قال مثلًا: إنَّه إذا وقع عقد البيع بشروطه وانتفاء موانعه فإنَّه عقد صَحِيح يترتب عليه وجوب تسليم الثمن والمثمن والانتفاع بالمبيع، وهذا هو شأن الحكم التكليفي (١).
أَوْ كأَنَّ الشرع قرر: بأَنَّه إذا وقع العقد منخرم الشروط أَوْ بعضها فإنَّه باطل لا يترتب عليه أثره، وهكذا لو انخرمت بعض أركانه أَوْ وجدت موانعه.
تنبيه:
ذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى أَنَّ الصحَّة والفساد حكم وصفي لا وضعي ولا تكليفي وعَرَّفه بأَنَّه: خطاب الله -تعالى- المتعلق بوصف الشيء ذي الوجهين بموافقة أمر الشارع والفساد ضده، وأَنَّ هذا الحكم (الصِّحَّة والفساد) يحكم به على الأحكام الوضعية والأحكام التكليفية بموافقتها لأمر الشرع أَوْ مخالفتها له (٢).
وهذا مردود بما ذكرنا في ترجيح كونه حكمًا تكليفيًّا.
ولا يرد على ذلك أَنَّ لِلصِّحَّة والبطلان آثارًا تترتب عليها، ككون الصَّحِيح من البيع يجب فيه تسليم الثمن، وكون الباطل من
стр. 212
البيع يجب فيه رد المبيع لصاحبه البائع، ذلك بأَنَّ السبب المنتج لِلصِّحَّة له آثار؛ منها الصِّحَّة، ومنها وجوب تسليم الثمن، كما أَنَّ تخلف الشرط أَوْ وجود المانع له آثار، منها البطلان، ومنها وجوب إعادة المبيع لصاحبه البائع، وهكذا في ترتب عدة أحكام على السبب (١).
* * *
стр. 213
المطلب الثالث المصطلحات المشابهة لِلصِّحَّة
من المصطلحات المشابهة لمصطلح الصِّحَّة عند بعضهم ما يلي:
١ - النفوذ:
والنفوذ في اللغة: مأخوذ من نفوذ السهم إذا خرق الرمية وخرج منها، ومنه نفذ الأمر والقول إذا مضى (١).
قال بعضهم: النفوذ والصِّحَّة بمعنى، فهما مترادفان، فالعقد إذا أفاد المقصود المطلوب منه سمي ذلك نفوذًا، فإذا ترتب على العقد ما يقصد منه، مثل البيع إذا أفاد الملك ونحوه قيل له: صَحِيح ويعتد به، فالاعتداد بالعقد هو المراد بكونه نافذًا (٢).
وفرق بعض الأصوليين بين الصِّحَّة والنفوذ، قال الفتوحي (ت: ٩٧٢ هـ): "النفوذ تصرف لا يقدر على رفعه، كالعقود اللازمة
стр. 214
من البيع والِإجارة والوقف ونحوها إذا اجتمعت شروطها وانتفت موانعها، وكذلك العتق والطلاق والفسخ ونحوها" (١)، ومفهوم كلامه أَنَّ الصَّحِيح قد لا يكون نافذًا -أي لازمًا-، مثل البيع على شرط الخيار، ومثل الوصية معلقة على قبول الموصى له بعد وفاة الموصي، وهذا تفريق معتدّ به.
٢ - القبول في العبادة:
من الألفاظ المرادفة لِلصِّحَّة: القبول في العبادة، فلا يفارق الصِّحَّة في قبول ولا نفي.
وفي قول: بل القبول أخص من الصِّحَّة؛ إذ كل مقبول صَحِيح ولا عكس؛ فالمقبول هو الذي يحصل به الثواب، والصِّحَّة قد توجد في الفعل ولا ثواب فيه (٢).
قلت: وهذا تفريق معتدّ به.
* * *
стр. 215
المطلب الرابع حقيقة الصِّحَّة ودخول الحكم القضائي فيها
حقيقة الصِّحَّة:
لقد مَرَّ في المطلب الثاني ترجيح عدِّ الصِّحَّة حكمًا تكليفيًا، وهذا يعني أَنَّه في حقيقته مبني على مُعَرِّفَات الحُكْم، وجعله الشرع أثرًا لها، فإذا تحقق السبب تَامًّا بشروطه وانتفاء موانعه تحققت صِحَّة العبادات والمعاملات وأنتجت أثرها.
فالصَّحِيح من العبادات: ما أجزأ وأبرأ الذمة، وأسقط القضاء فيما فيه قضاء، وذلك بموافقة العبادة لأمر الشرع، بأَنْ تفعل مستجمعة لكل ما تتوقف صحتها عليه.
والصَّحِيح من المعاملات: ما ترتب عليه أثره، كعقد بيع يحصل به الملك، ويجوز له التصرف فيه والانتفاع به، وهكذا سائر العقود والتصرفات (١).
стр. 216
دخول الحكم القضائي في الصِّحَّة:
الحكم بالصِّحَّة مما يدخله الحكم القضائي فيقضي القاضي بصِحَّة هذا العقد أَوْ التصرف.
* * *
стр. 217
المبحث السابع البطلان
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف البطلان.
المطلب الثاني: المصطلحات المشابهة للبطلان.
المطلب الثالث: حقيقة البطلان ودخول الحكم القضائي في آثاره.
стр. 218
المطلب الأول تعريف البطلان
البطلان لغة: يطلق في الأصل على ذهاب الشيء، وقلة مكثه ولبثه، وكل شيء لا مرجوع له ولا معول عليه (١)، ومن ذلك فساد الشيء أَوْ سقوط حكمه (٢).
والبطلان اصطلاحًا: عرَّفه الفتوحي (ت: ٩٧٢ هـ) بأَنَّه: "عبارة عن عدم ترتب الأثر عليها" (٣)، أي عدم ترتب الأثر المقصود من الفعل عليه في العبادات والمعاملات.
فعلى هذا التعريف يكون الباطل: ما لا يترتب عليه أثره لتخلف ركن أَوْ شرط، أَوْ وجود مانع، أَوْ نحو ذلك من مفسدات العبادات أَوْ المعاملات، كالوطء في الحج قبل التحلل الأول، وكالشرط الجَعْلي المفسد لعقد البيع؛ فالبطلان مقابل لِلصِّحَّة سواء في العبادات أَمْ في
стр. 219
المعاملات (١).
لكن هذا التعريف إنَّما هو تعريف للبطلان بأثره، ولا يحدد ماهيته من حيث هو حكم.
والذي يظهر لي في تعريفه هو أَنَّه: "مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بعدم ترتب الأثر المقصود من الفعل عليه"، وليس المراد بأَنَّ البطلان مطلوب من جهة الشرع، بل المراد أَنَّ خطاب الشرع هو الذي يبين أَنَّ الفعل إذا انخرم شيء من أركانه أَوْ شروطه أَوْ وجد مانع من تأثيره فإنَّه يكون باطلًا.
فقولي: "مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين" سبق شرحه عند شرح تعريف الحكم (٢).
وقولي: "بعدم ترتب الأثر المقصود من الفعل عليه" قيد يحدد المعرف ويخرجه عن غيره من الأحكام الشرعية التكليفية من الوجوب والحرمة وغيرها.
وقد سبق مفصلًا الخلاف في اعتبار الصِّحَّة والبطلان من الأحكام التكليفية، ورجحنا دخولها في الأحكام التكليفية (٣).
* * *
стр. 220
المطلب الثاني المصطلحات المشابهة للبطلان
من المصطلحات المشابهة للبطلان: الفساد، وهو في اللغة: يَدُلُّ على معنى ضد المصلحة؛ قال الفيومي (ت: ٧٧٠ هـ): "المفسدة خلاف المصلحة" (١).
والبطلان والفساد مترادفان عند الجمهور، فلم يفرقوا بين الباطل والفاسد من جهة السبب المانع من الصحَّة، بل فرقوا بينهما من جهة الدليل فقط - كما سيأتي بيانه -.
أَمَّا الحنفية فجعلوا مدار التفرقة بينهما على جهة السبب المانع من الصَحَّة؛ قال الحنفية: الباطل ما لم يكن مشروعًا بأصله ولا وصفه، كبيع المعدوم؛ لعدم المحل، وكبيع المجنون؛ لعدم أهلية العاقد الذي هو ركن.
والفاسد عندهم: ما كان مشروعًا بأصله دون وصفه، وذلك كبيع جهل فيه الثمن مع استيفاء بقية أركانه وشروطه.
стр. 221
أَمَّا الجمهور فلم يفرقوا بين الباطل والفاسد من جهة السبب المانع من الصِّحَّة؛ فالبطلان والفساد مترادفان عندهم من هذه الجهة سواء كان النهي لعينه أَمْ لوصفه.
لكن الجمهور فرقوا بين الباطل والفاسد من جهة الدليل في مسائل كثيرة (١).
قال الفتوحي (ت: ٩٧٢ هـ): "غالب المسائل التي حكموا عليها بالفساد إذا كانت مختلفًا فيها بين العلماء، والتي حكموا عليها بالبطلان إذا كانت مجمعًا عليها، أَوْ الخلاف فيها شاذ، ثم وجدت بعض أَصْحَابنا - يعني الحنابلة - قال: الفاسد من النكاح ما يسوغ فيه الاجتهاد، والباطل ما كان مجمعًا على بطلانه" (٢).
* * *
стр. 222
المطلب الثالث حقيقة البطلان وعدم دخول الحكم القضائي فيه
حقيقة البطلان:
لقد مر ترجيح عدِّ البطلان حكمًا تكليفيًا، وهذا يعني أنَّه في حقيقته مبني على مُعَرِّفَات الحُكْم، وجعله الشرع أثرًا لها، فإذا تخلفت الشروط أَوْ تحققت الموانع أَوْ المفسدات بطلت العبادات والمعاملات ولم تنتج الأفعال آثارها المقصودة منها.
فالباطل من العبادات: ما لا يجزئ، ولا تبرأ به الذمة، ولا يسقط القضاء فيما فيه القضاء؛ وذلك لمخالفة العبادة لأمر الشرع؛ لاختلال ركنها أَوْ شرطها، أَوْ تحقق موانعها، أَوْ مفسداتها.
والباطل من المعاملات: ما لا يترتب عليه أثره لانتفاء ركنه، أَوْ شرطه أَوْ تحقق المانع أَوْ المفسد، ولذا فإنَّ البيع إذا وقع باطلًا، فإنَّه لا ينعقد، ولا يحصل به الملك، ولا يجب تسليم الثمن ولا المثمن، بل يجب على المشتري رد المبيع، وعلى البائع رد الثمن،
стр. 223
وإذا كان عقد نكاح فلا تحل به الزوجة (١).
عدم دخول الحكم القضائي في البطلان:
والبطلان مما يدخل القضاء في آثاره لا في البطلان نفسه، فالقاضي لا يحكم ببطلان العقد؛ وذلك لأَنَّ العقد الباطل لم ينعقد، فلا يلاقي الحكم بالبطلان محلًا، بل القاضي يخبر بالبطلان إخبارًا؛ كأَنْ يقول القاضي بعد ثبوت موجب البطلان: لقد أفهمت طرفي النزاع بأَنَّ العقد بينهما باطل لم ينعقد وبذلك قضيت.
والقاضي يحكم بما يترتب على العقد الباطل من آثار؛ كأَنْ يحكم بإعادة الثمن من مشتر استلمه، بناءً على عقد باطل، أَوْ يحكم بالتفريق بين الزوجين بعقد باطل، ونحو ذلك.
وعند الحنابلة لا بُدَّ من الحكم في فاسد النكاح؛ لأَنَّه مجتهد فيه، وذلك كأَنْ يحكم القاضي بفسخ نكاح الزوجة من زوجها؛ لأَنَّه تم بغير ولي ونحو ذلك (٢)، ذلك بأَنَّ الفاسد غير الباطل عندهم في باب النكاح كما سبق التنويه عنه.
* * *
стр. 224
الفصل الثالث أدلة شرعية الأحكام وأدلة وقوعها
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: المراد بأدلة شرعية الأحكام وبأدلة وقوعها وأقسام أدلة الوقوع والفرق بينهما وأهمية الوقوف عليهما.
المبحث الثاني: أصول أدلة شرعية الأحكام.
المبحث الثالث: أصول أدلة وقوع الأحكام.
стр. 225
المبحث الأول المراد بأدلة شرعية الأحكام وبأدلة وقوعها والفرق بينهما وأهمية الوقوف عليها
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المراد بأدلة شرعية الأحكام وبأدلة وقوعها وأقسام أدلة الوقوع.
المطلب الثاني: الفرق بين أدلة شرعية الأحكام وأدلة وقوعها.
المطلب الثالث: أهمية الوقوف على أدلة شرعية الأحكام وأدلة وقوعها.
стр. 226
المطلب الأول المراد بأدلة شرعية الأحكام وبأدلة وقوعها وأقسام أدلة الوقوع
المراد بأدلة شرعية (١) الأحكام:
هي الأدلة الشرعية التي تَدُلُّ على شرعية الحكم الكلي من الوجوب، أَوْ الاستحباب، أَوْ الِإباحة، أَوْ الحرمة، أَوْ الكراهة، أَوْ الصِّحَّة، أَوْ البطلان، أَوْ تَدُلُّ على شرعية مُعَرِّفَات الحُكْم من كون هذا الأمر سببًا، أَوْ شرطًا، أَوْ مانعًا، فهي المصادر التي يستمد منها
стр. 227
الفقيه الحكم الكلي، أَوْ بيان شرعية مُعَرِّفَاته، وهي مصادر الشرع المقررة من الكتاب والسنة، وغيرها (١) مما سوف يأتي بيانه في مبحث مستقل إن شاء الله (٢).
المراد بأدلة وقوع الأحكام:
هي الأدلة الدالة على وقوع أسباب الأحكام وشروطها وموانعها.
فهي الأدلة الحسية أَوْ العقلية ونحوها، أَوْ الطرق الحكمية الدالة على حدوث مُعَرِّفَات الحُكْم من السبب، والشرط، والمانع.
فبأدلة الوقوع يعرف وجود المُعَرِّفَات، أَوْ انتفاؤها في المحكوم عليه.
وبأدلة الشرعية يعرف تأثيرها؛ فيعرف سببية السبب، وشرطية الشرط، ومانعية المانع (٣).
ومن هذه الأدلة على وقوع المُعَرِّفَات ما هو معلوم بالضرورة، كدلالة الظل على الزوال.
ومنها ما هو ظني كطرق الإِثبات من الإِقرار، والبينات،
стр. 228
والأيمان، والنكول، واسْتِصْحَاب الأصول من أصل الطهارة وبراءة الذمة ونحوهما (١).
أقسام أدلة وقوع الأحكام:
تنقسم أدلة وقوع الأحكام قسمين: عامة، وقضائية.
القسم الأول: الأدلة العامة لوقوع الأحكام:
وهي الأدلة التي تَدُلُّ على وقوع مُعَرِّفَات الأحكام بوجه عام، ويحتاجها كل مكلف من عامي، ومفتٍ، وشاهد، وقاضٍ؛ لأَنَّه يعلم بها طريق وقوع المعرف للحكم، وذلك مثل: العقل، والحس، والخبرة.
القسم الثاني: أدلة الِإثبات القضائية:
وهي طرق الحكم المستعملة لدى القضاة والتي يثبت بها وقوع مُعَرِّفَات الأحكام القضائية من إقرار، أَوْ شهادة، أَوْ يمين، أَوْ نكول، أَوْ غير ها، وتسمى - أيضًا - الحجاج (٢).
* * *
стр. 229
المطلب الثاني
الفرق بين أدلة شرعية الأحكام وأدلة وقوعها
سبق أَنْ ذكرنا المراد بأدلة شرعية الأحكام، وبأدلة وقوعها، وأَنَّ أدلة وقوع الأحكام، منها عامّةٌ ومنها قضائية، وهي الحجاج، وسوف نتناول في هذا العنوان الفرق بين أدلة شرعية الأحكام، والأدلة العامة لوقوع الأحكام، والأدلة القضائية لوقوع الأحكام، وهي الحجاج، وحاصل ذلك نقرره في ثلاثة عناوين متتالية فيما يلي:
الفرق بين أدلة شرعية الأحكام والأدلة العامة لوقوعها:
هناك فروق بين أدلة شرعية الأحكام والأدلة العامة لوقوعها، وحاصل الفرق بينهما فيما يلي (١):
(أ) أَنَّ أدلة شرعية الأحكام تتوقف على نَصْب من الشرع؛ فبها يعرف سببية السبب، وشرطية الشرط، ومانعية المانع، والأثر
стр. 230
المترتب عليها من الحكم التكليفي؛ حرمة، أَوْ وجوبًا، أَوْ كراهة، أَوْ استحبابًا، أَوْ إباحةً، أَوْ صِحَّةً، أَوْ بطلانًا، فلا سببية للسبب، ولا شرطية للشرط، ولا مانعية للمانع إلَّا إذا جعله الشرع كذلك، ولا وجوب، ولا حرمة، ولا استحباب، ولا كراهة، ولا إباحة، ولا صِحَّة، ولا بطلان إلَّا ما جعله الشرع كذلك بالكتاب والسنة والِإجماع وغيرها من أدلة الشرع المقررة.
أَمَّا الأدلة العامة لوقوع الأحكام فلا تتوقف على نَصْب من الشرع، بل يعرف ذلك بالعقل، والحس، والعادة، ونحوها مما سوف يأتي ذكره من طرق العلم بوقوع الأحكام، فيُسْتَدَلُّ على سببية الوصف بالشرع، وعلى حدوثه وثبوته بالعقل والحس ونحوه.
فمثلًا: دليل الإِسكار في الشُّكْر (أي: دليل وجود السُّكْر في الشراب) هو أدلة وقوع الحكم، ودليل تحريم المسكر هو أدلة شرعية الحكم.
فيُسْتَدَلُّ على وقوع الإِسكار بالحس ونحوه من التحاليل المخبرية وغيرها، ويُسْتَدَلُّ على تأثير السبب وهو الإِسكار، وحكمه التكليفي وهو الحرمة، ووجوب الحد على شرب السكر بأدلة الشرعية.
كما يُسْتَدَلُّ على شرب المكلف المعين للمسكر عند إقامة الحد عليه بالإِقرار، ونحو ذلك من الأدلة الدالة على قيام المعين بشرب
стр. 231
المسكر، وهذه الأدلة القضائية هي من أدلة وقوع الأحكام.
(ب) أَنَّ أدلة شرعية الأحكام معلومة محصورة؛ فهي الكتاب، والسنة، وما تفرع عنهما من أدلة التشريع المقررة.
أَمَّا الأدلة العامة لوقوع الأحكام من العقل، والحس، والخبرة، وغيرها فهي غير محصورة، بل بكل طريق جارٍ على المسالك الشرعية يُعْلَم به وقوع السبب أَوْ الشرط أَوْ المانع اعتددنا به من غير حصر، ومهما استجد من طرق الخبرات والتجارب دَالًّا على وقوع الأحكام أخذنا به ما لم يخالف أصلًا شرعيًّا.
(ج) أنَّ أدلة شرعية الأحكام تشمل مُعرِّفَات الحُكْم، كما تشمل الحكم التكليفي.
فسببية السبب وشرطية الشرط ومانعية المانع تعرف بأدلة الشرعية، كما يعلم الحكم التكليفي من الوجوب والحرمة ونحوها بأدلة الشرعية.
أَمَّا الأدلة العامة لوقوع الأحكام من الحس والعقل ونحوها فهي خاصة بمُعَرِّفَاتِ الحُكْم من السبب، والشرط، وعدم المانع، لا تتعدى ذلك إلى الحكم التكليفي الذي لا يعلم إلَّا بالشرع.
(د) أَنَّ أدلة شرعية الأحكام يعتمد عليها الفقهاء في استفادة الأحكام واستنباطها، سواء في سببية السبب ونحوه، أَمْ في الحكم التكليفي من الوجوب والحرمة وغيرهما.
стр. 232
أَمَّا الأدلة العامة لوقوع الأحكام فيعتمد عليها سائر المكلفين في العلم بوقوع مُعَرِّفَات الأحكام، فمتى زالت الشمس وجب على المكلف صلاة الظهر، كما يعتمد عليها المفتون والشهود في تقرير العلم بوقوع مُعَرِّفَات الأحكام.
الفرق بين الأدلة العامة لوقوع الأحكام وأدلة الإِثبات القضائية (الحِجَاج):
بين الدليلين المذكورين علاقة قوية؛ فكلاهما دليل لوقوع الأحكام.
لكن الأدلة العامة لوقوع الأحكام أعمُّ؛ إذ يعتمد عليها المفتون وسائر المكلفين، فمتى عرف المكلف زوال الشمس بأي طريق صلى الظهر، وهكذا المفتي يفتي المستفتي مُنَزِّلًا قوله على الصِّحَّة؛ لما يعرفه من الأدلة العامة لوقوع الأحكام من غير طلب إثبات وقوعها بطرق الحكم والإِثبات، وهكذا الفقيه عندما يريد تقرير الحكم في مسألة يتعرف على عناصرها المكونة للسبب والشرط والمانع بوساطة أدلة وقوع الأحكام، وأَمَّا سببية السبب ونحوه فذلك يعرف بوساطة أدلة الشرعية.
أَمَّا أدلة الإِثبات القضائية فيعتمد القضاة عليها في ثبوت الوقائع القضائية المتنازع فيها التي هي في حقيقتها مُعَرِّفَات للأحكام؛ إذ التقاضي محل التجاذب والتشاحن والتنازع، فلا يثبت حق أَوْ يسلب
стр. 233
إلَّا بعد ثبوته لدى القاضي بأدلة وطرق الحكم القضائية المقررة، ولذلك قال العلماء: المفتي أسير المستفتي، والقاضي أسير الحجج (١).
الفرق بين أدلة شرعية الأحكام وأدلة الإِثبات القضائية:
هناك فروق بين أدلة شرعية الأحكام، وأدلة وطرق الحكم القضائية، وحاصل ذلك ما يلي:
(أ) أدلة وطرق الحكم القضائية قِسْم من أدلة وقوع الأحكام (٢)، ولذا فإنَّ كل فرق بين الأدلة العامة لوقوع الأحكام، وأدلة شرعيتها يقال هنا.
وقد اختلف في طرق الإِثبات والحكم القضائي، هل هي محصورة لا يقبل منها إلَّا المَنْصُوص أَوْ مطلقة؟ على قولين؛ أرجحهما أَنَّها مطلقة، فكل طريق يَدُلُّ على ثبوت الواقعة القضائية واستقرارها عند التنازع فيجب العمل به ولا يقتصر منها على المَنْصُوص عليه (٣).
(ب) أَنَّ التقليد يدخل ما تَدُلُّ عليه شرعية الأحكام من سببية
стр. 234
السبب، وشرطية الشرط، ومانعية المانع، والحرمة، والوجوب، وسائر الأحكام التكليفية، ولا يقلد فيما تَدُلُّ عليه أدلة وطرق الحكم القضائي؛ فيقلد الفقيه إذا قال: هذه الصورة من البيع مباحة، ولا يقلد الفقيه إذا قال: فلان باع سيارته على فلان؛ لأَنَّ الأول من باب تقرير الحكم بدليله، والثاني من باب الشهادة (١).
(ج) أَن أدلة الأحكام القضائية (الحِجَاج) يعتمد عليها القضاة في ثبوت الوقائع المُدَّعاة، ولا تكفي الأدلة العامة لوقوع الأحكام في الجملة.
أَمَّا أدلة الشرعبة فيعتمد عليها المجتهدون الذين يقررون الأحكام الكلية ويستنبطونها في سببية السبب، وشرطية الشرط، ومانعية المانع، وتقرير الحكم التكليفي من وجوب وحرمة وغيرها (٢).
* * *
стр. 235
المطلب الثالث أهمية الوقوف على أدلة شرعية الأحكام وأدلة وقوعها
إنَّ لوقوف مقررِ الحكم الكلي - وهو الفقيه -، ومطبقِه من مفتٍ وقاضٍ على معرفة أدلة شرعية الأحكام وأدلة وقوعها والفرق بينها أهميةً كبيرة، فبه يحصل التمييز بين الدليلين (دليل الشرعية ودليل الوقوع)، ويحصل التمكن من توظيفها في تقرير الأحكام، وتوصيفها، فلا يستعمل دليل الشرعية مكان دليل الوقوع، ولا العكس، بل يوظف كل دليل في محله المقرر له.
يقول ابن القيِّم (ت: ٧٥١ هـ): "فلا يستدلّ على وقوع أسباب الحكم بالأدلة الشرعية، كما لا يستدل على شرعيته بالأدلة الحسية ... فتأمل هذه الفائدة ونفعها، ولهذه القاعدة عبارة أخرى، وهي: أنَّ دليل سببية الوصف غير دليل ثبوته، فيستدلّ على سببيته بالشرع، وعلى ثبوته بالحسّ أو العقل أو العادة، فهذا شيء، وذلك شيء" (١).
стр. 236
فشرعية الحكم الكلي - من حرمة ووجوب واستحباب ونحوها - وسببية السبب وشرطية الشرط ومانعية المانع تؤخذ من أدلة شرعية الحكم فقط لا غيرها.
وأَمَّا ثبوت مُعَرِّفَات الحُكْم أَوْ انتفاؤها في المحل موضع تقريره من سببه، أَوْ شرطه، أَوْ مانعه من قبل الفقيه والمفتي والقاضي أَوْ غيره من سائر المكلفين، كل فيما يخصه - فيستفاد من دليل وقوع الحكم عامًّا أَمْ قضائيًّا.
فيجب التنبه لهذا، وعدم الخلط بين الدليلين.
لكن في عهد الرسول ﷺ قد ينزل الوحي بإثبات الوقوع، كما ينزل بإثبات الحكم.
* * *
لشرعية الأحكام أدلة تستمد منها، وهذه الأدلة هي الكتاب، والسنة، والإِجماع، والاسْتِصْحَاب، والقياس، وقول الصَّحَابِيّ، والمصلحة، وسَدُّ الذرائع والحيل، والاستحسان، وشرع من قبلنا، ونعرِّف بكل واحد منها تعريفًا موجزًا فيما يلي:
١ - الكتاب:
وهو القرآن كلام الله، مُنَزَّل، غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود، مُتَعَبَّدٌ بتلاوته، ومُسْتَدَلٌّ به، واجب الاتباع لأوامره والاجتناب لنواهيه والاحتكام إليه.
وقد أجمع العلماء على كونه أصلًا شرعيًّا من أدلة شرعية الأحكام (١)، يقول- تعالى-: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣]، ويقول: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، ويقول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩].
٢ - السُّنَّة:
والمراد بها عند الأصوليين: ما أثر عن النبي ﷺ من قول، أَوْ
стр. 239
فعل، أَوْ تقرير (١).
فالقول هو ما نطق به باللسان، أَوْ أمر بكتابته عنه، ولا يدخل في ذلك القرآن؛ لأَنَّه ليس من قوله ﷺ .
وجميع ما نقل عنه ﷺ من أقواله وصَحَّت نسبتها إليه فهي من هذا القبيل، مثل قوله ﷺ فيما رواه مالك بن الحويرث: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢).
والمراد بالفعل: ما يقابل القول ولو كان الفعل إشارة، ويدخل في الفعل عمل القلب والترك؛ لأَنَّه كف للنفس، فمتى نقل عن النبي ﷺ أَنَّه أراد فعل شيء كان ذلك من السنة الفعلية، وهكذا إذا نقل عنه ﷺ أَنَّه ترك كذا كان ذلك من السنة الفعلية.
ومن أمثلته: أَنَّ النبي ﷺ اشترى فرسًا من أعرابي ولم يُشْهِد كما في حديث عمارة بن خزيمة عن عمه (٣).
والمراد بالتقرير: أَنْ يسمع النبي ﷺ شيئًا يُقال، أَوْ يَرى شيئًا يُفْعَل فلا يُنْكِره، أَوْ يُحَسِّنُه، أَوْ يَمْدَحه، أَوْ يُسَرُّ به.
ومثاله: حديث عائشة ﵂، قالت: "إن رسول
стр. 240
الله ﷺ دخل عَلَيَّ مسرورًا، تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم تَرَيْ أَنَّ مجززًا نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال: هذه الأقدام بعضها من بعض؟ " (١).
والاحتجاج بالسنة متفق عليه بين العلماء، وهي كلها من قول أَوْ فعل أَوْ تقرير صالحةٌ للاحتجاج بها على ثبوت الأحكام الشرعية؛ لعصمة النبي ﷺ فيما طريقه التشريع؛ يقول- تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، ويقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
والسُّنَّة تكون مؤكِّدة لما جاء به القرآن، كما تكون مؤسِّسة لحكم سكت عنه القرآن، فتبينه بيانًا مبتدأً، كما تكون شارحة مفسِّرة لكتاب الله تبين مراد الله منه، وتقيد مطلقه (٢).
٣ - الإِجماع:
والمراد به عند الأصوليين: اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد النبي ﷺ على حكم شرعي (٣).
стр. 241
فخرج بـ"الاتفاق": وجود خلاف، ولو من واحد، فلا ينعقد معه الإِجماع.
وخرج بـ"المجتهدين": العوام والمقلدون، فلا يعتد بوفاقهم، ولا بخلافهم.
وخرج بـ"هذه الأمة": إجماع غيرها من مجتهدي الأمم الأخرى غير أمة محمد ﷺ , فلا يعتد به.
وخرج بـ"بعد النبي ﷺ ": الاتفاق من المجتهدين في عهد النبي ﷺ ، فلا يُعَدُّ إجماعًا؛ لأَنَّه لا يخرج عن سنة النبي ﷺ بالِإقرار؛ ولذلك إذا قال الصَّحَابِيّ: كنا نفعل كذا، أَوْ كانوا يفعلون كذا على عهد النبي ﷺ مرفوعًا حكمًا، لا نقلًا للإِجماع (١).
والإِجماع حجة لشرعية الأحكام، لقوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
والشاهد من الآية قوله - تعالى -: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فقد توعَّد الله من خالف سبيل المؤمنين، فدَلَّ على أَنَّ اتفاقهم حجة (٢).
٤ - القياس:
والمراد به عند الأصوليين: تسوية فرع بأصل في حكم لعلة
стр. 242
جامعة بينهما (١).
وأركانه أربعة: أصل، وفرع، وعلة، وحكم.
فالفرع: هو المقيس.
والأصل: هو المقيس عليه.
والحكم: هو ما اقتضاه الدليل الشرعي من وجوب، أَوْ تحريم، أَوْ صِحَّة، أَوْ فساد، وغيرها.
والعلة: هي المعنى الذي ثبت بسببه حكم الأصل (٢).
ومثاله: تحريم النبيذ قياسًا على الخمر لعلة الإِسكار فيهما (٣).
والقياس أصل من أصول أدلة شرعية الأحكام؛ لقوله - تعالى -: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، وحقيقة الاعتبار: مقايسة الشيء بغيره، ولقوله - تعالى -: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧]؛ فالميزان هو ما توزن به الأمور ويقايس عليها، فيجمع به بين المسائل المتماثلة في مصالحها أو في مضارّها بحكم واحد.
ولقوله ﷺ لمن سألته عن الصيام عن أمها بعد موتها: "أرأيت لو
стр. 243
كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم، قال: فصومي عن أمك" (١).
وهكذا جميع الأمثال الواردة في الكتاب والسنة دليلٌ على حجية القياس وكونه من أدلة شرعية الأحكام؛ لما في هذه الأمثال من اعتبار الشيء بنظيره.
وأجمع الصحابة ﵃ على الحكم بالقياس في وقائع كثيرة تصل بمجموعها إلى حدّ التواتر (٢).
وخالف في حجية القياس بعض العلماء، لكن خلافه ضعيف (٣).
٥ - الاسْتِصْحَاب:
المراد به عند الأصوليين: التمسُّك بدليل عقلي أو شرعي لم يظهر عنه ناقل.
وهذا يعني: أنَّ استصحاب الدليل الشرعي والعقلي المتفرع عنه مستند لتقرير شرعية الحكم الكلي.
стр. 244
والاسْتِصْحَاب كدليل على شرعية الحكم يكون بالتمسك بدليل عقلي لم يظهر ناقل عنه، مثل: استحصاب البراءة الأصلية، كقولهم: الأصل براءة المكلف من التكليف، مثل: عدم وجوب صيام شوال.
كما يكون الاسْتِصْحَاب بالتمسك بحكم الدليل الشرعي الذي لم يظهر ناقل عنه، مثل: اسْتِصحَاب حكم الإِجماع، أَوْ عموم النَّصّ، وإذا ظهر دليل ناقل عن أصل الاسْتِصْحَاب صرنا إليه، مثل: قيام الدليل على التكليف بأمر من الأمور، أَوْ تخصيص العموم، أَوْ ترك حكم الإِجماع في محل الخلاف، وهكذا (١).
والاسْتِصْحَاب حجة ودليل من أدلة شرعية الأحكام عند الأكثرين، ومنهم مالك (ت: ١٧٩ هـ)، وأحمد (ت: ٢٤١ هـ)، وجماعة من أَصْحَاب الشافعي، خلافًا لجمهور الحنفية (٢).
ووجه كون الاستصحاب حجة: أنَّ العقلاء من الخاصة والعامة
стр. 245
اتفقوا على أنهم إذا تحققوا وجود الشيء أو عدمه وله أحكام تخصّه - سوَّغوا ترتيب تلك الأحكام عليه في المستقبل من زمان ذلك الأمر.
٦ - الاستحسان:
والمراد به عند الأصوليين: العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي (١).
فالاستحسان عدول بحكم المسألة إلى دليل أقوى في نظر المجتهد من دليل نظائرها، فكأَنَّه استثناء لحكم هذه المسألة من نظائرها وإلحاقها بدليل آخر أقوى وأليق بها.
وأظهر ما يقع الاستحسان فيه القياسُ؛ فيعدل بحكم المسألة عن نظائرها القياسية إلى دليل أقوى إذا كان المعدول إليه قياسًا أقوى من القياس المعدول عنه.
ومن أمثلة ذلك: ما رواه الميموني (ت: ٢٧٤ هـ) عن الإِمام أحمد (ت: ٢٤١ هـ) أَنَّه قال: "أستحسن أَنْ يتيمم لكل صلاة"، والقياس أَنّه بمنزلة الماء.
والاستحسان حجة ودليل على شرعية الحكم، وبذلك قال الحنفية والحنابلة، وكتب المالكية مملوءة به، ولم يَنُصَّ عليه مالك (ت: ١٧٩ هـ).
ويَدُلُّ على شرعيته قوله - تعالى -: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ
стр. 246
إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥]؛ ففي الآية الأمر باتباع الأحسن، وهو دليل على وجوب العمل بالاستحسان (١).
ولا يعمل باستحسان عقلي مجرد خَالَفَ الأدلة؛ يقول الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ): "أَمَّا الاستحسان فيما أوجبته أدلة الأصول واقترن به استحسان العقول فهو حجة متفق عليها يلزم العمل بها، فأَمَّا استحسان العقول إذا لم يوافق أدلة الأصول فليس بحجة في أحكام الشرع، والعمل بدلائل الأصول الشرعية أوجب، وهي أحسن في العقول من الانفراد عنها" (٢).
٧ - قول الصَّحَابِيّ:
والمراد به عند الأصوليين: قول الصَّحَابِيّ أَوْ فتواه إذا لم تنتشر (٣)، ولم يخالفه غيره من الصَّحَابَة.
فقول الصَّحَابِيّ وفتواه إذا انتشرت ولم يعارضه أحد معدود من الإِجماع السكوتي، وهو حجة، كما أَنَّه إذا عارضه أَوْ خالفه غيره من الصَّحَابَة في قوله ولو لم ينتشر فلا يكون حجة، بل كدليلين تعارضا.
فتحرير موضع الاستدلال في قول الصَّحَابِيّ إذا لم ينتشر ولم
стр. 247
يخالفه صحابي آخر، فهذا معدود من أدلة شرعية الأحكام، وهو حجة مقدم على القياس عند الأئمة الأربعة وأكثر الحنابلة (١).
٨ - المصلحة المرسلة (الاستصلاح):
والمراد بها عند الأصوليين: كل منفعة داخلة في مقاصد الشرع دون أَنْ يكون لها شاهد خاص بالاعتبار أَوْ الإِلغاء (٢).
فالعمل بها فيه رعاية للضروريات الخمس من الدين، والنفس، والعقل والعرض، والمال في جانب الوجود والعدم، في النفع جلبًا، وفي الضر دفعًا، وذلك مثل جمع الصَّحَابَة للمصحف بعد وقعة اليمامة، وليس هناك نَصٌّ على جمعه حَثًّا أَوْ منعًا.
وقيل في المصلحة بأَنَّها مرسلة؛ إشارة إلى أَنَّه لم يجئ نَصٌّ خاص في اعتبارها أَوْ إلغائها؛ ذلك بأَنَّه إذا جاء نَصٌّ فيتبع ولا مقام للمصلحة، وإنَّما حجية المصلحة فيما أرسل عن النَّصّ الخاص، فيراعى فيها ما يصلح الضروريات الخمس جلبًا للمنفعة ودفعًا للمفسدة.
واختلف في الاعتداد بها دليلًا على شرعية الأحكام:
فذهب قوم إلى عدم الاستدلال بها، قال الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): وإليه ذهب الجمهور.
стр. 248
وذهب آخرون إلى الاعتداد بها دليلًا من أدلة شرعية الأحكام مطلقًا، وهذا محكي عن مالك (ت: ١٧٩ هـ)، والشافعي (ت: ٢٠٤ هـ) في القديم (١).
والذي يترجح عندي إعمالُها بشروط سوف نأتي على ذكرها، قال ابن دقيق العيد (ت: ٧٠٢ هـ): "الذي لا شك فيه أَنَّ لمالك ترجيحًا على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما من اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيح في الاستعمال لها على غيرها" (٢).
وقال القرافي (ت: ٦٨٤ هـ): "هي عند التحقيق في جميع المذاهب "لأَنَّهم يقومون ويقعدون بالمناسبة، ولا يطلبون شاهدًا بالاعتبار، ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلَّا ذلك" (٣).
وقال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ): "واعلم أَنَّ مالكًا يراعى المصلحة المرسلة في الحاجيات والضرويات كما قرره علماء مذهبه" (٤)، وهكذا تراعى المصلحة في التحسينات؛ فيقدم
стр. 249
الضروري، ثم الحاجي، ثم التحسيني (١).
ويقدم ما تعلق بالدين، ثم النفس، ثم العقل، ثم العرض، ثم المال (٢)، وهذا في الجملة؛ إذ للِإنسان أَنْ يقدم نفسه دون عرضه وماله، وإذا قتل فهو شهيد.
ويدل على حجية العمل بالمصلحة: أنَّ الصحابة ﵃ ومنهم الخلفاء الراشدون عملوا بها في وقائع كثيرة مشتهرة مما طرأ لهم من حوادث وجَدَّ لهم من طوارئ لم يكن فيها نصٌّ ولا قياس، مثل: جمع أبي بكر ﵁ للقرآن في مجموعة واحدة، وتدوين عمر ﵁ الدواوينَ في عهده (٣).
شروط العمل بالمصلحة المرسلة:
يشترط للعمل بالمصلحة المرسلة ما يلي (٤):
١ - اندراجها في مقاصد الشرع العامة بأَنْ تكون ملائمة لمقاصد الشريعة ومحققه لها.
стр. 250
٢ - عدم معارضتها للكتاب، أَوْ السُّنَّة، أَوْ الإِجماع، أَوْ لقياس أقوى منها.
٣ - أَنْ تكون فيما يعقل معناه من العاديات ونحوها، لا العبادات المحضة.
٤ - عدم تفويتها لمصلحة أهم منها.
٥ - أَنْ تكون عامة لا خاصة بشخص معين.
٦ - أَنْ يكون المقرر لها أهلًا للاجتهاد والاستنباط؛ لأَنَّ المصالح تحتاج إلى معرفة تحقيق مناطها، وإلى تقديم بعضها على بعض عند التزاحم، أَوْ عند معارضتها لمفسدة، وهذا لا يعرفه إلَّا أهل الاجتهاد ممن اتخذ الكتاب والسنة عمدة الاستنباط، فالشريعة لا تقرر من الآراء المجردة عن الدليل، يقول الجويني (ت: ٤٧٨ هـ): "من ظنَّ أَنَّ الشريعة تتلقى من استصلاح العقلاء ومقتضى رأي الحكماء فقد رد الشريعة واتخذ كلامه هذا إلى رد الشرائع ذريعة، ولو جاز ذلك لساغ رجم من ليس محصنًا إذا زنى في زمننا ... ولجاز الازدياد على مبالغ الزكوات عند ظهور الحاجات.
وهذه الفنون في رجم الظنون، ولو تسلطت على قواعد الدين لاتخذ كل من يرجع إلى مسكة من عقل فكره شرعًا، ولانتحاه ردعًا ومنعًا، فتنهض هواجس النفوس حالَّةً محل الوحي إلى الرسل، ثم يختلف ذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة فلا يبقى للشرع مستقر وثبات ... فالحق المتبع ما نقله الأثبات عن سيد الورى، وما سواه