← Сияса и кади

Сияса и кади · id 17810

توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية

عبد الله بن محمد الخنين

Полный текст (1 181 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المناسب في ذاته هو السبب، والمناسب في غيره هو الشرط" (١). القسم الثاني: السبب المفرد. وتعريفه تعريف السبب مطلقًا، لكنه مفرد في تأثيره ومناسبته بذاته، فهو ضد السبب المركب، وذلك مثل: الزنى، فإنَّه سبب للحد. القسم الثالث: الأسباب المُتَعَدِّدَة. والمراد بها: الأوصاف المُتَعَدِّدَة التي يناسب كل واحد منها بذاته الحكم، وذلك مثل: أسباب الحدث إذا اجتمعت، كوجوب الوضوء على مَنْ بال ولامس وأمذى، فكل واحد منها موجب بذاته للوضوء، وهكذا الأسباب الموجبة للقتل إذا اجتمعت، كمَنْ قتل اثنين فأكثر، أَوْ ارتد وقتَل. وهذه الأسباب المُتَعَدِّدَة قد تتداخل، وقد ينفرد كل واحد منها بحكم، وقد سبقت الأسباب المتداخلة وأمثلة لها في التقسيم السادس عشر. أَمَّا مثال ما انفرد بحكم من الأسباب المُتَعَدِّدَة فهو: مَنْ قتل عدة أشخاص عمدًا، وطلب أولياء أحدهم القصاص، وطلب الباقون الدية، فإنَّه يقتل لطالبي القصاص، وتجب عليه دية كل فرد من الباقين من ماله (٢).

стр. 142

ثامن عشر: تقسيمه من جهة ما ينتج (١) عنه من حكم فأكثر: وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما (٢): القسم الأول: السبب المنتج لحكم واحد. والمراد به: أَنْ يُبنى على السبب حكم واحد. فمن الأسباب ما ليس له إلَّا حكم واحد. مثاله: الإِقرار، فإذا تحقق الإِقرار بتوفر شروطه وانتفاء موانعه ولم يعارضه ما هو أقوى منه وجب إعماله والحكم به. القسم الثاني: السبب المنتج لحكمين فأكثر. والمراد به: أَنْ يُبنى على السبب حكمان فأكثر. فمن الأسباب ماله حكمان فأكثر، قال عبد العزيز بن عبد السلام (ت: ٦٦٠ هـ): "ومنها ما يُبنى عليه حكمان إلى أَنْ ينتهي السبب الواحد إلى قريب من ستين حكمًا أَوْ أكثر" (٣). مثاله: إتلاف المال عمدًا، وله ثلاثة أحكام هي: التحريم، والتعزير، وإيجاب الضمان.

стр. 143

تاسع عشر: تقسيمه من جهة اقتضاء حكمه للإِنجاز أَوْ التخيير (١): وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما: القسم الأول: السبب المقتضي حكمه الإِنجاز. والمراد به: أَنْ يترتب على السبب حكم منجز لا خيار فيه. مثاله: شرب المسكر يجب به الحد على الشارب. القسم الثاني: السبب المقتضي حكمه التخيير. والمراد به: أَنْ يترتب على السبب حكم يخير فيه المكلف بين أمرين فأكثر. وقد يكون التخيير للحاكم فهو اختيار مصلحةٍ لا تشهٍّ، وذلك مثل: جريمة الحرابة، والتي يترتب عليها التخيير بين قتل المحارب، أَوْ قتله مع صلبه، أَوْ قطع يده ورجله من خلاف، أَوْ نفيه من الأرض ما لم يكن قد قتل فيقتل (٢)؛ والمبينة في قوله - تعالى -: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ

стр. 144

خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. وقد يكون التخيير للمكلف بأَنْ يختار أيَّ الأمرين أَوْ الأمور التي رتبها الشرع، كما في قتل العمد؛ فقد جعل الشرع لولي الدم الخيرة بين القصاص، أَوْ أخذ الدية، أَوْ العفو بغير عوض (١). القسم الثالث: السبب المقتضي حكمه الجمع بين التخيير والإِنجاز. والمراد به: أَنْ يترتب على السبب حكم يخيَّر فيه المكلف، فإن عجز انتقل عنه إلى حكم منجز لا تخيير فيه. مثاله: الحنث في اليمين، إذا كان الحنث مباحًا أَوْ واجبًا أَوْ مندوبًا فيخير الحانث بين إطعام عشرة مساكين، أَوْ كسوتهم، أَوْ عتق رقبة، فإن عجز عن ذلك وجب عليه صيام ثلاثة أيام متتابعة (٢)، كما في قوله - تعالى -: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. * * *

стр. 145

المطلب الخامس حكم السبب إذا تحقق السبب ووجد مستكملًا شروطه ومنتفية موانعه فإنَّه حينئذ يترتب عليه أثره ويتحقق مسببه رضي بذلك المكلف أَمْ سخط، فالحكم والأثر يوجد عند السبب لا به، فهو غير مؤثر في الوجود؛ بل وصلة ووسيلة إليه، فإذا وجد السبب فإنَّ الشرع هو الذي يرتب عليه مسببه بعد تحقق شروطه وانتفاء موانعه، والحكم لا يسبق السبب. أَمَّا إذا لم يستوف السبب شرطه، أَوْ وجد مانع من ترتيب مسببه عليه فإنَّ السبب حينئذ لا يترتب عليه أثره ولا يتحقق مسببه شاء المكلف أَمْ أبى؛ لأَنَّ الشرع لم يجعل الأسباب مفضية إلى مسبباتها إلَّا إذا وجدت بكاملها على الوفاء والتمام. فإذا عقد المكلف بيعًا استوفى شروطه وانعدمت موانعه فإنَّ الملك ينتقل إلى المشتري، وهكذا من عقد نكاحًا، أَوْ أوقع طلاقًا، وإذا وجدت القرابة وتحققت شروطها وانتفت موانعها وجب على القريب الإِنفاق على قريبه، وإذا وجدت البنوة وكان

стр. 146

الابن قاتلًا عمدًا فإنَّه لا يرث لقيام المانع، وهكذا لو انخرم شرط من شروط البيع أَوْ النكاح أَوْ غيرهما من الأسباب أَوْ وجد مانع فإنَّه لا يترتب عليه أثره (١). * * *

стр. 147

المبحث الثاني الشرط وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريفه والفرق بينه وبين السبب. المطلب الثاني: أقسام الشرط. المطلب الثالث: حكم الشرط.

стр. 148

المطلب الأول تعريف الشرط والفرق بينه وبين السبب تعريف الشرط: الشرط لغة: يطلق على معان، فيقال: شَرَطَ الجِلْدَ ونحوه شرطًا أيْ: شقَّه شقًا يسيرًا، كما يقال: شرط له أمرًا التزمه، وشَرَطَ عليه أمرًا ألزمه إياه. والشَّرَط - بالتحريك -: العلامة، والجمع أشراط، ومنه أشراط الساعة علاماتها (١) اللازمة لكون الساعة آتية لا محاله، يقول - تعالى -: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨]، وفي قول: أَنَّها تستعمل بهذا المعنى مخففة، فيقال الشَّرْط (٢)، قال الطوفي (ت: ٧١٦ هـ): "ومع اتفاق المادة لا أثر لاختلاف الحركات، والكل ثابت عن أهل اللغة" (٣). والشرط اصطلاحًا: عرَّفه ابن النجار (ت: ٩٧٢ هـ) بأَنَّه: "ما

стр. 149

يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته" (١). شرح التعريف الاصطلاحي للسبب: قوله: "ما يلزم من عدمه العدم": احترز به من المانع؛ لأَنَّه لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم. وقوله: "ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم": احترز به من السبب والمانع - أيضًا -؛ لأَنَّ السبب يلزم من وجوده الوجود لذاته، ولأَنَّ المانع يلزم من وجوده العدم. وقوله: "لذاته": احترز به عن مقارنة الشرط وجود السبب فيلزم الوجود، أَوْ مقارنة الشرط قيام المانع فيلزم العدم لكن لا لذاته وهو كونه شرطًا - بل لأمر خارج - وهو مقارنة السبب أَوْ قيام المانع (٢). فالشرط أمر خارج عن حقيقة المشروط، وهو علامة ومكمل لمشروطه (٣). ومن أمثلة الشرط: اشتراط القدرة على تسليم المبيع لصِحَّة البيع، فيلزم من عدم القدرة على التسليم عدم صِحَّة البيع، ولا يلزم من وجود القدرة على التسليم وجود البيع ولا صِحَّتِه، فقد تتحقق القدرة على التسليم ولا يحصل بيع، وقد يحصل البيع ولكن لا

стр. 150

يَصِحّ لفقد شرط آخر، والقدرة على التسليم أمر خارج عن حقيقة البيع ولكنه مكمل له، فلا يتم إلَّا به. الفرق بين الشرط والسبب: يجتمع كل من الشرط والسبب في تَوَقُّف وجود الحكم على وجودهما وانتفائه بانتفائهما، لكن يفترقان في أَنَّ السبب يلزم من وجوده وجود المسبب وهو الحكم، أَمَّا الشرط فلا يلزم من وجوده وجود المشروط وهو الحكم، بل الشرط مكمل لمشروطه؛ فإنَّ الشرط قد يوجد ولكن لا يتم المشروط؛ لتخلف شرط آخر، أَوْ وجود مانع. فالسبب يؤثر من جهة الوجود والعدم، بخلاف الشرط؛ فإنَّه لا يؤثر إلَّا من جهة العدم فقط، وذلك مثل الطلاق؛ فإنَّه سبب لإِزالة عصمة النكاح، فيلزم من وجوده زوال عصمة النكاح ومن عدمه بقاء تلك العصمة، فإذا طلقها ثلاثًا وأراد إرجاعها إلى عصمته فشرط ذلك أَنْ تنكح زوجًا غيره، فإن لم تنكح فلا رجوع، فقد لزم من عدم الشرط عدم المشروط، ولكنه لا يلزم من وجوده وجود المشروط؛ إذ قد تنكح زوجًا آخر ولا ترجح للأول (١). * * *

стр. 151

المطلب الثاني أقسام الشرط من جهة المشروط ينقسم الشرط من جهة المشروط قسمين، هما: القسم الأول: شرط السبب. عرَّفه الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ) بأَنَّه: "كل معنى يكون عدمه مخلًّا بمعنى السببية، كشرائط البيع" (١). وعرَّفه الفتوحي (ت: ٩٧٢ هـ) بأَنَّه: "ما أخل عدمه بحكمة السبب، كالقدرة على تسليم المبيع" (٢). والتعريفان بمعنى واحد، وقد شرح الفتوحي تعريفه بالمثال فهو يقول: "فإنَّ القدرة على تسليم المبيع شرط لصِحَّة البيع الذي هو سبب ثبوت الملك المشتمل على مصلحة، وهو حاجة الابتياع لعلة الانتفاع بالمبيع، وهي مُتَوَقِّفة على القدرة على التسليم، فكان عدمه مخلًّا بحكمة المصلحة التي شرع لأجلها البيع" (٣).

стр. 152

القسم الثاني. شرط الحكم. عرَّفه الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ) بأَنَّه: "كل معنى يكون عدمه مخلًّا بمقصود الحكم مع بقاءٍ لمعنى السببية، كالقبض للمبيع للملك التام" (١). وعرَّفه الفتوحي (ت: ٩٧٢ هـ) بأَنَّه: "ما استلزم عدمه حكمة تقتضي نقيض الحكم، كالطهارة للصلاة" (٢). ويشرح ذلك فيقول: "فإنَّ عدم الطهارة حال القدرة عليها مع الإِتيان بالصلاة يقتضي نقيض حكمة الصلاة، وهو العقاب؛ فإنَّه نقيض وصول الثواب" (٣). * * *

стр. 153

المطلب الثالث حكم الشرط إنَّ الشرط مكمل لمشروطه، ويتوقف عليه تأثير السبب، فإذا وجد السبب وتحقق الشرط وجد المسبب، وإذا وجد السبب ولم يتحقق شرطه فإنَّ المسبب ينتفي. فالمشروط مُتَوَقِّف على الشرط لا يوجد إلَّا بوجوده، وينتفي بانتفائه؛ لأَنَّ السبب لا يلزم من وجوده الوجود إلَّا عند تحقق الشرط وانتفاء المانع، وإذا لم يتحقق الشرط فلا أثر للسبب عندئذ؛ فإنَّ الحكم لا يسبق سببه أَوْ شرطه، فعدم الشرط مانع من ترتيب المسبب على سببه، فإنَّ القتل العمد العدوان لا يترتب عليه مسببه - وهو القصاص - إلَّا إذا تحققت شروطه المقررة شرعًا، وهكذا البيع، والنكاح، وسائر الأسباب (١). * * *

стр. 154

المبحث الثالث المانع وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريف المانع. المطلب الثاني: أقسام المانع. المطلب الثالث: حكم المانع.

стр. 155

المطلب الأول تعريف المانع المانع لغة: اسم فاعل من المنع، والمنع ضد الإِعطاء، فالمانع هو الحائل بين الشيئين (١). واصطلاحًا: عرَّفه الطوفي (ت: ٧١٦ هـ) بأَنَّه: "ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته" (٢). واحترز بقوله: "ما يلزم من وجوده العدم": من السبب؛ فإنَّه يلزم من وجوده وجود الحكم. واحترز بقوله: "ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم": من الشرط؛ فإنَّه عكس المانع؛ لأَنَّ الشرط يلزم من عدمه العدم.

стр. 156

واحترز بقوله: "لذاته": من مقارنة المانع لوجود سبب آخر خالٍ من المانع؛ فإنَّه يلزم الوجود لا العدم لكن لوجود السبب الآخر، كالمرتد القاتل لولده؛ فإنَّه يُقتَل بالردة لا قصاصًا للقتل؛ لأَنَّ المنع وقع لأحد السببين دون الآخر. والزكاة مما يمثل بها للثلاثة؛ فالنِّصَاب سبب، والحول شرط، والدَّيْن مانع (١). وهناك تعريفات أخرى للمانع تركتها خشية الإِطالة (٢). * * *

стр. 157

المطلب الثاني أقسام المانع ينقسم المانع أقسامًا مُتَعَدِّدَة من جهات مختلفة نذكرها فيما يلي: أولًا: تقسيمه من جهة منع السبب أَوْ الحكم: وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما: القسم الأول: مانع السبب. والمراد به: وصف، ظاهر، منضبط، يخل وجوده بحكمة السبب. فهو وصف يلزم من وجوده عدم السبب. وذلك مثل: الدَّين مع ملك النَصَاب؛ فإنَّ النِّصَاب سبب لوجوب الزكاة، وحُكْمُه: وجوب الزكاة فيه؛ لأَنَّه مال كثير، وهذه الكثرة تحمل على المواساة منه شكرًا على نعمة ذلك المال، لكن عارض هذه الحكمة الدَّين الذي على المزكي مما ينقص النِّصَاب؛

стр. 158

لأَنَّ على المزكي صرف الذي يملكه في الدَّين، فصار كأَنَّه معدم لا تجب عليه زكاة (١). القسم الثاني: مانع الحكم. والمراد به: وصف، وجودي، ظاهر، منضبط، مستلزم لحكمة تقتضي نقيض حكم السبب مع بقاء حكم السبب. فهو الوصف الظاهر المنضبط الذي يلزم من وجوده عدم الحكم. وذلك مثل: الأُبُوَّة في منع القصاص للقتل العمد العدوان، فالحكمة كون الأب سببًا لوجود الولد، فلا يحسن كونه سببًا لعدمه، فينتفي الحكم - وهو القصاص - مع وجود مقتضيه - وهو القتل - (٢). ثانيًا: تقسيمه من جهة منع ابتداء الحكم أَوْ استمراره: وينقسم من هذه الجهة ثلاثة أقسام، هي (٣): القسم الأول: ما يمنع ابتداء الحكم واستمراره. وذلك كالرضاع، يمنع ابتداء النكاح كما يمنع استمراره إذا طرأ عليه.

стр. 159

القسم الثاني: ما يمنع ابتداء الحكم فقط. وذلك كالعدة، تمنع ابتداء النكاح للاستبراء، ولا تجب على الموطوءة بشبهة عدة، بل تَسْتَبرِئ خشية حملها من ذلك الوقاع، ولا يجب بعد هذا الاستبراء عقد جديد للنكاح السابق؛ لصحته وعدم بطلانه. القسم الثالث: ما اختلف فيه بين أَنْ يلحق بالقسم الأول فيمتنع فيهما، أَوْ بالثاني فيمتنع في الابتداء: وذلك مثل: الإِحرام، يمنع ابتداء الصيد، فإن طرأ عليه فهل تجب إزالة اليد؟ الصَّحِيح: أَنَّها تجب، كوجود الماء، يمنع ابتداء التيمم، فلو طرأ وجود الماء عليه في الصلاة فهل يبطل؟ الصَّحِيح: أَنّه يبطله (١). ثالثًا: تقسيمه من جهة اجتماعه مع الطلب (الأمر والنهي): وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما (٢): ١ - ما لا يجتمع فيه المانع مع الطلب. ٢ - ما يمكن أَنْ يجتمع فيه المانع مع الطلب. ونُفَصِّل هذين القسمين فيما يلي:

стр. 160

القسم الأول: ما لا يجتمع فيه المانع مع الطلب. والمراد به: ما منع من أصل الطلب جملة، وذلك مثل: زوال العقل بنوم أَوْ جنون أَوْ غيرهما، فإنَّه لا يجتمع مع الطلب الذي هو التكليف، فزائل العقل لا يفهم الخطاب، والفهم شرط التكليف. القسم الثاني: ما يمكن أَنْ يجتمع فيه المانع مع الطلب. وهذا القسم نوعان، هما: النوع الأول: ما يرفع أصل الطلب. وذلك مثل: الحيض والنفاس، فإنَّهما يمنعان شرعًا من الصلاة وإن أمكن أَنْ يؤدي المكلف الصلاة حالهما عقلًا؛ إذ لا يمنع العقل تكليف الحائض والنفساء بالصلاة، لكن الشرع عدَّهما مانعين من أصل الطلب بهذه العبادة، ولذلك لم تَصِحّ منهما. النوع الثاني: ما لا يرفع أصل الطلب، ولكنه يرفع انحتامه - أي يمنع اللزوم فيه -، وهو ضربان هما: الضرب الأول: ما رفع وجوب الطلب إلى التخيير. وهذا الضرب يصير به الطلب مخيرًا لمن قدر عليه، فهو مطلوب شرعًا لكن لا على وجه الحتم واللزوم بل على وجه التخيير، وذلك كالأنوثة بالنسبة إلى الجُمُعة، فإنَّ الأنوثة مانعة من وجوب الجمعة على المرأة، فلا تجب عليها، ولكن لو أدتها صَحَّت وسقطت عنها الظهر، وهذا معنى التخيير بالنسبة إليها مع القدرة عليها، أَمَّا مع

стр. 161

عدم القدرة عليها فالحكم مثل ما سبق في النوع الأول، وهو المانع الذي يرفع أصل الطلب. الضرب الثاني: ما رفع الإِثم عن مخالف الطلب. وذلك مثل: أسباب الرخص، فإنَّها موانع من لزوم الطلب وانحتامه، مثل: السفر بالنسبة لقصر الصلاة وترك الجمعة، فإنَّ السفر لا يرفع أصل الطلب في هذه العبادات بدليل صِحَّتِها من المسافر، لكنه يرفع الانحتام في هذا الطلب بمعنى أَنَّه لا حرج على المسافر في قصر الصلاة وترك الجمعة، فالحرج مرفوع عن ترك العزيمة ميلًا للرخصة، لا رفعًا لأصل الطلب في هذه العبادات. * * *

стр. 162

المطلب الثالث حكم المانع ينظر في حكم المانع من جهتين: من جهة أثره، ومن جهة طلبه من الشرع. أَمَّا من جهة أثره: فالأصل عدم المانع، فمن ادعى وجوده فعليه البينة عند التقاضي (١)، ومتى تحقق المانع انتفى الحكم سواء كان المانع مانعًا للحكم أَمْ مانعًا للسبب، فعدم المانع شرط في ثبوت الحكم لا أَنَّ الحكم يتوقف عليه، ولا يلزم من تحقق عدم المانع ثبوت الحكم (٢). والمنع لا يتقدم المانع (٣). وأَمَّا من جهة طلبه من الشرع: فالموانع ليست مقصودة للشرع

стр. 163

بفعل ولا ترك من حيث هي، فلا يقصد الشرع من المكلف تحصيلها ولا رفعها، كمنع الدَّين للزكاة، فلا يطلب من المكلف رفع الدين لتجب عليه الزكاة، كما أَنَّ مالك النِّصَاب لا يطلب منه الاستدانة حتى تسقط عنه الزكاة، لكن إذا قصد المكلف الِإتيان بالمانع حيلة لإِسقاط حكم السبب فهذا القصد ممنوع والعمل معه باطل، وذلك كمن استدان بلا حاجة لإِسقاط الزكاة عنه، فلا تسقط بذلك (١). * * *

стр. 164

الفصل الثاني الحكم التكليفي وفيه تمهيد، وسبعة مباحث: التمهيد: أقسام الحكم التكليفي، ونشأته مصطلحًا. المبحث الأول: الوجوب. المبحث الثاني: الندب. المبحث الثالث: الحرمة. المبحث الرابع: الكراهة. المبحث الخامس: الإِباحة. المبحث السادس: الصِّحَّة. المبحث السابع: البطلان.

стр. 165

التمهيد أقسام الحكم التكليفي وإطلاقات أقسامه ونشأته مصطلحًا

стр. 166

سبق تعريف الحكم التكليفي بأَنَّه: مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً، أَوْ تخييرًا، أَوْ صِحَّةً، أَوْ فسادًا (١). أقسام الحكم التكليفي: ينقسم الحكم التكليفي من جهة ما يقتضيه خطاب الشرع إلى سبعة أقسام، هي (٢): ١ - الوجوب. ٢ - الندب. ٣ - الحرمة. ٤ - الكراهة. ٥ - الإِباحة. ٦ - الصِّحَّة. ٧ - البطلان.

стр. 167

وقد راعيت في التقسيم اتساقه مع ما رجحته من تعريف الحكم من أَنَّه: مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً، أَوْ تخييرًا، أَوْ وضعًا (١)، وهو تعريف الفقهاء للحكم. إطلاقات أقسام الحكم التكليفي: تتعدد إطلاقات أقسام الحكم التكليفي من جهة المراد بالإِطلاق إلى ثلاثة إطلاقات، هي (٢): الِإطلاق الأول: إطلاق أقسام الحكم التكليفي من جهة الفعل الذي تعلَّق به خطاب الشرع واتصف بالأثر، وهذا الإِطلاق هو: الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والمحرّم، والصحيح، والباطل. الإِطلاق الثاني: إطلاق أقسام الحكم التكليفي من جهة الخطاب الشرعيّ نفسه. وهو المراد عند الأصوليين. وهو: الإِيجاب، والندب، والإِباحة، والكراهة، والتحريم، والصحة، والبطلان. الإِطلاق الثالث: إطلاق أقسام الحكم التكليفي من جهة اتّصاف الفعل بالأثر الذي يقتضيه الخطاب الشرعي.

стр. 168

وهو المراد عند الفقهاء. وهو: الوجوب، والندب، والإِباحة، والكراهة، والحرمة، والصحة، والبطلان. وهذا الأخير هو الذي سرنا عليه في التقسيم. وهناك فرق بين الإِيجاب والوجوب والواجب، والندب والمندوب، والتحريم والحرمة والحرام، والكراهة والمكروه، والإِباحة والمباح، والصِّحَّة والصَّحِيح، والبطلان والباطل. فالإِيجاب هو نفس خطاب الشرع بالطلب الجازم، وهو مصطلح الأصوليين، والأثر الذي ترتب على الإِيجاب واتصف به الفعل هو الوجوب، وهو مصطلح الفقهاء، والفعل الذي تعلق به الإِيجاب واتصف بالوجوب هو الواجب. والندب هو نفس خطاب الشرع بالطلب غير الجازم، وهو مصطلح الأصوليين، والأثر الذي ترتب على الندب واتصف به الفعل هو الندب - أيضًا -، وهو مصطلح الفقهاء، والفعل الذي تعلق به الندب واتصف بالندب هو المندوب. والتحريم هو نفس خطاب الشرع بالطلب الجازم للترك، وهو مصطلح الأصوليين، والأثر الذي ترتب على التحريم واتصف به الفعل هو الحرمة، وهو مصطلح الفقهاء، والفعل الذي تعلق به التحريم واتصف بالحرمة هو المُحَرَّم أَوْ الحرام.

стр. 169

والكراهة هي نفس خطاب الشرع بالطلب غير الجازم للترك، وهو مصطلح الأصوليين، والأثر الذي ترتب على الكراهة واتصف به الفعل هو الكراهة - أيضًا -، وهو مصطلح الفقهاء، والفعل الذي تعلق به الكراهة واتصف بالكراهة هو المكروه. والإِباحة هي نفس خطاب الشرع المخير بين الفعل والترك، وهو مصطلح الأصوليين، والأثر الذي ترتب على الإِباحة واتصف به الفعل هو الإِباحة - أيضًا -، وهو مصطلح الفقهاء، والفعل الذي تعلق به الإِباحة واتصف بالإِباحة هو المباح (١). وهكذا يقال في الصِّحَّة والبطلان؛ فالصِّحَّة هي نفس خطاب الشرع المقتضي لذلك، وهو مصطلح الأصوليين، والأثر الذي ترتب على الصِّحَّة واتصف به الفعل هو الصِّحَّة - أيضًا -، وهو مصطلح الفقهاء، والفعل الذي تعلق به الصِّحَّة واتصف بالصِّحَّة هو الصَّحِيح. والبطلان هو نفس خطاب الشرع المقتضي لذلك، وهو مصطلح الأصوليين، والأثر الذي ترتب على البطلان واتصف الفعل به هو البطلان - أيضًا -، وهو مصطلح الفقهاء، والفعل الذي تعلق به البطلان واتصف بالبطلان هو الباطل. وفي الصِّحَّة والبطلان وإدخالهما في الحكم التكليفي خلاف

стр. 170

سوف يأتي في موضعه عند الحديث عنهما في المطلب السادس من هذا الفصل - إن شاء الله -. نشأة اصطلاحات أقسام الحكم التكليفي: إنَّ ظهور اصطلاح أقسام الحكم التكليفي من الواجب والمندوب ... إلخ، جاء متأخرًا عن الصدر الأول، فقد ظهر ذلك عند تدوين الفقه وأصوله، لكن معظم هذه الاصطلاحات والأسماء كانت مستعملة في حدود معناها اللغوي، واستعملت في لسان الشرع كتابًا وسنة بهذا المعنى اللغوي العام، فلما دونت العلوم - ومنها علم الفقه وأصوله - ظهرت الضرورة إلى تقسيم الحكم وتحديد أقسامه بمعان اصطلاحية ليدخل تحت كل نوع ما يناسبه من فروع فقهية، فقام العلماء عن طريق السبر والتقسيم بتَتَبُّعِ نُصوص الشريعة وأحكامها الفقهية ووجدوها لا تخرج عن هذه الأقسام، فقرروها وارتضوا هذه الاصطلاحات حتى صارت أعلامًا على مدلولاتها (١). * * *

стр. 171

المبحث الأول الوجوب وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريف الوجوب. المطلب الثاني: الصيغ والأساليب المقتضية للوجوب. المطلب الثالث: حقيقة الوجوب وأثره.

стр. 172

المطلب الأول تعريف الوجوب الوجوب لغة: من الفعل (وجب)، وهو يطلق في اللغة على معان منها: السقوط، ومنه قوله - تعالى -: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]، أي: سقطت على الأرض. ومنها اللزوم والثبوت، فيقال: وجب البيع وجوبًا ووِجبَةً أيْ لزم وثبت (١). والوجوب اصطلاحًا: مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بطلب الفعل على وجه الجزم (٢). فخطاب الشرع هو الدليل، مثل قوله - تعالى -: ﴿وَأَقِيمُوا

стр. 173

﴿الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣, ١١٠]، والأثر المترتب على هذا الدليل وجوب الصلاة، وهو مقتضي هذا الخطاب. وخرج بهذا التعريف سائر أقسام الحكم التكليفي؛ لأَنَّها ليست طلبًا على وجه الجزم. * * *

стр. 174

المطلب الثاني الصغ والأساليب المقتضية للوجوب لتقرير الوجوب من أدلة الشرع صيغ وأساليب تعود إلى الأمر المطلق إذا تجرد عن القرائن الصارفة له عن الوجوب، وصيغ الأمر وأساليبه الأصلية هي (١): ١ - فعل الأمر، مثل قوله - تعالى -: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣, ١١٠]. ٢ - الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، مثل قوله - تعالى -: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]. ٣ - اسم فعل الأمر، مثل قوله - تعالى -: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].

стр. 175

٤ - المصدر النائب عن فعل الأمر، مثل قوله - تعالى -: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]. ٥ - تصريح نُصُوص الشرع بلفظ الأمر، كقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]. ٦ - التصريح بلفظ الإِيجاب، والفرض، والكَتْب، ولفظة: على، أَوْ لفظة: حق على العباد، أَوْ حق على المؤمنين، ونحو ذلك مما دَلَّ على الوجوب واللزوم في الطلب. مثل قوله - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. ومثل قوله - تعالى -: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. ومثل قوله ﷺ : "أيها الناس، إنَّ الله فرض عليكم الحج فحجوا" (١). ٧ - ترتيب الذم على المخالفة، أَوْ إحباط العمل، أَوْ تسمية المخالف والفاعل عاصيًا، أَوْ ترتيب العقاب على المخالفة عاجلًا أَوْ آجلًا؛ مثل قوله - تعالى -: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. * * *

стр. 176

المطلب الثالث حقيقة الوجوب وأثره الوجوب حكم شرعي، وهو كما مرَّ: مقتضي خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بطلب الفعل على وجه الجزم. فعلى هذا فإنَّ الوجوب حكم بلزوم الفعل وهذه هي حقيقته. أَمَّا أثره فإنَّه يثاب فاعل الواجب امتثالًا، ويستحق تاركه العقاب، ولو كنفقة زوجة ونحوه؛ لأَنَّ من أدى الواجب فقد أدى ما ألزم به الشرع، واستحق فاعله الثواب وتاركه العقاب (١). * * *

стр. 177

المبحث الثاني الندب وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريف الندب. المطلب الثاني: الصيغ والأساليب المقتضية للندب. المطلب الثالث: إطلاقات الندب وحقيقته وأثره وعدم دخول الحكم القضائي فيه.

стр. 178

المطلب الأول تعريف الندب الندب لغة: مأخوذ من (ندب)، فيقال: ندب فلانًا إلى الأمر دعاه، وندبته دعوته (١)؛ قال الآمدي (ت: ٦٣١ هـ) عن الندب لغة بأَنَّه: "الدعاء إلى أمر مهم" (٢)، قال الطوفي (ت: ٧١٦ هـ): "وهو أنسب وأشهر في كلام العرب وأغلب" (٣). أَمَّا الندب اصطلاحًا: فهو مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بطلب الفعل على غير وجه الجزم (٤)؛ وذلك مثل مقتضى ما دَلَّ عليه قوله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ

стр. 179

بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] مع قوله في الآية بعدها: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. فقد دَلَّتا على الندب وذلك بالأمر بالكتابة من غير إلزام، فقد صرفت الآية الثانية مقتضى الطلب الأصلي على وجه الجزم في الآية الأولى إلى الطلب من غير جزم (١). وخرج بهذا التعريف سائر أقسام الحكم التكليفي. * * *

стр. 180

المطلب الثاني الصيغ والأساليب المقتضية للندب لتقرير الندب من أدلة الشرع صيغ وأساليب تعود في مجملها إلى الأمر من غير إلزام في أصل الصيغة، أَوْ لقرينة خارجة تقتضي ذلك، ومن ذلك (١): ١ - صيغة الأمر إذا رافقتها قرينة تصرفها عن الوجوب إلى الندب، كما في المثال الذي ذكرناه عند شرح التعريف. ٢ - تصريح نُصُوص الشرع بالندب، أَوْ أحد مرادفاته الشرعية، وكل ما دَلَّ على الطلب من غير جزم. * * *
следующие страницы →