المطلب الثالث حقيقة الوجوب وأثره
الوجوب حكم شرعي، وهو كما مرَّ: مقتضي خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بطلب الفعل على وجه الجزم.
فعلى هذا فإنَّ الوجوب حكم بلزوم الفعل وهذه هي حقيقته.
أَمَّا أثره فإنَّه يثاب فاعل الواجب امتثالًا، ويستحق تاركه العقاب، ولو كنفقة زوجة ونحوه؛ لأَنَّ من أدى الواجب فقد أدى ما ألزم به الشرع، واستحق فاعله الثواب وتاركه العقاب (١).
* * *
стр. 177
المبحث الثاني الندب
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الندب.
المطلب الثاني: الصيغ والأساليب المقتضية للندب.
المطلب الثالث: إطلاقات الندب وحقيقته وأثره وعدم دخول الحكم القضائي فيه.
стр. 178
المطلب الأول تعريف الندب
الندب لغة: مأخوذ من (ندب)، فيقال: ندب فلانًا إلى الأمر دعاه، وندبته دعوته (١)؛ قال الآمدي (ت: ٦٣١ هـ) عن الندب لغة بأَنَّه: "الدعاء إلى أمر مهم" (٢)، قال الطوفي (ت: ٧١٦ هـ): "وهو أنسب وأشهر في كلام العرب وأغلب" (٣).
أَمَّا الندب اصطلاحًا: فهو مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بطلب الفعل على غير وجه الجزم (٤)؛ وذلك مثل مقتضى ما دَلَّ عليه قوله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ
стр. 179
بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] مع قوله في الآية بعدها: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
فقد دَلَّتا على الندب وذلك بالأمر بالكتابة من غير إلزام، فقد صرفت الآية الثانية مقتضى الطلب الأصلي على وجه الجزم في الآية الأولى إلى الطلب من غير جزم (١).
وخرج بهذا التعريف سائر أقسام الحكم التكليفي.
* * *
стр. 180
المطلب الثاني الصيغ والأساليب المقتضية للندب
لتقرير الندب من أدلة الشرع صيغ وأساليب تعود في مجملها إلى الأمر من غير إلزام في أصل الصيغة، أَوْ لقرينة خارجة تقتضي ذلك، ومن ذلك (١):
١ - صيغة الأمر إذا رافقتها قرينة تصرفها عن الوجوب إلى الندب، كما في المثال الذي ذكرناه عند شرح التعريف.
٢ - تصريح نُصُوص الشرع بالندب، أَوْ أحد مرادفاته الشرعية، وكل ما دَلَّ على الطلب من غير جزم.
* * *
стр. 181
المطلب الثالث إطلاقات الندب وحقيقته وأثره وعدم دخول الحكم القضائي فيه
إطلاقات الندب:
هناك ألفاظ مرادفة للندب، هي: السنة، والمستحب، والتطوع، والطاعة، والنفل، والقربة، والمرغب فيه، والإِحسان (١).
حقيقة الندب وأثره:
ظاهر من تعريف الندب أَنّه حكم شرعي بطلب الفعل لكن على غير وجه الجزم، وهذه حقيقته.
وأَمَّا أثره فإنَّ المندوب يثاب فاعله امتثالًا، ولا يعاقب تاركه؛ لأَنَّ الأمر به على غير وجه الجزم (٢).
стр. 182
عدم دخول الحكم القضائي في الندب:
إنَّ الحكم القضائي لا يكون في الندب؛ نظرًا لأَنَّ الأمر به على غير وجه الجزم، وهو يخالف الحكم القضائي الذي يقتضي الِإلزام.
وأَمَّا الفتيا فتجري في الندب؛ لأَنَّه لا إلزام فيها (١).
* * *
стр. 183
المبحث الثالث الحرمة
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الحرمة.
المطلب الثاني: الصيغ والأساليب المقتضية للحرمة.
المطلب الثالث: إطلاقات الحرمة وحقيقتها وأثرها وحكم المنهي عنه.
стр. 184
المطلب الأول تعريف الحرمة
الحرمة لغة: مأخوذ من حرم الشيء (حُرْمًا) و (حُرُمًا) امتنع فعله (١).
والحرمة اصطلاحًا: مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بطلب الكف على وجه الجزم (٢).
فخرج بقوله: "طلب الكف على وجه الجزم": سائر الأحكام التكليفية.
ومثال الحرمة: ما دَلَّ عليه قوله -تعالى-: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإِسراء: ٢٣] , فمقتضى هذا الخطاب وما دَلَّ عليه هو حرمة قول الأُفّ للوالدين أَوْ أحدهما.
* * *
стр. 185
المطلب الثاني الصيغ والأساليب المقتضية للحرمة
لتقرير الحكم بالحرمة من أدلة الشرع صيغ وأساليب مختلفة تَدُلُّ عليها منها (١):
١ - صيغة النهي المطلقة عما يصرفها عن حقيقتها إلى معان أخرى، فهي في الأصل للتحريم، وذلك كقوله -تعالى-: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإِسر اء: ٢٣].
٢ - لفظ التحريم والحظر ومشتقاتهما، وذلك مثل قوله -تعالى-: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣].
٣ - التصريح بعدم الجواز ونفي الحل، وذلك مثل قوله -تعالى-: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩].
٤ - الوعيد على الفعل، وذم الفاعل، وترتيب العقوبة من
стр. 186
الشرع على الفعل؛ وذلك بأَنْ يذكر الشرع فعلًا، ثم يرتب عليه عقوبة وذلك كقوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
٥ - وصف الفعل بأَنَّه فساد، أَوْ أَنَّه من تزيين الشيطان وعمله، أَوْ أَنَّ الله لا يحبه، أَوْ أَنَّ الله لا يرضاه لعباده، أَوْ لا يزكي فاعله، أَوْ لا يكلمه ولا ينظر إليه، ونحو ذلك.
* * *
стр. 187
المطلب الثالث إطلاقات الحرمة وحقيقتها وأثرها وحكم المنهي عنه بالحرمة
إطلاقات الحرمة:
هناك ألفاظ إذا اطلقت دَلَّت على الحرمة، وهي:
الحظر، والمنع، والزجر، والمعصية، والذنب، والقبيح، والسيئة، والفاحشة، والإِثم، والحرج، والعقوبة (١).
حقيقة الحرمة وأثرها:
الحرمة حكم شرعي يلزم بموجبه الكف عن الفعل؛ فالحرمة حكم بالنهى عن الفعل، وهذه حقيقتها.
وأَمَّا أثرها فإنَّه يثاب تارك المحرم امتثالًا ويستحق العقاب فاعله.
стр. 188
حكم المنهي عنه بالحرمة:
والقاعدة في مذهب الحنابلة في المنهى عنه بالحرمة، هل يكون باطلًا أَوْ صَحِيحًا مع التحريم؟ على التفصيل الآتي (١):
١ - إذا كان النهي بالحرمة عائدًا إلى ذات المنهي عنه أَوْ شرطه، فيكون باطلًا سواء كان في العبادات أَمْ المعاملات.
مثال النهي العائد إلى ذات المنهي عنه في المعاملات: النهي عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني ممن تلزمه الجمعة.
ومثال النهي العائد إلى شرطه في المعاملات: النهي عن بيع الحمل في البطن، فالعلم بالمبيع شرط لصِحَّة البيع، فإذا باع الحمل لم يَصِحّ البيع؛ لعود النهي إلى شرطه.
٢ - إذا كان النهي بالحرمة عائدًا إلى أمر خارج لا يتعلق بذات المنهي عنه ولا شرطه، فلا يكون باطلًا سواء في العبادات أَمْ في المعاملات، مثال ذلك: النهي عن تلقي الركبان، فمن تلقى الركبان، واشترى منهم لم يبطل العقد؛ لأَنَّ النهي لا يعود إلى ذات البيع ولا إلى شرطه، ولذا يثبت للبائع الخيار (٢).
стр. 189
وهكذا ما نهي عنه من البيوع لما فيها من ظلم أحد الطرفين للآخر، كبيع المصراة، والمعيب، والنجش، ونحو ذلك؛ فإنَّها صَحِيحة غير لازمة، والخيرة فيها إلى المظلوم بعد علمه بالحال، وإذا علم بالحال في ابتداء العقد، مثل أَنْ يعلم بالعيب والتدليس والتصرية، ويعلم السعر إذا كان قادمًا بالسلعة ويرضى بالغبن -جاز ذلك؛ لأَنَّ الحق فيها للعبد، وليس لله كالنهي عن موجبات الحدود التي هي حق خالص لله ليس للعبد الرضا بها ولا التنازل عن الحد فيها (١).
* * *
стр. 190
المبحث الرابع الكراهة
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الكراهة.
المطلب الثاني: الصيغ والأساليب المقتضية للكراهة.
المطلب الثالث: إطلاق حكم الكراهة وحقيقة الكراهة وأثرها وعدم دخول الحكم القضائي فيها.
стр. 191
المطلب الأول تعريف الكراهة
الكراهة في اللغة: من (كَرِهَ) خلاف الرضا والمحبة (١)، فالمكروه ضد المحبوب فيقال: كَرَّهْتُ إليه الشيء تكريهًا، ضد حببته إليه (٢).
والكراهة اصطلاحًا: مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بطلب الترك على غير وجه الجزم (٣).
فكون "الطلب بالترك على غير وجه الجزم" يخرج سائر الأحكام التكليفية.
ومثال الحكم بالكراهة: مقتضى الجمع بين الخبرين أحدهما قوله ﷺ فيما رواه كعب بن عجرة ﵁: "إذا توضأ
стр. 192
أحدكم، ثم خرج عامدًا إلى المسجد، فلا يشبكن بين أصابعه فإنَّه في صلاة" (١)، وبين ما ثبت في صَحِيح البخاري في خبر ذي اليدين من حديث أبي هريرة: "أنّه ﷺ شَبَّك بين أصابعه في المسجد" (٢)؛ فالحديث الأول دَلَّ ظاهره على التحريم، وحديث ذي اليدين صرف ذلك إلى الكراهة (٣).
* * *
стр. 193
المطلب الثاني الصيغ والأساليب المقتضية للكراهة
لتقرير الحكم بالكراهة من أدلة الشرع صيغ وأساليب تَدُلُّ عليها، منها ما يلي (١):
١ - النهي إذا حفت به قرائن تصرفه عن الجزم أَوْ الحرمة إلى الكراهة، وذلك كالمثال الذي ذكرناه عند شرح تعريف الكراهة.
٢ - كل لفظ أَوْ صيغة تَدُلُّ على النهي من غير جزم، وذلك كالبُغْض وما يشتق منه، وكصيغة: "نُهينا عن كذا ولم يعزم علينا"، ولفظة: "أَمَّا أنا فلا أفعل"، ونحو ذلك من الصيغ والأساليب التي تَدُلُّ على الكراهة دون التحريم.
* * *
стр. 194
المطلب الثالث إطلاق حكم الكراهة وحقيقتها وأثرها وعدم دخول الحكم القضائي فيها
إطلاق حكم الكراهة:
الأصل عند الجمهور أَنَّ إطلاق حكم الكراهة للتنزيه لا للتحريم، وقد تطلق الكراهة عندهم على الحرمة، ويحدد ذلك القرائن، وذلك مثل قول الِإمام أحمد (ت: ٢٤١ هـ): "أكره المتعة والصلاة في المقابر"، وهما محرَّمان.
أمَّا الحنفية فإنَّهم إذا أطلقوا لفظ الكراهة انصرف هذا اللفظ غالبًا إلى كراهة التحريم (١).
وقد ورد المكروه بمعنى المحرَّم في سياق النهي عن عدد من المحرمات من قتل الأولاد، والزنى، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم،
стр. 195
والمشي في الأرض مرحًا، في قوله -تعالى-: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ [الإسراء: ٣٨] أي: محرَّمًا (١).
ويقال لفاعل المكروه: مخالف، ومسيء، وغير ممتثل مع أَنَّه لا يذم فاعله شرعًا، ولا يأثم على الأَصَحِّ؛ قال الِإمام أحمد فيمن زاد على التشهد الأول: "أساء" (٢).
حقيقة الكراهة وأثرها:
الكراهة حكم شرعي تكليفي، يؤمر المكلف بموجبه بالكف عن الفعل من غير جزم، وهذه حقيقية الكراهة.
وأَمَّا أثرها فإنَّه يثاب تارك المكروه امتثالًا، ولا يعاقب فاعله (٣).
عدم دخول الحكم القضائي في الكراهة:
إنَّ الكراهة لا يدخلها الحكم القضائي؛ لأَنَّها نهي على غير وجه الجزم، والقضاء جزم وإلزام، أَمَّا الفتيا فتدخل الكراهة، لأَنَّه لا إلزام فيها (٤).
* * *
стр. 196
المبحث الخامس الإِباحة
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الإِباحة.
المطلب الثاني: الصيغ والأساليب المقتضية للإِباحة.
المطلب الثالث: إطلاقات الإِباحة وحقيقتها وأثرها ودخول الحكم القضائي فيها.
стр. 197
المطلب الأول تعريف الِإباحة
الِإباحة في اللغة: أصلها (بَوَحَ)، وهي: سعة الشيء وبروزه وظهوره (١)؛ قال ابن فارس (ت: ٣٩٥ هـ): "ومن هذا الباب، إباحة الشيء؛ وذلك أَنَّه ليس بمحظور عليه، فأمره واسع غير ضيق" (٢).
والِإباحة اصطلاحًا: مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال
المكلفين على وجه التخيير بين الفعل والترك (٣).
ويخرج بقيد: "على وجه التخيير بين الفعل والترك": سائر الأحكام التكليفية؛ فإنَّه لا تخيير فيها بين الفعل والترك.
ومثال الحكم بالِإباحة: ما اقتضاه الجمع بين الآيتين قوله
стр. 198
-تعالى-: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] , وقوله - تعالي-: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] , فالأمر بالاصطياد في هذه الآية للإِباحة، لوقوعه بعد الحظر المستفاد من الآية الأولى (١).
* * *
стр. 199
المطلب الثاني الصيغ والأساليب المقتضية للإِباحة
لتقرير الحكم بالإِباحة من أدلة الشرع صيغ وأساليب تَدُلُّ عليها، من ذلك ما يلي (١):
١ - النَّصّ على الحل وما في معناه من الإِذن والتخيير، والإِخبار بأَنَّه معفو عنه، مثل قوله -تعالى-: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].
٢ - اسْتِصْحَاب أصل الحل والِإباحة، ذلك أَنَّ الأصل في الأشياء الحل والِإباحة؛ لقوله -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] , فإذا لم يرد عن الشرع طلب فعل الشيء بوجوب أَوْ استحباب، ولا طلب الكف عنه من حرمة أَوْ كراهة، فهو على أصل الحل والِإباحة.
стр. 200
٣ - نفي الجناح وما في معناه من نفي الإِثم والمؤاخذة، مثل قوله -تعالى-: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] , فدَلَّت الآية على أَنَّه يباح للحاج التجارة ونحوها من الأعمال التي يحصل بها شيء من الرزق.
٤ - نفي الحرج إذا لم تَدُلَّ قرينة على خروجه عن هذا المعنى، وذلك مثل قوله -تعالى-: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١].
٥ - صيغة الأمر إذا دَلَّت القرينة على صرفها عن الوجوب أَوْ الندب إلى الِإباحة، وذلك كقوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] , فقد دَلَّت القرينة، وهي قوله -تعالى- في النهي عن الاصطياد: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] على الِإباحة؛ لأَنَّ الأمر بعد النهي يَدُلُّ على الإِباحة.
٦ - الإِقرار على فعله في زمن الوحي، وذلك مثل العزل الذي قال جابر ﵁ فيه: "كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك نبي الله ﷺ ، فلم ينهنا" (١).
* * *
стр. 201
المطلب الثالث إطلاقات الإِباحة وحقيقتها وأثرها ودخول الحكم القضائي عليها
إطلاقات الإِباحة:
للإِباحة إطلاقات لها معان مختلفة عند العلماء، وهي (١):
١ - يطلق المباح على المأذون والجائز، وهو إطلاق عام قد يراد به الِإباحة، وهي التخيير بين الفعل والترك -كما سبق في التعريف-، وقد يراد به ما يقابل الممنوع والمحظور، فيشمل الواجب والمندوب باعتبار أَنَّ كلًّا منهما مأذون بفعله.
٢ - ويطلق على ما سكت عنه الشرع، ولم يظهر فيه حكم خاص، وذلك فيما الأصل فيه الإِباحة، ويقال له العفو، وهو لا يخرج عن معنى الإِباحة الاصطلاحية؛ ولذا يقال: الأصل في العقود والشروط الحِلّ والإِباحة.
стр. 202
٣ - ويطلق على ما صرح فيه الشرع بالتسوية بين الفعل والترك، وهو المراد هنا.
تنبيه: يسمى المباح طِلْقًا وحلالًا (١).
حقيقة الإِباحة وأثرها:
الإِباحة حكم شرعي يقرر تخيير المكلف بين إتيان الفعل أَوْ تركه على وجه التساوي، وهذه حقيقتها.
أَمَّا أثرها فلا يمدح فاعل المباح، ولا يذم تاركه، وهذا إذا لم تحف به موجبات أخرى تنقله إلى الوجوب، أَوْ الندب، أَوْ التحريم، أَوْ الكراهة.
فمثال ما انتقل فيه من الإِباحة إلى الوجوب: الأكل والشرب؛ فالأصل فيهما الإِباحة، لكن إذا كان تركهما يضر بالإِنسان وجبا عليه.
ومثال ما انتقل فيه من الإِباحة إلى الندب: ما مثَّل به الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) من أَنَّ التمتع بشيء زائد على الحاجة في المأكل والمشرب والملبس من غير إسراف ولا مخيلة- فإنَّه مندوب إليه وإن كان الأصل في تلك الأشياء الإِباحة؛ لعموم الأدلة المرغبة في أَنْ تُرَى على العبد آثار نعمة الله.
стр. 203
قلت: وذلك إذا اقترنت بها نية العبد في إظهار آثار نعمة الله عليه.
ومثال ما انتقل فيه من الإِباحة إلى الحرمة: المباحات التي تؤدي المداومة عليها إلى القدح في العدالة؛ لأَنَّ صاحبها خرج بالمداومة عليها عن هيئات أهل العدالة إلى التشبه بالفساق وإن لم يكن كذلك.
ومثال ما انتقل فيه من الإِباحة إلى الكراهة: استغراق الِإنسان في المباح بحيث يلهيه عن فعل المستحبات، أَوْ يوقعه في فعل المكروهات (١).
ومثَّل له الشاطبي: بالتنزه في البساتين، وسماع تغريد الحمام، ونحو ذلك؛ فإنَّ هذه الأشياء مباحة في الأصل إذا فعلها الإِنسان مرة من المرات أَوْ حاله من الحالات، لكن إذا داوم عليها تكون مكروهة (٢).
قلت: وذلك مقيد بما إذا فوتت عليه أمرًا مستحبًا، أَوْ جلبت له أمرًا مكروهًا.
دخول الحكم القضائي في الإِباحة:
والحكم بالإِباحة يدخله الحكم القضائي إذا كانت الواقعة مما يتعين فيها الِإباحة وعدم الحجر، أَوْ الِإطلاق، وذلك مثل حكم
стр. 204
القاضي بإباحة الصيد البري لصائده، كما تدخله الفتيا (١).
فائدة: في الحكم الأصلي والحكم العارض:
ما ذكرناه من انتقال المباح إلى غيره من الأحكام لا يخص المباح وحده، بل يعم ذلك الحرمة والوجوب، والكراهة والاستحباب؛ فاقتضاء الأدلة للأحكام بالنسبة إلى محالها على وجهين: أصلي، وعارض.
فالاقتضاء الأصلي قبل طروء العوارض، وهو الواقع على المحل مجردًا عن التوابع والإِضافات، كالحكم بإباحة الصيد، والبيع، والإِجارة، وسن النكاح، وندب الصدقات غير الزكاة، وما أشبه ذلك.
والاقتضاء التبعي وهو الواقع على المحل مع اعتبار التوابع والإِضافات، كالحكم بإباحة النكاح لمن لا إرب له في النساء، ووجوبه على من خشي العنت، وكراهية الصيد لمن قصد به اللهو (٢).
* * *
стр. 205
المبحث السادس الصِّحَّة
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الصِّحَّة.
المطلب الثاني: الخلاف في الاعتداد بالصِّحَّة حكمًا تكليفيًّا.
المطلب الثالث: المصطلحات المشابهة لِلصِّحَّة.
المطلب الرابع: حقيقة الصِّحَّة ودخول الحكم القضائي فيها.
стр. 206
المطلب الأول تعريف الصِّحَّة
الصِّحَّة في اللغة: تستعمل في الأصل للدلالة على البراءة من المرض والعيب وعلى الاستواء، ومن ذلك صِحَّة البدن (١)، وهي حالة طبيعية تجري أفعال البدن معها على المجرى الطبيعي، ثم استعيرت للمعاني؛ فيقال: صلاة صَحِيحة إذا أسقطت القضاء، وصَحَّ العقد إذا ترتبت عليه آثاره (٢).
أَمَّا الصِّحَّة اصطلاحًا فقد عرفت بتعاريف عديدة؛ منها تعريف المرداوي (ت: ٨٨٥ هـ)، فقد قال: "الصِّحَّة مطلقًا ترتب الأثر المطلوب من الفعل عليه" (٣)، فعلى هذا التعريف تكون صِحَّة الشيء باستجماعه لكافة شروطه وأركانه وارتفاع موانعه (٤).
стр. 207
لكن هذا التعريف إنَّما هو تعريف لِلصِّحَّة بأثرها, ولا يحدد ماهيتها من حيث هي حكم؛ ولذا يظهر لي تعريفها بأَنَّها:
"مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بترتب الأثر المقصود من الفعل عليه".
فقولي: "مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين" سبق بيانه عند شرح تعريف الحكم (١).
وقولي: "بترتب الأثر المقصود من الفعل عليه" قيد يحدد المعرف ويخرجه عن غيره من الأحكام الشرعية التكليفية.
* * *
стр. 208
المطلب الثاني الخلاف في الاعتداد بالصِّحَّة حكمًا تكليفيًّا
الصِّحَّة ومثلها البطلان من الأحكام الشرعية، ولكن هل هي من مُعَرِّفَات الحُكْم (الأحكام الوضعية)؟ أَوْ هي من الأحكام التكليفية التي تترتب على الأحكام الوضعية؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال، هي:
القول الأول: أَنَّ الصِّحَّة والبطلان من الأحكام العقلية ولا علاقة لها بالأحكام الشرعية، وبذلك قال جماعة من الأصوليين، منهم ابن الحاجب المالكي (١) (ت: ٦٤٦ هـ)، قال العضد (ت: ٧٥٦ هـ): "هذا القول متعلق بالعبادات لا المعاملات" (٢).
واستدلوا: بأَنَّ العقل هو الذي يستقل بإدراك موافقة الفعل
стр. 209
للشرع في الصِّحَّة أَوْ الخلل فيه في الفساد، فهو الذي يحكم بالصِّحَّة حال الموافقة باستكمال أسباب الشيء وأركانه وشروطه وانتفاء موانعه كما يحكم ببطلانه إذا حصل خلل في شيء من ذلك (١).
القول الثاني: أَنَّ الصِّحَّة والبطلان من الأحكام الوضعية، وبذلك قال جماعة من العلماء، وهو قول أكثر الحنابلة (٢).
واستدلوا: بأَنَّ الحكم بالصِّحَّة والبطلان لا يكون إلَّا عن طريق خطاب الشرع، وخطاب الشرع بالحكم بعَدِّ الشيء صَحِيحًا أَوْ باطلًا أمرٌ زائد على خطابه بالحكم بالاقتضاء أَوْ التخيير، فهما (في الصِّحَّة والبطلان) من الأحكام وليسا داخلين في الاقتضاء والتخيير؛ لأَنَّ الحكم بصِحَّة العبادة أَوْ المعاملة، أَوْ بطلانهما لا يفهم منه اقتضاء ولا تخيير؛ لأَنَّ الأحكام الشرعية التكليفية تبنى عليها، فكانا من خطاب الوضع (٣).
القول الثالث: أَنَّ الصَحَّة والبطلان من الأحكام التكليفية، وهذا قول كثير من المحققين، كما يقوله التفتازاني الشافعي (٤)
стр. 210
(ت: ٧٩٢ هـ)، وهو ظاهر كلام ابن الجوزي (ت: ٦٥٦ هـ) من الحنابلة، فقد قال: "وأَمَّا الحكم في الدليل القياسي فالقضاء بالصِّحَّة، والبطلان، أَوْ الفساد، أَوْ الوجوب، أَوْ التحريم، إلى غير ذلك" (١).
واستدلوا: بأَنَّه لا يمكن الحكم على الشيء بالصحَّة أَوْ البطلان إلَّا عن طريق خطاب الشرع، وخطاب الشرع بالصِّحَّة يعني إباحة الانتفاع بالمبيع للمشتري مثلًا، وإيجاب دفع الثمن وتسليم المثمن (٢).
الترجيح:
والذي أرجحه هو القول الثالث؛ لما يلي:
١ - قوة ما استدَلَّ به قائلوه.
٢ - أَنَّ الحكم بالصِّحَّة مرتب على تحقق الأسباب والشروط وانتفاء الموانع، كما أَنَّ الحكم بالبطلان مرتب على تحقق المانع، أَوْ انتفاء الشروط، وهذا شأن الحكم الكلي التكليفي لا الوضعي، فالحكم الوضعي معرف للحكم التكليفي ومؤثر فيه، والحكم التكليفي مرتب عليه وهو أثر له، وهذا هو شأن الصِّحَّة والبطلان مع الأسباب والشروط والموانع على نحو ما وصفنا، فكأَنَّ الشرع
стр. 211
قال مثلًا: إنَّه إذا وقع عقد البيع بشروطه وانتفاء موانعه فإنَّه عقد صَحِيح يترتب عليه وجوب تسليم الثمن والمثمن والانتفاع بالمبيع، وهذا هو شأن الحكم التكليفي (١).
أَوْ كأَنَّ الشرع قرر: بأَنَّه إذا وقع العقد منخرم الشروط أَوْ بعضها فإنَّه باطل لا يترتب عليه أثره، وهكذا لو انخرمت بعض أركانه أَوْ وجدت موانعه.
تنبيه:
ذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى أَنَّ الصحَّة والفساد حكم وصفي لا وضعي ولا تكليفي وعَرَّفه بأَنَّه: خطاب الله -تعالى- المتعلق بوصف الشيء ذي الوجهين بموافقة أمر الشارع والفساد ضده، وأَنَّ هذا الحكم (الصِّحَّة والفساد) يحكم به على الأحكام الوضعية والأحكام التكليفية بموافقتها لأمر الشرع أَوْ مخالفتها له (٢).
وهذا مردود بما ذكرنا في ترجيح كونه حكمًا تكليفيًّا.
ولا يرد على ذلك أَنَّ لِلصِّحَّة والبطلان آثارًا تترتب عليها، ككون الصَّحِيح من البيع يجب فيه تسليم الثمن، وكون الباطل من
стр. 212
البيع يجب فيه رد المبيع لصاحبه البائع، ذلك بأَنَّ السبب المنتج لِلصِّحَّة له آثار؛ منها الصِّحَّة، ومنها وجوب تسليم الثمن، كما أَنَّ تخلف الشرط أَوْ وجود المانع له آثار، منها البطلان، ومنها وجوب إعادة المبيع لصاحبه البائع، وهكذا في ترتب عدة أحكام على السبب (١).
* * *
стр. 213
المطلب الثالث المصطلحات المشابهة لِلصِّحَّة
من المصطلحات المشابهة لمصطلح الصِّحَّة عند بعضهم ما يلي:
١ - النفوذ:
والنفوذ في اللغة: مأخوذ من نفوذ السهم إذا خرق الرمية وخرج منها، ومنه نفذ الأمر والقول إذا مضى (١).
قال بعضهم: النفوذ والصِّحَّة بمعنى، فهما مترادفان، فالعقد إذا أفاد المقصود المطلوب منه سمي ذلك نفوذًا، فإذا ترتب على العقد ما يقصد منه، مثل البيع إذا أفاد الملك ونحوه قيل له: صَحِيح ويعتد به، فالاعتداد بالعقد هو المراد بكونه نافذًا (٢).
وفرق بعض الأصوليين بين الصِّحَّة والنفوذ، قال الفتوحي (ت: ٩٧٢ هـ): "النفوذ تصرف لا يقدر على رفعه، كالعقود اللازمة
стр. 214
من البيع والِإجارة والوقف ونحوها إذا اجتمعت شروطها وانتفت موانعها، وكذلك العتق والطلاق والفسخ ونحوها" (١)، ومفهوم كلامه أَنَّ الصَّحِيح قد لا يكون نافذًا -أي لازمًا-، مثل البيع على شرط الخيار، ومثل الوصية معلقة على قبول الموصى له بعد وفاة الموصي، وهذا تفريق معتدّ به.
٢ - القبول في العبادة:
من الألفاظ المرادفة لِلصِّحَّة: القبول في العبادة، فلا يفارق الصِّحَّة في قبول ولا نفي.
وفي قول: بل القبول أخص من الصِّحَّة؛ إذ كل مقبول صَحِيح ولا عكس؛ فالمقبول هو الذي يحصل به الثواب، والصِّحَّة قد توجد في الفعل ولا ثواب فيه (٢).
قلت: وهذا تفريق معتدّ به.
* * *
стр. 215
المطلب الرابع حقيقة الصِّحَّة ودخول الحكم القضائي فيها
حقيقة الصِّحَّة:
لقد مَرَّ في المطلب الثاني ترجيح عدِّ الصِّحَّة حكمًا تكليفيًا، وهذا يعني أَنَّه في حقيقته مبني على مُعَرِّفَات الحُكْم، وجعله الشرع أثرًا لها، فإذا تحقق السبب تَامًّا بشروطه وانتفاء موانعه تحققت صِحَّة العبادات والمعاملات وأنتجت أثرها.
فالصَّحِيح من العبادات: ما أجزأ وأبرأ الذمة، وأسقط القضاء فيما فيه قضاء، وذلك بموافقة العبادة لأمر الشرع، بأَنْ تفعل مستجمعة لكل ما تتوقف صحتها عليه.
والصَّحِيح من المعاملات: ما ترتب عليه أثره، كعقد بيع يحصل به الملك، ويجوز له التصرف فيه والانتفاع به، وهكذا سائر العقود والتصرفات (١).