ويدلُّ لذلك: حديث ابن عباس ﵄: أنَّ النبي ﷺ قال: "لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدَّعى عليه" (١).
ويكون الحلف مرة واحدة في الأموال ونحوها، وتُكَرَّر اليمين من الطرفين خمس مرات في اللعان (٢)، وخمسين مرة من أولياء الدم في القسامة (٣).
٦ - النكول:
هو امتناع من توجهت عليه اليمين عن أدائها من غير عذر (٤).
فمن توجهت عليه يمين مستكملة لشروطها ثم امتنع عن أدائها من غير عذر كان ذلك دَالًّا على وقوع مُعَرِّفَات الحُكْم القضائي (٥).
ويدلّ لذلك: حديث ابن عبَّاس ﵄ السابق في القضاء باليمين؛ إذ لو لم يُقْض بالنكول لم يكن لليمين فائدة.
стр. 282
٧ - القرائن:
القرينة أمارة قوية يَسْتَدِلُّ بها القاضي على وقوع أمر خفي من الأوصاف الدالة على ثبوت الواقعة الموجبة للحكم، ويكون هذا الأمر مصاحبًا للقرينة حالية كانت أَمْ مقالية (١).
فالقاضي يَسْتَدِلُّ بالقرينة القوية على وقوع مُعَرِّفَات الحُكْم القضائي، ويبني حكمه على ثبوت تلك المُعَرِّفَات بالقرينة القوية (٢).
ويدلُّ لذلك: قوله- تعالى-: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٨]، فقد جعل هذا الشاهد شق الثوب على الصفة الواردة في الآية دليلًا على صدق أحد المتنازعين، فدلَّ على حجية القرينة (٣)، وإن كان هذا في شريعة من قبلنا إلَّا أنه حجة في شريعتنا ما لم تنسخه، ولا ناسخ هنا كما سبق بيانه في أدلة شرعية الأحكام.
* * *
стр. 283
الفصل الرابع طرق تقرير الحكم الكلي
وفيه مدخل، وستة مباحث:
مدخل.
المبحث الأول: الاجتهاد.
المبحث الثاني: الاتباع.
المبحث الثالث: التقليد.
المبحث الرابع: الأخذ بالقول المرجوح والرخص الفقهية عند الاقتضاء.
المبحث الخامس: التخريج.
المبحث السادس: خلو الواقعة من قول لمجتهد وموقف القاضي منه.
стр. 284
مدخل
سبق أَنْ الحكم التكليفي هو مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أَوْ تخييرًا أَوْ صِحَّةً أَوْ بطلانًا، وأَنَّ الأصل هو الحكم التكليفي وكثيرًا ما يطلق الحكم الشرعي مرادًا به الحكم التكليفي، وأَنَّ حكم التكليف مرتب لما تقرر بالأسباب، والشروط، والموانع، وأَنه مُتَوَقِّف عليها، فالحكم الكلي يتحلل إلى شطرين هما: الحكم الوضعي (مُعَرِّفَات الحُكْم)، والحكم التكليفي (١).
والحكم الكلي كما يكون نَصًّا مقررًا قد يكون قاعدة تستنبط وتقرر بناءً على القواعد الأصولية (٢).
стр. 285
وإذا كنا نروم في هذا الكتاب إلى ضبط تَوْصِيف الأَقْضِيَة التي يكون بها إجراء الحكم الكلي على الأقضية مراعين ضبطه بما يوقعه موقعه الصَّحِيح الموافق لمراد الله- في تحقيق العدل بين عباده، وإيصال الحقوق إلى أَصْحَابها آخذين بما تقتضيه الأصول من مراعاة الزمان والمكان وخصوصية الواقعة موضع النزاع وغير ذلك من الأصول، فإذا كنا نروم ذلك فإنَّ أهم عناصر التَّوْصِيف هو إعداد الحكم الكلي المراد تطبيقه على الواقعة المعينة بتمييزه من بين أحكام أخرى قد تكون مشابهة أَوْ متداخلة، أَوْ باستنباطه بالاجتهاد من أصوله وقواعده إذا لم يكن حكمًا نَصِّيًّا، فالعلم بالحق مقدمة للحكم به (١).
وتقرير الحكم الكلي في صيغته المهيئة لتَوْصِيف القضية عليه يكون من طرقه المعتبرة باجتهاد، أَوْ اتباع، أَوْ تقليد، أَوْ تخريج، وسوف نأتي على تفصيل لهذه الطرق في المباحث التالية:
* * *
стр. 286
المبحث الأول الاجتهاد
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: المراد بالاجتهاد.
المطلب الثاني: مسالك الاجتهاد.
المطلب الثالث: إمكان الاجتهاد في كل عصر.
المطلب الرابع: تركيب دليل الحكم المستنبط وإفراده.
стр. 287
المطلب الأول المراد بالاجتهاد
الاجتهاد لغة: بذل الوسع لإِدراك أمر شاق (١).
والاجتهاد في الاصطلاح: بذل الفقيه جهده في استنباط حكم شرعي من أدلته المقررة شرعًا (٢).
وقد اشتمل هذا التعريف على القيود التالية (٣):
١ - أَنَّ الاجتهاد لا يكون إلَّا من فقيه مؤهل:
والمراد به من شأنه الفقه بتحقق شروط المجتهد فيه، من إحاطته بأدلة الأحكام من الكتاب، والسنة، والقياس، والاسْتِصْحَاب، وغيرها مما يدرك به الحكم، ولديه معرفة بمقاصد
стр. 288
الشريعة، والناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، وأسباب النزول، ومواقع الإِجماع والخلاف، وصَحِيح الحديث وضعيفه، عالمًا بالقدر اللازم لفهم الكلام من لسان العرب، عارفًا بالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والنَّصّ والظاهر والمؤول، والمجمل والمبين، والمنطوق والمفهوم، والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي، بالقدر الذي يتعلق بإدراك مقاصد الخطاب ودلالة الألفاظ بحيث تتكون لديه ملكة وقدرة على استنباط الأحكام من أدلتها؛ وفي الجملة لا بُدَّ أَنْ يكون عالمًا بأصول الشريعة وبصفة الاستفادة منها مرتاضًا بفروعها.
٢ - أَنْ يبذل الفقيه جهده لاستنباط الحكم:
والمراد بذل الفقيه غاية جهده، ولا يكتفي بأدنى الجهد، ولذلك ذكر الأصوليون أَنَّ الاجتهاد منه تام وناقص، وأَنَّ التام هو بذل غاية الجهد بحيث يشعر المجتهد بالعجز عن المزيد.
والناقص هو النظر المطلق في تَعَرُّف الحكم بحيث لا يبلغ به تحصيل الحكم على وجه التمام، وتختلف مراتبه بحسب الأحوال.
ومثال ذلك في العاديات: من سقط منه درهم في تراب، فقلب التراب برجله، فلم يظفر به، فتركه وذهب، وجرى ذلك لآخر، فجاء بالغربال، فغربل التراب حتى يجد الدرهم أَوْ يغلب على ظنه أَنَّه لن يجده؛ فالأول اجتهاد ناقص، والثاني تام، وهو المراد عند الإِطلاق.
стр. 289
والاجتهاد بهذا المفهوم أعم من القياس، فهو يشمل القياس وغيره، على أَنَّ من الأحكام ما يدرك مباشرة من الدليل، لأَنَّه مجمع عليه، كوجوب الصلوات الخمس، أَوْ لأَنَّ النَّصّ فيه صريح، كحد القاذف المدرك من قوله- تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فهذا وإن لم يسم اجتهادًا لأَنَّه لا يحتاج من الفقيه مبلغ جهده إلَّا أَنّه لا يدرك الجزم به بيقين أَوْ غلبة ظن إلَّا فقيه له علم بمواقع الإِجماع، والناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، وصِحَّة الحديث وضعفه، وغيرها من العلوم والفنون التي يحتاجها الفقيه، ولو مع ظهور النَّصّ.
٣ - أَنْ يكون المجتهد فيه من الأحكام الشرعية:
فلا يدخل في ذلك الاجتهادُ في العقليات والمحسوسات، لأَنَّ الاجتهاد فيها لا يتطلب النظر في الأدلة، نعم قد يحتاج المجتهد إلى شيء من الاجتهاد في العقليات أَوْ الحسيات ونحوها لإِدراك دليل وقوع الحكم، ولكن ذلك يخرج عن الاجتهاد في دليل مشروعيته، وقد يحصل المجتهد ذلك عن طريق أهل الخبرة إذا استدعى ذلك بيان حكم المسألة.
* * *
стр. 290
المطلب الثاني مسالك الاجتهاد
للمجتهد في الشريعة لتقرير الحكم الشرعي أربعة مسالك هي (١):
١ - الاجتهاد البياني:
والمراد به: استخراج المجتهد الحكم من النُّصوص الشرعية من الكتاب والسنة مباشرة من دون وسائط أخرى غير فهم أساليب اللغة والبيان، ومدارك الأحكام؛ من عموم وخصوص، وإطلاق وتقييد، ونحوها.
٢ - الاجتهاد القياسي:
والمراد به: استخراج المجتهد الحكم من النُّصُوص الشرعية، لكن بواسطة إلحاق ما سكت عن حكمه بما نَصَّ على حكمه لعلة جامعة بينهما (٢).
стр. 291
٣ - الاجتهاد بتخريج الفروع على الأصول الكلية:
والمراد به: أَنْ يكون هناك قاعدة كلية مقررة بأدلتها الشرعية، مثل قاعدة: اليقن لا يزول بالشك، ثم يأتي المجتهد ويخرج عليها فروعًا من النوازل ملحقة بها؛ قال الفتوحي (ت: ٩٧٢ هـ) عن هذه القواعد ومكانتها: "ثبت مضمونها بالدليل، وصارت يقضى بها في جزئياتها، كأَنَّها دليل على ذلك الجزئي" (١).
ويدخل في ذلك دليل الاسْتِصْحَاب، فهو من القواعد الكلية التي يُخرَّج عليها فروع كثيرة.
٤ - الاجتهاد الاستصلاحي:
والمراد به: تقرير المجتهد للأحكام مما شهدت النُّصُوص الشرعية لجنسه بالمراعاة لا لعينه ولا لجزئه.
وهذا الطريق فيه إعمال لمقاصد الشريعة وأهدافها العامة، وهو من أخصب الطرق فيما ليس فيه نَصٌّ خاص، ويحتاج إلى مزيد من الاحتياط في توخي المصلحة وشدة الحذر من غلبة الأهواء؛ لأَنَّ الأهواء كثيرًا ما تُزَيِّن المفسدة مصلحة، وكثيرًا ما يغتر بما ضرره أكثر من نفعه (٢).
стр. 292
وعلى الناظر في ذلك مراعاة الأدلة الجزئية وتقديمها على كل مصلحة.
إنَّ جعل الحكم تابعًا للدليل هو عمل الراسخين في العلم (١)، ولا خيرة لأحد من المخلوقين مع قضاء الله وحكمه (٢)، يقول - تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
وللعمل بالمصلحة شروط يجب اعتبارها، وقد سبق بيانها (٣).
ومدارك مسالك الاجتهاد هي أدلة شرعية الأحكام من الكتاب، والسنة، وما ألحق بهما، وقد سبق إيجازها بما يغني عن إعادتها (٤).
* * *
стр. 293
المطلب الثالث إمكان الاجتهاد في كل عصر
إنَّ الاجتهاد ممكن في كل عصر، فلم يقفل بابه، وقد تيسرت أسبابه وموجباته في هذا الزمن مما لم يكن في الزمن الأول؛ فبينت آيات الأحكام ومواضعها وفُسِّرت، وجُمعت السنة وشُرحت، وتيسر معرفة الحكم على الأحاديث وطرق الشواهد والاعتبار، وَدُوِّنَ الفقه وأصول الفقه والعربية، وقُرِّبت هذه العلوم إلى الفهوم، وتيسرت وسائل طباعة الكتاب وانتشاره، وحفظ المعلومات واسترجاعها، ولم يبق إلَّا التشمير لبلوغ هذا المنصب من قبل فريق من الأمة؛ استعدادًا لمواجهة النوازل، وذلك فرض لا يجوز تركه حتى لا يخلو عصر من قائم بالحجة؛ يقول ابن حمدان (ت: ٦٩٥ هـ) - في إمكان وجود المجتهد المطلق-: "ومنذ زمن طويل عُدِم المجتهد المطلق، مع أَنَّه الآن أيسر منه في الزمن الأول؛ لأَنَّ الحديث والفقه قد دُوِّنا، وكذا ما يتعلق بالاجتهاد من الآيات والآثار وأصول الفقه والعربية وغير ذلك، لكن الهمم قاصرة، والرغبات فاترة، ونار الجد
стр. 294
والحذر خامدة، اكتفاءً بالتقليد، واستغناءً من التعب الوكيد، وهربًا من الإِثقال، وأربًا في تمشية الحال وبلوغ الآمال ولو بأقل الأعمال، وهو فرض كفاية قد أهملوه وملوه، ولم يعقلوه ليفعلوه" (١).
فعلى أهل العلم وحملته يقع عبء التأهيل والاستعداد لهذا المنصب العظيم، وقد اشتدت الحاجة إليه لمواجهة النوازل الجديدة بالأحكام الكلية الفقيهة.
ولا يخلو عصرنا- بحمد الله- من قائم بهذه الفريضة- أعني مواجهة النوازل بالأحكام- بخاصة الاجتهاد الجماعي الذي تيسرت أسبابه ووسائله عن ذي قبل عن طريق المجامع الفقهية، ولا شك أَنّه بالمشاركة في الدراسة والمباحثة والتأمل للنوازل تذلل الصعاب، وتتلاقح الفهوم، ويكمل بعضها بعضًا، وينضج الاجتهاد ويقارب السداد.
ولا يعني ذلك الحجر على القادرين عليه من الآحاد، بل كلٌّ على ثغرة يقوم بما أوجب الله عليه من أمره.
* * *
стр. 295
المطلب الرابع تركيب دليل الحكم المستنبط وأفراده
الحكم قد يكون مصرحًا به، كما في قوله- تعالى-: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وقد يكون مستنبطًا، والمستنبط تارة يكون استنباطه من دليل مفرد، وآخر يكون من دليل مركب.
والدليل المفرد: ما دَلَّ على الحكم من غير ضميمة دليل آخر، وذلك كما استنبط العلماء تحريم الاستمناء باليد من قوله - تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧] [المعارج: ٢٩، ٣٠، ٣١].
والدليل المركب: ما دَلَّ على الحكم مع ضميمة دليل آخر، وذلك كاستنباط علي وابن عباس ﵄ أَنَّ أقل مدة الحمل ستة أشهر من قوله- تعالى-: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾
стр. 296
[الأحقاف: ١٥]، مع قوله - تعالى-: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، وأمثال ذلك في الكتاب والسنة كثير (١).
وهكذا الحكم المقرر لتَوْصِيف النازلة القضائية، ربما انتزعه القاضي من باب واحد، وربما انتزعه من أبواب متفرقة.
يقول ابن خلدون (ت: ٨٠٨ هـ): " ... ربما تركبت الواقعة من عدة أبواب، فليفحص عن ذلك، وليميز لكل باب محله منها ... " (٢).
* * *
стр. 297
المبحث الثاني الاتباع
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: المراد بالاتباع وإمكانه.
المطلب الثاني: الإِفادة من التراث الفقهي.
стр. 298
المطلب الأول المراد بالاتباع وإمكانه
المراد بالاتباع:
الاتباع هو متابعة قول الغير بعد معرفة دليله.
فالمتبع يتبع قائل هذا القول مرتضيًا دليله الذي قرره وحرره، فكأَنَّه اختار هذا القول لقوة دليل صاحبه، وهو لم يبحث عن معارضه، ولا علم له بناسخ ولا منسوخ وغير ذلك مما يستقل به المجتهد، يقول ابن عبد البر (ت: ٤٦٣ هـ): "التقليد عند العلماء غير الاتباع؛ لأَنَّ الاتباع هو أَنْ تتبع القائل على ما بان لك من فضل قوله وصِحَّة مذهبه، والتقليد: أَنْ تقول بقوله وأنت لا تعرف وجه القول ولا معناه" (١).
إمكان الاتباع:
الاتباع ممكن لكثير من متوسطي أهل العلم، جاء في الاختيارات: "ومن أكثر من سبر أهل العلم من المتوسطين إذا نظر
стр. 299
وتأمل أدلة الفريقين بقصد حسن ونظر تام ترجح عنده أحدهما، لكن قد لا يثق بنظره، بل يحتمل أَنَّ عنده ما لا يعرف جوابه، فالواجب على مثل هذا موافقته للقول الذي ترجح عنده بلا دعوى منه للاجتهاد" (١).
فالترجيح والاختيار اتباعٌ لا اجتهاد مطلق ولا تقليد (٢)، وهذا دأب طبقة من الفقهاء المنتسبين للمذاهب؛ يقرر أحدهم المسألة بدليلها اتباعًا لمن قبله، ولا يبحث عن معارض، ولا يستوفي النظر كما يفعل المجتهد المستقل (٣)، فإذا سلم مقرر الحكم بدليله من التعصب المذهبي كان متبعًا.
ومن صور الاتباع الأخذ بقرارات المجامع الفقهية المعاصرة إذا ظهر للمتبع اعتبار دليلها وصواب تقعيدها وتأصيلها.
وموافقة المجتهد لمجتهد آخر في حكم قرره بدليله باجتهاد مستأنف لا يكون تقليدًا ولا اتباعًا، وإنَّما هو اجتهاد؛ لأَنَّه لم يتابعه في القول، بل اجتهد اجتهادًا مستأنفًا (٤).
* * *
стр. 300
المطلب الثاني الإِفادة من التراث الفقهي
والمراد بالتراث الفقهي: ما قرره الفقهاء من أحكام اجتهادية مستفادة من الأدلة الشرعية.
ولا يدخل في ذلك الإِجماع والنُّصُوص الشرعية الصريحة، فهي حجة بذاتها، ومعصومة من الخطأ (١).
ولقد قرر فقهاؤنا وحرروا أحكامًا فقهية كثيرة تناقلتها الأجيال في مدونات مشتهرة، وتعاقبوها بالمراجعة والتمحيص، وكانت هذه المدونات ذخيرة فقهية ضخمة لا يستغني عن مطالعتها طالب العلم مهما علا قدره في الفقه واشتد ساعده فيه، والإِعراضُ عنها ربما أدى بالفقيه إلى خرق الإِجماع، وفي مراجعتها والاستعانة بها في تقرير الأحكام اختصار لطريق طويل ربما سلكه الفقيه للاجتهاد في المسألة وهي مقررة محررة بأدلتها واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.
كما أَنَّ الفقيه إذا نظر في آراء من تقدمه المقرونة بأدلتها ربما
стр. 301
انفتح له أفقٌ من الاستنباط والتأصيل والتقعيد ممن سبقه لم يخطر له على بال لو أعرض عن هذا التراث وأهمله (١).
ولقد كان الإِمام أحمد (ت: ٢٤١ هـ) يقول لبعض أَصْحَابه: "إياك أَنْ تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام" (٢)، وكان يقول -أيضًا-: "إذا جاءت المسألة ليس فيها أثر فأَفْتِ فيها بقول الشافعي" (٣)، وكان يقول -أيضًا -كما في رواية المروذي (ت: ٢٧٥ هـ): "إذا سئلتُ عن مسألة لم أعرف فيها خبرًا قلتُ فيها بقول الشافعي؛ لأَنَّه إمام عالم من قريش" (٤).
وقال الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ) في مسألة في الحج: "قلته تقليدًا لعطاء" (٥)، فتواصل الفقهاء مستمر دائم، يستفيد لاحقهم من سابقهم ولو كان إمامًا مجتهدًا؛ لأَنَه يجدهم قد كَفَوْهُ مؤونة التصوير، والتأصيل، والتفصيل، فينظر في أقاويلهم فيسبرها ويخبرها وينتقدها، فيختار أرجحها وأصحها، فيكون هو متفرغًا للاختيار، والتنقيح، والتكميل (٦).
стр. 302
وقد كان العلماء المحققون يهدون إلى هذه الطريقة، ويؤكدون على أَنَّ من أراد الكتابة والتأليف فعليه الإِفادة ممن سبقه، يقول القاضي الخُوَيِّي الشافعي (ت: ٦٩٣ هـ): "واعلم أَنَّ بعض الناس يفتخر ويقول: كتبت هذا وما طالعت شيئًا من الكتب، ويظن أَنّه فخر، ولا يعلم أَنَّ ذلك غاية النقص؛ فإنَّه لا يعلم مزية ما قاله على ما قيل، ولا مزية ما قيل على ما قاله، فبماذا يفتخر؟ ! ومع هذا ما كتبت شيئًا إلَّا خائفًا من الله، مستعينًا به، معتمدًا عليه، فما كان حَسَنًا فمن الله وفضله بوسيلة مطالعة كلام عباد الله الصالحين، وما كان ضعيفًا فمن النفس الأَمَّارَة بالسوء" (١).
لكن لا بُدَّ من معرفة الدليل والمأخذ حتى يكون على يقين فيما يأخذ ويدع، وما يخرِّج وما يلحق، يقول ابن السبكي (ت: ٧٧١ هـ): "فإنَّ المرء إذا لم يعرف علم الخلاف والمأخذ لا يكون فقيهًا إلى أَنْ يلج الجمل في سَمِّ الخِياط، وإنَّما يكون ناقلًا مخبطًا، حامل فقه إلى غيره، لا قدرة له على تخريج حادثٍ بموجود، ولا قياس مستقبلٍ بحاضر، ولا إلحاق غائبٍ بشاهد، وما أسرع الخطأ إليه! وأكثر تزاحم الغلط عليه! وأبعد الفقه لديه! " (٢).
ولذا فإنَّ القاضي والمفتي حين يقرر الحكم الفقهي للتَّوْصيف يستفيد من غيره، وإذا وقف على المسألة مقررة بدليلها وكان الدليل
стр. 303
ظاهرًا اتبع صاحبه وأخذ بقوله، وقد ذكر العلماء أَنَّ من أدب الحكام أَنْ يكون الحاكم مستحضرًا أحكامًا كثيرة، وعنده القدرة على الرجوع إلى الكتب الفقهية والإِفادة منها (١)، يقول ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): "ومن الواجب أَنْ يكون القاضي مستحضرًا للأحكام الشرعية في المسائل الكثيرة النزول، ومقتدرًا على الاطلاع على أحكام ونوادر النوازل عند دعاء الحاجة إليها بسهولة؛ لكونه دارسًا لكتب الفقه، متضلعًا بطرق الاستفادة منها" (٢).
وأوجب بعض الفقهاء على الحاكم والمفتي النظر والترجيح بين الأقوال والأوجه عند الحكم والقضاء (٣)، وكل ذلك يؤكد أهمية الاتباع والاعتناء به، ولا يعني ذلك وجوب الالتزام بكل ما كتبه الفقهاء، بل الاستعانة به، والأخذ بما وافق الدليل (٤) من غير دعوى للاجتهاد.
* * *
стр. 304
المبحث الثالث التقليد
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: التقليد؛ المراد به وحكمه.
المطلب الثاني: التمذهب؛ المراد به وحكمه.
المطلب الثالث: أقسام المدون في المذهب الواحد.
المطلب الرابع: ما لا يتابع فيه مذهب ولا تقليد.
المطلب الخامس: التلفيق بين الأقوال الفقهية.
стр. 305
المطلب الأول التقليد
المراد به و حكمه
المراد بالتقليد:
اتِّباع قول الغير من غير معرفة دليله (١).
والمقصود منه هنا: التقليد في الأحكام الكلية الفقهية التي يستند عليها القضاة في أحكامهم.
حكمه:
المجتهد إذا اجتهد في مسألة ونال حكمها فلا يقلد غيره، وهذا مما لا خلاف فيه- كما ذكره الآمدي (٢) (ت: ٦٣١ هـ) -، والعامي فرضه التقليد (٣)، قال ابن عبد البر (ت: ٤٦٣ هـ): "ولم تختلف العلماء أَنَّ العامة عليها تقليد علمائها" (٤).
стр. 306
وأَمَّا حكم التقليد على غير العامي والمجتهد فيما أداه إليه اجتهاده فقوَّى ابن تَيْمِيَّة (ت: ٧٢٨ هـ) أَنّه يجب الاجتهاد، ويحرم التقليد ما أمكن، فإن تعذر لضيق الوقت، أَوْ عجْزِ الطالب، أَوْ تكافؤِ الأدلة، أَوْ غير ذلك قَلَّد من يرتضي علمه ودينه (١).
وعليه يجب النظر في الأدلة من القادر على ذلك، فمن ترجح قوله بدليله اتبعه من غير دعوى الاجتهاد، فإن تعذر ذلك لتعادل الأدلة أَوْ عدم القدرة على النظر والترجيح ونحو ذلك ساغ التقليد (٢)، لكن النوازل الفقهية الجديدة لا بُدَّ من الاجتهاد فيها من قادر.
* * *
стр. 307
المطلب الثاني التمذهب المراد به و حكمه
التمذهب صورة من صور التقليد.
المراد بالتمذهب:
التزام العامي مذهبًا معينًا يأخذ بعزائمه ورخصه.
حكمه:
لقد رجَّح ابن تَيْمِيَّة (ت: ٧٢٨ هـ) وتلميذه ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): أَنّه لا يجب التمذهب بمذهب معين، وعليه جمهور أَصْحَاب الإِمام أحمد (ت: ٢٤١ هـ).
لأَنَّ الاعتداد إنَّما يكون بقوة الدليل، ولا يلزم إلَّا ما ألزم الله به ورسوله (١).
стр. 308
على أَنَّ ترك التمذهب ليس على إطلاقه، بل يجوز في صور وأحوال معينة، منها (١):
(أ) إذا لم يستطع العبد أَنْ يتعلم دينه إلَّا بالتزام مذهب معين.
(ب) أَنْ يترتب على الالتزام بمذهب معين دفع فساد عظيم لا يتحقق دفعه إلَّا بذلك.
والتمذهب في هذه الأحوال يشترط فيه ألَّا يكون مدعاة للموالاة والمعاداة، وأَلَّا يكون في الأخذ به مخالفة للكتاب والسُّنَّة.
* * *
стр. 309
المطلب الثالث أقسام المدوَّن في المذهب الواحد
إنَّ المُدَوَّن في كتب المذهب أيِّ مذهبٍ لا يخرج عن ثلاثة أقسام هي (١):
١ - قسم موافق للكتاب والسُّنَّة: فهذا يأخذ به القاضي والمفتي، ومتابعة قائله من الاتباع الذي سلف ذكره.
٢ - وقسم ظهر الدليل على خلافه: فهذا لا يؤخذ به، قال في غاية المنتهى وشرحه مطالب أولي النهى: "ومن قوي عنده مذهب غير إمامه لظهور الدليل معه أفتى به - أي أفتى بما ترجح عنده من مذهب غير إمامه-، وأعلم السائل بذلك؛ ليكون على بصيرة في تقليد" (٢).
стр. 310
٣ - وقسم من مسائل الاجتهاد التي تتجاذبها الأدلة ولم يظهر دخوله في أي من القسمين السابقين: فهذا يأخذ القاضي بما نُصَّ عليه في المذهب، ولا يتركه إلَّا بمسوغ يذكره في أسباب حكمه؛ لأَنَّه اجتهاد مقرر من عالم لم يظهر ما يوجب العدول عنه أَوْ تعديله.
ويقدم في هذا المعمول به، ثم المشهور، ويسوغ الأخذ بالمرجوح لمُسَوِّغ، كما سيأتي بيانه في المبحث الرابع من هذا الفصل.
* * *
стр. 311
المطلب الرابع ما لا يتابع فيه مذهب ولا تقليد
هناك صور لا يقلد فيها ولا يلتزم فيها بمذهب ترجع في جملتها إلى ما يلي:
١ - ما كان مخالفًا للكتاب والسنة معدودًا من زلل العلماء:
فإنَّ العالم لا يتابع في زلته وإن كان له أجر الاجتهاد عليها وصيانة عرضه من التشنيع والتقصير لزلَله (١).
٢ - ما كان مبنيًّا على عرف طارئ أَوْ مصلحة مؤقتة:
قد يكون الشيء عيبًا في زمن، ثم لا يكون كذلك في زمن آخر، فإذا تغيرت العادة بحيث لم يُعَدَّ عيبًا يرد به المبيع وجب استئناف النظر في تقرير حكمها، وتَغَيُّرُ ذلك ليس تغييرًا في أصل الخطاب، وإنَّما استنباط حكم وتقريره في مواجهة النازلة الجديدة
стр. 312
المتغيرة (١)، فمعرفة الأحكام التي مناطها العرف مما يوقف المطلع على الحكم على أصول تقريره وموجبات تغييره.
قال ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "من أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم، وعوائدهم، وأزمنتهم، وأحوالهم، وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم، وعوائدهم، وأزمنتهم، وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضر على أديان الناس وأبدانهم" (٢).
وهكذا ما بني على مصلحة مؤقتة فإنَّه يستأنف النظر في حكم المصلحة الحالة (٣).
٣ - ما كان مرجوحًا دَلَّ الدليل على خلافه:
وقد مر ذلك في القسم الثاني من المدون في المذهب، والفرق بينه وبين الأول: أَنَّ المخالفة في الأول معدودة من زلل العالم غير محتملة القبول، وأَمَّا ما كان مرجوحًا فقد يكون له وجه من التأويل
стр. 313
لكنه مرجوح، وعلى كلٍّ فالصورتان لا يؤخذ بهما بتمذهب ولا غيره.
فائدة في الاتِّبَاع والتقليد:
لقد ذكر ابن هبيرة (ت: ٥٦٠ هـ) أَنَّ اتِّبَاع القاضي غيره في قوله أَوْ تقليده له سائغ غير ممنوع، وأَنَّ القضاة المقلدة يجب عليهم توخي الحق والحكم به، وقد سدوا ثغرًا يتعذر سده بدونهم، وأطال في ذلك، وأسوق لك فصولًا من كلامه، فهو يقول: "والصَّحِيح ... أَنَّ قول من قال: لا يجوز تولية قاضٍ حتى يكون من أهل الاجتهاد، فإنَّه إنَّما عنى به ما كانت الحال عليه قبل استقرار ما استقر من هذه المذاهب التي اجتمعت الأمة على أَنَّ كلًّا منها يجوز العمل به؛ لأَنَّه مستند إلى أمر رسول الله ﷺ وإلى سنته، فالقاضي في هذا الوقت وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، وإن لم يكن قد سعى في طلب الأحاديث وانتقاد طرقها، وعرف من لغة الناطق بالشريعة ﷺ ما لا يعوزه معه معرفة ما يحتاج إليه فيه، وغير ذلك من شروط الاجتهاد فإنَّ ذلك مما قد فرغ منه غيره، ودأب له فيه سواه، وانتهى الأمر من هؤلاء الأئمة المجتهدين إلى ما أراحوا فيه من بعدهم، وانحصر الحق في أقاويلهم (١)، ودُوِّنَت العلوم، وانتهت إلى ما اتضح فيه الحق، فإذا عمل القاضي في أقضيته بما يأخذه عنهم أَوْ عن الواحد منهم فإنَّه في معنى من كان أداه اجتهاده إلى قول قال (٢)، وعلى ذلك فإنَّه إذا خرج
стр. 314
من خلافهم متوخيًا مواطن الاتفاق ما أمكنه كان آخذًا بالحزم، عاملًا بالأَوْلى، وكذلك إذا قصد في مواطن الخلاف توخي ما عليه الأكثر منهم والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد فإنَّه قد أخذ بالجزم والأحسن والأولى مع جواز أَنْ يعمل بقول الواحد، إلَّا أنَّني أكره أَنْ يكون ذلك من حيث إنَّه يكون قد قرأ مذهب واحد منهم، أَوْ نشأ في بلد لم يعرف فيها إلَّا مذهب إمام منهم، أَوْ كان شيخه ومعلمه على مذهب فقيه من الفقهاء خَاصَّة فقصر نفسه على اتباع ذلك المذهب، حتى إنَّه إذا حضر عنده خصمان وكان ما تشاجرا فيه مما يفتي الفقهاء الثلاثة فيه بحكم، نحو الوكيل بغير رضى الخصم، وكان الحاكم حنفيًا، وقد علم أَنَّ مالكًا والشافعي وأحمد اتفقوا على جواز هذا التوكيل فإنَّ أبا حنيفة لم يجز هذه الوكالة، فعدل عما أجمع عليه هؤلاء الثلاثة إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة بمجرد أنه قال فقيه هو في الجملة من فقهاء الأتباع له من غير أَنْ يثبت عنده بالدليل، ولا أداه الاجتهاد إلى ما قاله أبو حنيفة، أَوْ إلى ما اتفق عليه الجماعة -فإنَّني أخاف على هذا أَنْ يكون متبوعًا من الله بأَنَّه قد اتبع في ذلك هواه، وأَنّه لا يكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ... وكذلك لو كان القاضي على مذهب أحمد فاختصم إليه نفسان، فقال أحدهما: لي عليه مال، فقال الآخر: كان له عليَّ وقضيته، فقضى عليه بالبراءة
стр. 315
في إقراره (١)، وقد علم أَنَّ الفقهاء الثلاثة على خلافه- فإنَّ هذا وأمثاله مما توخى اتباع الأكثرين فيه أقرب نحدي إلى الإِخلاص، وأرجح في العمل ... وبان أَنَّ الصَّحِيح أَنَّ الحكام اليوم حكوماتهم صَحِيحة نافذة، وولايتهم جائزة شرعًا" (٢).
وهذا يدخل فيما سلف ذكره من الاتِّبَاع، فما ترجح بدليله أخذ به القاضي، وإلَّا قلد غيره.
يقول ابن فرحون (ت: ٧٩٩ هـ) نقلًا عن المازري (ت: ٥٣٦ هـ): "فالمنع من ولاية المقلد القضاء في هذا الزمان تعطيلٌ للأحكام، وإيقاع في الهرج والفتن والنزاع، وهذا لا سبيل إليه في الشرع" (٣).
* * *
стр. 316
المطلب الخامس التلفيق بين الأقوال الفقهية
المراد بالتلفيق:
هو أَنْ يأتي المقلد في مسألة واحدة ذات فرعين مترابطين فأكثر بكيفية لا يقول بها مجتهد ممن قلدهم في تلك المسألة (١).
فهو جمع بين تقليد إمامين أَوْ أكثر في فعل له أركان أَوْ جزيئات لها ارتباط ببعضها لكل منها حكم خَاصّ كان موضع اجتهادهم وتباين آرائهم، فيقلد أحدهم في حكم، ويقلد الآخر في حكم الآخر، فيتم الفعل ملفقًا من مذهبين أَوْ أكثر.
وذلك مثل من توضأ فمسح بعض شعر رأسه مقلدًا للشافعي (ت: ٢٠٤ هـ)، وبعد الوضوء مس أجنبية فلم يتوضأ مقلدًا لأبي حنيفة (ت: ١٥٠ هـ) (٢).
стр. 317
حكمه:
اختلف الفقهاء في جواز التلفيق للمقلد على أقوال ترجع في جملتها إلى قولين، هما:
القول الأول: المنع من التلفيق مطلقًا.
وبه قال بعض المالكية (١)، وبعض الشافعية (٢)، وبعض الحنابلة (٣).
وعلّلوا بما يلي (٤):
١ - أَنّه يؤدي إلى انتهاك الحرمات.
٢ - أَنّه إحداث قول ثالث لم يقل به أحد.
القول الثاني: جواز التلفيق بشروط.
وبه قال جمع من الحنفية، منهم ابن أمير الحاج (ت: ٨٧٥ هـ)، وهو المذهب عند الحنفية (٥)، والأَصَحُّ عند متأخري المالكية (٦)، وبه قال بعض الشافعية (٧)، وجمع من متأخري
стр. 318
الحنابلة؛ قال به منهم مرعي (ت: ١٠٣٣ هـ)، وارتضاه الشطي (ت: ١٢٠٥ هـ)، وأقره الرحيباني (ت: ١٢٤٣ هـ) (١).
وعللوا بما يلي (٢):
١ - أَنَّ العَامِّيّ لا يلزمه التمذهب.
٢ - أَنَّ العوام لازال يستفتي أحدهم فيما ينزل به من يثق به، ولم ينكر عليه.
وقد اختار المجمع الفقهي بجدة القول الثاني (٣)، وذكر بعض الفقهاء من شروط ذلك ما حاصله (٤):
١ - أَنْ تتوفر في القول الملفق شروط الأخذ بالرخصة الفقهية، وستأتي مفصلة في المطلب الثاني من المبحث القادم.
٢ - ألَّا يؤدي ذلك إلى نقض حكم القضاء، أَوْ ما عمل به تقليدًا في واقعة واحدة.
٣ - ألَّا يؤدي إلى مخالفة الإِجماع أَوْ ما يستلزمه.
٤ - ألَّا يؤدي إلى حالة مركبة لا يقرها أحد من المجتهدين.
стр. 319
الترجيح:
الذي أرجحه هو القول الثاني؛ لما يلي:
١ - قوة ما استدَلَّ به قائلوه.
٢ - ما قيَّد قائلوه به قولهم من شروط يدفع ما أورده أَصْحَاب القول الأول من محذور انتهاك الحرمات ومحاذير إحداث قول ثالث.
وعليه فإنَّ العَامِّيّ ليس له التلفيق بين الأقوال بنفسه؛ إذ لا معرفة له بها، وله تقليد من يفتيه من العلماء ولو أدى ذلك إلى التلفيق، وذلك حسب الشروط المارِّ ذكرها.
* * *
стр. 320
المبحث الرابع
الأخذ بالقول المرجوح والرخص الفقهية عند الاقتضاء
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الأخذ بالقول المرجوح عند الاقتضاء.
المطلب الثاني: الأخذ بالرخص الفقهية عند الاقتضاء.