نصيبهم، أَوْ عَدِمَ معرفةَ مدارك الأحكام وعِلَلَها، حيث ظنوا أَنَّ معنى ذلك بحسب ما يلائم إرادتهم الشهوانية البهيمية، وأغراضهم الدنيوية، وتصوراتهم الخاطئة الوبية؛ ولهذا تجدهم يخافون عليها، ويجعلون النُّصُوص تابعة لها منقادة إليها مهما أمكنهم، فيحرفون لذلك الكلم عن مواضعه، وحينئذ معنى تغير الفتوى بتغير الأقوال والأزمان، مراد العلماء منه ما كان مستصحبة فيه الأحوال الشرعية، والعلل المرعية، والمصالح التي جنسها مراد الله - تعالى - ورسوله ﷺ " (١).
وسرُّ المسألة: أَنَّ العرف، والمصلحة المؤقتة، ونحوها إنَّما هي مناطات الأحكام، فإذا تغير المناط المبني عليه الحكم السابق وجب استئناف النظر في حكم الواقعة المتغير مناطها.
فالأحكام الكلية الفقهية قارَّة لا تتغير، والمتغير هو مناط الواقعة، والمجتهد انتقل في الحكم عليها من أصل إلى آخر، والحكم السابق باقٍ للمسألة الأولى على مناطها السابق من أوصافها وأوضاعها الأولى لم ينسخ ولم يغير، والواقعة التي تغير مناطها تُوَاجَه باجتهاد جديد، ويقرر لها حكم مستأنف مبني على الاجتهاد الجديد.
* * *
стр. 387
المطلب الرابع موقف القاضي عند خلوّ الواقعة من قولٍ لمجتهد ووسائله في تقرير حكمها
موقف القاضي عند خلو الواقعة من قول المجتهد:
إنَّ القاضي وهو بسبيل تقرير الحكم لتَوْصِيف الواقعة عليه قد يحصل له ذلك بنَصٍّ من كتاب، أَوْ سنة، أَوْ إجماع، فإنَّ لم يكن اتبع من سبقه من الفقهاء فيما قرروه بدليله إذا بان له صوابه، وإلَّا قلد غيره من العلماء فأخذ بالمعمول به ثم بالمشهور، لكن قد يحصل أَنْ يحدث له من الأقضية ما لم يتكلم فيه العلماء، أَوْ قد تكلموا فيه ولكن أحكامهم الفقهية طرأ ما يوجب استئناف النظر في واقعاتها إما لتغير عرف، أَوْ مصلحة، أَوْ حال المكلفين، أَوْ ظهور معرفة، أَوْ تجربة تبين حقيقة الواقعة على صفة غير الأولى، فكل ذلك يعتبر من مستجدات النوازل التي تواجه الفقيه والقاضي والمفتي.
ويتأكد على القاضي النظر فيما يقع من مستجدات النوازل، وعليه أَنْ يقرر حكمها، ويفصل النزاع فيها، ولا يعذر بحال في
стр. 388
تركها، وإن جاز له تأخيرها بقدر ما يستبين الأمر فيها بالمراجعة، والمشاورة؛ لتقرير الحكم (١).
وسائل القاضي في تقرير حكم الواقعة:
وسائل تقرير القاضي لحكم النازلة عند خلوّها من حكم لمجتهد ما يلي:
١ - الاجتهاد إذا كان من أهله.
٢ - التخريج على الأصول والقواعد عَامَّة أَوْ مذهبيةً أَوْ على الفروع، مراعيًا الفروق وموجبات الاستثناء.
٣ - السوابق القضائية.
وقد مَرَّ تفصيل ما يتعلق بالاجتهاد والتخريج قريبًا بما يغني عن الإِعادة.
стр. 389
أَمَّا السوابق القضائية فأبينها فيما يلي:
السوابق القضائية ووظيفتها في تقرير حكم الواقعة:
المراد بالسوابق القضائية: ما صدر من الأحكام القضائية على وقائع معينة لم يسبق تقرير حكم كلي لها.
إنَّ القضاء حيٌّ متحرك يتحرك مع الإِنسان؛ لأَنَّه يعيش معاناته، ويعالج أقضيته، فإذا حدث للقاضي من الأقضية ما لا قول فيه للعلماء، ثم اجتهد في تأصيلها، وتقعيدها، وحكم فيها فيكون ذلك أصلًا يستضيء به من بعده؛ ولذلك كان بعض الفقهاء إذا قرر حكمًا أَوْ رجحه يقول: "وعليه العمل"، فالسوابق القضائية إذا جرى تقعيدها، وتأصيلها، وصَحَّ مأخذها عُدَّت مستندًا للقاضي في حكمه القضائي في تقرير حكم الواقعة الكلي.
وقد كان القضاء بما قضى به الصالحون منهجًا عند سلفنا، فهذا عبد الله بن مسعود ﵁ فيما روى عنه عبد الرحمن بن يزيد يقول: "من عرض له منكم قضاء بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه ﷺ ، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، ولا قضى به نبيه محمد ﷺ فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، ولا قضى به نبيه ﷺ ، ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه" (١).
стр. 390
ففي هذا الأثر دلالة على مكانة السوابق القضائية، ورجوعِ القاضي لها، واستنادِه إليها ما دام قد صَحَّ مأخذُها، وعُلم أصلُها، وبان تقعيدُها.
وقد ذكر الفقهاء أَنَّ من آداب القاضي كونَه مطَّلعًا على أحكام من قبله من القضاة، بصيرًا بها؛ كي يستضيء بها، ويستفيد منها (١).
وليحذر القاضي من السوابق القضائية ما لا أصل لها، أَوْ بأن من الأدلة ما هو أقعد منها (٢)، ولذلك كان عمر ﵁ يقول: "لا يمنعك قضاء قضيت به اليوم فراجعت فيه رأيك، وهُديتَ فيه رشدك أَنْ تراجع فيه الحق، فإنَّ الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل" (٣).
стр. 391
فائدة: كلمات لابن خلدون حول تقرير القاضي الحكمَ الفقهي للواقعة القضائية.
لقد ذكر ابن خلدون (ت: ٨٠٨ هـ) طريقة تقرير القاضي للحكم الفقهي للنازلة في عبارات مختصرة محررة أحببت ذكرها مستقلة، يقول: "إذا تصور - يعني القاضي - الواقعةَ كالشمس ليس دونها سحاب فليميز بين ما اتفقا عليه واختلفا فيه، فإذا وضحت القضية جيدًا فحينئذ يستحضر قول الله العلي: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨] ... إذا تدبر ما أمره به الله - تعالى - فليستحضر حكم تلك الواقعة لا برأي واستحسان ... بل بالنقل الصريح، أَوْ بذل الجهد في درك الحق من أهل الاجتهاد وبطرقه المعتبرة ... وربما تركبت الواقعة من عدة أبواب فليفحص عن ذلك، وليميز لكل باب محله منها، ثم ينقح الواقعة بأخذ ما يتعين اعتباره وإلغاء ما لا مدخل له في الحكم بحذفٍ، إن اختل زلت قدم الحاكم؛ ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ٩، ١١]، ثم يطبق الحكم العدل على ما ينقح له، فإذا وضح له أَنه طبقه سواء كرر التأمل والتفحص حتَّى يتبين ذلك كالشمس المضيئة فحينئذ يحاول المصالحة بين الخصمين - ثم ذكر شيئًا من أحكام الصلح وموجباته - وقال: فإذا لم تبق مرية البتة استحضر قول الله - تعالى - لأعبد البشر داود - على نبينا وعليه الصلاة والسلام-: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ
стр. 392
بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦] ... إذا لم يتبين له القضاء، فإن كان لغبش في الواقعة استوضحها واستجلاها بالبحث، وإن كان لعدم استحضار الحكم، أَوْ اعتياص تطبيقه على الواقعة، أَوْ نحو ذلك راجع فيه من يثق بعلمه ودينه وعقله ولو في مدينة أخرى ... وما من عجلة ... ثم إذا رجع إليه الجواب كَرَّرَ النظر فيه، وراجع الكتب المعتمدة حتَّى يحضح الحال جدًّا" (١).
* * *
стр. 393
الفصل الخامس تفسير نُصُوص الأحكام الكلية
وفيه تسعة مباحث:
المبحث الأول: تعريف تفسير نُصُوص الأحكام الكلية وأهميته.
المبحث الثاني: أنواع النُّصُوص والألفاظ باعتبار وضوحها وإجمالها.
المبحث الثالث: الأمر والنهي.
المبحث الرابع: المنطوق والمفهوم.
المبحث الخامس: العَامّ والخَاصّ والمطلق والمقيد والنسخ.
المبحث السادس: الحاجة عند تفسير نُصُوص الأحكام الكلية إلى معرفة أسباب النزول وأعراف العرب حال التنزيل.
المبحث السابع: مقاصد الشريعة والحاجة إليها عند تفسير الأحكام الكلية.
المبحث الثامن: تعارض الأدلة والجمع والترجيح.
المبحث التاسع: تفسير النُّصُوص الفقهية.
стр. 394
المبحث الأول تعريف تفسير نُصُوص الأحكام الكلية وأهميته
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف التفسير.
المطلب الثاني: أهمية تفسير نُصُوص الأحكام الكلية للقاضي عند تَوْصِيف القضية.
стр. 395
المطلب الأول تعريف التفسير
التفسير لغة: الكشف، والبيان، والإِيضاح (١).
والتفسير في اصطلاح مفسِّري القرآن: هو كشف معاني القرآن، وبيان المراد منها مع بيان خَاصّها وعَامّها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وكل ما يوضح ويُبَيِّن معناها (٢).
ويقال مثل ذلك في شرح السنة، وبيان معناها.
والمراد بالتفسير هنا:
تفسير نُصُوص الحكم الكلي ببيان معناها، ومطلقها ومقيدها، ونحو ذلك؛ سواء كان نَصًّا من كتاب أَوْ سنة، أَمْ من كلام أهل العلم.
стр. 396
فالحكم الكلي يتخذ صياغة مشتملة على الحكم التكليفي ومعرفاته، فإذا أراد القاضي تَوْصِيف القضية فلا يمكنه ذلك إلَّا بعد فهم الحكم الكلي من هذه الصيغة، سواء كانت نَصِّيَّةً من كتاب أَوْ سنة أَمْ فقهية بأَنْ يكون الحكم في صيغة فقهية قد قررها الفقيه واستنبطها من مصادر الاستدلال في الشرع، وسواء كان قاعدة أَمْ فرعًا.
* * *
стр. 397
المطلب الثاني أهمية تفسير نُصُوص الأحكام الكلية للقاضي عند توصيف الواقعة القضائية
سبق أن مَرَّ معنا طريقة تقرير القاضي للحكم الكلي الملاقي للواقعة (١)، لكن لا يكفي في تَوْصِيف الواقعة والفصل فيها وجودُ الحكم وتأثيره، بل لا بُدَّ من فهمه وتفسيره؛ إذ إنَّ القاضي لا يتمكن من الفصل في النزاع إلَّا بعد العلم بالواقعة وحكمها الكلي، فهو يعلم بما يقع ثم يحكم بما يجب، ولا يتمكن من تطبيق أحدهما على الآخر إلَّا بعد تفسيرهما وفهمهما (٢)، يقول ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "لا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلَّا بنوعين من الفهم:
стр. 398
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا.
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أَوْ على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر" (١).
ويقول الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "لا بُدَّ من نظره- يعني المفتي- فيه- أي فيما يبلغه عن ربه- من جهة فهم المعاني من الألفاظ الشرعية ... " (٢).
فتفسير الحكم الكلي أحد العناصر الرئيسة في توصيفه، يقول ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ) - مبينًا أهمية تفسير الحكم الكلي-: "ومعلوم أَنَّ الله- سبحانه- حدَّ لعباده حدود الحلال والحرام بكلامه، وذم من لم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله، والذي أنزله هو كلامه، فحدود ما أنزل الله هو الوقوف عند حدّ الاسم الذي علق عليه الحِلّ، أَوْ الحرمة، فإنَّه هو المنزل على رسوله وحده بما وضع له لغة أَوْ شرعًا بحيث لا يدخل فيه غير موضوعه، ولا يخرج منه شيء من موضوعه" (٣).
стр. 399
فالقاضي إذا توصل لتفسير الحكم الكلي تفسيرًا صَحِيحًا استطاع تَوْصِيف الواقعة توصيفًا مطابقًا لذلك الحكم الكلي بعد تفسيرها وتقريرها، وإن أخطأ في تفسير الحكم فإنَّه يخطئ في تَوْصِيف الواقعة، وسوف يكون تقريره لحكمه القضائي مجانبًا للصواب غير ملاق للحكم الكلي، وهكذا في تفسير الواقعة.
يقول ابن القَيِّمِ- مبينًا عاقبة الغلط في فهم حدود كلام الله ورسوله-: "فإنَّه يتضمن محذورين:
أحدهما: أَنْ يُخْرَج من كلامه ما قصد دخوله فيه.
والثاني: أَنْ يُشْرَع لذلك النوع الذي أُخْرِج حكمٌ غير حكمه، فيكون تغييرًا لألفاظ الشارع ومعانيه، فإنَّه إذا سَمَّى ذلك النوع بغير الاسم الذي سماه به الشارع أزال عنه حكم ذلك المسمى، وأعطاه حكمًا آخر" (١).
* * *
стр. 400
المبحث الثاني أقسام النُّصُوص والألفاظ من جهة وضوحها وإجمالها
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: أقسام النُّصُوص والألفاظ من جهة وضوحها وإجمالها.
المطلب الثاني: النَّصّ والظاهر.
المطلب الثالث: المجمل.
المطلب الرابع: التأويل والبيان.
стр. 401
المطلب الأول أقسام النُّصُوص والألفاظ من جهة وضوحها وإجمالها
وتنقسم من هذه الجهة قسمين، هما (١):
القسم الأول: الواضح .
والمراد به: ما اتضحت دلالته على معناه بحيث لا يحتاج فهم المعنى المراد منه أَوْ تطبيقه على الوقائع إلى أمر خارج عنه.
وهو النَّصّ والظاهر.
القسم الثاني: المجمل (المبهم) .
والمراد به: ما كان مبهم الدلالة على معناه بحيث تتساوى احتمالات دلالته، فلا يكون أحدهما أظهر من الآخر، فيحتاج فهم المعنى المراد منه أَوْ تطبيقه على الوقائع إلى أمر خارج عنه، سواء كان ذلك لغرابة اللفظ، أم لتقابل الاحتمالات.
стр. 402
ونتناول هذه الأقسام في المطلبين الثاني والثالث من هذا المبحث.
* * *
стр. 403
المطلب الثاني النَّصّ والظاهر
إنَّ الألفاظ والنُّصُوص الواضحة ليست على رتبة واحدة في الوضوح، بل بعضها أوضح من بعض، وهي تتنوع من هذه الجهة نوعين، هما:
النَّصّ، والظاهر، وفيما يلي بيان لهما:
أولًا: النَّصّ .
المراد بالنَّصّ:
هو ما أفاد المعنى بنفسه من غير احتمال.
أو: ما لا يفيد إلَّا معنى واحدًا.
وذلك مثل قوله- تعالى-: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والشاهد منه قوله- تعالى-: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فهي نَصٌّ في هذا المعنى، ولا يقبل احتمال غيره.
стр. 404
حكم النَّصّ:
حكم النَّصّ أَنّه يصار إليه ويؤخذ بدلالته، ولا يعدل عنه إلَّا بنسخ (١).
ثانيًا: الظاهر:
المراد بالظاهر:
هو ما احتمل معنيين فأكثر هو في أحدهما أظهر.
أَوْ: ما يسبق إلى الفهم منه عند إطلاق معنى مع تجويز غيره.
مثاله: (الأسد)؛ فإنَّه ظاهر في الحيوان المفترس، ويبعد أَنْ يراد به الرجل الشجاع مع احتمال اللفظ له.
حكم الظاهر:
يصار إلى العمل بالظاهر، ولا يعدل عنه إلَّا بدليل؛ فيكون مؤولًا (٢).
وسيأتي بيان للتأويل في المطلب الثالث من هذا المبحث.
والنَّصّ أقوى دلالة من الظاهر، ويقدم عليه عند تعارضهما (٣).
* * *
стр. 405
المطلب الثالث المجمل
المراد به:
المجمل عند الأصوليين: هو ما احتمل معنيين فأكثر على السواء، كما مرَّ (١).
وأطلق عليه بعضهم: المبهم، مثل لفظ (القرء)، فإنَّه محتمل للحيض وللطهر، ومثل لفظ (العين)، فإنَّه محتمل للذهب، وللعين الباصرة، ولعين الماء.
ويكون الإِجمال في الاسم على نحو ما مثلنا، كما يكون في الحرف، مثل الواو في قوله- تعالى-: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، فإنَّها تحتمل العطف ويكون ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يعلمون تأويله، وتحتمل الاستئناف ويكون الوقف على قوله: "إلَّا الله"، كما يكون الإِجمال في لفظ مركب، مثل قوله - تعالى-: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]،
стр. 406
فـ ﴿يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ متردد بين أَنْ يكون الولي؛ لأَنَّه هو الذي يعقد نكاح المرأة؛ لأَنَّها لا تزوج نفسها، وبين أَنْ يكون الزوج؛ لأَنَّه هو الذي يملك حل عقدة النكاح بالطلاق، والاحتمال الثاني هو الراجح من الروايتين عن أحمد.
وقد يكون سبب الإِجمال غير ذلك.
وقد يكون اللفظ مجملًا من وجه، واضحًا من وجه آخر، كقوله- تعالى-: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فإنَّه واضح في إيتاء الحق، مجمل في مقداره؛ لاحتماله النصف، أَوْ أقل أَوْ أكثر.
والمجمل واقع في الكتاب وفي السنة.
حكم المجمل:
حكم المجمل التَّوَقُّف فيه حتى يتبين المراد به بدليل خارجي صَحِيح من غير لفظه يرجح أحد الاحتمالات؛ وذلك لعدم دلالة لفظه على المراد به، وامتناع التكليف بما لا دليل عليه (١)، فهو محتاج إلى البيان، وسوف يأتي الحديث عن بيان المجمل لاحقًا في هذا المطلب.
стр. 407
فائدة في الألفاظ المشتركة:
الألفاظ المشتركة مثل (القرء) و (العين) ونحوهما هي من قبيل المجمل، لكنها أخص منه، فكل مشترك مجمل، وليس كل مجمل مشتركًا (١).
وحكم المشترك حكم المجمل على نحو ما أسلفت، لكن حقَّقَ بعض العلماء جواز حمله على معنييه، يقول الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ): "مع أَنَّ التحقيق جواز حمل المشترك على معنييه، كما حققه الشيخ تَقِيُّ الدِّين أبو العباس ابن تَيْمِيَّةَ- ﵀ في رسالته في علوم القرآن (٢)، وقرر أنَّه هو الصَّحِيح في مذاهب الأئمة الأربعة ﵏" (٣).
والجمع بين القولين ممكن، وذلك بأَنْ يقال: المعاني المختلفة للفظ المشترك تحمل على إرادتها جميعًا ما لم يمنع من ذلك مانع، أَوْ تظهر قرينة تصرفه لأحدها (٤).
* * *
стр. 408
المطلب الرابع التأويل والبيان
سبق معنى الظاهر، وأنَّه ما احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر، وأنَّه يعمل بالظاهر ولا يعدل عنه إلَّا بدليل، فيؤخذ بالمؤول.
كما سبق ذكرنا المجمل، وأَنَّه ما احتمل معنيين فأكثر على السواء، وأَنّه يَتَوَقَّفُ فيه حتى تبيين المراد به بدليل خارجي، وسوف أتناول في هذا المطلب بيان تأويل الظاهر وتبيين المجمل فيما يلي:
أولًا: تأويل الظاهر .
المراد بالتأويل:
والتأويل عند الأصوليين: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل دَلَّ عليه (١).
واللفظ الظاهر بعد تأويله يسمى المؤول.
стр. 409
أحوال التأويل:
والتأويل لا يخلو من ثلاث أحوال، هي (١):
١ - التأويل الصَّحِيح أَوْ القريب:
والمراد به: ما صرف فيه اللفظ عن ظاهره بدليل صَحِيح.
وذلك كتأويل قوله- تعالى-: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، أي إذا أردتم القيام.
وهذا التأويل هو المراد عند الإِطلاق.
٢ - التأويل الفاسد أَوْ البعيد:
والمراد به: ما صرف فيه اللفظ عن ظاهره لأمر ظنه الصارف دليلًا، وليس بدليل في نفس الأمر.
وذلك كتأويل قوله ﷺ فيما روته عائشة- ﵂: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (٢) بأَنَّ المراد المرأة الصغيرة، وأَنَّ الكبيرة يجوز لها إنكاح نفسها من دون ولي.
стр. 410
٣ - التأويل الباطل:
والمراد به: ما صرف فيه اللفظ عن ظاهره من غير دليل أصلًا، ويسمى ذلك عند الأصوليين لعبًا، وذلك كتأويل بعض الفرق الضالة المراد بـ "البقرة" في قوله- تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] بأَنَّها عائشة- ﵂.
ولا يشفع للتأويل الباطل أنَّه قد قيل به إذا كان قد قطع بخطئه لمخالفته لأصول تفسير الأدلة (١).
شروط التأويل الصَّحِيح:
يشترط لقبول التأويل شروط، هي (٢):
١ - أَنْ يحتمل اللفظ المؤول هذا التأويل.
٢ - أَنْ يَدُلَّ الدليل على تعيين المعنى المؤول؛ لأَنَّه إذا صرف اللفظ عن معناه الظاهر فلا بُدَّ من دليل صارف يؤيد المعنى المؤول.
٣ - سلامة الدليل الصارف عن معارض راجح.
درجات الدليل الصارف:
إنَّ المعنى المحتمل قد يكون بعيدًا، أَوْ قريبًا، أَوْ متوسطًا،
стр. 411
وعليه يتدرج الدليل الصارف قوةً على النحو التالي (١):
١ - إذا كان الاحتمال قريبًا فيكفي فيه أدنى دليل.
٢ - وإذا كان الاحتمال بعيدًا فيحتاج إلى دليل في غاية القوة.
٣ - وإذا كان الاحتمال متوسطًا بين الدرجتين فيحتاج إلى دليل متوسط.
والدليل قد يكون قرينة، أَوْ سياقًا، أَوْ ظاهرًا آخر، أَوْ قياسًا راجحًا، وعند تساوي الاحتمالات يجب المصير إلى الترجيح.
ثانيًا: بيان المجمل .
المراد به:
المراد ببيان المجمل: إيضاح المشكل بالقوة أَوْ الفعل (٢).
ذلك أَنَّ الكلام المجمل قد يكون مشكلًا بالفعل بأَنْ يكون إشكاله ظاهرًا موجودًا، مثل قوله- تعالى-: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
وقد يكون الكلام مشكلًا بالقوة، أي قابلًا لأَنْ يرد عليه الإِشكال، فيكون مشكلًا؛ لأَنَّ مادة الكلام لذاتها قابلة للِإشكال بحسب اختلاف نظمه، وصيغه، ومقاصد المتكلمين به، وهذا كما
стр. 412
في الحديث مختلف الروايات المتعارضة، وكذا النُّصُوص المتعارضة، فيستدعى الحال إزالة إشكالها بالجمع بينها، فالنَّصّ الأول كان بينًا، لكن عرض له الإِشكال بسبب وجود المعارض فاحتاج إلى البيان بوجه من وجوه الجمع، والترجيح (١).
حكم بيان المجمل:
بيان المجمل واجب إذا أريد بالخطاب إفهام المخاطب ليعمل به؛ لأَنَّ الفهم شرط للتكليف، فأَمَّا ما لا يراد إفهامه فلا يجب البيان بالاتفاق (٢).
أنواع البيان:
والبيان يكون على نوعين (٣):
١ - بيان ابتدائي:
وهو الخطاب الدال على المراد به ابتداءً من غير احتياج إلى بيان خارج عنه، وهذا كالنَّصّ، والظاهر.
٢ - البيان الحقيقي:
وهو المراد هنا، وقد سبق تعريفه، والتمثيل له.
والكلام الذي ورد عليه البيان يسمَّى المُبَيَّن: وهو يصدق على
стр. 413
النوعين، وكذلك الُمَفَّسر يصدق على النوعين (١).
طرق البيان (٢):
ويحصل البيان يقول الله- تعالى-، وقول رسوله ﷺ ، كما يحصل بفعله ﷺ ، وكتابته، وإشارته، وإقراره، وسكوته، وتركه، كما يحصل البيان بدلالة السياق والقرائن التي تحف به، وهكذا؛ فكل مقيد من جهة الشرع فهو بيان.
وهذه أمثلة لذلك:
١ - فمثال البيان يقول الله- تعالى-: ما جاء في قوله - تعالى-: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣)﴾ [القارعة: ١: ٣]، فهذا إجمال، ثم بيَّنه بقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾ [القارعة: ٤]، فبين أَنَ القارعة تكون ذلك اليوم بهذه الصفة.
٢ - ومثال البيان بقوله ﷺ : ما ثبت من قوله ﷺ فيما رواه سالم بن عبد الله عن أبيه: "فيما سقت السماء والعيون أَوْ كان عثريًا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر" (٣).
стр. 414
فهذا مبين لقوله- : ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
٣ - ومثال البيان بفعله ﷺ : بيانه ﷺ الصلاة والحج بالفعل؛ بيانًا لقوله- تعالى-: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]، ولقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقد قال ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١)، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" (٢)، فقد كان في أدائه للصلاة والحج بيان لأحكامهما التفصيلية.
٤ - ومثال البيان بالكتابة: كتابته ﷺ (٣)، والخلفاء الراشدين بعده، وغيرهم إلى أهل الولايات وإلى عمالهم في الصدقات، وغيرها من السياسات.
٥ - ومثال البيان بالإِشارة: قوله ﷺ فيما رواه عبد الله ابن عمر: "الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وقبض الإِبهام في الثالثة" (٤)، يعني: تسعة وعشرين.
وهكذا المخطوط والأشكال عند أهل الخبرة والاختصاص تُعَدُّ
стр. 415
من البيان بالفعل؛ لأَنَّها أسرع إلى فهم المتعلم.
وفَعَلَهُ النبي ﷺ فيما رواه عبد الله بن مسعود: "فقد خط النبي ﷺ خطوطًا، وقال: هذا الإِنسان، وهذا أجله ... " (١).
٦ - ومثال البيان بالإِقرار: الإِقرار من قبل النبي ﷺ على أمر أَوْ فعل علمه من بعض أمته دليلٌ من أدلة الشرع، فصَحَّ أَنْ يكون بيانًا لغيره، كغيره من الأدلة (٢).
٧ - ومثال البيان بالترك: أَنْ يترك فعلًا قد أمر به، أَوْ قد سبق منه فعله، فيكون تركه مبينًا لعدم وجوبه "فقد اشترى ﷺ فرسًا من أعرابي، ولم يُشهِد" (٣)، وهذا مبين لقوله- تعالى-: ﴿اوَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فقد صرفه من الوجوب إلى الاستحباب، و"صلَّى ﷺ التراويح في رمضان، ثم تركها خشية أَنْ تفرض عليهم" (٤)، كما في حديث عائشة- ﵂، فتَرْكُه لها بعد فعلها دَلَّ على استحبابها، لا وجوبها.
стр. 416
٨ - ومثال البيان بالقرينة والسياق: قوله ﷺ فيما رواه عنه البراء في منازعة علي وجعفر وزيد في حضانة ابنة حمزة حينما قضى بها لخالتها: "الخالة بمنزلة الأم" (١)، فقوله: (الخالة بمنزلة الأم)، أي في الحضانة دون سائر الحقوق من الميراث وغيره، لأَنَّ السياق في الحضانة، وليس في غيرها (٢)، قال ابن السبكي (ت: ٧٧١ هـ): "وأَمَّا السياق والقرائن فإنَّها الدالة على المراد، وهي المرشدة إلى بيان المجملات وتعيين المحتملات" (٣).
تذييل: في أمور تعين على المعنى المراد عند الإِشكال (٤).
يعين على المعنى المراد في التفسير والبيان عند الإِشكال أمور، هي:
١ - رد الكلمة لضدها.
٢ - رد الكلمة إلى نظيرها.
٣ - النظر فيما يتصل بها من خبر، أَوْ شرط، أَوْ إيضاح لمعنى آخر.
٤ - ملاحظة النقل عن المعنى الأصلي.
٥ - السلامة من المناقض.
стр. 417
تتمة في أحكام تتعلق بالبيان:
هناك أحكام تتعلق بالبيان منها (١):
١ - يجوز أَنْ يكون البيان غير متساوي الأدلة من المبين، كما في بيان السنة لمجمل القرآن، وكما في بيان المتواتر بالآحاد.
٢ - لا يشترط في البيان أَنْ يعلمه جميع المكلفين الموجودين في وقته، بل يجوز أَنْ يجهله بعضهم.
٣ - لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
تفاوت مراتب الإِجمال والبيان:
المجمل والمبين يتفاوتان في مراتب الإِجمال والبيان، فتكون بعض الألفاظ أشد إجمالًا من بعض، وبعضها أشد بيانًا من بعض.
وهذا واقع بين آي الكتاب، كما يقع بين الأحاديث، وكما يقع في كلام الفقهاء.
والقرآن يبين بعضه بعضًا، كما تبينه السنة، وكما يفسره العلماء، والسنة يبينها القرآن والسنة، كما يُبيِّنها العلماء بالشرح، والسنة أكثر بيانًا للقرآن، والفقهاء زادوا ذلك تفصيلًا وتفريعًا (٢).
стр. 418
يقول الطوفي (ت: ٧١٦ هـ): "وهكذا في كثير من الأحكام، السنة أبين من الكتاب؛ لأَنَّها موضوعة لبيانه، وكلام الفقهاء أبين من السنة؛ لأَنَّه موضوع لتفصيل أحكام الكتاب والسنة" (١).
* * *
стр. 419
المبحث الثالث الأمر والنهي
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الأمر.
المطلب الثاني: النهي.
стр. 420
المطلب الأول الأمر
المراد بالأمر:
الأمر هو استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء (١).
فالأمر طلب الفعل بالقول حقيقةً لا بالإِشارة، على وجه الاستعلاء من جهة الآمر لمن هم دونه، أَمَّا إذا كان الآمر في رتبة المأمور فهو التماس، وإن كان دونه فهو سؤال (٢).
صيغة الأمر:
للأمر صيغ أربع كلها مستعملة في القرآن الكريم، وهي (٣):
١ - فعل الأمر، مثل: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨].
٢ - المضارع المجزوم بلام الأمر، مثل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣].
стр. 421
٣ - اسم فعل الأمر، مثل: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].
٤ - المصدر النائب عن فعله، مثل: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤].
دلالة الأمر:
صيغة الأمر المطلقة المتجردة عن القرائن، تَدُلُّ على الوجوب والفورية.
أَمَّا الوجوب فلقوله- تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
وأَمَّا الفورية فلقوله- تعالى-: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، [المائدة: ٤٨].
لكن إذا قامت قرائن تَدُلُّ على عدم الوجوب أَوْ عدم الفورية فإنَّ الأمر يخرج من الوجوب إلى ما اقتضته القرينة، أَوْ من الفورية إلى التراخي (١).
وتخرج صيغة الأمر عند القرائن من الوجوب إلى غيره، ومن ذلك ما يلي (٢):
стр. 422
١ - الندب، كقوله- تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فإنَّ الأمر فيها للندب بدليل قوله- تعالى- بعدها: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فدَلَّت على أَنَّ الأمر ليس جازمًا، فحمل على الندب.
٢ - الإِباحة، كقوله- تعالى-: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]؛ لأنَّها وردت بعد النهي عن الصيد حال الإِحرام بالحج أَوْ العمرة، فإذا أحل المحرم أبيح له الاصطياد؛ حيث كان مباحًا قبل المنع، سوى صيد الحرم فإنَّه ممنوع قبل الإِحرام ومعه وبعده، ولذا قال العلماء: إنَّ صيغة الأمر بعد النهي تفيد ما كانت تفيده قبل النهي من إباحة، أَوْ وجوب، أَوْ استحباب.
٣ - التهديد، كقوله- تعالى-: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].
* * *
стр. 423
المطلب الثاني النهي
قال الأصوليون: النهي يقابل الأمر في كل حالة، فلكل مسألة من الأوامر وزان من النواهي، وعلى العكس (١).
وبيان ذلك في النهي ما يلي (٢):
المراد بالنهي:
هو طلب ترك الفعل بالقول على جهة الاستعلاء.
صيغة النهي:
صيغته: لا تفعل.
стр. 424
دلالة النهي:
النهي يقتضي المبادرة إلى الترك، ووجوب الكف عن الفعل وحرمته، إلَّا إذا دَلَّت القرينة على انتقاله من وجوب الكف إلى غيره فيعمل بها.
كما يقتضي النهي الفساد على تفصيل مَرَّ ذكره (١).
* * *
стр. 425
المبحث الرابع المنطوق والمفهوم
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: أقسام دلالة النُّصُوص والألفاظ من جهة المنطوق والمفهوم.
المطلب الثاني: المنطوق.
المطلب الثالث: المفهوم.