يقول ابن تَيْمِية (ت: ٧٢٨ هـ): "إنَّ الأحكام الجزئية من حِلِّ هذا المال لزيد وحرمته على عمرو لم يشرعها الشارع شرعًا جزئيًا، وإنَّما شرعها شرعًا كليًّا بمثل قوله -تعالى-: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، وهذا الحكم الكلي ثابت سواء وجد البيع المعين أَوْ لم يوجد، فإذا وجد بيع معين أثبت ملكًا معينًا" (١).
ويقول الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "إنَّ الشريعة لم تنصَّ على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعدادًا لا تنحصر" (٢).
فالقاضي والمفتي عند تنزيل الحكم الكلي على شخص أَوْ واقعة معينة كأَنَّه يخصه بهذا الحكم من عموم الصور والوقائع التي تندرج تحته (٣).
стр. 107
(ب) التجريد:
المراد به: افتراض الحكم الكلي عند تقريره كائنًا في الأذهان على الأوصاف المجردة عن الأشخاص المعينين والأعيان المحددة (١).
فالتجريد إذَنْ يعني افتراض الحكم الكلي عند تقريره منزَّلًا في الأذهان مجردًا عن الأشخاص والأعيان بذواتهم؛ وإنَّما يربط الحكم بالأشخاص والوقائع والنوازل بصفاتها المحددة، لا بذواتها وأشخاصها؛ بل للمعاني القائمة بها مهما اختلفت زمانًا أَوْ مكانًا؛ وإنَّما يجريَ تشخيص الأحكام الكلية على الأعيان، والصور، والأشخاص، والوقائع عند تطبيقها وتنزيلها على الوقائع المعينة، والقاضي أَوْ المفتي عند هذا التنزيل يكون قد شخَّص ووصف هذه الواقعة، أَوْ هذه الصورة، أَوْ هذا الشخص المعين بهذا الحكم الكلي العام، فصار منزلًا على الأعيان بدلًا من افتراضه في الأذهان (٢).
* * *
стр. 108
المبحث الرابع إطلاقات الحكم
يطلق على الحكم بشطريه -الوضعي والتكليفي- إطلاقان، هما:
١ - الحكم الكلي:
وهذا الِإطلاق جارٍ على ألسنة العلماء من فقهاء وأصوليين، وهم حين يطلقون ذلك يريدون الحكم التكليفي وأوصافه المؤثرة فيه، وهي مُعَرِّفات الحُكْم من السبب، والشرط، وعدم المانع، وهو المراد عند الِإطلاق (١).
٢ - القاعدة الكلية الشرعية:
وهذا الِإطلاق جارٍ على ألسنة الأصوليين، فيذكرون من تحقيق المناط أَنْ يكون هناك قاعدة شرعية متفق عليها أَوْ مَنْصُوص عليها
стр. 109
وهي الأصل، ثم يبين المجتهد وجودها في الفرع، وذلك مثل أَنْ يقال: هذا الفعل يجب به التعزير الرادع.
ومثل أَنْ يقال: قدر الكفاية في نفقة الزوجات والأقارب ونحوهم واجب (١).
فهذه القاعدة الكلية الشرعية من قولهم: إنَّ هذا الفعل يجب فيه التعزير، أَوْ قولهم: قدر الكفاية في نفقات الزوجات والأقارب ونحوهم واجب -قد اشتملت على مُعَرِّفات الحُكْم من السبب، والشرط، وعدم المانع، والحكم التكليفي وهو الوجوب.
* * *
стр. 110
الفصل الأول مُعَرِّفات الحُكْم (الحكم الوضعي)
وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:
التمهيد: وجه تسمية مُعَرِّفات الحُكْم بهذا الاسم وأقسام هذه المُعَرِّفات.
المبحث الأول: السبب.
المبحث الثاني: الشرط.
المبحث الثالث: المانع.
стр. 111
التمهيد
وجه تَسمية مُعَرِّفات الحُكْم بهذا الاسم وأقسام هذه المُعَرِّفات
стр. 112
سبق تعريف الحكم الوضعي (مُعَرِّفات الحُكْم) (١)، وأَنّه مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين وضعًا بجعل الشيء سببًا أَوْ شرطًا أَوْ مانعًا لشيء آخر، كما سبق شرح هذا التعريف، وبيان وجه تسميته حكمًا وضعيًّا.
وجه تسمية مُعَرِّفات الحُكْم بهذا الاسم:
لقد أطلق بعض العلماء على الحكم الوضعي: مُعَرِّفات الحكم (٢)، ووجه ذلك: أَنَّ السبب والشرط والمانع تعرف بها أحكام الشرع التكليفية إثباتًا أَوْ نفيًا (٣)، والمراد: أَنها تعرِّف بالحكم التكليفي؛ إذ هو الأصل، ولذلك كان هو المراد عند إطلاق الحكم الشرعي، وأَمّا مُعَرِّفات الحُكْم من السبب والشرط وعدم المانع ففي تسميتها حكمًا تجوُّز وتساهل؛ إذ الحكم هو مقتضى خطاب الشرع، وهو يقتضي أمرًا أَوْ نهيًا، والأمر والنهي هو الحكم التكليفي، أَمَّا
стр. 113
نَصْب الشارع علامات للدلالة على حكمه فهذه العلامات من أسباب وشروط وموانع إنَّما هي بيان وإظهار لهذا الحكم وإخبار وإعلام بوجوده، وعليها يتوقف ثبوته وانتفاؤه؛ لكن تسمية مُعَرِّفات الحُكْم التكليفي حكمًا اصطلاح، ولا مشاحة فيه إذا فهم المراد (١)، وقد اخترت في العنوان آنف الذكر مُعَرِّفات الحُكْم لكونها أدَلَّ على المراد، وأدخل فيما نحن بصدده من تَوْصِيف الأَقْضِيَة كما سوف يأتي ذلك.
أقسام مُعَرِّفات الحُكْم:
مُعَرِّفات الحُكْم ثلاثة أقسام، هي (٢):
١ - السبب.
٢ - الشرط.
٣ - المانع.
وسوف يأتي في المباحث التالية من هذا الفصل بيان لهذه المُعَرِّفات، وشيء من أحكامها، أمَّا الصِّحَّة أَوْ البطلان فهي من أحكام التكليف كما سيأتي في الفصل الثاني من هذا الباب.
* * *
стр. 114
المبحث الأول السبب
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: تعريف السبب لغة واصطلاحًا.
المطلب الثاني: ما يلحق بالسبب.
المطلب الثالث: فائدة نَصْب الأسباب مُعَرِّفة للحكم وما يُعْرف به السبب.
المطلب الرابع: أقسام السبب.
المطلب الخامس: حكم السبب.
стр. 115
المطلب الأول تعريف السبب لغة واصطلاحًا
تعريف السبب لغة:
هو الحبل وكلُّ ما يتوصل به إلى غيره (١).
تعريف السبب اصطلاحًا:
عُرِّف السبب عند الأصوليين بتعاريف، منها:
١ - عرفه الآمدي (ت: ٣٦١ هـ) بقوله: "كل وصف ظاهر منضبط دَلَّ الدليل السمعي على كونه معرفًا لحكم شرعي" (٢).
فقوله: "وصف": أيْ معنى، وذلك احتراز من الذوات؛ فإنَّها لا تكون أسبابًا.
وقوله: "ظاهر": احتراز من الوصف الخفي؛ فإنَّه لا يصلح أَنْ يكون معرفًا، فلا يكون سببًا.
стр. 116
وقوله: "منضبط": أيْ محدد، وهو لا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، واحترز به من غير المنضبط وهو المضطرب؛ فإنَّ الاضطراب يمنع من ترتيب الحكم عليه رفعًا للحرج عن المكلف.
وقوله: "دَلَّ الدليل السمعي": المراد به الكتاب والسنة وما يرجع إليهما.
وقوله: "على كونه معرفًا لحكم شرعي": أيْ على كونه علامة على الحكم، فلا يوجد بدون السبب، كما لا يلزم من وجوده وجود الحكم؛ لأَنَّ السبب قد يوجد ولكن يفقد شرطه أَوْ يقوم مانعه، فلا يتحقق تأثيره (١).
٢ - وعرَّفه الفتوحي (ت: ٩٧٢ هـ) بقوله: "ما يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم لذاته" (٢).
فقوله: "ما": اسم موصول بمعنى الأمر، أَوْ الوصف الظاهر المنضبط.
وقوله: "يلزم من وجوده الوجود": احتراز من الشرط؛ فإنَّه لا يلزم من وجوده الوجود.
وقوله: "ويلزم من عدمه العدم": احتراز من المانع؛ لأَنَّه لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم.
стр. 117
وقوله: "لذاته": قيد للاستظهار على ما لو تخلف وجود المسبب مع وجدان السبب لفقد شرط أَوْ وجود مانع، كمن به سبب الِإرث لكنه قاتل، وعلى ما لو وجد المسبب مع فقدان السبب لكن لوجود سبب آخر، كالردة المقتضية للقتل إذا فقدت ووجد قتل يوجب القصاص، واحترز بهذا القيد "لذاته" مما لو قارن السبب فقدان الشرط أَوْ وجود المانع فإنَّه لا يلزم من وجوده الوجود لكن لا لذاته بل لأمر خارج عنه، وهو انتفاء الشرط أَوْ وجود المانع (١).
وكلا التعريفين دال على المراد من السبب.
* * *
стр. 118
المطلب الثاني ما يلحق بالسبب
يلحق بالسبب الشرعي ويأخذ حكمَه الأشياءُ التالية:
الركن، والشرط الجَعْلي، والشرط الذي له معنى السبب، والشرط اللغوي والعادي، وبيان ذلك فيما يلي:
أولًا: الركن:
والمراد به اصطلاحًا: ما لا يقوم الشيء إلَّا به مع كونه داخلًا في الماهية، مثل: الِإيجاب والقبول في البيع، فإنَّه لا يَصِحّ البيع إلَّا بهما (١).
وهو معدود من مُعَرِّفات الحُكْم؛ لأَنَّه يتفق مع السبب، فكل منهما يؤثر في الحكم، فيوجد بوجوده وينعدم بعدمه، لكن السبب خارج عن الماهية، أَمَّا الركن فهو داخل فيها (٢)، وذلك لا يخرجه عن تعريفه بالحكم وتأثيره فيه.
стр. 119
ثانيًا: الشرط الجَعْلي:
والمراد به اصطلاحًا: ما اشترطه المتعاقدان أَوْ أحدهما في عقد بينهما، وذلك مثل اشتراط بائع الدار سكناها سنة أَوْ شهرًا.
وهو يُعَدُّ من آثار العقد الأصلية (١).
واختلف في عدِّه من السبب على قولين (٢):
الأول: أنَّه من قبيل الأسباب.
لأَنَّه ملحق بالشرط اللغوي فله حكمه، وذلك كأَنَّ المتعاقدين قالا: إن كان كذا فالعقد لازم وإلَّا فلا.
الثاني: أَنّه من قبيل الشروط الشرعية فيكون حكمه حكمها.
لأنَّه بسبب مواضعة المتعاقدين عليه كأَنَّهما قالا: جعلناه مؤثرًا في عقدنا يعدم العقد بعدم الشرط.
والذي أرجحه: أَنَّ الشرط الجعلي من قبيل الأسباب؛ لأَنَّه مؤثر يترتب عليه أثر وهو الحكم بلزوم العقد أَوْ عدم لزومه بالخيار للمشترط عند عدم الوفاء به، والأثر حكم، والمؤثر سبب -كما سبق بيانه في تحليل الحكم الكلي إلى شطرين في المبحث الثاني من تمهيد الباب الأول-.
стр. 120
ثالثًا: الشرط اللغوي:
والمراد به اصطلاحًا: ما يلزم من وجوده وجود مشروطه، ومن عدمه عدم مشروطه عن طريق الوضع اللغوي (١).
ومثال ذلك: أَنْ يقول رجل لزوجته: إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخول الدار شرط لوقوع الطلاق يلزم من وجوده وجود الطلاق ومن عدمه عدمه (٢).
قال القرافي (ت: ٦٨٤ هـ): "الشروط اللغوية أسباب؛ لأَنَّه يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم" (٣).
رابعًا: الشرط العادي:
والمراد به اصطلاحًا: ما يلزم من عدمه عدم مشروطه، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لمشروطه عن طريق العادة (٤)، وذلك مثل الغذاء لحياة الِإنسان، فإنَّ حياته مشروطة عادة بالغذاء، فيلزم من انتفاء الغذاء انتفاء الحياة، ومن وجوده وجودها؛ إذ لا يتغذى إلَّا حي (٥).
стр. 121
قال الطوفي (ت: ٧١٦ هـ): "فعلى هذا، الشرط العادي كاللغوي في أَنه مطرد منعكس، ويكونان من قبيل الأسباب، لا من قبيل الشروط" (١).
* * *
стр. 122
المطلب الثالث فائدة نَصْب الأسباب أسبابًا معرّفةً للحكم وما يُعرَف به السبب
فائدة نَصب الأسباب أسبابًا معرفة للحكم:
إنَّ فائدة نَصب السبب معرفًا للحكم ليسهل على المكلفين الوقوف على حكم الشرع في كل واقعة من الوقائع التي تنزل بهم بعد انقطاع الوحي؛ حذرًا من خلو الوقائع عن الأحكام الشرعية (١).
ما يعرف به السبب:
يعرف السبب بإضافة الحكم إليه لفظًا، وذلك كقولك: حد الشرب، وكفارة القتل، فالشرب والقتل هما السبب هنا لِإضافة الحد والكفارة لهما.
ولا يعارض هذا أَنَّ الِإضافة تكون للشرط أيضًا، فلا يتميز
стр. 123
ويعرف بها السبب، كقولنا: صدقة الفطر، فإنَّ الفطر شرط للصدقة، أَمّا سببها فهو الرأس؛ لأَنَّ اتصال الحكم بالسبب اتصال ثبوت ووجود، وأَمّا إضافته إلى الشرط فهي مجاز؛ إذ الشرط إنَّما يضاف إليه لأَنَّه يوجد عنده، فكان اتصاله بالحكم اتصال مجاورة، والمعتد به هو الحقيقة حتى يقوم دليل المجاز (١)، فما أضيف الحكم إليه فالأصل أَنّه سبب حتى يقوم دليل الشرطية.
* * *
стр. 124
المطلب الرابع أقسام السبب
ينقسم السبب من جهات مُتَعدِّدَة نذكرها وما يدخل تحتها من أقسام فيما يلي:
أولًا: تقسيم السبب من جهة كونه من وضع الشارع أَوْ من وضع المكلف:
وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما (١):
القسم الأول: سبب من وضع الشارع.
والمراد به: ما قدره الله -تعالى- في أصل شرعه ابتداءً من غير خيرة للمكلف فيه، مثل الشهر لوجوب الصوم، والقرابة لوجوب النفقة، وعقد البيع والهبة لِإنشاء الأملاك.
القسم الثاني: سبب من وضع المكلف.
والمراد به: ما جعله الله -تعالى- لخيرة المكلف، فإن شاء جعله سببًا، وإن شاء لم يجعله كذلك.
стр. 125
وهذا منحصر في التعليق، كقول المكلف لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار، أَوْ خرجت منها، وكالنذر بأَنْ يقول المكلف: إن شفى الله مريضي صمت شهرًا أَوْ تصدقت بعشرة آلاف ريال ونحو ذلك.
ثانيًا: تقسيم السبب من جهة كونه فعلًا للمكلف أَوْ غير فعل له:
وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما (١):
القسم الأول: ما كان من فعل المكلف، وذلك كالقتل العمد العدوان، فإنَّه سبب لوجوب القصاص، وكالزنى؛ فإنَّه سبب لوجوب الحد، والِإتلاف؛ فإنَّه سبب للضمان.
القسم الثاني: ما ليس من فعل المكلف، وذلك كالزوال؛ فإنَّه سبب لوجوب صلاة الظهر، ودخول شهر رمضان؛ فإنَّه سبب للصوم، وإتلاف الدابة؛ فإنَّه سبب لضمان صاحبها، وكالقتل خطأ؛ فإنَّه سبب لوجوب تحمل العاقلة الدية، والقتل ليس من فعل العاقلة.
ثالثًا: تقسيمه من جهة كونه مقدورًا للمكلف وعدم ذلك:
وينقسم من هذه الجهة قسمين هما (٢):
стр. 126
القسم الأول: السبب المقدور للمكلف.
وذلك مثل كون الذكاة سببًا لحِلِّ الانتفاع بالحيوان، وكون القتل العمد سببًا للقصاص، والسفر سببًا لِإباحة الفطر.
القسم الثاني: السبب الذي ليس من مقدور المكلف.
وذلك مثل كون الاضطرار سببًا لِإباحة الميتة، وزوال الشمس سببًا لوجوب الصلاة.
رابعًا: تقسيمه من جهة اشتراط علم المكلف به وعدم ذلك:
وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما (١):
القسم الأول: ما يشترط علم المكلف به.
فهناك أسباب لا يتم تأثيرها إلَّا إذا علم بها المكلف.
والأسباب التي يشترط علم المكلف بها تعود إلى:
(أ) الأسباب التي هي جنايات وأسباب للعقوبات، كالقتل العمد؛ فهو سبب للقصاص، والزنى وشرب الخمر سببان للحد؛ فإنَّه لا بُدَّ فيها من علم المكلف بالحظر بأي طريق كان.
(ب) أسباب انتقال الأملاك الاختيارية، كالبيع والهبة وغير ذلك من أسباب انتقال الأملاك؛ فإنَّه لا بُدَّ فيها من علم المكلف، فمن باع وهو لا يعلم أَنَّ هذا اللفظ أَوْ هذا التصرف يوجب انتقال
стр. 127
الملك لكونه أعجميًا أَوْ طارئًا على بلاد الإِسلام لا يلزمه بيع.
القسم الثاني: ما لا يشترط علم المكلف به.
وهو عدا ما ذكر في القسم الأول، وذلك مثل الِإتلاف فهو سبب لوجوب الضمان وإن لم يعلم المتلف ما أتلفه لكونه نائمًا أَوْ غافلًا أَوْ مجنونًا، فالغرامة جابرة لا زاجرة، والعقوبة لا تكون إلَّا زاجرة.
خامسًا: تقسيمه من جهة قيامه بالمحل الذي يتعلق به فعل المكلف أَوْ خروجه عنه:
وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما (١):
القسم الأول: سبب قائم بالمحل الذي يتعلق به فعل المكلف.
وهو إما سبب للتحريم أَوْ للتحليل.
فسبب التحريم: كل صفة قائمة بالمحل موجبة للتحريم، كالِإسكار بالنسبة لتحريم الخمر؛ فإنّه صفة قائمة بالمحل وهو الخمر.
وسبب التحليل: كل صفة قائمة بالمحل موجبة للتحليل، كصفة البُرِّ والشعير بالنسبة لتحليل البر والشعير، فهما صفتان قائمتان بالمحل وهو البر والشعير.
стр. 128
القسم الثاني: سبب خارج عن المحل الذي يتعلق به فعل المكلف.
وهو إما سبب للتحريم أَوْ للتحليل.
فسبب التحريم: كل صفة قائمة خارجة عن المحل موجبة للتحريم، كصفة الغصب بالنسبة لتحريم المال المغصوب؛ فإنَّ الغصب صفة خارجة عن المحل وهو المال.
وسبب التحليل: كل صفة خارجة عن المحل موجبة للتحليل، كالبيع الصَّحِيح بالنسبة لتحليل بهيمة الأنعام، والبر، والشعير؛ فإنَّ البيع الصَّحِيح صفة خارجة عن المحل.
سادسًا: تقسيمه من جهة الوقتية والمعنوية:
وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما (١):
القسم الأول: سبب وقتي.
وذلك مثل: زوال الشمس لوجوب صلاة الظهر؛ فإنَّ الزوال سبب لوجوبها وهو وقت الصلاة.
القسم الثاني: سبب معنوي.
وذلك مثل: الِإسكار لتحريم الخمر، والضمان لمطالبة الضامن بالدين؛ فإنَّ الِإسكار والضمان أسباب معنوية لمسبباتها من التحريم، والجلد، ومطالبة الضامن بالدين.
стр. 129
سابعًا: تقسيمه من جهة الرخصة والعزيمة:
وينقسم السبب من هذه الجهة قسمين، هما (١):
القسم الأول: سبب يقتضي عزيمة.
والعزيمة اصطلاحًا: حكم ثابت بدليل شرعي خال من معارض راجح.
فهي ما شرع ابتداء من الأحكام وفق الدليل غير متصل بمعارض راجح، مثل: وجوب الصوم.
وهي الأصل في الأحكام، وتشمل الأحكام الخمسة، وأَمَّا ما شرع لأجل العارض فهو الرخصة -كما سيأتي-.
فالعزيمة راجعة إلى أمر كلي ابتدائي، والرخصة راجعة إلى جزئي مستثنى من ذلك الأصل الكلي (٢)، فالسبب المقتضي للعزيمة هو سبب العزيمة.
القسم الثاني: سبب يقتضي رخصة.
والرخصة اصطلاحًا: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح.
فهي كالاستثناء من الدليل العام للعزيمة لدليل يخصه لمقتضٍ
стр. 130
من ضرورة، أَوْ مشقة، أَوْ إكراه، فالمقتضي للرخصة من الضرورة والِإكراه هو سببها، فمثال سبب الرخصة في حالة الضرورة: الاغتصاص باللقمة المبيح لشرب الخمر؛ لأَنَّه لا يوجد عنده ما يدفع به الغصة غير الخمر.
ومثال سبب الرخصة في حال الِإكراه: جواز النطق بكلمة الكفر لمن أكره عليها وقلبه مطمئن بالِإيمان.
ومثال سبب الرخصة حال المشقة التي لا تصل إلى حد الضرورة: السفر والمرض يُعَدَّان مظنة للمشقة وسببًا لها يقتضي إفطار الصائم.
والرخصة تجري فيها الأحكام التكليفية الثلاثة: الوجوب، والاستحباب، والِإباحة، فالوجوب مثل: أكل الميتة للمضطر لمن خشي على نفسه الهلاك.
والاستحباب مثل: قصر الصلاة في السفر، والجواز مثل: النطق بكلمة الكفر حال الِإكراه، وكل ذلك إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع.
ويتبين أَنَّ سبب الرخصة قد يكون اضطراريًا، كجواز أكل الميتة عن اضطرار في مخمصة، وقد يكون حاجيًا، مثل: الجمع والقصر في السفر (١).
стр. 131
وما سرت عليه هنا من تقسيم السبب إلى سبب يقتضي رخصة وسبب يقتضي عزيمة -يوافق مذهب مَنْ عدَّ الرخصة والعزيمة من الأحكام الوضعية التي تترتب عليها الأحكام التكليفية (١)، وهذا هو الراجح؛ لأَنَّ العزيمة سبب لاستمرار الأحكام الأصلية العامة، والرخصة راجعة إلى جَعْل الشَّارع الأحوال الطارئة سببًا للتخفيف عن العباد، والسبب من الأحكام الوضعية لا التكليفية، فالرخصة والعزيمة لا طلب فيها ولا تخيير؛ بل وضعٌ وجُعْلٌ يترتب عليه حكم تكليفي (٢)، ولذا جرى عدُّها من الأسباب، وتقسيمها على نحو ما ذكرته آنفًا.
ثامنًا: تقسيمه من جهة كونه مشروعًا أَوْ ممنوعًا:
وينقسم من هذه الجهة قسمين هما (٣):
القسم الأول: السبب المشروع.
والمراد به: ما كان مشروعًا في الشرع.
وذلك مثل: البيع، والنكاح؛ الأول سبب للملك، والثاني سبب لِإباحة كل واحد من الزوجين لصاحبه.
стр. 132
القسم الثاني: السبب الممنوع.
والمراد به: ما كان ممنوعًا في الشرع.
وذلك مثل: الزنى، والغصب، والقتل العمد العدوان؛ فالأول سبب للحد، والثاني سبب للضمان والتعزير، والثالث سبب للقصاص.
تاسعًا: تقسيمه من جهة كونه سببًا للحرمة أَوْ ثبوت الملك ونحوهما:
وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما (١):
القسم الأول: سبب للحرمة والوجوب ونحوهما.
والمراد به: الأسباب الموجبة لأحد الأحكام السبعة من الوجوب، أَوْ التحريم، أَوْ الاستحباب، أَوْ الكراهة، أَوْ الِإباحة، أَوْ الصِّحَّة، أَوْ البطلان.
القسم الثاني: سبب موجب للملك أَوْ لِإزالته.
والمراد به: الأسباب الموجبة لثبوت الملك أَوْ زواله ونحوهما.
وذلك مثل: الِإحياء، والشراء، ونحوهما من موجبات الملك، ومثل: البيع، والهبة، والوقف، ونحوها من موجبات زوال الملك وارتفاعه.
стр. 133
عاشرًا: تقسيمه من جهة تكرر الحكم بتكرر السبب وعدم ذلك:
وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما (١):
القسم الأول: ما تكرر الحكم بتكرره.
وذلك مثل: زوال الشمس لصلاة الظهر، وشهر رمضان لِإيجاب الصوم، وغير ذلك من أسباب الضمانات، والعقوبات، والمعاملات.
القسم الثاني: ما لا يتكرر الحكم بتكرره.
وذلك مثل: الاستطاعة لِإيجاب الحج؛ فإنَّ المسلم إذا استطاع الحج وحج لم يجب عليه الحج كلما استطاع.
حادي عشر: تقسيمه من جهة وجوب الفحص عنه وعدم وجوب ذلك:
وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما (٢):
القسم الأول: أسباب يجب الفحص عنها.
وهي ما تعيَّن وقوعه من الأسباب، كالزوال لوجوب الصلاة، ورؤية هلال ذي الحجة لوجوب الحج.
فهذه الأسباب كائنة لا محالة، ويترتب عليها وجوب الفعل
стр. 134
قطعًا، ولذا وجب الفحص عنها، والمكلف غير معذور بفواتها اختيارًا.
القسم الثاني: أسباب لا يجب الفحص عنها.
وهي ما لا يتعين وقوعه من الأسباب، فقد يقع وقد لا يقع، بل الأصل عدم وقوعه؛ لعدم التعيين.
فهذه الأسباب كما لا يجب تحصيلها فإنَّه لا يجب الفحص عنها، وذلك مثل: من كان فقيرًا وله أقارب أغنياء في بلاد بعيدة عنه يجوز في كل وقت أَنْ يموت أحدهم فيرثه وتجب الزكاة عليه فهذا لا يجب الفحص عنه؛ لأَنَّه كما لا يجب عليه تحصيل النِّصاب لوجوب الزكاة فهكذا لا يجب عليه الفحص عن وقوع السبب.
ثاني عشر: تقسيمه من جهة اقتضائه الثبوت أَوْ الِإبطال:
وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما (١):
القسم الأول: السبب الذي يقتضي ثبوتًا.
وذلك مثل: البيع، والهبة، فإنَّها أسباب تقتضي ثبوت مسبباتها من ملك المبيع والموهوب.
القسم الثاني: السبب الذي يقتضي إبطالًا (حَلًّا) لسبب آخر.
وذلك مثل الطلاق؛ فإنّه يقتضي إبطال العصمة التي هي مسبب
стр. 135
السبب السابق وهو النكاح، ومثل الِإقالة؛ فإنَّها تقتضي حل عقد الِإجارة أَوْ البيع، ومثل الفسخ في العقود لخيار ونحوه.
ثالث عشر: تقسيمه من جهة تقدم مسببه عليه وعدم تقدمه عليه:
وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما (١):
القسم الأول: ما يتقدم مسببه عليه.
وذلك مثل تلف المبيع قبل القبض عند القائلين بأَنَّه موجب للفسخ قبله (٢)، فإنَّه يقدر الانفساخ في المبيع قبل تلفه؛ ليكون المحل قابلًا للانفساخ؛ لأَنَّ المعدوم غير قابل للانقلاب لملك البائع، فالمسبب -وهو الانفساخ- تقدم على السبب -وهو التلف-.
القسم الثاني: ما لا يتقدم مسببه عليه.
وله أقسام ثلاثة هي:
(أ) ما يقارنه مسببه.
وهو ما كان سببًا فعليًّا تامًّا مثل: الأسباب في حيازة
стр. 136
المباح، كالحشيش، والحطب؛ فإنَّ السبب في حيازتها الاستيلاءُ، وقد اقترن فيها السبب بالمسبب.
(ب) ما يتأخر عنه مسببه إلى تمامه.
وهو ما كان سببًا فعليًّا غير تام، مثل: الوصية؛ فإنَّه يتأخر فيها نقل الملك إلى الموصى له إلى ما بعد الموت، والسلم والبيع بثمن مؤجل؛ فإنّه يتأخر توجه المطالبة بالمسلم فيه وبالثمن في المبيع بثمن مؤجل إلى انقضاء الأجل.
(ج) ما اختلف في وقت وقوع مسببه: هل يقع مع آخر حرف منه، أَوْ عقب آخر حرف منه؟
وذلك في الأسباب القولية، كالبيع، والِإبراء، وقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:
أحدهما: وقوع مسببات هذه الأسباب مع آخر حرف منها.
وهذا قول أبي الحسن الأشعري (ت: ٣٢٤ هـ).
وعلل: بأَنَّ الأسباب الشرعية مثل الأسباب العقلية، وهي تقع مع وقوع مسببها لا عقبه.
وثانيهما: أَنَّ مسببات هذه الأسباب تقع عقب آخر حرف منها.
وهو قول جماعة من الفقهاء.
وعللوا: بأَنَّ السبب إنَّما يتحقق عادة عقب آخر حرف منها.
стр. 137
والقول الثاني أظهر؛ لما استدَلَّ به قائلوه، لكن هذا الخلاف ليس له ثمرة كما قال ابن الشاط (ت: ٧٢٣ هـ)، ونَصُّ كلامه: "قلت: الأمر في ذلك الخلاف قريب، ولا أراه يؤول إلى طائل" (١).
رابع عشر: تقسيمه من جهة كونه فعلًا أَوْ قولًا:
وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما (٢):
القسم الأول: سبب فعلي.
وهو ما كان فعلًا، كالاحتشاش، والاصطياد، والزنى، وقطع الطريق.
القسم الثاني: سبب قولي.
وهو ما كان قولًا، كالبيع، والهبة، والِإبراء.
خامس عشر: تقسيمه من جهة الِإيجاب أَوْ السلب:
وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما (٣):
стр. 138
القسم الأول: السبب الِإيجابي.
والمراد به: ما كان إيجابًا فعلًا أَوْ قولًا، مثل الاحتشاش، والاصطياد، والبيع، والهبة.
القسم الثاني: السبب السلبي.
والمراد به: ما كان من قِبَل التروك.
فمَنْ مَنَع فضل مائه إنسانًا حتى مات عطشًا وهو يعلم أنَّه يموت إن لم يسقه كان قاتلًا.
فترك سقياه سبب سلبي، وهو موجب للقصاص عند المالكية، وموجب للدية عند الحنابلة.
ومن ترك الِإخبار عن مجرم لا يشرع السكوت عنه والستر عليه وكان في ترك ذلك مضرة استحق التعزير، ومَنْ فرّط وأهمل ما يجب عليه حفظه كان ضامنًا لتلفه في الجملة، فهذه كلها أسباب سلبية.
سادس عشر: تقسيمه من جهة تداخل الأسباب واستقلالها:
وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما (١):
القسم الأول: الأسباب المتداخلة.
والمراد بها: أَنْ يوجد سببان فأكثر مسببهما (حكمهما) واحد،
стр. 139
فيترتب عليهما مسبب واحد (أيْ: حكم واحد)، مع أَنَّ كل واحد منهما يقتضي مسببًا (أيْ: حكمًا) من ذلك النوع لو انفرد.
وذلك كمن زنى مرارًا قبل حدّه فيكفي حدّه مرة واحدة، والجنابة والحيض يكفي فيهما غسل واحد إذا اجتمعا، وأجرة الرضاع والنفقة للزوجة التي في حباله، فالنفقة مغنية عن الأجرة، وكالشرط الجزائي في عقد واحد، كأَنْ يشترط المستأجر على الأجير إذا تأخر في تنفيذ بناء داره بأَنَّ عليه غرامة مالية قدرها كذا في الشهر، وإذا زاد التأخير عن السنة ينضاف إليها مائة ألف ريال، فهذه تتداخل كلها، ويُردُّ تقديرها للعرف وكأَنَّها شرط واحد.
القسم الثاني: الأسباب المستقلة.
والمراد بها: أَنْ يوجد سببان فأكثر ويستقل كل سبب بحكم يخصه سواء اختلفت الأسباب أَمْ تماثلت؛ فالمختلفة مثل أَنْ يزني ويتلف مالًا، فعليه في الزنى الحد، وفي تلف المال ضمانه، والمتماثلة مثل الِإتلافات، فلكل إتلاف ضمانه.
واستقلال الأسباب بأحكامها وعدم تداخلها هو الأكثر، وهو الأصل، فمقتضى القياس أَنَّ لكل سبب حكمًا يخصه، ولا يدخل مع غيره في حكمه، لكن التداخل وقع في صور كثيرة.
стр. 140
سابع عشر: تقسيمه من جهة تركيب السبب وإفراده وتَعَدُّده:
وينقسم من هذه الجهة ثلاثة أقسام، هي (١):
القسم الأول: السبب المركب.
والمراد به: مجموعة الأوصاف المناسبة في ذاتها للحكم، وذلك مثل: القتل العمد العدوان؛ فإنَّه سبب للقصاص، وهو مركب من ثلاثة أوصاف كلها مناسبة للحكم ومؤثرة فيه، وهي: القتل، والعمد، والعدوان، ولو انخرم أحدها لتخلفت مناسبة السبب في ذاته، ولذلك فإنَّه يفرق بين الأوصاف المؤثرة في الحكم بأَنَّ ما أثر في الحكم لكونه مناسبًا في ذاته فهو سبب، وما أثر في الحكم ولكنه غير مناسب في ذاته للحكم بل في غيره فهو شرط، وذلك مثل: النِّصَاب والحول في الزكاة؛ فقد رتب الشارع وجوبها عقبهما، فيجعل المناسب منهما في ذاته كالنِّصَاب هو السبب، والمناسب منهما في غيره كالحول هو الشرط، يقول القرافي (ت: ٦٨٤ هـ): "إنَّ الشرع إذا رتب الحكم عقيب أوصاف، فإن كانت كلها مناسبة في ذاتها قلنا: الجميع علة، ولا نجعل بعضها شرطًا، كورود القصاص مع القتل العمد العدوان، وأَنَّ المجموع علة وسبب؛ لأَنَّ الجميع مناسب في ذاته، وإن كان البعض مناسبًا في ذاته دون البعض قلنا:
стр. 141
المناسب في ذاته هو السبب، والمناسب في غيره هو الشرط" (١).
القسم الثاني: السبب المفرد.
وتعريفه تعريف السبب مطلقًا، لكنه مفرد في تأثيره ومناسبته بذاته، فهو ضد السبب المركب، وذلك مثل: الزنى، فإنَّه سبب للحد.
القسم الثالث: الأسباب المُتَعَدِّدَة.
والمراد بها: الأوصاف المُتَعَدِّدَة التي يناسب كل واحد منها بذاته الحكم، وذلك مثل: أسباب الحدث إذا اجتمعت، كوجوب الوضوء على مَنْ بال ولامس وأمذى، فكل واحد منها موجب بذاته للوضوء، وهكذا الأسباب الموجبة للقتل إذا اجتمعت، كمَنْ قتل اثنين فأكثر، أَوْ ارتد وقتَل.
وهذه الأسباب المُتَعَدِّدَة قد تتداخل، وقد ينفرد كل واحد منها بحكم، وقد سبقت الأسباب المتداخلة وأمثلة لها في التقسيم السادس عشر.
أَمَّا مثال ما انفرد بحكم من الأسباب المُتَعَدِّدَة فهو: مَنْ قتل عدة أشخاص عمدًا، وطلب أولياء أحدهم القصاص، وطلب الباقون الدية، فإنَّه يقتل لطالبي القصاص، وتجب عليه دية كل فرد من الباقين من ماله (٢).
стр. 142
ثامن عشر: تقسيمه من جهة ما ينتج (١) عنه من حكم فأكثر:
وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما (٢):
القسم الأول: السبب المنتج لحكم واحد.
والمراد به: أَنْ يُبنى على السبب حكم واحد.
فمن الأسباب ما ليس له إلَّا حكم واحد.
مثاله: الإِقرار، فإذا تحقق الإِقرار بتوفر شروطه وانتفاء موانعه ولم يعارضه ما هو أقوى منه وجب إعماله والحكم به.
القسم الثاني: السبب المنتج لحكمين فأكثر.
والمراد به: أَنْ يُبنى على السبب حكمان فأكثر.
فمن الأسباب ماله حكمان فأكثر، قال عبد العزيز بن عبد السلام (ت: ٦٦٠ هـ): "ومنها ما يُبنى عليه حكمان إلى أَنْ ينتهي السبب الواحد إلى قريب من ستين حكمًا أَوْ أكثر" (٣).
مثاله: إتلاف المال عمدًا، وله ثلاثة أحكام هي: التحريم، والتعزير، وإيجاب الضمان.
стр. 143
تاسع عشر: تقسيمه من جهة اقتضاء حكمه للإِنجاز أَوْ التخيير (١):
وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما:
القسم الأول: السبب المقتضي حكمه الإِنجاز.
والمراد به: أَنْ يترتب على السبب حكم منجز لا خيار فيه.
مثاله: شرب المسكر يجب به الحد على الشارب.
القسم الثاني: السبب المقتضي حكمه التخيير.
والمراد به: أَنْ يترتب على السبب حكم يخير فيه المكلف بين أمرين فأكثر.
وقد يكون التخيير للحاكم فهو اختيار مصلحةٍ لا تشهٍّ، وذلك مثل: جريمة الحرابة، والتي يترتب عليها التخيير بين قتل المحارب، أَوْ قتله مع صلبه، أَوْ قطع يده ورجله من خلاف، أَوْ نفيه من الأرض ما لم يكن قد قتل فيقتل (٢)؛ والمبينة في قوله - تعالى -: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ
стр. 144
خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣].
وقد يكون التخيير للمكلف بأَنْ يختار أيَّ الأمرين أَوْ الأمور التي رتبها الشرع، كما في قتل العمد؛ فقد جعل الشرع لولي الدم الخيرة بين القصاص، أَوْ أخذ الدية، أَوْ العفو بغير عوض (١).
القسم الثالث: السبب المقتضي حكمه الجمع بين التخيير والإِنجاز.
والمراد به: أَنْ يترتب على السبب حكم يخيَّر فيه المكلف، فإن عجز انتقل عنه إلى حكم منجز لا تخيير فيه.
مثاله: الحنث في اليمين، إذا كان الحنث مباحًا أَوْ واجبًا أَوْ مندوبًا فيخير الحانث بين إطعام عشرة مساكين، أَوْ كسوتهم، أَوْ عتق رقبة، فإن عجز عن ذلك وجب عليه صيام ثلاثة أيام متتابعة (٢)، كما في قوله - تعالى -: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
* * *
стр. 145
المطلب الخامس حكم السبب
إذا تحقق السبب ووجد مستكملًا شروطه ومنتفية موانعه فإنَّه حينئذ يترتب عليه أثره ويتحقق مسببه رضي بذلك المكلف أَمْ سخط، فالحكم والأثر يوجد عند السبب لا به، فهو غير مؤثر في الوجود؛ بل وصلة ووسيلة إليه، فإذا وجد السبب فإنَّ الشرع هو الذي يرتب عليه مسببه بعد تحقق شروطه وانتفاء موانعه، والحكم لا يسبق السبب.
أَمَّا إذا لم يستوف السبب شرطه، أَوْ وجد مانع من ترتيب مسببه عليه فإنَّ السبب حينئذ لا يترتب عليه أثره ولا يتحقق مسببه شاء المكلف أَمْ أبى؛ لأَنَّ الشرع لم يجعل الأسباب مفضية إلى مسبباتها إلَّا إذا وجدت بكاملها على الوفاء والتمام.
فإذا عقد المكلف بيعًا استوفى شروطه وانعدمت موانعه فإنَّ الملك ينتقل إلى المشتري، وهكذا من عقد نكاحًا، أَوْ أوقع طلاقًا، وإذا وجدت القرابة وتحققت شروطها وانتفت موانعها وجب على القريب الإِنفاق على قريبه، وإذا وجدت البنوة وكان