← Сияса и кади

Сияса и кади · id 17810

توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية

عبد الله بن محمد الخنين

Полный текст (1 181 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥]؛ ففي الآية الأمر باتباع الأحسن، وهو دليل على وجوب العمل بالاستحسان (١). ولا يعمل باستحسان عقلي مجرد خَالَفَ الأدلة؛ يقول الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ): "أَمَّا الاستحسان فيما أوجبته أدلة الأصول واقترن به استحسان العقول فهو حجة متفق عليها يلزم العمل بها، فأَمَّا استحسان العقول إذا لم يوافق أدلة الأصول فليس بحجة في أحكام الشرع، والعمل بدلائل الأصول الشرعية أوجب، وهي أحسن في العقول من الانفراد عنها" (٢). ٧ - قول الصَّحَابِيّ: والمراد به عند الأصوليين: قول الصَّحَابِيّ أَوْ فتواه إذا لم تنتشر (٣)، ولم يخالفه غيره من الصَّحَابَة. فقول الصَّحَابِيّ وفتواه إذا انتشرت ولم يعارضه أحد معدود من الإِجماع السكوتي، وهو حجة، كما أَنَّه إذا عارضه أَوْ خالفه غيره من الصَّحَابَة في قوله ولو لم ينتشر فلا يكون حجة، بل كدليلين تعارضا. فتحرير موضع الاستدلال في قول الصَّحَابِيّ إذا لم ينتشر ولم

стр. 247

يخالفه صحابي آخر، فهذا معدود من أدلة شرعية الأحكام، وهو حجة مقدم على القياس عند الأئمة الأربعة وأكثر الحنابلة (١). ٨ - المصلحة المرسلة (الاستصلاح): والمراد بها عند الأصوليين: كل منفعة داخلة في مقاصد الشرع دون أَنْ يكون لها شاهد خاص بالاعتبار أَوْ الإِلغاء (٢). فالعمل بها فيه رعاية للضروريات الخمس من الدين، والنفس، والعقل والعرض، والمال في جانب الوجود والعدم، في النفع جلبًا، وفي الضر دفعًا، وذلك مثل جمع الصَّحَابَة للمصحف بعد وقعة اليمامة، وليس هناك نَصٌّ على جمعه حَثًّا أَوْ منعًا. وقيل في المصلحة بأَنَّها مرسلة؛ إشارة إلى أَنَّه لم يجئ نَصٌّ خاص في اعتبارها أَوْ إلغائها؛ ذلك بأَنَّه إذا جاء نَصٌّ فيتبع ولا مقام للمصلحة، وإنَّما حجية المصلحة فيما أرسل عن النَّصّ الخاص، فيراعى فيها ما يصلح الضروريات الخمس جلبًا للمنفعة ودفعًا للمفسدة. واختلف في الاعتداد بها دليلًا على شرعية الأحكام: فذهب قوم إلى عدم الاستدلال بها، قال الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): وإليه ذهب الجمهور.

стр. 248

وذهب آخرون إلى الاعتداد بها دليلًا من أدلة شرعية الأحكام مطلقًا، وهذا محكي عن مالك (ت: ١٧٩ هـ)، والشافعي (ت: ٢٠٤ هـ) في القديم (١). والذي يترجح عندي إعمالُها بشروط سوف نأتي على ذكرها، قال ابن دقيق العيد (ت: ٧٠٢ هـ): "الذي لا شك فيه أَنَّ لمالك ترجيحًا على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما من اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيح في الاستعمال لها على غيرها" (٢). وقال القرافي (ت: ٦٨٤ هـ): "هي عند التحقيق في جميع المذاهب "لأَنَّهم يقومون ويقعدون بالمناسبة، ولا يطلبون شاهدًا بالاعتبار، ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلَّا ذلك" (٣). وقال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ): "واعلم أَنَّ مالكًا يراعى المصلحة المرسلة في الحاجيات والضرويات كما قرره علماء مذهبه" (٤)، وهكذا تراعى المصلحة في التحسينات؛ فيقدم

стр. 249

الضروري، ثم الحاجي، ثم التحسيني (١). ويقدم ما تعلق بالدين، ثم النفس، ثم العقل، ثم العرض، ثم المال (٢)، وهذا في الجملة؛ إذ للِإنسان أَنْ يقدم نفسه دون عرضه وماله، وإذا قتل فهو شهيد. ويدل على حجية العمل بالمصلحة: أنَّ الصحابة ﵃ ومنهم الخلفاء الراشدون عملوا بها في وقائع كثيرة مشتهرة مما طرأ لهم من حوادث وجَدَّ لهم من طوارئ لم يكن فيها نصٌّ ولا قياس، مثل: جمع أبي بكر ﵁ للقرآن في مجموعة واحدة، وتدوين عمر ﵁ الدواوينَ في عهده (٣). شروط العمل بالمصلحة المرسلة: يشترط للعمل بالمصلحة المرسلة ما يلي (٤): ١ - اندراجها في مقاصد الشرع العامة بأَنْ تكون ملائمة لمقاصد الشريعة ومحققه لها.

стр. 250

٢ - عدم معارضتها للكتاب، أَوْ السُّنَّة، أَوْ الإِجماع، أَوْ لقياس أقوى منها. ٣ - أَنْ تكون فيما يعقل معناه من العاديات ونحوها، لا العبادات المحضة. ٤ - عدم تفويتها لمصلحة أهم منها. ٥ - أَنْ تكون عامة لا خاصة بشخص معين. ٦ - أَنْ يكون المقرر لها أهلًا للاجتهاد والاستنباط؛ لأَنَّ المصالح تحتاج إلى معرفة تحقيق مناطها، وإلى تقديم بعضها على بعض عند التزاحم، أَوْ عند معارضتها لمفسدة، وهذا لا يعرفه إلَّا أهل الاجتهاد ممن اتخذ الكتاب والسنة عمدة الاستنباط، فالشريعة لا تقرر من الآراء المجردة عن الدليل، يقول الجويني (ت: ٤٧٨ هـ): "من ظنَّ أَنَّ الشريعة تتلقى من استصلاح العقلاء ومقتضى رأي الحكماء فقد رد الشريعة واتخذ كلامه هذا إلى رد الشرائع ذريعة، ولو جاز ذلك لساغ رجم من ليس محصنًا إذا زنى في زمننا ... ولجاز الازدياد على مبالغ الزكوات عند ظهور الحاجات. وهذه الفنون في رجم الظنون، ولو تسلطت على قواعد الدين لاتخذ كل من يرجع إلى مسكة من عقل فكره شرعًا، ولانتحاه ردعًا ومنعًا، فتنهض هواجس النفوس حالَّةً محل الوحي إلى الرسل، ثم يختلف ذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة فلا يبقى للشرع مستقر وثبات ... فالحق المتبع ما نقله الأثبات عن سيد الورى، وما سواه

стр. 251

محال، وماذا بعد الحق إلَّا الضلال؟ وما أقرب هذا المسلك من عقد من يتخذ سنن الأكاسرة والملوك المنقرضين عمدةَ الدين، ومن تشبث بهذا فقد انسلَّ عن ربقة الدين انسلال الشعرة من العجين" (١). والمصلحة المرسلة دليل من أدلة شرعية الحكم، فالشرع يقرر الاعتداد بكل مصلحة مرسلة لم يشهد لها دليل جزئي خاص من كتاب أَوْ سنة أَوْ إجماع أَوْ غيرها بإعمال ولا إلغاء، بل شهدت لها عموم مقاصد الشريعة، ولم يعارضها ما هو أقوى منها من الأدلة من كتاب، أَوْ سنة، أَوْ إجماع، أَوْ قياس، ولم تُفَوِّت ما هو أقوى منها من المصالح، وهذا حكم كلي مجرد يُخَرَّج عليه ما لا حصر له من الصور والوقائع. لكن معرفة وقوع المصالح في فروع وجزئيات الواقعات مما قد لا ينفرد به الفقيه، بل قد يحتاج إلى أهل الخبرة والاختصاص في المحل الذي يحقق مناط مصلحته؛ لأَنَّ أهل الخبرة يُبينون للفقيه دليل وقوع الحكم (٢)، فكون المصلحة المرسلة معتدًّا بها مما لا يعلم إلَّا بالشرع، وأَمَّا كون الشيء الفلاني مصلحة، فهذا مما قد يحتاج فيه مع الفقه إلى الخبرة، فالفقيه محتاج للحكم عليه إلى معرفة رأي أهل الخبرة والاختصاص فيه (٣)، مثل: معرفة بيع المغيبات في الأرض من

стр. 252

الجزر ونحوه، هل يكون غررًا أَوْ لا؟ . فالفقيه يقرر حرمة بيع الغرر، ولكن هل بيع المغيبات من الغرر أَوْ لا؟ معرفة ذلك لأهل الخبرة به (١). والمصلحة قد تتحقق في واقعة أَوْ زمن، وتكون في واقعة أَوْ زمن آخر بضد ذلك، فيستأنف الفقيه النظر في تقرير حكمها حسب أوصافها المستجدة، وهذا من تحقيق المناط الفقهي (٢). ٩ - سَدُّ الذرائع: والمراد بها عند الأصوليين: منع الفعل المباح إذا كان يؤدي كثيرًا إلى محرم (٣). والذرائع على ثلاثة أقسام هي (٤): ١ - ما أدى إلى المفسدة قطعًا أَوْ ظنًّا رَاجحًا، فهذا يُسَدُّ باتفاق في الجملة، وذلك مثل سبّ آلهة الكفار، وحفر الآبار في طرق المسلمين. ٢ - ما أدى إلى المفسدة نادرًا مع رجحان مصلحة إباحته، فهذا لا يُسَدُّ باتفاق، وذلك مثل زراعة العنب؛ فإنَّه قد يتخذ منه الخمر،

стр. 253

ولكنه غلب استعماله في غير ذلك من الوجوه المباحة، فلا تمنع زراعته خشية هذا المحظور. ٣ - ما أدى إلى المفسدة كثيرًا لا قطعًا ولا ظنًّا راجحًا ولا نادرًا، وهو المراد هنا. فمتى كان الفعل أَوْ القول موضوعًا للإِفضاء إلى أمر جائز أَوْ مستحب فاتخذ وسيلة كثيرًا إلى المحرم بقصد أَوْ بغير قصد، وكانت مفسدته أرجح من مصلحته - فإنَّه يُمْنع. وسَدُّ الذرائع دليل لشرعية الأحكام، وهو مما قال به العلماء في الجملة (١). يَدُلُّ على ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. قال ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "فحرم الله - تعالى - سب آلهة المشركين مع كون السب غيظًا وحمية لله وإهانة لآلهتهم؛ لكونه ذريعة إلى سبهم لله - تعالى -، وكانت مصلحة ترك مسبته - تعالى - أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم، وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز؛ لئلا يكون سببًا في فعل ما لا يجوز" (٢).

стр. 254

١٠ - شرع من قبلنا: والمراد به عند الأصوليين: شرع من قبلنا من الأمم إذا ثبت في شريعتنا ولم يقم دليل على نفيه عنا أَوْ مطالبتنا به (١). وشرع من قبلنا من الأمم إذا ثبت في شريعتنا لا يخلو من ثلاثة أمور، هي (٢): ١ - أَنْ يقوم الدليل على مطالبتنا به: فقد اتفق العلماء على أَنَّه شرع لنا، كمطالبتنا بالصيام في الجملة. قال - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. ٢ - أَنْ يقوم الدليل على نفيه عنا: فقد اتفق العلماء على أَنّه ليس شرعًا لنا. قال - تعالى -: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]. ٣ - أَلَّا يقوم دليل على مطالبتنا به ولا على نفيه عنا: فهذا هو المراد هنا، ومثاله قوله - تعالى -: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥].

стр. 255

والاعتداد بهذا الدليل (شرع من قبلنا) دليلًا لشرعية الأحكام هو مذهب فريق من العلماء، وهو منقول عن أَصْحَاب أبي حنيفة، وعن بعض أَصْحَاب الشافعي، ومالك، وهو ترجيح جمهور الحنابلة، وأَصَحُّ الروايتين عن أحمد؛ يَدُلُّ لذلك قوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وقوله - تعالى -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. ففي هاتين الآيتين الأمر باتباع الأنبياء قبلنا، فدَلَّ على حجية الأخذ بما في شريعتهم إذا لم يخالف شريعتنا. وقد خالف في ذلك - أي: في الاستدلال بشرع من قبلنا - بعض الشافعية، وهو رواية عن أحمد، وقول آخرين من الأصوليين (١). ولكن الراجح هو الأول، وليس هذا موضع تتبع أدلة الفريقين ومناقشتها؛ لأَنَّ القصد الإِشارة إلى هذا الدليل بإيجاز. هذه لمحة إجمالية أردت بها تنبيه المبتدئ وتذكير المنتهي بأدلة شرعية الأحكام، ومن أراد التفصيل في كل دليل فعليه بكتب الأصول.

стр. 256

تنبيه: العرف ليس من أدلة شرعية الأحكام بل من أدلة وقوعها: ذكر بعض الأصوليين أَنَّ العرف أصل من الأصول التي يستند إليها في الأحكام إذا لم يكن نَصٌّ (١). وهذا إذا أريد به أَنَّ الأعراف مستند لإِنشاء الأحكام ودليل على شرعيتها، كدلالة الكتاب، والسُّنَّة، والإِجماع، والقياس، وغيرها من طرق شرعية الأحكام إذا أريد به ذلك فإنَّه لا يَصِحّ؛ لأَنَّ العرف ليس دليلًا على شرعية الحكم، بل دليل على وقوع مُعَرِّفَاته من السبب، والشرط، والمانع، فهو يَدُلُّ على وقوع السبب، ككون ما قام به الصانع أَوْ الراعي يُعَدُّ تعديًا أَوْ تفريطًا، فيجب عليه الضمان بالشرع؛ لأَنَّه مفرط أَوْ مُتَعَدٍّ، أَوْ كون عطل الآلة عيبًا ينقص من ثمن المبيع، فيجب الرد بالشرع (٢). كما يَدُلُّ على وقوع الشرط، مثل معرفة منفعة سكنى الدار والتي هي شرط في عقد الإِجارة، وتعرف المنفعة بالعرف (٣)، ومعرفة كون مكان الحفظ حرزًا في السرقة (٤).

стр. 257

كما يَدُلُّ على وقوع المانع، مثل معرفة غنى الشخص المانع له من استحقاق الزكاة؛ فإنَّ ذلك يعرف بالعرف، ولا يكون العرف مستندًا لإِنشاء الأحكام من كون هذا الشيء حرامًا، أَوْ واجبًا، أَوْ سببًا، أَوْ شرطًا، أَوْ مانعًا، وإنَّما يعرف به وقوع السبب، أَوْ الشرط، أَوْ المانع على نحو ما مثلنا، والتي يحتاج إليها المفتي والقاضي وكل مكلف لإِيقاع الأحكام على محالها (١). وما يذكره بعض الفقهاء من أَنَّ هناك عقودًا بُعِث النبي ﷺ والناس يتعاملون بها ولم ينكرها، مثل المضاربة، وعدُّوا ذلك دليلًا على شرعيتها - فإنَّ أصل شرعيتها ليس العرف وإنَّما إقرار النبي ﷺ لذلك، فهو من السُّنَّة التقريرية (٢). وبما ذكرناه من أَنَّ العرف دليل على وقوع الحكم لا على شرعيته جرت أقلام العلماء، ومن ذلك ما يلي: يقول الشيخ محمد فرج السنهوري (معاصر): "لا حاكم سوى الله - سبحانه -، ولا حكم إلَّا ما حكم به، ولا شرع إلَّا ما شرعه، على هذا اتفق المسلمون، وقال به جميعهم حتى المعتزلة الذين يقولون: إنَّ في الأفعال حسنًا وقبحًا يستقل العقل بإدراكهما، وإنَّ على

стр. 258

الله أَنْ يأمر وينهى على وفق ما في الأفعال من حسن وقبيح، فالحاكم عند الجميع هو الله والحكم حكمه، وهو الشارع لا غيره، وإذا كان رسول الله ﷺ قد أطلق عليه اسم (الشارع) في بعض عبارات العلماء فما كان ذلك إلَّا تجوزًا؛ مراعاة لأَنَّه المبلغ عنه، وإذا كان الشاطبي في بعض المواطن قد سمى عمل المجتهد تشريعًا فما كان ذلك منه إلَّا تساهلًا أساغه أَنَّ عمل المجتهد كاشف عن التشريع ومظهر له، فالسلطة التشريعية هي لله وحده، والشريعة أَوْ الشرعة أَوْ الشرع فيما يختص بالعمليات هي حكم الله - تعالى - وهو أثر خطابه - جلَّ شأنه - المتعلق بأفعال العباد اقتضاءً، أَوْ تخييرًا، أَوْ وضعًا. والله - جلت حكمته - لم يُفَوِّض إلى أحد من عباده لا إلى رسول، ولا نبي، ولا إمام، ولا ولي، ولا إلى غيرهم - أَنْ يشرع للناس من الأحكام ما يريد، أَوْ أَنْ يحكم بينهم بما يراه هو من عند نفسه وكيف ما اتفق. أَمَّا العرف فلا توجد إحالة تشريعية إلى أحكامه، إنَّما يُلجأ إليه في معرفة ما يريده المتكلم من الأيمان، والعقود، وما إلى ذلك، وفي معرفة قِيم المتلفات وأشباهها، وفي الوقوف على الشروط التي يُصحَّحُ العرف اشتراطها في العقود، هذا كل ما يُلجأ إليه فيه إلى العرف، ولا يُلجأ إليه في معرفة حكم تشريعي ليُطبق، وإنَّما يلجأ إليه في تكييف الواقعات، والنوازل، ليطبق عليها الحكم المعروف في الشريعة، ولا

стр. 259

يترك بسببه حكم نَصٌّ ولا إجماعٌ ولا حكمٌ فقهيٌّ لم يكن مبنيًّا على العرف، وإنَّما يترك به الحكم الفقهي إذا كان مبنيًا على عرف ثم تغير إلى عرف آخر. فاعتبار العرف في الشريعة الإِسلامية ليس من باب الِإحالة التشريعية، كما أَنَّه ليس من الأدلة الإِجمالية، ولا يعدو أَنْ يكون قاعدة فقهية" (١). وفي قرار للمجمع الفقهي بمكة المكرمة: "ليس العرف من أدلة تشريع الأحكام، وإنَّما يبنى عليه في تطبيق الأحكام، وفهمِ المراد من ألفاظ النُّصُوص، ومن عبارات الناس في أيمانهم، وتداعيهم، وأخبارهم، وسائر ما يحتاجون إلى تحديد المقصود منه من الأفعال والأقوال، فلا تأثير له فيما تبين أمره وتعين المقصود منه ... " (٢). ويقول الشيخ عبد الله التركي (معاصر): "فالعرف يجب أَنْ

стр. 260

يكون تابعًا للشريعة لا مصادمًا لها، ولو قيل: إنَّ العرف هو الحاكم والمؤثر في الأحكام لنسخت أحكام الشريعة كلها، وما أُنْكِر على أَنْ يتعارف أي قوم على نظام يسودهم ويحتكمون إليه، لكن المقصود بملاحظة العادات: هو في المجال التطبيقي وما أحال الشرع الحكم فيه على العرف، كالتقديرات والتعويضات، والإِقرارات، وحمل كلام الناس وعقودهم وشروطهم على ما تعارفوا عليه، فهذا هو الذي يختلف باختلاف الأمكنة، والأزمنة، والأحوال، والظروف، أَمَّا أصل خطاب الشارع وأحكامه وقواعده فلا تتغير؛ لأَنَّها أبدية، ولا يؤثر فيها اختلاف مكان أَوْ زمن أَوْ حالة، فهي صالحة لكل الناس في مختلف البيئات، والعصور، والأمكنة" (١). وما مَرَّ من كلام الشيخ السنهوري، وقرار المجمع، وكلام الشيخ التركي في العرف ظاهرٌ، فالعرف كاشف ومبين للوقائع ولا ينشئ الأحكام، وسر المسألة: أنَّ العرف ليس مصدرًا تشريعيًّا من أدلة شرعية الأحكام، وإنَّما هو دليل من أدلة وقوع مُعَرِّفَات الأحكام، وفرق بين الدليلين دليلِ وقوع المُعَرِّفَات، ودليلِ الشرعية (٢). وممَّا يجب التنبيه عليه أنَّ العرف حال نزول القرآن وورود الحديث ملحوظٌ عند تفسير النصوص، فإنَّ معرفة حال العرب وعرفها

стр. 261

وما كانت تفعله وتقوله وقت التنزيل طريق من طرق فهم معنى الآية أو الحديث عند التباسه (١). * * *

стр. 262

المبحث الثالث أصول أدلة وقوع الأحكام وفيه مطلبان: المطلب الأول: أصول الأدلة العامة لوقوع الأحكام. المطلب الثاني: أصول أدلة وقوع الأحكام القضائية.

стр. 263

المطلب الأول أصول الأدلة العامة لوقوع الأحكام (طرق العلم العامة لوقوع الأحكام) وهي: * العقل. * الحسّ. * العادة والتجربة. * الخبر المتواتر. * العرف. * الخبرة. * العدد والحساب. * الاستصحاب.

стр. 264

إنَّ الأدلة العامة لوقوع الأحكام لا تتوقف على نَصْب من جهة الشرع، بل بكل طريق ثبت وقوعها أخذنا به (١). وهذه الأدلة طرق يعتمد عليها سائر المكلفين في العلم بحصول الوقائع، سواء من العامة، أَمْ المفتين، أَمْ القضاة، أَمْ الشهود، فطرق العلم بإدراك الحوادث التي يلتزمها المكلف ويفتي فيها المفتي ويعتمد عليها شاهد في إدراك المشهود به هي أصول الأدلة العامة لوقوع الأحكام، وهي تعود في الجملة إلى ما يلي: ١ - العقل: والمراد به: تلك الغريزة التي خلقها الله في الآدميين من عباده، يدركون بها العلوم الضرورية والنظرية، ولا يوصف بلون ولا جسم، ولا يعرف إلَّا بفعاله (٢). فالعقل هو الأصل في إدراك جميع المعلومات، ولا يتصور حصول علم بدونه، ومن ذلك: العلم بأنَّ الاثنين أكثر من الواحد، ونحو ذلك من الوقائع؛ فإذا دَلَّ على واقعة من ذلك اعتددنا بها،

стр. 265

فبالعقل يُسْتَدَلُّ الِإنسان على وقوع مُعَرِّفَات الحُكْم من السبب والشرط والمانع (١). ٢ - الحس: والمراد به: ما أُدْرِكَ بالحواس الخمس من السمع، والبصر، والذوق، والشم، واللمس، فكل واحدة منها تُعَدُّ دليلًا على وقوع الحكم من السبب، والشرط، والمانع، وهذه الحواس تدرك بها- مع الاستعانة بالعقل- الوقائعُ، ولذلك عُدَّ الحس من الأدلة العامة لوقوع الحكم، فبها يُتَعَرَّف على وقوع السبب، أَوْ الشرط، أَوْ المانع من فاعله؛ فكانت دليلًا على حصول الفعل، فبالسمع يعرف ما يقع من الأصوات والكلام، وبالبصر يدرك الناظر جميع الأشخاص والأعراض المرئية من السواد والبياض، والقعود والقيام، ويعرف وقوعها، وبالشم تدرك الروائح والمشمومات، ويعرف وقوعها، وباللمس تدرك جميع الملموسات، ويعرف وقوعها على اختلاف أنواعها (٢). ٣ - العادة والتجربة: والمراد بها: ما يعرف وقوعه باطراد العادات، والنظر، والاستدلال، ككون النار محرقة، وكون العيب قديمًا، ونحو ذلك مما

стр. 266

يعلم بالنظر والاستدلال بحصول العادة والتجربة. ولذا فإنَّ من أدلة وقوع الأحكام العادة والتجربة، فهي تَدُلُّ على وقوع السبب، والشرط، أَوْ المانع. والطرق التي تحصل بها التجارب غير محصورة، بل بكل طريق، أَوْ مخترع أَوْ آلة وغيرها من الأدلة والمخترعات دَلَّ على وقوع المُعَرِّفَات اعتددنا به، وذلك لا يحده حدّ ولا ينحصر في عدّ؛ لأَنَّه لا يتوقف على نَصْب من الشارع (١)، ومن ذلك التحاليل المخبرية، والتصاوير الِإشعاعية لتبيين مرض، أَوْ عقم، أَوْ حمل، أَوْ غيرها. ٤ - الخبر المتواتر: والمراد به: خبر أقوام عن أمر محسوس يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، كالعلم بوجود مكة، والمدينة، وبغداد، والرياض، والقاهرة (٢). ويحصل بهذا الدليل العلم بالبلدان النائية، والقرون الماضية، وظهور النبي ﷺ ودعوته إلى الِإسلام وقواعد الشرع ومعالم الدين، ونحو ذلك مما لا يُشَكُ ولا يُرْتَابَ فيه، فهذا الدليل يَدُلُّ على وقوع

стр. 267

مُعَرِّفَات الحُكْم من السبب، والشرط، والمانع (١). ٥ - العرف: والمراد به: ما اعتاده أكثر الناس من قول أَوْ فعل أَوْ ترك أَوْ تصرف، وساروا عليه في جميع البلدان، أَوْ في بعضها، سواء أكان ذلك في جميع العصور أَمْ في عصر معين مما كان قائمًا عند التصرف ولم يخالف الشرع، ولم يصرح المتعاقدان بخلافه (٢). فكل ما استقر من الأعراف في الأقوال والفِعال والتصرفات فهو داخل في ذلك ومشمول له، وذلك كمعرفة مقدار أجرة الدلال، والحلاق ونحوهم إذا لم تسمَّ فإنَّها حسب العرف؛ فمعرفة ما يجب لكل واحد من المتعاقدين في العقد المطلق يرجع إلى العرف، والشرط العرفي كاللفظي، وما شهد له العرف من الشروط بين التجار أخذنا به ما لم يصرح المتعاقدان بخلافه، ولذا كان العرف دليلًا من الأدلة العامة لوقوع الأحكام، فبه يعرف وقوع السبب، أَوْ الشرط، أَوْ المانع (٣)، وذلك إذا تحققت شروط العمل به.

стр. 268

ويدل على كون العرف دليلًا لوقوع الأحكام: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "حجم رسولَ الله ﷺ أبو طيبة، فأمر له رسول الله ﷺ بصاعٍ من تمر، وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه" (١)، فأبو طيبة حجم النبي ﷺ من غير مشارطة على أجرته؛ اعتمادًا على العرف في مثله، فدلَّ على الاعتداد بالعرف في وقوع الحكم (٢). شروط اعتبار العرف دليلًا لوقوع الحكم: لا يعتد بالعرف دليلًا لوقوع الحكم إلَّا إذا تحققت شروط، هي: (أ) أَنْ يكون العمل به في دليل وقوع الحكم: العرف دليل من أدلة وقوع الأحكام، والنَّصّ دليل شرعيتها، فلا يصح أَنْ يأتي العرف بتقرير أمر يكون مخالفًا لدليل شرعي، لأَنَّه بذلك يكون قد تعدى حده الذي يعمل فيه، فلا يعتد به، فالعرف لا يُسْتَدَلُّ به على شرعية الحكم الكلي، ولا على شرعية مُعَرِّفَاته، بل يُسْتَدَلُّ به على وقوع مُعَرِّفَات الحُكْم، ولذا فإنَّ العرف لا ينسخ النَّصّ، ولا يخصص عامه، ولا يقيد مطلقه، بل يستعان به على تحقيق مناط الحكم الكلي، وتنزيله على الوقائع، وتفسير الوقائع ببيان مجملها، وتخصيص عامها، وتقييد مطلقها (٣)، إلَّا ما كان من أعراف العرب حال التنزيل

стр. 269

فهو طريق من طرق فهم النصّ وتفسيره. (ب) أَنْ يكون العرف محترمًا: والمراد به: أَلَّا يكون العرف محرَّمًا في الشرع، فإذا كان العرف الذي يُسْتَدَلُّ به على وقوع الحكم محرَّمًا فإنَّه يُهدر ولا يُعتد به دليلًا على وقوع الحكم. مثاله: لو تعارف الناس على الاستدلال لوقوع الحكم بالكهانة أَوْ العرافة، أَوْ الرمل، أَوْ التنجيم (١) لكان ذلك باطلا مهدرًا؛ لثبوت النهي عن إتيان هذه الأمور (٢). مثال آخر: شرب الخمر محرم، ويحد شاربه قليلًا كان أَوْ كثيرًا كما دَلَّت عليه السنة، فلو تعارف الناس على شرب القليل من المسكر لأَنَّه في زعمهم لا يسكر ولا يضر فلا يكون ذلك دَالًّا على أَنَّ التحريم لا يقع إلَّا على الكثير ولا يقع على القليل. وفرق بين ما ذكرنا وما جاء من الاعتداد بالحرز في السرقة بالعرف؛ لأَنَّ الشرع لما أطلق اشتراط الحرز في القطع بالسرقة ولم يحدّه بحدٍّ صرنا إلى الاعتداد به عند تحقيق مناطه بما يُعَدُّ حرزًا في العرف، وذلك لا يشتمل على أمر منهي عنه.

стр. 270

أَمَّا تحريم الخمر فيشمل قليله وكثيره، فلا مجال للعرف هنا عند تطبيق الحكم على الواقعة. (د) أَنْ يكون العرف مطردًا أَوْ غالبًا: فلا يعتد بالعرف إلَّا إذا كان مطردًا مستفيضَّا في جميع الأحوال والحوادث غالبًا فيها لا يتخلف إلَّا قليلًا، سواء كان قديمًا مستمرًّا، أَمْ ما تجدد من ذلك. والتخلف في العرف بترك العمل به في بعض الأحوال والحوادث القليلة لا يقدح في اعتباره، لأَنَّه لا يزال غالبًا (١). (د) أَنْ يكون العرف قائمًا عند إنشاء التصرف: العرف المعتد به ما كان قائمًا عند إنشاء التصرف، سواء كان التصرف قوليًّا أَمْ فعليًّا، فلا يعتد بعرف طرأ بعد التصرف، أَوْ كان سابقًا على التصرف وتغير وقت إنشاء التصرف (٢). (هـ) أَلَّا يصرح المتعاقدان بخلاف العرف: العمل بالعرف في دلالته على وقوع الأحكام في تصرفات المكلفين إنَّما يكون إذا لم يصرح المتعاقدان بخلافه، فإذا صرحا

стр. 271

بخلافه أَوْ أحدهما لم يلزمه ذلك العرف (١)؛ ذلك بأَنَّ الِإلزام بالعرف إنَّما هو من قبيل دلالة الظاهر على وقوع الحكم، فإذا عارضها ما هو أقوى منها من تصريح المتعاقدين أَوْ أحدهما بخلافه ألغي هذا الظاهر وأخذ بدلالة التصريح، ومن القواعد المقررة: أَنَّه لا عبرة بالدلالة في مقابلة التصريح (٢). ٦ - الخبرة: والمراد بها: الِإخبار عن وقوع مُعَرِّفَات الحُكْم من قِبَل مختص بها على وجه يظهر حقيقة أمرها. وذلك مثل شهادة الخبراء بقيم المتلفات وعيوب السلع والآلات، وشهادة خبراء السير في حوادث السير، وكمعرفة الطبيب حقيقة الموت الدماغي، ونحو ذلك. والفقيه، والمفتي، والقاضي محتاجون لمعرفة كُنْهِ الشيء قبل الحكم على النازلة؛ فكون الغرر منهيًّا عنه مما يعلم بالشرع، وأَمَّا كون الشيء الفلاني غررًا فهذا لا يعلم بالشرع بل بالخبرة، لأَنَّها من أدلة وقوع الأحكام (٣). يقول ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ) - في بيع المغيبات في

стр. 272

الأرض-: "وقول القائل هذا غرر ومجهول فهذا ليس حظ الفقيه ولا هو من شأنه، وإنَّما هذا شأن أهل الخبرة بذلك، فإن عَدُّوه قمارًا أَوْ غررًا فهم أعلم بذلك، وإنَّما حظ الفقيه يَحِلُّ كذا؛ لأَنَّ الله أباحه، ويَحْرُم كذا؛ لأَنَّ الله حرَّمه" (١)، وما ذلك إلَّا "لأَنَّ تحقيق المناط يرجع فيه لمن هو أعرف به وإن كان لا حظ له من علوم الوحي" (٢). وأدلة الشرع دالة على الاعتماد على الخبرة في الدلالة على وقوع مُعَرِّفَات الأحكام؛ فعن سعد بن أبي وقاص قال: "سمعت رسول الله ﷺ سئل عن شراء الرطب بالتمر، فقال: أينقص إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك كله" (٣). فالنبي ﷺ رد إلى أهل الخبرة معرفة نقصان الرطب إذا يبس، فلما قرروا ذلك تحقق وقوع السبب وهو التفاضل، فنهى عن هذا الشراء (٤). وعمر ﵁ عندما أراد أَنْ يوقت غيبة المجاهد عن أهله سأل حفصة ﵂: "كم تصبر المرأة عن زوجها؟

стр. 273

فقالت: ستة أَوْ أربعة أشهر، فقال عمر ﵁: لا أحبس الجيش أكثر من هذا" (١). فقد سأل عمر ﵁ حفصة ﵂ ما خفي عنه من أمر صبر النساء عن أزواجهن، فأخبرته حفصة بذلك، فدَلَّ على أَنَّ الخبرة طريق من طرق العلم بوقوع مُعَرِّفَات الأحكام. ٧ - العدد والحساب: والمراد به: إدراك الواقعة من السبب والشرط والمانع بالعدد والحساب. فالشرع قد ينيط بعض الأحكام بتوقيت معين، ويكون طريق معرفته ودليل وقوع سببه أَوْ شرطه أَوْ مانعه العددُ والحساب (٢). مثال ذلك: إناطة عدة المتوفى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشرة أيام بلياليهن، قال- تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ويعرف مُضِيُّ ذلك بالعدد، وهكذا في كل ما علق الشارع حكمه بالعدد والحساب. كما أَنَّ المكلف قد يوقت تعامله مع الآخرين في بيع أَوْ شراء

стр. 274

ونحوهما بوقت معين، ويعتد الشرع بذلك التوقيت، وطريق معرفة وقوعه بالعدد. مثال ذلك: أَنْ يبيع شخص على آخر سيارته على أَنْ ينقده الثمن إلى ثلاث ليال فيصح الشرط (١) ويكون معرفة ذلك بالعدد. وهكذا لو اختلف شخصان في حساب بينهما واردًا ومنصرفًا، وتشاحَّا في ذلك وبينهما قيودات ودفاتر حسابية، فيعرف ما لكل واحد منهما بالحساب بينهما (٢). ٨ - الاستصحاب: والاستصحاب كدليل لوقوع الحكم على نوعين: النوع الأول: استصحاب الماضي للحال: والمراد به: ظن دوام الواقعة أو نفيها في الحال بناءً على ثبوت وجودها أو نفيها قبل ذلك. وهذا يعني: أنَّ الواقعة إذا كانت على حال في الزمان الماضي فهي على حالها في الحاضر والمستقبل ما لم يوجد ما يُغَيِّر ذلك. فمن لزمه طهارة أو صلاة أو زكاة أو حجّ أو في دين لآدمي ثم شكَّ في أداء ركن من أركانه أو شرط من شرائطه فإنه يلزمه القيام به؛ لأنَّ الأصل بقاؤه في عهدته، ولو شكَّ هل لزمه دين أو عين في ذمَّته أو شكَّ في طلاق زوجته أو في نذر فلا يلزمه ذلك؛ لأنَّ الأصل براءة الذمة،

стр. 275

والله خلق عباده أبرياء الذمم والأجساد من حقوقه وحقوق العباد إلى أن تتحقق أسباب وجوبها. النوع الثاني: الاستصحاب المقلوب: والمراد به: ظن دوام الواقعة أو نفيها في الماضي بناءً على ثبوت وجودها أو نفيها في الحال. وهذا يعني: أنَّ الواقعة إذا ثبتت على حال حاضرة دلَّ على على أنَّها كانت عليها في الزمان الماضي ما لم يوجد دليل يغيِّر ذلك، وذلك مثل: وضع اليد على الشيء، فإنه دليل الملك في الماضي. والاستصحاب إذا أُعْمل في باب القضاء فإنما يكون حجة للدفع لا للاستحقاق (١). وفرق بين الاستصحاب كدليل لشرعية الحكم وبين الاستصحاب كدليل لوقوع الحكم؛ إذ إنه في الأول يتعلَّق بتقرير شرعية الحكم الكلي فهو استصحاب لدليل شرعية الحكم لتقرير الحكم الكلي من وجوب أو استحباب ... إلخ، وفي الثاني يتعلَّق بوقوعه، فهو استصحاب لحال الواقعة للدلالة على ثبوت الواقعة أو نفيها، والأمثلة المذكورة في كل منهما توضح ذلك (٢). * * *

стр. 276

المطلب الثاني أصول أدلة وقوع الأحكام القضائية وهي: * الإقرار. * الكتابة. * الشهادة. * الشاهد واليمين. * اليمين. * النكول. * القرينة.

стр. 277

إنَّ أدلة وقوع الأحكام القضائية لا تتوقف على نَصْب من الشرع، كما إِنَّها غير محصورة، فكل طريق يُثْبِتُ الواقعة المتنازع فيها فإنَّنا نُعْمِلُه. وهذه الأدلة يعتمد عليها القضاة؛ إذ التنازع والتجاذب للحقوق والفصل فيها لا يتم إلَّا من قبلهم (١). وأصول هذه الأدلة ترجع في الجملة إلى ما يلي: ١ - الإقرار: وهو إخبار المكلف عن ثبوت حق على نفسه لله أَوْ للعباد بما يمكن صدقه فيه (٢). والإقرار أقوى الحجج القضائية؛ لأَنَّه إخبار المكلف بما عليه، والعاقل لا يكذب على نفسه بما يضر بها، والتهمة والريبة منتفية عن المكلف في هذا الإخبار، فكان الوثوق به أقوى من غيره (٣)، فإذا وقع التنازع في حق بين خصمين لدى القاضي فأقر به المدعى عليه كان ذلك دليلًا على وقوعه (٤). ويدل على كون الإقرار دليلًا على وقوع الحكم: قوله

стр. 278

- تعالى-: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فقد أمر الله- المدينَ بأن يملي ما عليه من الحق لكاتب الوثيقة، والِإملاء إقرار بما عليه من الحق لغيره، وهذا هو حقيقة الِإقرار، فدلَّ على حجية الِإقرار على وقوع الحكم (١). وقد أجمع المسلمون على الاعتداد بالإقرار طريقًا للحكم (٢). ٢ - الكتابة: وهي الخط المرسوم على الوجه المعتاد توثيقًا للحق (٣). وعليها يعتمد القضاة في ثبوت مُعَرِّفَات الأحكام (وهي الوقائع المؤثرة)، فإذا تنازع شخصان في حق، وأنكره المدعى عليه، وكان مع المدعي دليل كتابي، وقدمه للقاضي، وكان مستبينًا، مرسومًا على الوجه المعتاد، خاليًا من التزوير، معروفًا بأَنَّه خط المدعى عليه- فإنَّ القاضي يعتمد عليه في ثبوت الواقعة المتنازع فيها، ويفصل في النزاع (٤). وفي مختصر الفتاوى المصرية: "والعمل بالخط مذهب قوي، بل هو قول جمهور السلف" (٥).

стр. 279

ودليل الاعتداد بالكتابة طريقًا للحكم: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله في الآية نفسها: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فقد أمر الله في الآية بكتابة الدين لتوثيقه، فدلَّ ذلك على حجيتها (١). ٣ - الشهادة: وهي إخبار الشاهد بما يعلمه من حق لغيره على آخر، في مجلس الحكم (٢). وهي دليل على وقوع مُعَرِّفَات الحُكْم القضائي (٣). ويدل على حجية العمل بها طريقًا للحكم: قوله- تعالى-: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فقد أمر الله بها توثيقًا للحق، فدلَّ على الاعتداد بها عند التقاضي؛ لأنَّ ذلك هو ثمرة التوثيق. وقد أجمع العلماء على قبولها والعمل بها في الجملة في الدلالة على وقوع مُعَرِّفَات الحُكْم القضائي (٤).

стр. 280

ونصاب الشهادة قد يكون أربعة رجال كما في الزنا، وقد يكون ثلاثة كما في الإِعسار، وقد يكون اثنين كما في سائر المعاملات المالية وما في حكمها، وقد يكون امرأة واحدة كما في القابلة والمرضعة، هذا في الجملة (١). ٤ - الشاهد واليمين: فإذا تنازع خصمان لدى القاضي وكان لأحدهما شاهد على دعواه حلف معه، وكان ذلك دَالًّا على وقوع مُعَرِّفَات الحُكْم القضائي (٢). ويدلّ على حجية العمل باليمين: حديث ابن عباس ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد" (٣). ٥ - اليمين: وهي تأكيد الحق المدعى به أَوْ نفيه من قبل المترافعين كليهما أَوْ أحدهما، وذلك بذكر اسم الله أَوْ صفة من صفاته على وجه مخصوص أمام القاضي (٤). فمتى توجهت اليمين في دعوى على شخص فأداها كان ذلك دليلًا على وقوع مُعَرِّفَات الحُكْم القضائي (٥).

стр. 281

ويدلُّ لذلك: حديث ابن عباس ﵄: أنَّ النبي ﷺ قال: "لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدَّعى عليه" (١). ويكون الحلف مرة واحدة في الأموال ونحوها، وتُكَرَّر اليمين من الطرفين خمس مرات في اللعان (٢)، وخمسين مرة من أولياء الدم في القسامة (٣). ٦ - النكول: هو امتناع من توجهت عليه اليمين عن أدائها من غير عذر (٤). فمن توجهت عليه يمين مستكملة لشروطها ثم امتنع عن أدائها من غير عذر كان ذلك دَالًّا على وقوع مُعَرِّفَات الحُكْم القضائي (٥). ويدلّ لذلك: حديث ابن عبَّاس ﵄ السابق في القضاء باليمين؛ إذ لو لم يُقْض بالنكول لم يكن لليمين فائدة.

стр. 282

٧ - القرائن: القرينة أمارة قوية يَسْتَدِلُّ بها القاضي على وقوع أمر خفي من الأوصاف الدالة على ثبوت الواقعة الموجبة للحكم، ويكون هذا الأمر مصاحبًا للقرينة حالية كانت أَمْ مقالية (١). فالقاضي يَسْتَدِلُّ بالقرينة القوية على وقوع مُعَرِّفَات الحُكْم القضائي، ويبني حكمه على ثبوت تلك المُعَرِّفَات بالقرينة القوية (٢). ويدلُّ لذلك: قوله- تعالى-: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٨]، فقد جعل هذا الشاهد شق الثوب على الصفة الواردة في الآية دليلًا على صدق أحد المتنازعين، فدلَّ على حجية القرينة (٣)، وإن كان هذا في شريعة من قبلنا إلَّا أنه حجة في شريعتنا ما لم تنسخه، ولا ناسخ هنا كما سبق بيانه في أدلة شرعية الأحكام. * * *

стр. 283

الفصل الرابع طرق تقرير الحكم الكلي وفيه مدخل، وستة مباحث: مدخل. المبحث الأول: الاجتهاد. المبحث الثاني: الاتباع. المبحث الثالث: التقليد. المبحث الرابع: الأخذ بالقول المرجوح والرخص الفقهية عند الاقتضاء. المبحث الخامس: التخريج. المبحث السادس: خلو الواقعة من قول لمجتهد وموقف القاضي منه.

стр. 284

مدخل سبق أَنْ الحكم التكليفي هو مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أَوْ تخييرًا أَوْ صِحَّةً أَوْ بطلانًا، وأَنَّ الأصل هو الحكم التكليفي وكثيرًا ما يطلق الحكم الشرعي مرادًا به الحكم التكليفي، وأَنَّ حكم التكليف مرتب لما تقرر بالأسباب، والشروط، والموانع، وأَنه مُتَوَقِّف عليها، فالحكم الكلي يتحلل إلى شطرين هما: الحكم الوضعي (مُعَرِّفَات الحُكْم)، والحكم التكليفي (١). والحكم الكلي كما يكون نَصًّا مقررًا قد يكون قاعدة تستنبط وتقرر بناءً على القواعد الأصولية (٢).

стр. 285

وإذا كنا نروم في هذا الكتاب إلى ضبط تَوْصِيف الأَقْضِيَة التي يكون بها إجراء الحكم الكلي على الأقضية مراعين ضبطه بما يوقعه موقعه الصَّحِيح الموافق لمراد الله- في تحقيق العدل بين عباده، وإيصال الحقوق إلى أَصْحَابها آخذين بما تقتضيه الأصول من مراعاة الزمان والمكان وخصوصية الواقعة موضع النزاع وغير ذلك من الأصول، فإذا كنا نروم ذلك فإنَّ أهم عناصر التَّوْصِيف هو إعداد الحكم الكلي المراد تطبيقه على الواقعة المعينة بتمييزه من بين أحكام أخرى قد تكون مشابهة أَوْ متداخلة، أَوْ باستنباطه بالاجتهاد من أصوله وقواعده إذا لم يكن حكمًا نَصِّيًّا، فالعلم بالحق مقدمة للحكم به (١). وتقرير الحكم الكلي في صيغته المهيئة لتَوْصِيف القضية عليه يكون من طرقه المعتبرة باجتهاد، أَوْ اتباع، أَوْ تقليد، أَوْ تخريج، وسوف نأتي على تفصيل لهذه الطرق في المباحث التالية: * * *
следующие страницы →