← Сияса и кади

Сияса и кади · id 17810

توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية

عبد الله بن محمد الخنين

Полный текст (1 181 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وأَجْمَعُ طرق تخريج الفروع من الفروع هو رد المسألة المُخَرَّج عليها إلى أصلها (علتها)، ومن ثَمَّ تُخرَّج النازلة على ذلك الأصل إذا اتحدا فيه ولم يثبت ما يوجب الفرق بينهما أَوْ الاستثناء والعدول عن ذلك الأصل (١). فإنَّ الفقيه ليس الذي يكثر من حفظ الفروع، بل هو الذي يستطيع رد الفروع إلى أصولها، ويخرِّج على الأصول فروعًا جديدة، ولقد كان منهج السلف وغرضهم في المناظرات العلمية فهم الأحكام، والوقوف على صوابها، وأصلها، وعللها؛ لتجرى على نظائرها. وفي ذلك يقول ابن عبد البر (ت: ٤٦٣ هـ): "واعلم أَنّه لم تكن مناظرة بين اثنين أَوْ جماعة من السلف إلَّا لتفهم وجه الصواب، فيصار إليه، ويعرف أصل القول وعلته، فيُجْرِي عليه أمثلته ونظائره" (٢). ولقد كشف بعض العلماء عن غرضه من التأليف في العلم، وأنَّه معرفة أصول المسائل وإتقانها؛ ليرتاض بذلك المطلع عليها،

стр. 352

فيسهل عليه الرد إليها والتخريج عليها، وأَنَّ الفقيه لا يكون فقيهًا إلَّا بذلك لا بكثرة حفظ الجزئيات والفروع الفقهية. يقول ابن رشد (ت: ٥٩٥ هـ) - بصدد غرضه من تأليف كتابه "بداية المجتهد"-: "لكن لما كان قصدنا إنَّما هو ذكر المسائل التي هي منطوق بها في الشرع، أَوْ قريب من المنطوق بها ... فإنَّ هذا الكتاب إنَّما وضعناه ليبلغ به المجتهد في هذه الصناعة رتبة الاجتهاد إذا حَصَّل ما يجب له أَنْ يحصل قبله من القدر الكافي له في علم النحو، واللغة، وصناعة أصول الفقه، ويكفي من ذلك ما هو مساوٍ لجرم هذا الكتاب أَوْ أقل، وبهذه الرتبة يسمى فقيهًا، لا بحفظ مسائل الفقه ولو بلغت في العدد أقصى ما يمكن أَنْ يحفظه إنسان، كما نجد متفقهة زماننا يظنون أَنَّ الفقيه هو الذي حفظ مسائل أكثر، وهؤلاء عرض لهم شبيه ما يعرض لمن ظن أَنَّ الخَفَّاف هو الَّذي عنده خِفَاف كثيرة، لا الَّذي يقدر على عملها، وهو بَيِّنٌ أَنَّ الَّذي عنده خفاف كثيرة سيأتيه إنسان بقَدَمٍ لا يجد في خفافه ما يصلح لقدمه، فيلجأ إلى صانع الخفاف ضرورة، وهو الَّذي يصنع لكل قَدَمٍ خُفًّا يوافقه، فهذا هو مثال أكثر المتفقهة في هذا الوقت" (١). والقاضي والمفتي لا يخرج فرعًا على آخر إلَّا إذا كان ذا معرفة بقواعد مذهبه، ومواطن الإِجماع فيه وموجبات الافتراق؛ حتَّى

стр. 353

يستطيع رد الفرع لأصله والتخريج عليه مع عدم تناقضه مع إجماع، أَوْ أصل، أَوْ قاعدة أخرى، يقول القرافي (ت: ٦٨٤ هـ): "لا يجوز لمفت أَنْ يخرِّج غير المَنْصُوص على المَنْصُوص إِلَّا إذا كان شديد الاستحضار لقواعد مذهبه، ومواطن الإِجماع، وبقدر ضعفه في ذلك يتجه منعه من التخريج" (١). ومن أمثلة تخريج الفروع على الفروع: ما كثر وقوعه في عصرنا من اشتراط البائع على المشتري بثمن مؤجل على أقساط بأَنَّه متى تأخر عن تسديد قسط حَلَّ جميع الثمن المؤجل. فهذه المسألة قد نَصَّ عليها فقهاء الحنفية (٢)، وابن القَيِّمِ من الحنابلة (٣)، والمجمع الفقهي بجدة (٤)، وقرروا صِحَّة شرط حلول بقية الثمن المؤجل. لكن الَّذي يبتغي تقرير مذهب الحنابلة في هذه المسألة لا تسعفه النُّصُوص الفقهية الصريحة في ذلك. لكن يمكن تخريجها على بعض الفروع المقررة عند فقهاء المذهب، فقد ذكر في الإِنْصَاف في صورة بيع الرهن بإذن المرتهن

стр. 354

بشرط تعجيل دينه من ثمن الرهن، وقَرَّرَ صِحَّة البيع ويلغو الشرط قولًا واحدًا (١)، قال في الإِنْصَاف (٢): "قاله في المحرر (٣) وغيره". وعلل في الكشاف لعدم صِحَّة الشرط: بأَنَّ التأجيل أخذ قسطًا من الثمن، فإذا سقط بعض مدة الأجل لأجل مقابلة الإِذن فقد أذن بعوض، وهو يقابل الباقي من مدة الأجل من الثمن، وهذا لا يجوز أخذ العوض عليه (٤). وأطلق في المغني، فقال: "وإن إذن فيه - أي في بيع الرهن - بشرط أَنْ يجعل ثمنه مكانه رهنًا أَوْ يعجل له دينه من ثمنه جاز ولزم" (٥). قال في الإِنْصَاف: "وقال في الهداية، والمذهب، والخلاصة، وغيرهم: يَصِحُّ الشرط، وجزم به الشارح" (٦). ولم أقف على تعليل لهذا القول عند من ذكره. وفي قول: لا يَصِحُّ البيع مطلقًا (٧).

стр. 355

وفي صورة أخرى ذكر في المغني (١): عدم لزوم ضمان الدين المؤجل حالًّا، بل يلزمه مؤجلًا على صفة وجوبه على المدين. وعلل: بأَنَّ المدين لو التزم بالدين المؤجل حالًّا لم يحل لذلك. وذكر في المغني - احتمالًا - صِحَّةَ ضمان الدين المؤجل حالًّا؛ فقال: "وقيل: يحتمل أَنْ يَصِحَّ ضمان الدين المؤجل حالًّا، كما يَصِحُّ ضمان الحالّ مؤجلًا؛ قياسًا لإِحداهما على الأخرى" (٢). وعلى هذا يتخرج عند الحنابلة في هذه المسألة - وهي شرط تعجيل الثمن المؤجل قبل حلوله إذا تأخر في تسليمه - قولان، هما: الأول: بطلان الشرط مع صِحَّة العقد. إعمالًا لعلة عدم صِحَّة شرط تعجيل المؤجل من ثمن المبيع المرهون، وهي عدم المعاوضة على الأجل. ولعلة عدم صِحَّة ضمان الدين المؤجل حالًّا؛ لأَنَّ الدين المؤجل لا يحلُّ بالتزام تعجيله.

стр. 356

الثاني: صِحَّة الشرط والعقد. ولم يصرح قائلوه بما استدلوا به، ولعلهم استندوا إلى أَنَّ الأصل صِحَّة العقود والشروط. والقول الأول أظهر؛ لأَنَّ تَصْحِيح هذا الشرط يفضي إلى أَنْ يأخذ رب الحق دينه كاملًا بما في ذلك ما كان من زيادة مقابل الأجل، الَّذي لم يحلّ، وهذا أكل لأموال الناس بالباطل، وهو منهي عنه، يقول - تعالى -: ﴿وَلَا تَأْكُلُمُوَاْ أَمْواَلَكُم بَيْنَكَمُ بالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. فالمتعاقدان قد دخلا في العقد على المعاوضة على أَنْ يكون الثمن مؤجلًا، وجرى زيادة الثمن مراعي فيه التأجيل، فاشتراط ما يعارض ذلك من حلول الثمن عند التأخر في تسليم بعض الأقساط وإسقاط التأجيل الَّذي أخذ قسطًا من الثمن مخالفٌ لما تعاقد عليه الطرفان؛ لأَنَّهما دخلا في العقد على المعاوضة واشْتُرِط فيه ما يخالف المعاوضة، فبعض الثمن الحالّ بالشرط قد أخذ من غير عوض فيكون الشرط باطلًا؛ لأَنَّه من أكل أموال الناس بالباطل (١). ولا يعارض ما رجحته أصلَ صِحَّة العقود والشروط، لأَنَّ هذا الأصل مراعى ما لم يحل حرامًا، أَوْ يحرم حلالًا، وقد بيّنَّا أَنَّ هذا

стр. 357

الشرط يفضي إلى أكل أموال الناس بالباطل، فهو استحلال للمال المحرم أكله. فائدة: حاجة المُخَرِّج إلى المَلَكَة الفقهية: إنَّ مما يمكِّن الفقيه والمفتي والقاضي من التخريج ورَدِّ الفروع إلى أصولها وقواعدها عَامَّة أَوْ مذهبية، أَوْ تخريج فرع على فرع - الملكةُ الناضجة، ومما يصقلها معرفةُ أصول الفقه وقواعده، والفقه وقواعده، ومقاصد الشريعة (١)، والتمرس على تحليل الحجج، ورد الفروع إلى أصولها، والارتياض في ذلك، يقول الجويني (ت: ٤٧٨ هـ): "وأهم المطالب في الفقه التدرب على مأخذ الظنون في مجال الأحكام، وهذا هو الَّذي يسمى فقه النفس، وهو من أنفس صفات علماء الشريعة" (٢). ويقول الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ): "وليس يكفي في حصول الملكةُ على شيء تَعَرُّفُه، بل لا بُدَّ مع ذلك من الارتياض في مباشرته، فلذلك إنَّما تصير للفقيه ملكة الاحتجاج واستنباط المسائل أَنْ يرتاض في أقوال العلماء وما أتوا به في كتبهم، وربما أغناه ذلك عن العناء في مسائل كثيرة، وإنَّما ينتفع بذلك إذا تمكن من معرفة

стр. 358

الصَّحِيح من الأقوال من فاسدها، ومما يعينه على ذلك أَنْ تكون له قوة على تحليل ما في الكتب ورده إلى الحجج، فما وافق منها التأليفُ الصوابَ فهو صواب، وما خرج عن ذلك فهو فاسد، وما أشكل أمره تَوَقَّفَ فيه" (١). فالمُخرَّج لا بُدَّ له مع التحصيل العلمي والملكات الفطرية من فطنة وذكاء، ومن الملكة الفقهية ذات الخبرة الناضجة بالتمرس في هذا العمل؛ وما ذلك إِلَّا لأَنَّ النفس يصير لها فيما تعانيه من العلوم والحِرَف والصناعات ملكاتٌ قادرة قارَّة تدرك بها الأحكام الأصلية والعارضة في تلك العلوم والحرف والصناعات؛ لكثرة نظره فيها، وإتقانِه لأصولها ومآخذها، حتَّى تلوح له الأحكام سابقة على أدلتها وبدونها، لكن لا بُدَّ من صِحَّة الأصل والمأخذ، وإظهاره. تذييل: قاعدتان في التخريج: هناك قاعدتان في التخريج يجب التنبه لهما، وبيانهما كما يلي: القاعدة الأولى: مراعاة الاستثناء عند التخريج . إنَّ الله شرع لعباده تحصيل المصالح وتكميلها، ودفع المفاسد وتقليلها فيما يعود على العباد بالصلاح عاجلًا وآجلًا، ويقتضي ذلك أَنَّه قد تجتمع المصالح على علة

стр. 359

واحدة، ثم تستثنى منها ما في ملابسته مشقة شديدة، أَو مفسدة تربي على تلك المصالح، وهكذا في دفع المفاسد، وذلك جارٍ في العبادات، والمعاوضات، وسائر التصرفات، ويعبر عنه بما خالف القياس، وحقيقته الاستثناء من ذلك المخالف لمقتضٍ شرعي أكمل وأخص؛ ولذا جازت الجعالة مع جهالة العمل، وجاز السلم مع انعدام السلعة، وجازت العرايا لمن احتاج للرطب، فعلى المخرج على الأصول والقواعد والفروع مراعاة ذلك جميعه (١). القاعدة الثانية: مراعاة الفروق عند التخريج . إنَّ الفرع قد يختص بفرق أَوْ عارض يوجب عدم إلحاق هذا الفرع به، فلا يدخل تحته بل تحت أصل آخر، فعلى المُخَرِّج أَنْ يلحظ ذلك، فلا يَصِحُّ تخريج فرع على فرع مع قيام الفارق بينهما، يقول القرافي (ت: ٦٨٤ هـ): "لا يجوز له أَنْ يخرج على مقاصد إمامه فرعًا على فرعٍ نَصَّ عليه إمامه مع قيام الفارق بينهما" (٢)، فتفارق الفرعين في بعض الأوصاف قد يوجب مفارقتهما في الحكم وإن تساويا في الظاهر.

стр. 360

يقول ابن السبكي (ت: ٧٧ اهـ) نقلًا عن والده (ت: ٧٥٦ هـ): "والفقيه يعلم أَنَّ الشيئين المتساويين في الحقيقة وأصلِ المعنى قد يعرض لكل منهما عوارض تفارقه عن صاحبه وإن لم تغير حقيقته الأصلية؛ فالفقيه الحاذق يحتاج إلى تيقن القاعدة الكلية في كل باب، ثم ينظر نظرًا خَاصًّا في كل مسألة، ولا يقطع شوقه عن تلك القاعدة حتَّى يعلم هل تلك المسألة يجب سحب القاعدة عليها، أَوْ تمتاز بما تثبت له تخصيص حكم من زيادة أَوْ نقص، ومن هنا تتفاوت رتب الفقهاء، فكم من واحد متمسك بالقواعد قليل الممارسة للفروع ومآخذها يَزِلُّ في أدنى المسائل، وكم من آخر مستكثر من الفروع ومداركها قد أفرغ صمام ذهنه فيها غفل عن قاعدة كلية فتخبطت عليه تلك المدارك صار حيران، ومن وفقه الله لمزيد العناية جمع بين الأمرين، فيرى الأمر رأي عين" (١). فعلى المُخَرِّج مراعاة الفروق عند التخريج، وإذا تجاذب المسألةَ أَوْ الفرعَ أصلان فعليه إلحاق الفرع بأكثر الأصلين شبهًا به مما هو أقرب للكتاب والسنة ثم القواعد والأصول. يقول ابن تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨ هـ): "العين إذا تجاذبتها الأصول لحقت بأكثرها شبهًا" (٢)، ويقول المقري (ت: ٧٥٨ هـ): "إذا اختص

стр. 361

الفرع بأصل أُجري عليه إجماعًا، فإن دار بين أصلين فأكثر حُمِلَ على الأَوْلى منهما" (١). وعلى القاضي والمفتي بذل غاية جهده لمعرفة الأشباه وأقرب الأصول لتلك الواقعة (٢)، وتبيينُ ذلك في أسباب حكمه. * * *

стр. 362

المبحث السادس خلوّ الواقعة من قولٍ لمجتهد وموقفُ القاضي منه وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: المراد به وبيان أَنَّه لا تخلو واقعة من حكم لله ودعوة العلماء إلى الاجتهاد في الوقائع. المطلب الثاني: أسباب خلوّ الواقعة من قولٍ لمجتهد. المطلب الثالث: استئناف النظر في حكم واقعة لِتَغَيُّر الأعراف والمصالح لا يُعَدُّ تَغْيِيرًا في أصل الخطاب الشرعي. المطلب الرابع: موقف القاضي عند خلوّ الواقعة من قولٍ لمجتهد ووسائله في تقرير حكمها.

стр. 363

المطلب الأول المراد بخلوّ الواقعة من قولٍ لمجتهد وبيانُ أَنَّه لا تخلو واقعة من حكم لله ودعوةُ العلماء إلى الاجتهاد في الوقائع المراد بخلو الواقعة من قول لمجتهد: المراد بذلك: أَنْ يحدث للقاضي من الأقضية ما لا قول فيه للعلماء. فإذا حدث من الأقضية ما لا دليل عليه خَاصّ بجزئه من كتاب أَوْ سنة أَوْ ما لا قول فيه للفقهاء ينطبق على الواقعة موضع الدعوى - فإنَّه يتعين على القاضي الاجتهادُ في النازلة، وردُّها إلى كتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ ، أَوْ تخريجُها على الأصول والقواعد المقررة منهما (١)، أَوْ على الأصول والفروع المذهبية على نحو ما مَرَّ قريبًا.

стр. 364

ويسمِّيه الفقهاء: خلوّ النازلة من قولٍ لمجتهد، أَوْ حدوث ما لا قول فيه للعلماء. بيان أنّه لا تخلو واقعة من حكم لله: إنَّ الإِنسان يتسم بالحيوية والنشاط، فهو كائن حي متحرك، ومن العادي أَنْ يَحْدُث له، أَوْ يُحْدِث هو أمورًا مستجدة لم تعرف فيمن قبله، فهي تحتاج إلى حكم، وأفعال العباد جميعًا محكوم عليها بالشرع أمرًا ونهيًا، وإذنًا وعفوًا (١). يقول الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "فلا عمل يفرض ولا حركة ولا سكون يدعى إلَّا والشريعة عليه حاكمة إفرادًا وتركيبًا" (٢). ويقول الجويني (ت: ٤٧٨ هـ): "إنَّه لا تَخْلُ واقعة عن حكم الله - تعالى - على المتعبدين" (٣). وأدلة الشرع من كتاب وسنة وما تفرع عنهما محيطةٌ بأحكام الحوادث في صغير الأمور، وكبيرها، ودقيقها، وجليلها؛ يقول - تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فما من نازلة إلَّا في كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ حكمها، علم ذلك من علمه، وجهله من

стр. 365

جهله (١)، وسواء وجدنا ذلك مَنْصُوصًا عليه في كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ بجزئه، أَمْ استنبطه المجتهدون منهما، أَوْ مما تفرع عنهما من أصول الشريعة بالقياس، أَوْ بالتخريج على القواعد والأصول، أَوْ بردِّه إلى المقاصد العَامَّة للشريعة؛ تحصيلًا للمصالح، ودفعًا للمفاسد. يقول الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ): "ليس من حادثة إلَّا ولله فيها حكم قد بيَّنه من تحليل أَوْ تحريم، وأمر ونهي" (٢). فالشريعة ثَرَّةٌ (٣) في مصادرها، لا ينضب معينها في نُصُوصها إذا أخذت بعمومها وعللها ومقاصدها؛ يقول سهل بن عبد الله (ت: ٢٨٣ هـ): "لو أعطي العبد بكل حرف من القرآن ألف فَهْمٍ لم يبلغ نهاية ما أودعه الله في آية من كتابه" (٤)، فالنظر في نُصُوص الشريعة يكون بمجموع اللفظ، تسوقه المقاصد اللغوية بسوابقها ولواحقها، وتحكمه المقاصد الشرعية كلية أَوْ جزئية (٥)، ومن كان خبيرًا بذلك لم يعوزه حكم النازلة مهما استجدت، يقول ابن تَيْمِيّةَ (ت: ٧٢٨ هـ): "ومتى قدر الإِنسان على اتباع النُّصوص لم يعدل عنها، وإلَّا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقلَّ أَنْ تعوز

стр. 366

النُّصُوص من يكون خبيرًا بها وبدلالتها على الأحكام" (١)، فمثلًا: قوله ﷺ : "لا يحتكر إِلَّا خاطئ" (٢) فيه تحريم الاحتكار بشروطه المقررة شرعًا، وهي دلالة خَاصَّة، وفيه نهي المالك عن التصرف في ملكه بما يضر بعَامَّة الناس، وأَنَّه إن فعل ذلك مُنِع منه، وهي دلالة عَامَّة يدخل تحتها ما لا حصر له من الصور، وهذا فيه ردٌّ على من يقول بأَنَّ نُصُوص الشريعة لا تفي بعشر معشار الحوادث، كما فيه ردٌّ على الذين يردَّدون بعض ما ذكره العلماء من أَنَّ النُّصُوصَ معدودة محدودة متناهية، والحوادثَ ممدودة غير معدودة ولا متناهية، ويريدون تَلَمُّس الأحكام من غير الشريعة. فإنَّ قائلي ذلك من العلماء أرادوا حَثَّ إخوانهم العلماء على الاستنباطِ، وإعمالِ القياس ومصادر الشريعة الأخرى في مواجهة النوازل المستجدة، ولم يريدوا بذلك الانصرافَ عن الشريعة ومصادرها، وتَلَمُّسَ سبل الحكم في غيرها (٣). فحاجة الناس لأحكام الشرع ضرورية وناجزة، يقول ابن القَيِّمِ (ت: ١٧٥ هـ): "حاجة الناس إلى الشريعة ضرورية فوق

стр. 367

حاجتهم إلى كل شيء، ولا نسبة لحاجتهم إلى علم الطب إليها" (١). والواقع العملي لمسيرة أمتنا الفقهية خير شاهد على تفوقها في جانب التشريع؛ إذ إنَّها في مسيرتها الخيرة منذ وفاة رسول الله ﷺ وانقطاعِ نزول الوحي وهي تجتهد وتستنبط من الوحيين وأصولهما، وقد اتسعت فتوحاتها، وشرَّقت وغرَّبت، ولم تقف أمامها معضلة فقهية، بل كلما فتحوا بلادًا، وعرضت لهم بعض المشكلات الفقهية التي لم تكن فيمن قبلهم انفتح لهم أُفُقٌ من الاجتهاد والاستنباط عالجوا به ما وجدوه في البلاد المفتوحة من أنماط المعاملات المستجدة والأعراف المختلفة (٢). بل لقد ذكر ابن تَيْمِيَّةَ أَنَّ ملوك النصارى في زمن مضى يردون الناس من سائر رعيتهم للتحاكم في الدماء والأموال إلى حاكم الأقلية المسلمة لديهم ليحكم بينهم بشرع المسلمين؛

стр. 368

لما وجدوه في هذه الشريعة من العدل والإِنْصَاف لأَصْحَاب الحقوق (١). إنَّنا أمة ذات حضارة لها من الزاد العلمي المعصوم بالوحي ما لا تملكه أمة سواها، وقد كانت أمم الغرب تستضيء بهذا الزاد، ولا زالت؛ فقد كانت الحملات الصليبية تفتش في التراث الفقهي للمسلمين، ونقلت من ذخائره الشيء الكثير (٢)، كما كانت تفعل مثل ذلك عند تواصلها مع المسلمين في الأندلس (٣)، واستمرت أمم الغرب في إفادتها من التراث الفقهي للمسلمين حتَّى العصر الحاضر؛ فقد حدث الشيخ علي حيدر (والذي كان حيًّا سنة ١٣٢٧ هـ) عن إجابة علماء المسلمين في عصره عن المعضلات الفقهية لدى أمم الغرب؛ فقال - وهو يتحدث عن مهام دار الإِفتاء في آخر الدولة التركية -: "وقد استُفتِيَتْ دار الاستفتاء هذه في بعض الأحوال من قبل دول أوربا في بعض المسائل الغامضة الحقوقية" (٤).

стр. 369

إنَّ خصوبة الشريعة في مصادرها وكلياتها وجزئياتها أمر ظاهر التسليم حتَّى عند غير المسلمين أنفسهم، وصدر من بعضهم أقوال تظهر هذا المعنى (١). دعوة العلماء إلى الاجتهاد في الوقائع الفقهية: لقد تواصل نداء العلماء ودعوتهم إلى مقابلة النوازل الفقهية بالأحكام الشرعية من المؤهلين لتقريرها، وعدم الوقوف أمام ما لا قول فيه للفقهاء بالفتوى والقضاء، فقالوا: إذا حدث ما لا قول فيه للعلماء تكلم فيه حاكم، ومجتهد، ومُفْتٍ؛ فيرده إلى الأصل من الكتاب، والسنة، والقياس، وأصول الاجتهاد الأخرى والقواعد (٢). وأصل ذلك قول الله - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، فأيُّ شيء اختلف فيه مما يقع من النوازل يجب الرد فيه للكتابِ، والسنةِ، والأصولِ المستمدة منهما.

стр. 370

ويقول - تعالى -: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣]، فقد جعل الله معالجة النوازل لأهل الاستنباط؛ ليستمدوا ذلك من الكتاب، والسنة، والقواعد والأصول المقررة منها. * * *

стр. 371

المطلب الثاني أسباب خلوّ الواقعة من قولٍ لمجتهد إنَّ الشريعة غنية بمصادرها التشريعية، فما لا يوجد مَنْصُوصًا عليه في الكتاب والسنة استنبطه العلماء منهما، أَوْ من مصادر الشريعة الأخرى المتفرعة عنهما فيما يستجد من حوادث؛ ولذا فإنَّنا نجد مُدَوَّنَات الفقه مليئة بالأحكام سواء في العبادات، أَمْ المعاملات المالية، أَمْ الأنكحة، أَمْ الجنايات والحدود، أَمْ القضاء وإجراءات التقاضي، أَمْ العلاقات الداخلية والخارجية التي تنظم الدولة مع رعيتها أَوْ الأمم الأخرى حال السلم والحرب، وقد قرر العلماء واستنبطوا أحكامًا لهذه الفروع من تلك الأصول، وسطَّر يراعهم مدونات فقهية أصبحت مراجع علمية لا يستغني عنها من رام القضاء والإِفتاء في الواقعات والنوازل، إلَّا أَنّه يَجِدُّ للقاضي من الوقائع والنوازل ما لا يَجِدُه في تلك المدونات الفقهية؛ لأسباب تعود في مجملها إلى ما يلي:

стр. 372

١ - النوازل المستجدة: الإِنسان كائن حيٌّ متحرك ومن المعتاد أَنْ يُحْدِث أَوْ يَحْدُث له نوازل مستجدة لم تكن فيمن قبله من المعاملات التي ربما حدثت فيها الخصومات فاحتاج القاضي إلى تقرير حكمها، قال الفقهاء: إذا حدث ما لا قول فيه للعلماء تكلم فيه حاكم ومفتٍ ومجتهد، فيرده إلى الأصول والقواعد (١). وقد كان هذا هو دأب العلماء المحققين من فقهاء ومفتين وقضاة، يواجهون النوازل المستجدة بالأحكام الشرعية المستنبطة من مصادرها؛ لحاجة الأمة لها في معرفة حكمها الكلي ابتداءً وإفتاءً وقضاءً، يقول الجويني (ت: ٤٧٨ هـ): "لست أحاذر إثبات حكم لم يدونه الفقهاء ولم يتعرض له العلماء، فإنَّ معظم مضمون هذا الكتاب - يعني كتابه الغياثي - لا يلفى مدونًا في كتاب، ولا مضمنًا لباب، ومتى انتهى مساق الكلام إلى أحكام نظمها أقوام أَحَلْتُها على أربابها، وعزيتها إلى كُتَّابِها، ولكني لا أبتدع ولا أخترع شيئًا، بل ألاحظ وضع الشرع، وأستثير معنى يناسب ما أراه وأتحرَّاه، وهكذا سبيل التصرف في الوقائع المستجدة التي لا توجد فيها أجوبة للعلماء معدة، وأَصْحَاب المصطفى ﷺ ﵃ لم يجدوا في الكتاب والسنة إِلَّا نُصوصًا معدودة، وأحكامًا محصورة

стр. 373

محدودة (١)، ثم حكموا في كل وأقعة عنَّتْ، ولم يجاوزوا وضع الشرع ولا تعدوا حدوده، فعلمونا أَنَّ أحكام الله - تعالى - لا تتناهى في الوقائع، وهي مع انتفاء النهاية عنها صادرة عن قواعد مضبوطة" (٢). ٢ - الأعراف المتغيرة: يوجد في مدونات الفقهاء وكتبهم أحكامٌ فقهية مبنية على أعراف قد تغيرت؛ فهذه الأحكام قد مضت على ما لاقت من وقائع، ولكنَّ ما يستأنف من الحوادث فإنَّه يقابل باستنباط وتقرير حكمه مراعىً فيه العرف المتغير، سواء كان ذلك في العقود، أَمْ العيوب، أَمْ المنافع، أَمْ الألفاظ، أَمْ غيرها. ومن هنا تبرز أهمية معرفة الأعراف الجارية وقت تقرير الحكم زمن الفقيه الَّذي قرره، فهي تُعَرِّفُك على أصول تقريره، وأصول تغييره (٣).

стр. 374

يقول القرافي (ت: ٦٨٤ هـ): "إنَّ إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلافُ الإِجماع، وجهالةٌ في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغيير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة، وليس تجديدًا للاجتهاد من المقلدين" (١). والمراد أنّه يستنبط من الأحكام، ويقرر ما يواجه الوقائع والأعراف المتغيرة والمتجددة، أَمَّا ما مضى منها فعلى حكمها قبل تغيرها، وقد وقع موقعه فيها؛ يقول القرافي - أيضًا -: "الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت، وتبطل معها إذا بطلت، كالنقود في المعاملات، والعيوب في الأعراض في البياعات، ونحو ذلك ... وكذلك إذا كان الشيء عيبًا في الثياب في عادة رَدَدْنَا به المبيع، فإذا تغيرت العادة وصار ذلك المكروه محبوبًا موجبًا لزيادة الثمن لم تُرَدَّ به. وبهذا القانون نعتبر جميع الأحكام المترتبة على العوائد، وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه ... وعلى هذا القانون تراعى الفتاوى على طول الأيام مهما تجدد في العرف فاعتبره، ومهما سقط فأسقطه، ولا تَجْمُدْ على المسطور في الكتب طول عمرك، بل

стр. 375

إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تُجْرِهِ على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وأَجْرِهِ عليه، وأَفْتِهِ به دون عرف بلدك والمقررِ في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمودُ على المنقولات أبدًا ضلالٌ في الدين، وجهلٌ بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين، وعلى هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلإق، والعتق، وصيغ الصرائح والكنايات؛ فقد يصير الصريح كناية يفتقر إلى النية، وقد تصير الكناية صريحًا مستغنية عن النية ... " (١). وقد نقل ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ) معنى ذلك عن المالكية، ثم عقب عليه بقوله: "وهذا محض الفقه، ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضلَّ وأضلَّ، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبَّب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضرُّ ما على أديان الناس وأبدانهم" (٢)، وهذا ظاهر، وهو من أسباب اختلاف أقوال الأئمة في المسألة الواحدة، كأَنْ يقول فيها بقول وهي على

стр. 376

عرف أَوْ حال، فإذا تَغَيَّر عرفها أَوْ حالها قال فيها بقول آخر. يقول ابن بدران (ت: ١٣٤٦ هـ): "إنَّ الأحكام المترتبة على القرائن تدور معها كيفما دارت، وتبطل معها إذا بطلت" (١)، وذكر أمثلة، منها: تغير العادة في اللغة، ثم قال: "وأنت إذا تأملت الروايتين أَوْ الروايات عن الإِمام أحمد تجدها تميل إلى هذا الأصل، وما حافظ المتقدمون من أَصْحَابه على نقل رواياته في كتبهم إلَّا لهذا، وهذا المسلك يسمى بالمصالح المرسلة ... وقال المالكية عن هذا المسلك: هو محض الفقه، وعليه سلك الشيخ تَقِيُّ الدِّين أبو العباس أحمد ابن تَيْميَّةَ وأَصْحَابه" (٢). ٣ - المصالح الطارئة: فمن الأحكام الاجتهادية المقررة في مدونات الفقهاء ما يكون مناطه المصلحة المؤقتة، فهو دائم بدوامها، فإذا طرأ عليها ما يوجب العدول عنها وجب استئناف النظر في تقرير الحكم الكلي لها (٣). يقول الزمخشري (ت: ٥٣٨ هـ): "والشرائع مصالح تختلف باختلاف الأحوال والأوقات، فلكل وقت حكم يُكْتَبُ على العباد

стр. 377

- أي يفرض عليهم - على ما يقتضيه استصلاحهم" (١). ومن هذا القبيل مقاديرُ العقوبات التعزيرية، أَوْ أجناسها وصفاتها، فإنَّها تتنوع حسب المصلحة (٢). ومنه ما كان من الإِجماعات مؤقتًا لكونه مبنيًا على مصلحة مؤقتة تتغير وتتبدل من رْمن لآخر، فإذا استجدت مصلحة غير الأولى استؤنف النظر في تقرير حكم لها، ولم يكن الإِجماع المؤقت الأول مانعًا من تقرير حكم للمصلحة الحالّة، وليس هذا الإِجماع من قبيل الإِجماع القاطع الَّذي لا يدخله التغيير، بل هو إجماع مؤقت قابل للعدول عنه عند الاقتضاء (٣). ومن ذلك: ما كان من الأحكام الاجتهادية مقررًا لسدّ ذريعة، فزال موجب سدها، فإنَّه إذا زال الموجب وجب استئناف النظر في الحكم الفقهي لها مراعى فيه الأوصاف والوقائع المؤثرة المستجدة، وذلك بخلاف المصالح والمفاسد القارَّة وسد الذرائع إليها، فكل ذلك ثابت لا يتغير. وهكذا الأحكام الأساس التي جاءت الشريعة لتقريرها بِنُصُوصٍ محكمة لا تتبدل ولا تتغير.

стр. 378

وذلك كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والتراضي في العقود، والتزام الإِنسان بما يعاقد عليه، ووجوب منع الأذى، وقمع الإِجرام، وعدم مؤاخذة الإِنسان بذنب غيره، ومنع الربا والغش في المعاملات، والاختلاط بين الجنسين، واختلاء أحدهما بالآخر، وسفور المرأة وتبرجها، وغيرها مما جاءت به الشريعة في نُصُوص محكمة عَامَّة أَوْ خَاصَّة فكل ذلك ثابت لا يتغير مهما مَرَّ من العصور وكَرَّ من الدهور (١). فالأحكام نوعان: ١ - منها ما هو ثابت؛ لأَنَّه مبني على مصالح قارَّة. ٢ - ومنها ما هو متغير بحسب تغير المصلحة التي بني عليها. يقول ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه. والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالًا، كمقادير التغزيرات، وأجناسها، وصفاتها؛ فإنَّ الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة" (٢).

стр. 379

٤ - التجارب والخبرات الفنية المتجددة: سبق أن بَيَّنَّا أَنَّ للحكم أدلةً على شرعيته، وأدلةً على وقوع معرفاته، وبَيَّنَّا أَنَّ من أدلة الوقوعِ الخبرةَ، والتجربةَ. والفقيه محتاج للخبرة والتجربة، لتصور الواقعة وثبوتها حتَّى يتسنى له الحكم عليها (١)، إِلَّا أَنَّ الَّذي يحدث في هذا المجال أَن العلوم التجريبية قد تقرر حقيقة علمية ثم تعدل عنها إلى حقيقة أخرى توصَّل إليها العلماء المتخصصون في ذلك المجال بعد مواصلة البحث والتجربة، فما بني على مثل ذلك من الأحكام إذا استجد من سبل الخبرة والتجربة ما أظهر تغيير أوصاف الواقعة ومناط الحكم عليها وجب استئناف تقرير حكم للواقعة حسب أوصافها ومناطها المستجد؛ لانتقالها من أصل إلى آخر، ومن هذا القبيل أَنَّ الفقهاء كانوا يعدون الباسور من عيوب النِّكَاح التي لكل واحد من الزوجين الفسخ بها (٢)؛ لأَنَّها كانت داءً مستديمًا في الإِنسان يحصل به أذية الزوج لصاحبه، أَمَّا الآن فقد توصلت الخبرة الطبية إلى عملية جراحية لإِزالته في مدة يسيرة، فلا يثبت به خيار الفسخ ما دامت إزالته ممكنة في مدة يسيرة عرفًا.

стр. 380

ومما يجدر التنبيه عليه أَنَّ الحكم الشرعي الكلي هنا لم يتغير، وإنَّما تغيرت الواقعة بسبب ما ظهر للخبراء، فاستدعى ذلك استئناف النظر فيها، وانتقلت بسبب هذا التغير من أصل إلى آخر. على أنَّه تجب الإِشارة في هذا المقام إلى أَنَّ من هذه الخبرات والتجارب ما ظهرت صحته من مثل ما ذكرنا سابقًا، ومنها ما هو محتمل ولكنه قوي، فيقوم مقام القرينة القوية، كالاستدلال بالكروموسومات (١) على الذكورة والأنوثة، فهي دليل قوي على ذلك، لكن قد يعارضها ما هو أقوى منها فيعدل عن العمل بها استثناءً، فمثلًا شكت امرأة عقمها للطبيب، وبعد الفحص الطبي ظهر بأَنَّه لا يوجد لها رحم، وكروموسوماتها ذكرية، ولكن علامات الأنوثة الأخرى من الفرج، والأثداء، وعدم نبات شعر اللحية باديةٌ عليها ودالة على أنوثتها، فمثل هذه تبقى على الأصل من الأنوثة؛ لقوة هذه القرائن ورجحانها على دلائل التحليل الكروموسوماتي. على أَنَّ من هذه الخبرات والتجارب ما لا يزال في مرحلة الدراسة والتمحيص عند المتخصصين من أهلها، فلا يسارع إلى تلقيه والتسليم به قبل نضوجه واكتماله.

стр. 381

٥ - أحوال الناس المتغيرة: قد يقرر حكم جزئي كلي بنَصٍّ شرعي يدخل فيه من تحقق وصفه فيه من الأشخاص، ثم يرتفع ذلك الوصف عنهم، فينتفي الحكم عنهم؛ لخروجهم عن مناط هذا الحكم إلى مناط آخر. وقد منع عمر بن الخطاب ﵁ أشخاصًا من نصيب المؤلفة قلوبهم في الزكاة كان قد فرضه لهم رسول الله ﷺ ؛ لأَنَّ الله أعز الإِسلام، واستغنى المسلمون عن تأليفهم (١)، فهؤلاء قد انتقلوا من حال التأليف إلى حال آخر، وقد كان إعطاؤهم معلقًا على وصف وهو التأليف، وقد زال، والحكم إذا كان معلقًا على وصف فإنَّه يثبت بثبوته، ويرتفع عن الأشخاص المعينين بارتفاعه، ولا يكون ذلك نسخًا له، ولا تغييرًا؛ لأَنَّ الحكم باقٍ على عمومه - إلى أَنْ يرث الله الأرض ومن عليها - يدخل فيه من تحقق وصف التأليف فيه (٢). وقد يقرر حكم اجتهادي من الفقيه، والناسُ على هيئة أَوْ حال، لكن تلك الهيئة أَوْ الحال قد تغيرت فاستدعت حكمًا آخر انتقالًا من الحظر إلى الإِباحة، أَوْ من الإِباحة إلى الحظر؛ لأَنَّ تحقيق مناطه اقتضى ذلك؛ لتخلف وصف من أوصافه أَوْ زيادته، اقتضى إضافة قيد أَوْ حذفه، يقول عمر بن عبد العزيز (ت: ١٠١ هـ)

стр. 382

- ﵀: "يحدث للناس من الأقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور" (١)، ومن هذا القبيل: ما يقرره الفقهاء من أحكام استدعاها حال الناس؛ تطبيقًا لمبدأ سد الذرائع، أَوْ مراعاة للحاجات، والضرورات، أَوْ عموم البلوى الموجب للتيسير، ونحو ذلك. فللشيء حكم قبل طروء العوارض عليه، وحكم آخر بعد طروء العوارض عليه (٢). يقول ابن عابدين (ت: ١٢٥٢ هـ): "إنَّ كثيرًا من الأحكام بَيَّنَها المجتهد على ما كان في زمانه، فتختلف باختلاف الزمان ... لحدوث ضرورة أَوْ لفساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف، والتيسير، ورفع الضرر، والفساد؛ لأجل بقاء النظام على أحسن إحكام" (٣). ولا ينال هذا التغيير المصالحَ والأحوالَ القارَّة من حرمة المحرمات، ووجوب قمع الظلم والإِجرام، ونحوها مما سبقت الإِشارة إليه (٤). * * *

стр. 383

المطلب الثالث استئناف النظر في حكم واقعة لتغيّر الأعراف والمصالح لا يُعَدُّ تغييرًا في أصل الخطاب الشرعي مما سبق يتضح أَنّنا قد نجد في مُدَوَّنَات الفقهاء وكتبهم أحكامًا مبنية على أعراف طارئة، أَوْ مصالح مؤقتة، أَوْ خبرات وتجارب تغيرت، أَوْ أحوال للناس زالت وحَلَّ غيرها محلها، فهنا على الفقيه، والقاضي، والمفتي في مواجهة ذلك اعتبارُ هذه المسائل من النوازل المستجدة، والنظر استئنافًا في تقرير حكمها؛ لأَنَّ تغير الحكم لتغير العرف أَوْ المصلحة ونحو ذلك ليس تغييرًا في أصل الخطاب الشرعي، وإنَّما اختلفت صورة الواقعة فقرر الحكم الفقهي الملاقي لها، فالواقعة غير الواقعة، والحكم غير الحكم، بل المجتهد انتقل من حكم لآخر؛ لأَنَّ أصول الشريعة اقتضت له حكمًا قبل الانتقال، وحكمًا بعد الانتقال، فلا يقال: إنَّ الأحكام تتغيَّر بتغيُّر الزمان، بل باختلاف الصورة الحادثة (١).

стр. 384

وعلى هذا تواردت كلمات كوكبة من المحققين، أذكر طرفًا منها: قال الشاطبي (ت: ٦٨٤ هـ): "واعلم أَنَّ ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد فليس في الحقيقة باختلاف في أصل الخطاب؛ لأَنَّ الشرع موضوع على أنَّه أبديٌّ دائمٌ، ولو فرض بقاء الدنيا من غير نهاية والتكليف كذلك لم يحتج الشرع إلى مزيد. وإنَّما معنى الاختلاف أَنَّ العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم عليها، كما في البلوغ مثلًا؛ فإنَّ الخطاب التكليفي مرتفع عن الصبي ما كان قبل البلوغ، فإذا بلغ وقع عليه التكليف، فسقوط التكليف قبل البلوغ ثم ثبوته بعده ليس باختلاف في الخطاب، وإنَّما وقع الاختلاف في العوائد أَوْ الشواهد (١) وكذلك الحكم بعد الدخول بأَنَّ القول قول الزوج في دفع الصداق؛ بناءً على العادة، أَوْ أَنَّ القول قول الزوجة بعد الدخول - أيضًا -؛ بناءً على نسخ تلك العادة، ليس باختلاف في حكم، بل الحكم: أَنَّ الَّذي ترجح جانبه بمعهود أَوْ أصل فالقول قوله بإطلاق؛ لأَنَّه مدعى عليه، وهكذا سائر الأمثلة، فالأحكام ثابتة تتبع أسبابها حيث كانت بإطلاق" (٢).

стр. 385

ويقول القرافي (ت: ٦٨٤ هـ) فيما يروى عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنَّه قال: "تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور" (١)، يقول: "لم يُرِدْ ﵁ نسخَ حكمٍ، بل المجتهد فيه ينتقل له الاجتهاد لاختلاف الأسباب" (٢). ويقول محمد الزرقاني (ت: ١١٢٢ هـ) - تعليقًا على قول مالك (تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور) (٣) - يقول: "وليس هذا من التمسك بالمصالح المباينة للشرع كما توهمه بعضهم، وإنَّما مراده أَنْ يحدثوا أمرًا تقتضي أصول الشريعة فيه غير ما اقتضته قبل حدوث ذلك الأمر، ولا غرو في تبعية الأحكام للأحوال" (٤). ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم (ت: ١٣٨٩ هـ): "وحكم الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان، وتطور الأحوال، وتجدد الحوادث، فإنَّه ما من قضية كائنة ما كانت إلَّا وحكمها في كتاب الله - تعالى -، وسنَّة رسوله ﷺ نَصًّا، أَوْ ظاهرًا، أَوْ استنباطًا، أَوْ غير ذلك، عَلِمَ ذلك مَنْ عَلِمَه وجهله من جهله، وليس معنى ما ذكره العلماء من تغير الفتوى بتغير الأحوال ما ظنه من قَلَّ

стр. 386

نصيبهم، أَوْ عَدِمَ معرفةَ مدارك الأحكام وعِلَلَها، حيث ظنوا أَنَّ معنى ذلك بحسب ما يلائم إرادتهم الشهوانية البهيمية، وأغراضهم الدنيوية، وتصوراتهم الخاطئة الوبية؛ ولهذا تجدهم يخافون عليها، ويجعلون النُّصُوص تابعة لها منقادة إليها مهما أمكنهم، فيحرفون لذلك الكلم عن مواضعه، وحينئذ معنى تغير الفتوى بتغير الأقوال والأزمان، مراد العلماء منه ما كان مستصحبة فيه الأحوال الشرعية، والعلل المرعية، والمصالح التي جنسها مراد الله - تعالى - ورسوله ﷺ " (١). وسرُّ المسألة: أَنَّ العرف، والمصلحة المؤقتة، ونحوها إنَّما هي مناطات الأحكام، فإذا تغير المناط المبني عليه الحكم السابق وجب استئناف النظر في حكم الواقعة المتغير مناطها. فالأحكام الكلية الفقهية قارَّة لا تتغير، والمتغير هو مناط الواقعة، والمجتهد انتقل في الحكم عليها من أصل إلى آخر، والحكم السابق باقٍ للمسألة الأولى على مناطها السابق من أوصافها وأوضاعها الأولى لم ينسخ ولم يغير، والواقعة التي تغير مناطها تُوَاجَه باجتهاد جديد، ويقرر لها حكم مستأنف مبني على الاجتهاد الجديد. * * *

стр. 387

المطلب الرابع موقف القاضي عند خلوّ الواقعة من قولٍ لمجتهد ووسائله في تقرير حكمها موقف القاضي عند خلو الواقعة من قول المجتهد: إنَّ القاضي وهو بسبيل تقرير الحكم لتَوْصِيف الواقعة عليه قد يحصل له ذلك بنَصٍّ من كتاب، أَوْ سنة، أَوْ إجماع، فإنَّ لم يكن اتبع من سبقه من الفقهاء فيما قرروه بدليله إذا بان له صوابه، وإلَّا قلد غيره من العلماء فأخذ بالمعمول به ثم بالمشهور، لكن قد يحصل أَنْ يحدث له من الأقضية ما لم يتكلم فيه العلماء، أَوْ قد تكلموا فيه ولكن أحكامهم الفقهية طرأ ما يوجب استئناف النظر في واقعاتها إما لتغير عرف، أَوْ مصلحة، أَوْ حال المكلفين، أَوْ ظهور معرفة، أَوْ تجربة تبين حقيقة الواقعة على صفة غير الأولى، فكل ذلك يعتبر من مستجدات النوازل التي تواجه الفقيه والقاضي والمفتي. ويتأكد على القاضي النظر فيما يقع من مستجدات النوازل، وعليه أَنْ يقرر حكمها، ويفصل النزاع فيها، ولا يعذر بحال في

стр. 388

تركها، وإن جاز له تأخيرها بقدر ما يستبين الأمر فيها بالمراجعة، والمشاورة؛ لتقرير الحكم (١). وسائل القاضي في تقرير حكم الواقعة: وسائل تقرير القاضي لحكم النازلة عند خلوّها من حكم لمجتهد ما يلي: ١ - الاجتهاد إذا كان من أهله. ٢ - التخريج على الأصول والقواعد عَامَّة أَوْ مذهبيةً أَوْ على الفروع، مراعيًا الفروق وموجبات الاستثناء. ٣ - السوابق القضائية. وقد مَرَّ تفصيل ما يتعلق بالاجتهاد والتخريج قريبًا بما يغني عن الإِعادة.

стр. 389

أَمَّا السوابق القضائية فأبينها فيما يلي: السوابق القضائية ووظيفتها في تقرير حكم الواقعة: المراد بالسوابق القضائية: ما صدر من الأحكام القضائية على وقائع معينة لم يسبق تقرير حكم كلي لها. إنَّ القضاء حيٌّ متحرك يتحرك مع الإِنسان؛ لأَنَّه يعيش معاناته، ويعالج أقضيته، فإذا حدث للقاضي من الأقضية ما لا قول فيه للعلماء، ثم اجتهد في تأصيلها، وتقعيدها، وحكم فيها فيكون ذلك أصلًا يستضيء به من بعده؛ ولذلك كان بعض الفقهاء إذا قرر حكمًا أَوْ رجحه يقول: "وعليه العمل"، فالسوابق القضائية إذا جرى تقعيدها، وتأصيلها، وصَحَّ مأخذها عُدَّت مستندًا للقاضي في حكمه القضائي في تقرير حكم الواقعة الكلي. وقد كان القضاء بما قضى به الصالحون منهجًا عند سلفنا، فهذا عبد الله بن مسعود ﵁ فيما روى عنه عبد الرحمن بن يزيد يقول: "من عرض له منكم قضاء بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه ﷺ ، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، ولا قضى به نبيه محمد ﷺ فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، ولا قضى به نبيه ﷺ ، ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه" (١).

стр. 390

ففي هذا الأثر دلالة على مكانة السوابق القضائية، ورجوعِ القاضي لها، واستنادِه إليها ما دام قد صَحَّ مأخذُها، وعُلم أصلُها، وبان تقعيدُها. وقد ذكر الفقهاء أَنَّ من آداب القاضي كونَه مطَّلعًا على أحكام من قبله من القضاة، بصيرًا بها؛ كي يستضيء بها، ويستفيد منها (١). وليحذر القاضي من السوابق القضائية ما لا أصل لها، أَوْ بأن من الأدلة ما هو أقعد منها (٢)، ولذلك كان عمر ﵁ يقول: "لا يمنعك قضاء قضيت به اليوم فراجعت فيه رأيك، وهُديتَ فيه رشدك أَنْ تراجع فيه الحق، فإنَّ الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل" (٣).
следующие страницы →