضائية: هي تلك الحوادث التي يقع فيها التنازع لدى القاضي تستدعي فصلًا بحكم ملزم أَوْ صلح عن تراض.
وهي أحد قطبي التَّوْصِيف القضائي، فبدونها يبقي الحكم عامًّا مجردًا مُنَزَّلًا في الأذهان، فإذا لامسته هذه الوقائع تنزَّل على الأعيان والأشخاص، فصار واقعًا محسوسًا.
فالواقعة القضائية: هي المحل الذي يعمل فيه الحكم الكلي، ولذلك فلا بُدَّ لكل حكم قضائي من مقدمتين؛ الأولى: الحكم الكلي، والثانية: الواقعة القضائية، والأولى حاكمة على الثانية.
١٨ - الوقائع القضائية منها ما هو مؤثر، ومنها ما هو طردي لا تأثير له في الأحكام، وإنَّما يرد ويتكرر على ألسنة الخصوم.
والمؤثر من هذه الوقائع: منه ما هو مؤثر مطلقًا في موضع النزاع وغيره، ومنه ما هو مؤثر في موضع النزاع فقط.
والمؤثر في موضع النزاع منه ما يكون أصليًّا، كدعوى شراء المدعي دار المدعى عليه، ومنه ما يكون تبعيًّا يؤدي ثبوته إلى ثبوت الواقعة المدعاة، وهذا هو شان القرائن القضائية القوية، كحيازة
стр. 1089
المشتري العين مدة دالة على الملك، فهو يَدُلُّ على صِحَّة دعوى الشراء.
ومن الوقائع القضائية ما هو مفرد ولو تركب من عدة أوصاف، مثل: القتل العمد العدوان، ومنها ما هو مركب من أبواب مُتَعَدِّدَةٍ، مثل: دعوى زيد على عمرو بأَنَّه قد ضمن بكرًا بمائة ألف ريال، فهذه الدعوى في حقيقتها مركبة من دعوى الدَّيْن ودعوى الضمان.
ومن الوقائع القضائية ما كان محل الادّعاء الأصلي، ويمكن تسميته بالواقعة الأصلية، ومنها ما هو بديل للواقعة الأصلية، وهو ما صَحَّ بدلًا عنها عند عدم ثبوتها، وذلك كمن ادعى تأجير دار على زيد، ولم يثبت عقد الأجرة، ولكن ثبت أَنَّ زيدًا قد شغل الدار بمتاع موجب لأجرة المثل.
ومن الوقائع القضائية ما يكون طرديًّا في حال أَوْ عقد، ومؤثرًا في حال أَوْ عقد، وذلك مثل جهالة العمل المتعاقد عليه، فإنَّه طردي في دعوى عقد الجعالة، ومؤثر في دعوى عقد الإجارة، لأَنَّ الجعالة تَصحُّ مع جهالة العمل المتعاقد عليه، والعلم بذلك شرط في صِحَّة الإجارة.
١٩ - للواقعة القضائية المؤثرة شروط مقررة، هي:
(أ) أَنْ تكون بحق مشروع للمدعي فيه مصلحة من جلب نفع أَوْ دفع ضر.
стр. 1090
(ب) أَنْ تلزم أحد المتنازعين عند ثبوتها، فلا يُعْتَدُّ بهبة لم تقبض؛ لأَنَّها لا تلزم إلَّا بالقبض.
(ج) أَنْ تكون متعلقة بالدعوى أصلية أَوْ تبعية، فلا يُعْتَدُّ بواقعة مؤثرة في نزاع غير مثار لدى القاضي حالًا.
(د) أَنْ تكون الواقعة محررة بأَنْ تكون محددة ومعرفًا بها تعريفًا ينافي الجهالة، فمتى جهلت الواقعة المؤثرة ويُئِس من الوقوف عليها أَوْ شق اعتبارها كانت كالمعدومة ولم يعْتَدّ بها ولو كان الأصل بقاءها.
وقد استثنى العلماء بعض الصور في الدعوى تسمع مع الجهالة، كالوصية، وعوض الخلع، ونحوهما مما يَصِحُّ مجهولًا.
(هـ) أَنْ تكون الواقعة ممكنة الوقوع، فإن كانت الواقعة غير منفكة عما يُكَذِّبُها شرعًا أَوْ عقلًا أَوْ حسًّا أَوْ عرفًا، أَوْ متناقضة مع أمر سبق صدوره من المدعي لم يعْتَدّ بها.
٢٠ - لا بُدَّ من تنقيح الوقائع المدعاة بإثبات مؤثرها الذي يتعلق به التَّوْصِيف والحُكْم، وحذف وإلغاء طرديها مما لا تعلق له بذلك بحيث تصبح الواقعة المؤثرة بعد تنقحيها مهذبة مرتبة، كأَنَّه لم يذكر معها سواها من الوقائع مما ليس له تعلق بالحكم.
ويكون التنقيح ابتداءً بعد استجواب الطرفين، والغرض منه تهيئة الواقعة للإثبات بعد تَوْصِيفها ابتداءً، كما يكون التنقيح انتهاءً