المطلب الخامس التلفيق بين الأقوال الفقهية
المراد بالتلفيق:
هو أَنْ يأتي المقلد في مسألة واحدة ذات فرعين مترابطين فأكثر بكيفية لا يقول بها مجتهد ممن قلدهم في تلك المسألة (١).
فهو جمع بين تقليد إمامين أَوْ أكثر في فعل له أركان أَوْ جزيئات لها ارتباط ببعضها لكل منها حكم خَاصّ كان موضع اجتهادهم وتباين آرائهم، فيقلد أحدهم في حكم، ويقلد الآخر في حكم الآخر، فيتم الفعل ملفقًا من مذهبين أَوْ أكثر.
وذلك مثل من توضأ فمسح بعض شعر رأسه مقلدًا للشافعي (ت: ٢٠٤ هـ)، وبعد الوضوء مس أجنبية فلم يتوضأ مقلدًا لأبي حنيفة (ت: ١٥٠ هـ) (٢).
стр. 317
حكمه:
اختلف الفقهاء في جواز التلفيق للمقلد على أقوال ترجع في جملتها إلى قولين، هما:
القول الأول: المنع من التلفيق مطلقًا.
وبه قال بعض المالكية (١)، وبعض الشافعية (٢)، وبعض الحنابلة (٣).
وعلّلوا بما يلي (٤):
١ - أَنّه يؤدي إلى انتهاك الحرمات.
٢ - أَنّه إحداث قول ثالث لم يقل به أحد.
القول الثاني: جواز التلفيق بشروط.
وبه قال جمع من الحنفية، منهم ابن أمير الحاج (ت: ٨٧٥ هـ)، وهو المذهب عند الحنفية (٥)، والأَصَحُّ عند متأخري المالكية (٦)، وبه قال بعض الشافعية (٧)، وجمع من متأخري
стр. 318
الحنابلة؛ قال به منهم مرعي (ت: ١٠٣٣ هـ)، وارتضاه الشطي (ت: ١٢٠٥ هـ)، وأقره الرحيباني (ت: ١٢٤٣ هـ) (١).
وعللوا بما يلي (٢):
١ - أَنَّ العَامِّيّ لا يلزمه التمذهب.
٢ - أَنَّ العوام لازال يستفتي أحدهم فيما ينزل به من يثق به، ولم ينكر عليه.
وقد اختار المجمع الفقهي بجدة القول الثاني (٣)، وذكر بعض الفقهاء من شروط ذلك ما حاصله (٤):
١ - أَنْ تتوفر في القول الملفق شروط الأخذ بالرخصة الفقهية، وستأتي مفصلة في المطلب الثاني من المبحث القادم.
٢ - ألَّا يؤدي ذلك إلى نقض حكم القضاء، أَوْ ما عمل به تقليدًا في واقعة واحدة.
٣ - ألَّا يؤدي إلى مخالفة الإِجماع أَوْ ما يستلزمه.
٤ - ألَّا يؤدي إلى حالة مركبة لا يقرها أحد من المجتهدين.
стр. 319
الترجيح:
الذي أرجحه هو القول الثاني؛ لما يلي:
١ - قوة ما استدَلَّ به قائلوه.
٢ - ما قيَّد قائلوه به قولهم من شروط يدفع ما أورده أَصْحَاب القول الأول من محذور انتهاك الحرمات ومحاذير إحداث قول ثالث.
وعليه فإنَّ العَامِّيّ ليس له التلفيق بين الأقوال بنفسه؛ إذ لا معرفة له بها، وله تقليد من يفتيه من العلماء ولو أدى ذلك إلى التلفيق، وذلك حسب الشروط المارِّ ذكرها.
* * *
стр. 320
المبحث الرابع
الأخذ بالقول المرجوح والرخص الفقهية عند الاقتضاء
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الأخذ بالقول المرجوح عند الاقتضاء.
المطلب الثاني: الأخذ بالرخص الفقهية عند الاقتضاء.
стр. 321
المطلب الأول الأخذ بالقول المرجوح عند الاقتضاء
المراد بالأخذ بالقول المرجوح:
هو إعمال القاضي قولًا مرجوحًا، وترك الراجح لمقتضٍ شرعي من ضرورة أَوْ حاجة.
حكمه:
لقد اختلف العلماء في الأخذ بالقول المرجوح في الفتوى والقضاء على ثلاثة أقوال، هي:
القول الأول: منع الأخذ والعمل بالقول المرجوح ولو كان ثَمَّ حاجة أَوْ ضرورة.
وبذلك قال المازري (ت: ٥٣٦ هـ)، والشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) من المالكية في أحد قوليه.
وعللوا بما يلي (١):
стр. 322
(أ) أَنَّ للضرورة حكمها وهي مبينة عند الفقهاء، فمتى وقعت عولجت بما يقتضيه الحال، وقُرَّر لها الحكم الكلي الملاقي لها.
(ب) أَنَّ في فتح هذا الباب فتحًا لباب اتباع الهوى من غير ضرورة ولا حاجة؛ مما يؤدي إلى الحكم بالتشهي، ويخرم الانضباط في الأحكام.
(ج) أَنَّ ذلك يؤدي إلى انسلاخ الناس من الدين بترك اتباع الدليل والانسياق وراء ضعيف الأقوال وشاذها، وربما أدى إلى خرق الإِجماع بالتلفيق بين الأقوال.
(هـ) أَنَّ ذلك يؤدي إلى الاستهانة بالدين؛ إذ يصير بذلك سيالًا لا ينضبط.
القول الثاني: للمفتي الأخذ بالمرجوح في خَاصَّة نفسه، ولا يجوز ذلك في الفتيا والقضاء.
وبذلك قال بعض المالكية (١)، وبعض الشافعية (٢).
وعللوا: بأَنَّه لا يصار إلى العمل بالقول الضعيف إلَّا عند الضرورة، والمفتي لا يتحقق الضرورة بالنسبة لغيره كما يتحققها من نفسه، فالمنع لأجل ألَّا تكون الضرورة محققة، لا لأجل أَنّه لا يعمل بالضعيف إذا تحققت الضرورة.
стр. 323
القول الثالث: جواز الأخذ والعمل في القضاء والفتيا بالقول المرجوح عند الاقتضاء من ضرورة أَوْ حاجة بشروط مقررة سيأتي ذكرها لاحقًا.
وبذلك قال جمهور الفقهاء من الحنفية، وأكثر المالكية، وهو أحد قولي الشاطبي منهم، وبعض الشافعية، وهو مذهب الحنابلة.
وعللوا بما يلي (١):
(أ) أَنَّ للضرورة والحاجة حكمها، وتقدر بقدرها عند وقوعها.
стр. 324
(ب) أَنَّ المكلف وافق دليلًا في الجملة.
(ج) أَنَّ دليل المرجوح أقوى في مراعاة الحالة التي استدعته.
وأذكر بعض أقوال العلماء من أَصْحَاب القول الثالث فيما يلي:
أولًا: المذهب الحنفي:
يقول ابن عابدين (ت: ١٢٥٢ هـ): "إنَّه إذا اتفق أبو حنيفة وصاحباه على جواب لم يجز العدول عنه إلَّا لضرورة" (١).
وقال -أيضًا بعد إيراد الخلاف في الحكم على الغائب-: "فالظاهر عندي أَنْ يتأمل في الوقائع، ويحتاط، ويلاحظ الحرج والضرورات، فيفتى بحسبها جوازًا أَوْ فسادًا ... [وأورد مثالًا ثم عقب عليه بقوله: ] فينبغي أَنْ يحكم عليه وله، وكذا للمفتي أَنْ يفتي بجوازه دفعًا للحرج والضرورات، وصيانة للحقوق عن الضياع ... " (٢).
ثانيًا: المذهب المالكي:
(أ) يقول العلمي (كان حيًّا عام ١٠١٢ هـ) - في تقرير التحريم المؤبد على من هرب بامرأة؛ لما في ذلك من المفسدة-: "ولم يزل أهل الفتوى والقضاء يختارون الفتوى بقول شاذ ويحكمون
стр. 325
به لدليل ظهر لهم في ترجيحه - حتى قال: - فمن بابٍ أولى وأحرى أَنْ يفتى في قطع مادة هذه المفسدة بقول شاذ خارج المذهب، فكيف وهو موجود في المذهب ... وما ذلك منهم إلَّا مراعاة للقاعدة الجارية في سدِّ الذرائع، وحسمِ مادة الفساد، وهي من أصول المذهب المالكي" (١).
(ب) يقول ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): "وقد يقع الإِغضاء عن خلل يسير ترجيحًا لمصلحة تقرير العقود، كالبيوع الفاسدة إذا طرأ عليها بعض المُفَوِّتَات المقررة في الفقه، وقد كان الأستاذ أبو سعيد بن لب مفتي حضرة غرناطة في القرن الثامن يفتي بتقرير المعاملات التي جرى فيها عرف الناس على وجه غير صَحِيح في مذهب مالك إذا كان لها وجه ولو ضعيفًا من أقوال العلماء" (٢). وهذا فيه اعتبار مصلحة استقرار العقود والمعاملات.
(ج) ويقول ابن سلمون (ت: ٧٦٧ هـ) - بعد تقريره أَنَّ اليمين لا يشترط لتوجيهها على المدعى عليه الخلطة-: " ... إلَّا أَنه قد يلوح للحاكم في النازلة وجه الصواب مما يتضح عنده من دلالته وأحكامه وأسبابه وبراءة المطلوب لخيره، وبعده عن المطلب الذي طلبه به مع عذر الشبهة والخلطة، فإذا كان كذلك عمل بحسبه
стр. 326
في إسقاط اليمين من غير هوى يكون له فيها أَوْ حيف يعلمه الله منه فلا حرج عليه" (١).
(د) الإِمام الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) من المالكية لم يطرد قوله بالمنع في كل الصور -كما في قوله الأول-، بل قال بمراعاة الخلاف في صور لو وقعت وكان في إزالتها ضرر أعظم من الاستمرار عليها، ومثَّل لذلك بالنكاح بدون ولي، فهو يرى أَنّه باطل، لكن إذا عثر عليه بعد الدخول فقد يراعى فيه الخلاف، فلا تقع فيه الفرقة؛ لأَنَّ نقضه وإبطاله يؤول إلى مفسدة توازي مفسدة النهى أَوْ تزيد.
فهو يقول في الأخذ بالرأي المرجوح في بعض الصور: "فمن وَاقَعَ منهيًا عنه فقد يكون فيما يترتب عليه من الأحكام زائدًا على ما ينبغي بحكم التبعية لا بحكم الأصالة، أَوْ مؤديًا إلى أمر أشد عليه من مقتضى النهى، فيترك وما فعل من ذلك، أَوْ نجيز ما وقع من الفساد على وجه يليق بالعدل نظرًا إلى أَنَّ ذلك الواقع وَاقَعَ المكلف فيه دليلًا على الجملة، وإن كان مرجوحًا فهو راجح بالنسبة إلى إبقاء الحالة على ما وقعت عليه؛ لأَنَّ ذلك أولى من إزالتها مع دخول ضرر على الفاعل أشد من مقتضى النهى، فيرجع الأمر إلى أَنَّ النهي كان دليله أقوى قبل الوقوع، ودليل الجواز أقوى بعد الوقوع؛ لما اقترن من القرائن المرجحة ... فالنكاح المختلف فيه قد يراعى فيه الخلاف،
стр. 327
فلا تقع فيه الفرقة إذا عُثِرَ عليه بعد الدخول؛ مراعاة لما يقترن بالدخول من الأمور التي ترجح جانب التَّصْحِيح" (١).
ثالثًا: المذهب الشافعي:
يقول السبكي (ت: ٧٥٦ هـ): "إذا قصد المفتي الأخذ بالقول المرجوح مصلحةً دينية جاز" (٢).
رابعًا: المذهب الحنبلي:
(أ) يقول الرحيباني (ت: ١٢٤٠ هـ) بعد أن ذكر جواز التقليد لبعض العلماء فيما قالوا به مثل تقليد داود الظاهري (ت: ٢٧٠ هـ) في حِلِّ شحم الخنزير، وتقليد ابن حزم (ت: ٤٥٦ هـ) في جواز اللبث في المسجد للجنب، وتقليد ابن تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨ هـ) في إمضاء الطلاق الثلاث إذا كان دفعة واحدة طلقة واحدة، قال: "فمن وقف على هذه الأقوال، وثبت عنده نسبتها لهؤلاء الرجال، يجوز له العمل بمقتضاها عند الاحتياج إليه خصوصًا ما دعته الضرورة إليه، وهو متجه" (٣).
(ب) كما يقول ابن بدران (ت: ١٣٤٦ هـ): "إنَّ المفتي المقلد لمذهب له أَنْ يفتي عند الحاجة بقول مرجوح في مذهبه" (٤).
стр. 328
(ج) وقرر الشيخ محمد بن إبراهيم - من معاصري الحنابلة - (ت: ١٣٨٩ هـ) ذلك في مواضع من فتاواه (١)، من ذلك قوله: "المسألة الخلافية إذا وقعت فيها الضرورة ... جاز للمفتي أَنْ يأخذ بالقول الآخر من أقوال أهل العلم الذي فيه الرخصة" (٢)، وقال في موضع آخر: " ... وهذا من شيخ الإِسلام -يعني ابن تَيْمِيَّةَ- ﵀ بناءً على قاعدة ذكرها في بعض كتبه، وهو أَنّه إذا ثبتت الضرورة جاز العمل بالقول المرجوح نظرًا للمصلحة، ولا يتخذ عامًّا في كل قضية، بل الضرورة تقدر بقدرها، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا" (٣).
(د) وجاء في القرار ذي الرقم ٣ والتاريخ ٧/ ١/ ١٣٤٧ هـ للهيئة القضائية السعودية ما نَصُّ المقصود منه: "فقرة (أ): أَنْ يكون
стр. 329
مجرى القضاء في جميع المحاكم منطبقًا على المفتى به من مذهب الإِمام أحمد بن حنبل نظرًا لسهولة مراجعة كتبه، والتزام المؤلفين على مذهبه ذكر الأدلة إثر مسائله" (١).
كما جاء فيه: "فقرة (ب): إذا صار جريان المحاكم الشرعية عند التطبيق على المفتى به من المذهب المذكور، ووجد القضاة في تطبيقها على مسألة من مسائله مشقةً ومخالفة لمصلحة العموم- يجوز النظر والبحث فيها من باقي المذاهب بما تقتضيه المصلحة، ويقرر السير على ذلك المذهب؛ مراعاة لما ذكر" (٢).
شروط العمل بالقول المرجوح في القضاء:
لقد اشترط الفقهاء المجيزون للأخذ بالقول المرجوح عند الاقتضاء شروطًا تعود في جملتها إلى الشروط الآتية:
١ - ألَّا يخالف القول المعدول إليه دليلًا صريحًا من الكتاب والسنة لا يمكن الجمع بينه وبين أدلة القول الراجح أَوْ المشهور، بل إنَّ أدلة القول المعدول إليه هي الراجحة في هذه الواقعة؛ إذ إنَّ أوصاف النازلة تنطبق على القول المعدول إليه، فكأَنَّ الاختلاف بين القولين اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد؛ لأَنَّ القول الراجح ليس هو
стр. 330
عين القول المعدول إليه في هذه النازلة؛ إذ إنَّ النازلة قد زادت، أَوْ نقصت وصفًا أَوْ قيدًا مؤثرًا سَوَّغ العدول عن هذا القول للقول الآخر (١).
يقول الشاطبي (ت: ٧٩٥ هـ): "فيرجع الأمر إلى أَنَّ النهي كان دليله أقوى قبل الوقوع، ودليل الجواز أقوى بعد الوقوع؛ لما اقترن به من القرائن المرجحة" (٢).
٢ - أَنْ يثبت القول المعدول إليه بطريق صَحِيح لقائله (٣)، وعلى القاضي ذكر هذا القول ومستنده عند تسبيب حكمه؛ يقول الشيخ محمد ابن إبراهيم (ت: ١٣٨٩ هـ): "إنَّه ينبغي لفضيلة القاضي أَنْ يلاحظ ... عندما يظهر له الحكم في مسألة بخلاف الراجح في المذهب أَنْ يذكر في الصك مستنده في الحكم" (٤).
٣ - أَنْ يكون العدول للقول الآخر لضرورة أَوْ حاجة مما هو في رتبة الضروريات والحاجيات لا التحسينيات؛ لأَنَّ ما كان في هذه
стр. 331
الرتبة لا يكون موجبًا للإِعراض عن المشهور (١).
٤ - أَنْ يكون العمل بالقول المعدول إليه مقتصرًا على النازلة المنظورة عند القاضي، ولا يكون ذلك عامًّا في كل قضية، بل إذا زال الموجب عاد للأصل (٢)؛ فإنَّ من القواعد المقررة في هذا الباب أَنه: (إذا وجبت مخالفة أصل أَوْ قاعدة وجب تقليل المخالفة ما أمكن) (٣)، وبأَنَّه (ما جاز لعذر يبطل بزواله) (٤)، و (أَنَّ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا) (٥).
٥ - أَنْ يكون الناظر في ذلك متمكنًا من تقدير الضرورات والحاجات (٦)، ويبين القاضي هذه الحاجة أَوْ الضرورة في أسباب حكمه على وجه يحمل على القناعة بها، فيبين في حكمه سبب الأخذ بهذا القول من ضرورة أَوْ حاجة، ووجهَ انطباقه على هذه الواقعة.
وليحذر القاضي كل الحذر من أَنْ يحمله على ذلك تشهٍّ، أَوْ
стр. 332
هوى (١)؛ فالنظر في ذلك يحتاج من القاضي إلى: "يقظة وافرة، وقريحة باهرة، ودربة مساعدة، وإعانة من الله عاضدة" (٢)؛ يقول ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "وبالجملة فلا يجوز العمل والإِفتاء في دين الله بالتشهي، والتخيير، وموافقة الغرض؛ فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه، فيعمل به، ويفتي به، ويحكم به، ويحكم على عدوه، ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسوق، وأكبر الكبائر" (٣).
الترجيح:
وبتأمل الأقوال وأدلتها وما اشترطه الفريق الثالث من شروط ظهر لي رجحان القول الثالث؛ لما يلي:
١ - قوَّة ما استدَلَّ به قائلوه.
٢ - ما قرَّره أَصْحَاب هذا القول من شروط يدفع ما ذكره أَصْحَاب القول الأول من أدلة ومحاذير، ويؤيده ما ذكره الشاطبي من الأخذ بالرأي المرجوح بعد وقوع الفعل إذا كان في إزالته ضرر يوازي مفسدة النهي أَوْ يزيد (٤).
стр. 333
أَمَّا ما ذكره أَصحَاب القول الثاني من اختصاص الأخذ بالمرجوح بالمفتي في خَاصَّة نفسه فغير مسلم؛ لأَنَّ القاضي والمفتي الذي عنده أهلية تقدير الضرورات والحاجات الدافعة إلى العدول عن القول المشهور إلى غيره يستطيع تحقق الضرورة والحاجة أكثر من العَامِّيّ الذي لا يدرك مبناها الشرعي ومسوغات الأخذ بها، فساغ للمفتي والقاضي العمل بغير المشهور عند الاقتضاء بشروطه آنفة الذكر، سواء في خَاصَّة نفسه في الإِفتاء أَمْ لغيره في الحكم والفتوى.
وعلى هذا فإنَّ الأخذ بالقول المرجوح يُعَدُّ استثناءً وعدولًا عن القول الآخر لا يصار إليه إلَّا إذا كان ثَمَّ ضرورة أَوْ حاجة، فهو عندي استحسان فقهي يحصل به العدول من قول لآخر لمقتضٍ شرعي في القضاء والفتيا.
تنبيه: في عدم اشتراط الاجتهاد في الفتيا والقضاء بالقول المرجوح:
يرى بعض الحنفية (١)، والشاطبي من المالكية (٢) أَنَّ مراعاة القول الضعيف والعمل به في الفتيا والقضاء إنَّما يكون للمجتهد من الفقهاء دون المقلد؛ لأَنَّ فيه مراعاة دليل المخالف، ولا يكون ذلك إلَّا من مجتهد لا مقلد، ولأَنَّ التهمة تلحقه بالقصد غير الجميل (٣).
стр. 334
لكن ظاهر ما ذكره سائر الفقهاء مما مَرَّ ذكره قريبًا جواز ذلك للمقلد الذي عنده القدرة على تقدير الحاجات والضرورات، وهذا يتأتى من المقلد الذي عنده القدرة على الترجيح والاختيار بين الأقوال، وهو كثير بين الفقهاء والقضاة ممن لم يبلغوا رتبة الاجتهاد، وسبق أن قلنا بأَنَّ على القاضي أَنْ يذكر في أسباب حكمه وجهَ الأخذ بالقول المرجوح، وهذا يظهر وجه الاجتهاد في الواقعة.
* * *
стр. 335
المطلب الثاني الأخذ بالرخص الفقهية عند الاقتضاء
المراد بالأخذ بالرخصة:
هو الأخذ بالاجتهادات المذهبية المبيحة لأمر في مقابلة اجتهادات أخرى تحظره لمسوغ شرعي (١).
حكم الأخذ بالرخصة:
وقد اختلف الفقهاء في أخذ المقلد بهذه الرخصة على أقوال تعود في جملتها إلى ثلاثة أقوال، هي:
القول الأول: المنع من الأخذ بالرخص المذهبية.
وبذلك قال الحنابلة (٢)، والمالكية في الأَصَحِّ عندهم (٣)، والغزالي (ت: ٥٠٥ هـ) من الشافعية (٤).
стр. 336
واستدلوا بما يلي (١):
١ - قوله- تعالى-: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
فقد أمر الله بالرد إلى الدليل، والأخذ بالأرجح دليلًا، لا إلى الأخف والأيسر.
٢ - أَنَّ الأخذ بالأخف والأيسر أخذٌ بالهوى والتشهي.
القول الثاني: جواز الأخذ برخص المذاهب.
وبذلك قال القرافي (ت: ٦٨٤ هـ) من المالكية (٢)، وجمع من الشافعية (٣)، وهو الراجح عند محققي الحنفية، منهم ابن الهمام (ت: ٦٨١ هـ) (٤)، وابن عبد الشكور (ت: ١١٩٩ هـ) (٥)، واختار ذلك المجمع الفقهي بجدة بشروط (٦).
واستدلوا بما يلي (٧):
стр. 337
١ - عن عائشة ﵂ أَنّها قالت: "ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلَّا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا" (١).
٢ - وعن عائشة ﵂: "أَنَّ النبي ﷺ كان يحب ما خفف عن أمته" (٢).
القول الثالث: أَنّه يجب على المقلد الترجيح بين المذاهب باتباع الدليل أَوْ أعلم المفتين، وليس له التخيير بين الأقوال.
وبذلك قال الشاطبي (٣) (ت: ٧٩٠ هـ)، وابن تَيْمِيَّةَ (٤) (ت: ٧٢٨ هـ)، وتلميذه ابن القَيِّمِ (٥) (ت: ٧٥١ هـ).
واستدلوا بعدة أدلة سبق ذكرها في منع الأخذ بالقول المرجوح (٦).
الترجيح:
الذي يظهر لي منع العَامِّيّ من تتبع الرخص والأخذ بها بنفسه؛ لأَنَّ فرض العَامِّيّ التقليدُ، وخروجه عنه تشهٍّ واتباعٌ للهوى (٧).
стр. 338
أَمَّا الذي لديه أهلية الترجيح بين الأقوال فيترجح لدي القول الثاني؛ لقوة أدلته، فيجوز الأخذ بالرخصة إذا استدعى ذلك ضرورة أَوْ حاجة، وقرر الأخذ بها فقيهٌ أَوْ مفتٍ أَوْ قاضٍ له أهلية الترجيح بين الأقوال وتقدير الضرورات والحاجات.
ولا يعارض هذا الترجيح أدلة أَصْحَاب القول الأول والثالث؛ لأَنَّ الشروط التي قررها بعض القائلين به تنفي تلك المحظورات، وإليك حاصل تلك الشروط.
شروط الأخذ بالرخصة الفقهية عند الاقتضاء:
لقد اشترط بعض العلماء في الأخذ بالرخص الفقهية شروطًا، حاصلها ما يلي (١):
١ - أَنْ تكون هذه الرخصة في القضايا العَامَّة محققة لمصلحة شرعية مقررة بناءً على اجتهاد جماعي من هيئة علمية تتوفر فيها الأهلية المقررة شرعًا، ومن ذلك التقوى والأمانة العلمية.
٢ - ألَّا تكون الرخصة من شواذ الأقوال المخالفة للأدلة الشرعية.
стр. 339
٣ - أَلَّا يكون الأخذ بذلك القول ذريعة للوصول إلى غرض غير مشروع.
٤ - أَنْ تدعو للأخذ بها حاجة أَوْ ضرورة لدفع مشقة عَامَّة أَوْ خَاصَّة، أَوْ فردية، وأَنْ يكون الآخذ بالرخصة عنده القدرة على الاختيار، أَوْ يعتمد على من هو أهل لذلك.
٥ - أَلَّا يؤدي الأخذ بها إلى التلفيق الممنوع، وسبق بيانه (١).
٦ - أَنْ يشهد للأخذ بها أصل شرعي من جلب نفع أَوْ دفع ضر يترجح العمل به على دليل الحكم المعدول عنه.
فالحاصل: أَنَّ الأخذ بالرخصة هو تقرير حكم مستأنف لمواجهة واقعة لها ظروفها وملابساتها، لكن هذا الحكم مراعى فيه الرخصة الفقهية، وهو أمر سائغ بشروطه المذكورة.
* * *
стр. 340
المبحث الخامس التخريج
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف التخريج.
المطلب الثاني: أقسام التخريج.
стр. 341
المطلب الأول تعريف التخريج
التخريج لغة: مصدر (خرَّج).
وهو يطلق على معنيين، هما:
١ - النفاذ من الشيء، وهو ضد الدخول، ومنه الخُرَاج بالجسد.
٢ - اختلاف اللونين، فالخرَج لونان من سواد وبياض، فيقال: نعامة خرجاء.
والمعنيان يجتمعان في الظهور، فاختلاف اللونين يؤدي إلى ظهورهما وتمايزهما، ولذا فإنَّ المعنى الثاني يقرب من المعنى الأول.
واخترج الشيءَ: أخرجه واستنبطه.
واستخرج الشيءَ استنبطه (١).
стр. 342
واصطلاحًا: هو استخراج حكم من الأحكام الشرعية العملية من القواعد الشرعية الكلية، أَوْ المذهبية، أَوْ الفروع الفقهية (١).
فإذا نزلت بالفقيه أَوْ القاضي أَوْ المفتي نازلة وواقعة جديدة وأراد تقرير حكمها الكلي الفقهي اجتهد في استنباطها من القواعد الكلية للشريعة، أَوْ من قاعدة فقهية مذهبية، أَوْ من فرع فقهي.
وتفصيل ذلك يأتي في أقسام التخريج من المطلب الثاني.
* * *
стр. 343
المطلب الثاني أقسام التخريج
ينقسم التخريج ثلاثة أقسام، هي:
١ - التخريج على الأصول والقواعد العَامَّة للشريعة.
٢ - التخريج على الأصول والقواعد المذهبية.
٣ - تخريج الفروع من الفروع المذهبية.
وبيان ذلك فيما يلي:
القسم الأول: التخريج على الأصول والقواعد العَامَّة في الشريعة .
والمراد به: استخراج حكم من الأحكام الشرعية العملية من أصل من أصول الشرعية وقواعدها الكلية (١).
فإذا حدث ما لا قول فيه للفقهاء اجتهد القاضي فيه ورده إلى
стр. 344
أصول الشريعة وقواعدها الكلية، وذلك كتحريم عقد التأمين التجاري؛ بناءً على أَنَّ الأصل في عقود الغرر التحريم (١).
وقد حثَّ الفقهاء على الاهتمام بهذه الأصول والرد إليها عند الاقتضاء، يقول الزنجاني (ت: ٦٥٦ هـ): "فإنَّ المسائل الفرعية على اتساعها وبعد غاياتها لها أصول معلومة، وأوضاع منظومة، ومن لم يعرف أصولها لم يحط بها علمًا" (٢)، ويقول ابن تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨ هـ): "لا بُدَّ أَنْ يكون مع الإِنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات؛ ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلَّا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد منه فساد عظيم" (٣).
والحَق أَنَّ التخريج على الأصول والقواعد العَامَّة في الشريعة عمل اجتهادي؛ لأَنَّ هذا هو عمل المستنبطين من لدن عصر الصَّحَابة ومن جاء بعدهم حتى يومنا هذا (٤)، وقد يفعله الفقيه والقاضي، فلا
стр. 345
ينسب عمله هذا إلى مذهب معين؛ لأَنَّه استنباط فرع من قاعدة مؤصلة لا تنسب إلى مذهب معين (١).
فعلى سبيل المثال: ما يستجد في عصرنا من عقود يمكن تأصيله حسب الآتي:
١ - إذا كان يندرج في عقد من العقود المسماة في الشريعة ألحق به، وأعطي حكمه إذا قطع بعدم الفارق.
٢ - إذا لم يندرج وأمكن تركيبه من عقدين من العقود المسماة لا يحصل باجتماعها أمر محرم ساغ ذلك وأعطي حكمهما مع الإِمكان.
٣ - إذا لم يتحقق ذلك خُرِّج العقد المستجد على أصل صِحَّة العقود، فيكون عقدًا مستقلًا برأسه (٢)، ويجوز حسب الضوابط الآتية (٣):
(أ) استيفاؤه لشروط العقد في الشريعة.
(ب) خلوه من الربا.
(ج) خلوه من الغرر.
стр. 346
وحَدُّه: ما خفيت عاقبته وكان كثيرًا أصليًا في عقد معاوضة لم تدع إليه حاجة.
(د) خلوه من الظلم وسائر وجوه أكل أموال الناس بالباطل.
وحَدُّه: أَنْ يدخلا في العقد على عوض، فيكون فيه ما لا يقابله عوض.
(هـ) خلوه من الضرر العَامّ على المسلمين.
وقد نهى النبي ﷺ عن الاحتكار فقال: "لا يحتكر إلَّا خاطئ" (١)، فدَلَّ بعمومه على النهي عن كل ما فيه مضرة للمسلمين؛ ولذا منع العلماء من بيع السلاح في الفتنة أَوْ لأهل الحرب، أَوْ لقطاع الطريق؛ لما في ذلك من ضرر على عموم المسلمين، وهكذا بيع الحاضر للبادي منهي عنه؛ للضرر على عموم الناس.
(و) خلوه من الضرر الخاص الواقع على شخص معين كالنهي عن تلقي الركبان، وبيع الإِنسان على بيع أخيه بعد التواجب.
فإذا تحققت فيه هذه الشروط فهو عقد صَحِيح، مستقل بنفسه، قائم برأسه، غير داخل في عقد معين، له أحكام يتميز بها عن سائر العقود المسماة، فلا يدخل فيها، ولا تؤخذ أحكامه منها، بل تُنْصَب له الشروط والضوابط اللازمة لصحته، الرافعة عنه موجبات فساد العقود وبطلانها، وما داخله من شروط جَعْلية اشترطها المتعاقدان
стр. 347
أَوْ أحدهما يقرر بشأنها أحكام الشروط في العقد تَصْحِيحًا وإبطالًا.
القسم الثاني: التخريج على الأصول والقواعد المذهبية .
والمراد به: استخراج حكم من الأحكام الشرعية العملية من أصل أَوْ قاعدة مذهبية (١).
وهو عمل له فائدته الكبيرة، ويسهل على المخرج استنباط الحكم وتقريره، يقول الجويني (ت: ٤٧٨ هـ): "ولعل الفقيه المستقل بمذهب إمام أقدر على الإِلحاق بأصول المذهب الذي حواه من المجتهد في محاولته الإِلحاق بأصول الشريعة؛ فإنَّ الإِمام المقلَّد المقَّدم بذل كُنْهَ مجهوده في الضبطِ، ووضعِ الكتاب وتبويبِ الأبواب، وتمهيدِ مسالك القياس والأسباب، والمجتهد الذي يبغي رد الأمر إلى أصل الشرع لا يصادف فيه من التمهيد والتقعيد ما يجده ناقل المذهب في أصل المذهب المفرع المرتب" (٢).
وقال -عند تعذر المجتهد ووجود الفقيه المتمرس على التخريج المذهبي-: "فإحالة المستفتين على ذلك أولى من تعرية وقائع عن التكاليف أَوْ إحالة المسترشدين على عمايات، وأمور كلية" (٣).
стр. 348
ولقد اهتم علماء المذاهب بوضع قواعد وأحكام عَامَّة لجميع أبواب الفقه، أَوْ خَاصَّة بأبواب أَوْ تصرفات معينة، فيأتي الفقيه أَوْ المفتي أَوْ القاضي إذا لم يجد للنازلة حكمًا مقررًا في المذهب فيخرِّج الواقعة المنظورة لديه على الأصول والقواعد المذهبية (١).
يقول النووي (ت: ٦٧٦ هـ): "وله -أي مجتهد المذهب- أَنْ يفتي فيما لا نَصَّ فيه لِإمامه بما يخرجه على أصوله، هذا هو الصَّحِيح الذي عليه العمل، وإليه مفزع المفتين من مدد طويلة" (٢).
ويقول ابن حمدان (ت: ٦٩٥ هـ): "يبعد أَنْ تقع واقعة لم يُنَصَّ على حكمها في المذهب، ولا هي في معنى بعض المَنْصُوص عليه فيه من غير فرق، ولا مندرجة تحت شيء من ضوابط المذهب المحررة" (٣).
وقد قرر الفقهاء أهمية القواعد الفقهية، وإمدادها للفقيه بالأحكام عن طريق الإِلحاق والتخريج.
وهذا السيوطي (ت: ٩١١ هـ) يبين ذلك فيقول: "اعلم أنَّ فنَّ الأشباه والنظائر فنٌّ عظيم، به يطلع على حقائق الفقه ومداركه
стр. 349
ومآخذه وأسراره، ويتمهد في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإِلحاق والتخريج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على ممر الزمان" (١).
ويقول القرافي (ت: ٦٨٤ هـ): "ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع واختلطت، ... ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات؛ لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره، وتناسب الشاسع البعيد وتقارب" (٢).
ولذا فإنَّ الفقيه والقاضي والمفتي إذا نزلت به واقعة لا قول فيها للعلماء اجتهد في ردها إلى أصلها وقاعدتها، يقول القرافي: "وتخريج الأحكام على القواعد الأصولية الكلية أولى من إضافتها إلى المناسبات الجزئية، وهو دأب فحول العلماء دون ضَعَفَة الفقهاء" (٣).
وقد درج علماء المذاهب على التخريج عند إعواز الكلام في المسألة والحكم عليها (٤)، وهكذا المفتون والقضاة.
стр. 350
وعلى المخرج إنعام النظر في القواعد الإِجماعية والمذهبية، وملاحظة ما فيها من الفروق ومناط الاجتماع للحكم، وما يتطلبه من إضافة قيد أَوْ حذفه (١).
القسم الثالث: تخريج الفروع من الفروع المذهبية .
والمراد به: استخراج حكم من الأحكام الكلية العملية من فرع فقهي (٢).
فالقاضي هنا وهو بصدد تقرير الحكم الكلي الفقهي الملاقي للنازلة يستنبطه من فرع فقهي سبق تقريره، ويلحق النظير بنظيره، إما لاتحادهما في الأصل، أَوْ لعدم الفارق، أَوْ غير ذلك (٣).
قال في الإِنْصَاف: "وإن نَصَّ -يعني الإِمام أحمد- في مسألة على حكم وعلله بعلة فوجدت تلك العلة في مسائل فمذهبه في تلك المسائل كالمسألة المعللة، قدمه في الرعاية والفروع ... وقيل: لا" (٤).
стр. 351
وأَجْمَعُ طرق تخريج الفروع من الفروع هو رد المسألة المُخَرَّج عليها إلى أصلها (علتها)، ومن ثَمَّ تُخرَّج النازلة على ذلك الأصل إذا اتحدا فيه ولم يثبت ما يوجب الفرق بينهما أَوْ الاستثناء والعدول عن ذلك الأصل (١).
فإنَّ الفقيه ليس الذي يكثر من حفظ الفروع، بل هو الذي يستطيع رد الفروع إلى أصولها، ويخرِّج على الأصول فروعًا جديدة، ولقد كان منهج السلف وغرضهم في المناظرات العلمية فهم الأحكام، والوقوف على صوابها، وأصلها، وعللها؛ لتجرى على نظائرها.
وفي ذلك يقول ابن عبد البر (ت: ٤٦٣ هـ): "واعلم أَنّه لم تكن مناظرة بين اثنين أَوْ جماعة من السلف إلَّا لتفهم وجه الصواب، فيصار إليه، ويعرف أصل القول وعلته، فيُجْرِي عليه أمثلته ونظائره" (٢).
ولقد كشف بعض العلماء عن غرضه من التأليف في العلم، وأنَّه معرفة أصول المسائل وإتقانها؛ ليرتاض بذلك المطلع عليها،
стр. 352
فيسهل عليه الرد إليها والتخريج عليها، وأَنَّ الفقيه لا يكون فقيهًا إلَّا بذلك لا بكثرة حفظ الجزئيات والفروع الفقهية.
يقول ابن رشد (ت: ٥٩٥ هـ) - بصدد غرضه من تأليف كتابه "بداية المجتهد"-: "لكن لما كان قصدنا إنَّما هو ذكر المسائل التي هي منطوق بها في الشرع، أَوْ قريب من المنطوق بها ... فإنَّ هذا الكتاب إنَّما وضعناه ليبلغ به المجتهد في هذه الصناعة رتبة الاجتهاد إذا حَصَّل ما يجب له أَنْ يحصل قبله من القدر الكافي له في علم النحو، واللغة، وصناعة أصول الفقه، ويكفي من ذلك ما هو مساوٍ لجرم هذا الكتاب أَوْ أقل، وبهذه الرتبة يسمى فقيهًا، لا بحفظ مسائل الفقه ولو بلغت في العدد أقصى ما يمكن أَنْ يحفظه إنسان، كما نجد متفقهة زماننا يظنون أَنَّ الفقيه هو الذي حفظ مسائل أكثر، وهؤلاء عرض لهم شبيه ما يعرض لمن ظن أَنَّ الخَفَّاف هو الَّذي عنده خِفَاف كثيرة، لا الَّذي يقدر على عملها، وهو بَيِّنٌ أَنَّ الَّذي عنده خفاف كثيرة سيأتيه إنسان بقَدَمٍ لا يجد في خفافه ما يصلح لقدمه، فيلجأ إلى صانع الخفاف ضرورة، وهو الَّذي يصنع لكل قَدَمٍ خُفًّا يوافقه، فهذا هو مثال أكثر المتفقهة في هذا الوقت" (١).
والقاضي والمفتي لا يخرج فرعًا على آخر إلَّا إذا كان ذا معرفة بقواعد مذهبه، ومواطن الإِجماع فيه وموجبات الافتراق؛ حتَّى
стр. 353
يستطيع رد الفرع لأصله والتخريج عليه مع عدم تناقضه مع إجماع، أَوْ أصل، أَوْ قاعدة أخرى، يقول القرافي (ت: ٦٨٤ هـ): "لا يجوز لمفت أَنْ يخرِّج غير المَنْصُوص على المَنْصُوص إِلَّا إذا كان شديد الاستحضار لقواعد مذهبه، ومواطن الإِجماع، وبقدر ضعفه في ذلك يتجه منعه من التخريج" (١).
ومن أمثلة تخريج الفروع على الفروع: ما كثر وقوعه في عصرنا من اشتراط البائع على المشتري بثمن مؤجل على أقساط بأَنَّه متى تأخر عن تسديد قسط حَلَّ جميع الثمن المؤجل.
فهذه المسألة قد نَصَّ عليها فقهاء الحنفية (٢)، وابن القَيِّمِ من الحنابلة (٣)، والمجمع الفقهي بجدة (٤)، وقرروا صِحَّة شرط حلول بقية الثمن المؤجل.
لكن الَّذي يبتغي تقرير مذهب الحنابلة في هذه المسألة لا تسعفه النُّصُوص الفقهية الصريحة في ذلك.
لكن يمكن تخريجها على بعض الفروع المقررة عند فقهاء المذهب، فقد ذكر في الإِنْصَاف في صورة بيع الرهن بإذن المرتهن
стр. 354
بشرط تعجيل دينه من ثمن الرهن، وقَرَّرَ صِحَّة البيع ويلغو الشرط قولًا واحدًا (١)، قال في الإِنْصَاف (٢): "قاله في المحرر (٣) وغيره".
وعلل في الكشاف لعدم صِحَّة الشرط: بأَنَّ التأجيل أخذ قسطًا من الثمن، فإذا سقط بعض مدة الأجل لأجل مقابلة الإِذن فقد أذن بعوض، وهو يقابل الباقي من مدة الأجل من الثمن، وهذا لا يجوز أخذ العوض عليه (٤).
وأطلق في المغني، فقال: "وإن إذن فيه - أي في بيع الرهن - بشرط أَنْ يجعل ثمنه مكانه رهنًا أَوْ يعجل له دينه من ثمنه جاز ولزم" (٥).
قال في الإِنْصَاف: "وقال في الهداية، والمذهب، والخلاصة، وغيرهم: يَصِحُّ الشرط، وجزم به الشارح" (٦).
ولم أقف على تعليل لهذا القول عند من ذكره.
وفي قول: لا يَصِحُّ البيع مطلقًا (٧).
стр. 355
وفي صورة أخرى ذكر في المغني (١): عدم لزوم ضمان الدين المؤجل حالًّا، بل يلزمه مؤجلًا على صفة وجوبه على المدين.
وعلل: بأَنَّ المدين لو التزم بالدين المؤجل حالًّا لم يحل لذلك.
وذكر في المغني - احتمالًا - صِحَّةَ ضمان الدين المؤجل حالًّا؛ فقال: "وقيل: يحتمل أَنْ يَصِحَّ ضمان الدين المؤجل حالًّا، كما يَصِحُّ ضمان الحالّ مؤجلًا؛ قياسًا لإِحداهما على الأخرى" (٢).
وعلى هذا يتخرج عند الحنابلة في هذه المسألة - وهي شرط تعجيل الثمن المؤجل قبل حلوله إذا تأخر في تسليمه - قولان، هما:
الأول: بطلان الشرط مع صِحَّة العقد.
إعمالًا لعلة عدم صِحَّة شرط تعجيل المؤجل من ثمن المبيع المرهون، وهي عدم المعاوضة على الأجل.
ولعلة عدم صِحَّة ضمان الدين المؤجل حالًّا؛ لأَنَّ الدين المؤجل لا يحلُّ بالتزام تعجيله.