٣ - اسم فعل الأمر، مثل: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].
٤ - المصدر النائب عن فعله، مثل: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤].
دلالة الأمر:
صيغة الأمر المطلقة المتجردة عن القرائن، تَدُلُّ على الوجوب والفورية.
أَمَّا الوجوب فلقوله- تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
وأَمَّا الفورية فلقوله- تعالى-: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، [المائدة: ٤٨].
لكن إذا قامت قرائن تَدُلُّ على عدم الوجوب أَوْ عدم الفورية فإنَّ الأمر يخرج من الوجوب إلى ما اقتضته القرينة، أَوْ من الفورية إلى التراخي (١).
وتخرج صيغة الأمر عند القرائن من الوجوب إلى غيره، ومن ذلك ما يلي (٢):
стр. 422
١ - الندب، كقوله- تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فإنَّ الأمر فيها للندب بدليل قوله- تعالى- بعدها: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فدَلَّت على أَنَّ الأمر ليس جازمًا، فحمل على الندب.
٢ - الإِباحة، كقوله- تعالى-: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]؛ لأنَّها وردت بعد النهي عن الصيد حال الإِحرام بالحج أَوْ العمرة، فإذا أحل المحرم أبيح له الاصطياد؛ حيث كان مباحًا قبل المنع، سوى صيد الحرم فإنَّه ممنوع قبل الإِحرام ومعه وبعده، ولذا قال العلماء: إنَّ صيغة الأمر بعد النهي تفيد ما كانت تفيده قبل النهي من إباحة، أَوْ وجوب، أَوْ استحباب.
٣ - التهديد، كقوله- تعالى-: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].
* * *
стр. 423
المطلب الثاني النهي
قال الأصوليون: النهي يقابل الأمر في كل حالة، فلكل مسألة من الأوامر وزان من النواهي، وعلى العكس (١).
وبيان ذلك في النهي ما يلي (٢):
المراد بالنهي:
هو طلب ترك الفعل بالقول على جهة الاستعلاء.
صيغة النهي:
صيغته: لا تفعل.
стр. 424
دلالة النهي:
النهي يقتضي المبادرة إلى الترك، ووجوب الكف عن الفعل وحرمته، إلَّا إذا دَلَّت القرينة على انتقاله من وجوب الكف إلى غيره فيعمل بها.
كما يقتضي النهي الفساد على تفصيل مَرَّ ذكره (١).
* * *
стр. 425
المبحث الرابع المنطوق والمفهوم
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: أقسام دلالة النُّصُوص والألفاظ من جهة المنطوق والمفهوم.
المطلب الثاني: المنطوق.
المطلب الثالث: المفهوم.
стр. 426
المطلب الأول أقسام دلالة النُّصُوص والألفاظ
إنَّ الألفاظ والنُّصُوص تكون دلالتها على المعنى على قسمين، هما (١):
المنطوق، والمفهوم.
القسم الأول: المنطوق .
المراد بالمنطوق:
هو المعنى المستفاد من اللفظ من حيث النطق به، فدلالته مستفادة من اللفظ في محل النطق به من حيث صيغته.
وذلك كفهم تحريم التأفيف من قوله- تعالى-: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وكفَهْمِ وجوب الزكاة في السائمة من قوله ﷺ : "في سائمة الغنم الزكاة" (٢)، فكل ذلك منطوق مستفاد من اللفظ
стр. 427
من حيث النطق به (١).
القسم الثاني: المفهوم .
المراد بالمفهوم:
هو المعنى المستفاد من اللفظ مع السكوت عنه، ولزوم ذلك المعنى للفظ.
فإفادة المعنى لذلك اللفظ لم تستمد من نفس صيغة اللفظ، بل من لزوم المعنى لذلك اللفظ، وذلك كفهم عدم وجوب الزكاة في المعلوفة من الحديث السابق؛ حيث نَصَّ على السائمة، وسكت عن المعلوفة، ولكن معناها لازم للفظ السوم (٢).
ويأتي بيان لأهم أحكام القسمين في المطلبين التاليين.
* * *
стр. 428
المطلب الثاني المنطوق
وقد سبق تعريفه والتمثيل له قريبًا في المطلب الأول.
أقسام المنطوق مطلقًا:
وهو على قسمين: صريح، وغير صريح.
فالصريح: هو المعنى الذي وضع اللفظ له.
ويشمل الصريح: دلالة المطابقة، ودلالة التضمن.
ودلالة المطابقة: هي دلالة اللفظ على تمام المعنى الموضوع له، كدلالة الرجل على الإِنسان الذكر، والمرأة على الإِنسان الأنثى، وهكذا دلالات الأسماء على مسمياتها التي وضعت لها.
وسُمِّيت مطابقة لتطابق الوضع والفهم، فالمفهوم من اللفظ هو عين المعنى الموضوع له للفظ.
أَمَّا دلالة التضمن: فهي دلالة اللفظ على جزء من مسماه في
стр. 429
ضمن كله؛ لأَنَّ الجزء يفهم في ضمن الكل، كدلالة الأربعة على أَنَّ الواحد ربعها، وعلى أَنَّ الاثنين نصفها (١).
وأَمَّا غير الصريح: فهو دلالة اللفظ على معنى خارج عن مسماه، لازم له لزومًا ذهنيًّا أَوْ خارجيًّا، وذلك كدلالة الأربعة على الزوجية.
ويسمى غير الصريح بدلاله الالتزام (٢).
أقسام المنطوق غير الصريح:
إنَّ المنطوق غير الصريح المسمى بدلالة الالتزام ينقسم إلى أقسام ثلاثة، هي (٣):
١ - دلالة الاقتضاء:
وهي أَنْ يتضمن الكلام إضمارًا ضروريًّا لا يستقيم الكلام إلَّا بتقديره.
ويسمى المضمر الضروري.
стр. 430
والضرورة تدعو إلى إضماره لوجوه، هي:
(أ) تَوَقُّف الصدق عليه، كقوله ﷺ فيما رواه ابن عباس ﵁: "إنَّ الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (١)؛ فإنَّ الخطأ والنسيان لم يرتفعا، فتضمن تقدير رفع الإِثم أَوْ المؤاخذة؛ لِتَوَقُّف الصدق على هذا التقدير.
(ب) تَوَقُف الصِّحَّة عليه عقلًا، كقوله- تعالى-: ﴿وسئل القرية﴾ [يوسف: ٨٢]، أي أهل القرية؛ إذ لا يَصِحُّ عقلًا سؤال القرية التي هي الجدران والأبنية.
(ج) تَوَقُّف الصِّحَّة عليه شرعًا، كقوله- تعالى-: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي: فأفطر، فعدة من أيام أخر؛ لأَنَّ قضاء الصوم على المسافر إنَّما يجب إذا أفطر في سفره.
٢ - دلالة الإِشارة:
وهي أَنْ يدُلَّ اللفظ على معنى ليس مقصودًا باللفظ في أصل الوضع، ولكنه لازم للمقصود، فكأَنَّه مقصود بالتبع لا بالأصل، وذلك كاستفادة أقل مدة الحمل، وهي ستة أشهر من قوله - تعالى-: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله - تعالى-: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤].
стр. 431
٣ - دلالة التنبيه (وتسمَّى: دلالة الإِيماء):
وهي أَنْ يقترن بالحكم وصف لو لم يكن هذا الوصف تعليلًا لكان ذكره في الكلام حشوًا لا فائدة منه، وذلك ما تنزه عنه ألفاظ الشارع، وذلك كقوله- تعالى-: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ [الانفطار: ١٣] [المطففين: ٢٢]، أي: لبِرَّهم.
تنبيه:
عَدُّ هذه الدلالات الثلاث- الاقتضاء، والإِشارة، والتنبيه- من دلالة الالتزام (المنطوق غير الصريح) هو قول طائفة من العلماء كما سبق.
وعَدَّها آخرون من المفهوم (١).
قال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ): "والحق أنَّها من المفهوم" (٢)، أيْ: من مفهوم الموافقة.
ولا مشاحة في التقسيم ما دامت كلها حجة.
* * *
стр. 432
المطلب الثالث المفهوم
وقد سبق تعريفه والتمثيل له قريبًا في المطلب الأول.
أنواع المفهوم (١):
يتنوع المفهوم إلى نوعين:
أحدهما: مفهوم الموافقة.
ثانيهما: مفهوم المخالفة.
وبيان كل واحد منهما كما يلي:
أولًا: مفهوم الموافقة:
المراد بمفهوم الموافقة:
هو فهم الحكم في المسكوت من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده.
стр. 433
وسُمِّي مفهوم الموافقة بذلك لأَنَّه يوافق المنطوق في الحكم وإن زاد عليه في التأكيد أَوْ ساواه.
ويسمى بفحوى الخطاب، ولحن الخطاب، وبالقياس الجلي، وبالتنبيه (١).
أقسام مفهوم الموافقة (٢):
ينقسم مفهوم الموافقة من جهتين، هما: من جهة كونه أولويًّا، أَوْ مساويًا، ومن جهة كونه قطعيًّا، أَوْ ظنِّيًّا، وبيان ذلك فيما يلي:
التقسيم الأول: تقسيم المفهوم من جهة كونه أولويًّا، أَوْ مساويًا:
وينقسم من هذه الجهة قسمين هما:
١ - مفهوم أولوي:
وهو ما كان المسكوت عنه أولي بالحكم من المنطوق.
وذلك كما في قوله- تعالى-: ﴿فَلَا تَقُل لهمَآ أُفٍ﴾ [الإِسراء: ٢٣]، فإنَّها تَدُلُّ على تحريم الضرب، كما حرم التأفيف؛ لأَنَّ الضرب أشد.
стр. 434
٢ - مفهوم مساوٍ:
وهو ما كان المسكوت عنه مساويًا للمنطوق به في الحكم.
وذلك مثل إحراق مال اليتيم وإغراقه، فإنَّه محرم؛ لمفهوم قوله- تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]، فكما يحرم أكلها ظلمًا، فكذلك إحراقها أَوْ إغراقها ظلمًا؛ لمساواتهما في الإتلاف للأكل.
التقسيم الثاني: تقسيم المفهوم من جهة كونه قطعيًا أَوْ ظنِّيًّا:
وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما:
١ - المفهوم القطعي:
وهو ما قطع فيه بنفي الفارق بين المسكوت والمنطوق كما في المثالين السابقين في مفهومي الأولوي والمساوي.
٢ - المفهوم الظني:
وهو ما ظن فيه انتفاء الفارق، وذلك مثل أَنْ يقال: إذا ردت شهادة الفاسق فالكافر أولى، فهذه الدلالة ظنية؛ لأَنَّ الكافر قد يحترز من الكذب لدينه، والفاسق متهم في الدين.
والظني منه صَحِيح معتد به، كما في رد شهادة الكافر لرد شهادة الفاسق، ومنه فاسد لا يعتد به كقولهم: إذا جاز السلم مؤجلًا فهو حالٌّ أجوز؛ إذ السلم لا يجوز حالًّا؛ لعدم الارتفاق المسوغ
стр. 435
للغرر في المؤجل (١).
حجية مفهوم الموافقة:
مفهوم الموافقة حجة، ودلالته لفظية مفهومة من السياق والقرائن المفيدة للدلالة على المعنى، وليست دلالته قياسية، فلا يحتاج إدراكه إلى اجتهاد واستنباط، وإنَّما يدرك بمجرد معرفة اللغة والقرائن (٢)؛ يقول ابن تَيْمِيَّة (ت: ٧٢٨ هـ): " ... بل وكذلك قياس الأولى (٣) وإن لم يَدُلَّ عليه الخطاب، لكن عُرِفَ أنَّه أولى بالحكم في المنطوق بهذا، فإنكاره من بدع الظاهرية التي لم يسبقهم بها أحد من السلف، فما زال السلف يحتجون بمثل هذا وهذا" (٤).
стр. 436
شروط العمل بمفهوم الموافقة:
يشترط للعمل بمفهوم الموافقة ما يلي (١):
١ - أَنْ يفهم المعنى من اللفظ في محل النطق بدلالة سياق الكلام ومقصوده؛ وذلك كفهم تعظيم حق الوالدين من النهي في قوله - تعالى-: ﴿فَلَا تَقُل لهُمآ أُفٍ﴾ [الإِسراء: ٢٣]، فدَلَّت الآية بمفهوم الموافقة فيها على تحريم الضرب أصلًا؛ لأَنَّ تعظيم حق الوالدين متحقق فيه.
٢ - أَنْ يكون المفهوم أولى بالحكم من المنطوق أَوْ مساويًا له، ويفهم ذلك بدلالة سياق الكلام ومقصوده وقرائن الحال.
قال الطوفي (ت: ٧١٦ هـ) - وهو يمثل لذلك بقوله تعالى-: ﴿فَلَا تَقُل لهُمآ أُفٍ﴾ [الإِسراء: ٢٣]؛ قال: "فإنَّا فهمنا أَنَّ المعنى المقتضي لهذا النهي هو تعظيم الوالدين، فلذلك فهمنا تحريم الضرب بطريق أولى حتى لو لم نفهم من ذلك تعظيمًا لمَّا فهمنا تحريم الضرب أصلًا، لكنه لما نفى التأفيف للأعم دَلَّ على نفي الضرب للأخص بطريق الأولى" (٢).
٣ - ألَّا يعارضه ما هو أقوى منه من منطوق آخر ونحوه، فإن كان سلكنا سبيل الترجيح.
стр. 437
ثانيًا: مفهوم المخالفة:
المراد بمفهوم المخالفة:
هو أَنْ يكون المسكوت عنه مخالفًا لحكم المنطوق.
ويسمَّى بدليل الخطاب (١).
مثاله: قوله ﷺ : "في سائمة الغنم الزكاة" (٢)، فالمنطوق هو السائمة، والمسكوت عنه هو المعلوفة، والتقيد بالسوم يفهم منه عدم الزكاة في المعلوفة (٣).
أقسام مفهوم المخالفة:
مفهوم المخالفة ستة أقسام، وهي مع التمثيل لها (٤):
١ - مفهوم الصفة:
وذلك كصفة السوم في قوله ﷺ : "في سائمة الغنم الزكاة" (٥)، فإنَّ مفهوم المخالفة فيها: أَنَّ المعلوفة لا تجب فيها الزكاة؛ لأَنَّها غير
стр. 438
سائمة، هذا وليس المراد بالصفة هنا النعت، بل ما هو في معنى الصفة كالمثال السابق.
٢ - مفهوم التقسيم:
فتقسيم الاسم أَوْ الصنف إلى قسمين وتخصيص كل واحد منهما بحكم يَدُلُّ على انتفاء ذلك الحكم عن القسم الآخر، كقوله ﷺ فيما رواه ابن عباس- ﵁: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر" (١)، ذلك أَنّنا لو سوَّينا بين الأيِّم والبكر في الاستئذان أَوْ عدمه لبطلت فائدة التقسيم.
٣ - مفهوم الشرط:
والمراد به: ما علق من الحكم على شيء بأداة الشرط مثل: (إنْ)، و (إذا)، ونحوهما، وهو المسمى بالشرط اللغوي.
وذلك كقوله- تعالى-: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فإنَّه دال بمنطوقه على وجوب النفقة على أولات الحمل، وبمفهومه على عدم وجوب النفقة للمعتدة غير الحامل.
٤ - مفهوم الغاية:
والمراد به: مَدّ الحكم بأداة الغاية مثل: إلى، وحتى، واللام، كما في قوله- تعالى-: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾
стр. 439
[البقرة: ٢٣٠]، ففهم منه أنه بعد نكاح غيره (وهو الثاني) تَحِلُّ للأول بعد طلاق الثاني.
٥ - مفهوم العدد:
والمراد به: تعليق الحكم بعدد مخصوص، مثل قوله - تعالى-: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فمفهومه عدم الزيادة عليها.
والمراد: ما لم يقصد به التكثير والمبالغة، فلا مفهوم له؛ لأَنَّه استعمل للمبالغة، كقوله- تعالى-: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، وكقولهم: جئتك ألف مرة فلم أجدك.
٦ - مفهوم اللقب:
والمراد به: تخصيص اسم بحكم، مثل التنصيص على الأعيان الستة في الربا (١)، فإنَّه يمنع جريانه في غيرها.
ومفهوم اللقب كما سيأتي ليس حجة على الراجح.
стр. 440
حجية مفهوم المخالفة (١):
ومفهوم المخالفة حجة عند جمهور العلماء بجميع أقسامه ما لم يخالفه ما هو أقوى منه، لكن يستثنى من ذلك مفهوم اللقب؛ إذ الراجح عدم الاحتجاج به؛ لأَنَّه يمنع باب القياس، فالتنصيص على الأعيان الستة لا يمنع جريانه في غيرها عند اتحاد العلة.
وخالف أبو حنيفة (ت: ١٥٠ هـ)، وبعض المتكلمين، فقالوا: إنَّ مفهوم المخالفة لا يحتج به.
وعلل الجمهور لما قالوا من حجية مفهوم المخالفة بما يلي:
(أ) أَنّه هو الفهم الظاهر، فعند فُصَحَاءِ أهل اللغة: متى علق الحكم على شرط أَوْ وصف فُهِمَ منه انتفاء الحكم بدون الشرط أَوْ الوصف.
(ب) أَنَّ تخصيص الشيء بالذكر لا بُدَّ له من فائدة، فإذا قال النبي ﷺ : "في سائمة الغنم الزكاة" (٢) دَلَّ على أَنَّ المعلوفة لا زكاة فيها.
قال الطوفي (ت: ٧١٦ هـ): "الضابط في باب المفهوم أَنّه متى
стр. 441
أفاد ظنًا عُرف من تصرف الشرع الالتفات إلى مثله خاليًا من معارض كان حجة يجب العمل به" (١).
وللعمل بمفهوم المخالفة شروط يجمعها ضابط نتناوله في الفقرة التالية.
ضابط شروط العمل بمفهوم المخالفة:
للعمل بمفهوم المخالفة ضابط يجمع شروطه وهو: ألَّا يقوم دليل أَوْ قرينة على تخصيص المنطوق بالذكر، لكونه مختصًّا بالحكم دون سواه، فإن كان كذلك فلا دلالة لمفهوم المخالفة؛ لأَنَّه قد عارضه ما هو أقوى منه.
قال الفتوحي (ت: ٩٧٢ هـ): "ثم الضابط لهذه الشروط- أي لشروط العمل بمفهوم المخالفة- وما في معناها ألَّا يظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غير نفي الحكم عن المسكوت عنه" (٢).
وقال ابن تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨ هـ): "فإذا علم أَوْ غلب على الظن ألَّا موجب للتخصيص بالذكر من هذه الأسباب ونحوها عُلم أَنّه إنَّما خصه بالذكر؛ لأَنَّه مخصوص بالحكم" (٣).
ويكون المنطوق مخصوصًا بالذكر لموجبات كثيرة تعرف بموانع المفهوم نتناولها في العنوان التالي:
стр. 442
موانع مفهوم المخالفة:
يمنع من دلالة مفهوم المخالفة موجبات كثيرة، من أبرزها (١) ما يلي:
١ - ألَّا يخرج مخرج الغالب:
فإنَّ المنطوق إذا خرج مخرج الغالب لم يُعَتَدَّ بمفهومه، وذلك مثل قوله- تعالى-: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، فإنَّ تقييد تحريم الربيبة بكونها في حجر الزوج لا يَدُلُّ على حِلِّ الربيبة للزوج إذا لم تكن في حجره؛ لأَنَّ ذكر كونها في حجره خرج مخرج الغالب؛ إذ غالب الربائب يَكُنَّ في حجور أزواج أمهاتهن، فلا مفهوم له.
٢ - أَلَّا يكون جوابًا لسؤال:
فإذا كان المنطوق جوابًا لسؤال لم يعمل بمفهومه، وذلك مثل: أَنْ يسأل النبي ﷺ : هل في الغنم السائمة زكاة؟ فيقول: "في الغنم السائمة زكاة"، فلا يلزم من الجواب عن إحدى الصفتين أَنْ يكون الحكم ضد الأخرى، لظهور فائدةٍ في الذكْرِ غيرِ الحكْمِ بالضد، وهو أَنَّها وقعت جوابًا لسؤال، فصفة السوم في الجواب لمطابقة السؤال.
стр. 443
٣ - ألَّا يكون ذكره على سبيل الامتنان:
فإذا كان المنطوق قد سيق لزيادة الامتنان فلا مفهوم له؛ وذلك كقوله- تعالى-: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤].
فلا يَدُلُّ قوله ﴿طَرِيًّا﴾ على تحريم غير الطري من اللحم كالقديد؛ لأَنَّ ذلك سيق للامتنان.
وهكذا ما كان ذكره للترغيب، أَوْ الترهيب، أَوْ التنفير، أَوْ التفخيم، أَوْ لتأكيد الحال، ونحو ذلك مما يشعر بأَنَّ الحكم مرتبط بالمنطوق.
مراتب حجية أقسام مفهوم المخالفة:
إنَّ حجية مفهوم المخالفة ليست على مرتبة واحدة، بل على مراتب متفاوتة قوة وضعفًا، يقول الطوفي (ت: ٧١٦ هـ): "والظنون المستفادة من دليل الخطاب متفاوتة بتفاوت مراتبه، ومن تدرب بالنطق في اللغة، وعرف مواقع الألفاظ، ومقاصد المتكلمين سَهُلَ عنده إدراك ذلك التفاوت، والفرق بين تلك المراتب" (١).
ومراتب مفهوم المخالفة في قوة الدلالة حسب الترتيب الآتي (٢):
стр. 444
١ - مفهوم الغاية.
٢ - مفهوم الشرط.
٣ - مفهوم الصفة، ومثله في القوة مفهوم التقسيم.
٤ - مفهوم العدد.
أَمَّا مفهوم اللقب فقد قدمنا أَنّه ليس حجة على الراجح.
* * *
المطلب الأول العَامّ والخَاصّ
ونتناول في هذا المطلب العَامّ ثم الخَاصّ.
أولًا: العَامّ:
المراد بالعَامّ:
هو اللفظ الدال على جميع أجزاء ماهية مدلوله بحسب وضع واحد دفعة بلا حصر (١).
فخرج بأَنَّه "اللفظ الدال على جميع أجزاء ماهية مدلوله" نحوُ: لفظ "الرجل" إذا أريد به معينًا؛ فإنَّه لا يَدُلُّ على جميع أجزاء مدلوله.
وخرج بأَنَّه "حسب وضع واحد" المشتركُ اللفظي كالعين، فلا تسمى عامًّا بالنسبة إلى شموله للعين الجارية، والباصرة؛ لأَنَّه لم يوضع لها وضعًا واحدًا، بل لكل منهما وضع مستقل.
стр. 447
وخرج بأَنَّه "دفعة" النكرةُ في سياق الإِثبات كـ "رجل"، فإنَّها مستغرقة، لكن استغراقها بدلي لا دفعة واحدة.
وخرج بأَنَّه "بلا حصر" لفظُ: عشرة ونحوها من ألفاظ عقود الأعداد؛ لأَنَّه محصور باللفظ، فلا تكون من صيغ العموم (١).
أقسام العَامّ:
ينقسم العَامّ إلى أقسام عديدة من جهات مختلفة، وبيان ذلك كما يلي:
أقسام العَامّ من جهة ما فوقه وما تحته:
وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما (٢):
١ - عَامّ لا أعم منه: وذلك كالمعلوم والمذكور، فإنَّه يشمل
جميع الموجودات والمعدومات، وهذا عَامّ مطلق.
٢ - عَامّ بالنسبة لما تحته ولما فوقه: وذلك كالحيوان؛ فإنَّه أعم من الإِنسان وأخص من النامي، وكالنامي؛ فإنَّه أعم من الحيوان وأخص من الجسم؛ لشمول الجسم غير النامي كالحجر ونحوه.
стр. 448
أقسام العَامّ من جهة المراد منه:
وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما (١):
١ - عَامّ أريد به العموم: وذلك مثل قوله- تعالى-: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، فالمراد كل دابة من دون استثناء.
٢ - عَامّ أريد به الخصوص: وذلك كقوله- تعالى-: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، ففي الآية ثلاث صيغ للعموم هي: (الذين)، و (الناس) في الموضعين، ولا يمكن حمل واحد من هذه الألفاظ على عمومه؛ لأَنَّه لم يجمع لهم الناس كلهم، ولم يخبرهم الناس كلهم، ولم يكونوا هم الناس كلهم، وهذا عَامّ أريد به الخصوص.
والعَامّ الذي أريد به الخصوص يختلف عن العَامّ المخصوص؛ لأَنَّ الأول استعمل في جزئي فكان عامًّا أريد به الخصوص، أَمَّا الثاني فهو عَامّ خرج منه بعض أفراده بقرينة لفظية.
أقسام العَامّ من جهة تخصيصه:
وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما (٢):
١ - عَامّ محفوظ باقٍ على عمومه لم يدخله تخصيص، وذلك مثل قوله- تعالى-: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
стр. 449
٢ - عَامّ مخصوص قد زال عمومه بدخول المخصص عليه.
وذلك كقوله- تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، [المعارج: ٢٩، ٣٠] فقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ليس باقيًا على عمومه، بل قد خصصه قوله- تعالى-: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، وهذا بإجماع المسلمين؛ لأَنَّ الأخت من الرضاعة لا تحلّ بملك اليمين إجماعًا.
وليس المراد بزوال عمومه أَنَّه صار خَاصًّا، وإنَّما زال عمومه في الجزء المُخَصَّص فقط، وما عدا ذلك فهو باق على عمومه.
صيغ العموم:
والمراد بها: الصيغ اللفظية الدالة على الشمول والاستغراق في أصل وضعها اللغوي عند العرب.
وتسمَّى: (ألفاظ العموم)، أَوْ (العموم اللفظي) (١)، ولا يدخل فيها ما يسميه بعض الأصوليين (العموم المعنوي) الذي هو القياس.
والصيغ التي تفيد العموم بوضع اللغة خمس، هي (٢):
стр. 450
١ - كل اسم عُرِّف بالألف واللام غير العهدية، ويشمل ذلك ثلاثة أنواع هي:
(أ) ألفاظ الجموع، كالمسلمين والمشركين.
(ب) أسماء الأجناس، وهي كل ما لا واحد له من لفظه، كالناس، والحيوان، والتراب.
(ج) لفظ الواحد، كالسارق، والسارقة، والزانية، والزاني.
٢ - ما أضيف من هذه الأنواع الثلاثة المتقدمة إلى معرفةٍ، مثل: مال عمرو.
٣ - أدوات الشرط، مثل: (مَنْ) فيمن يعقل؛ قال - تعالى-: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، ومثل (ما) لما لا يعقل؛ قال- تعالى-: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ومثل (أي)، قال ﷺ : "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (١).
وهذه الأدوات الثلاث: (مَنْ)، (مَا)، (أيّ) تستعمل للعموم مطلقًا سواء كانت شروطًا، أَمْ موصولات، أَمْ استفهامية.
٤ - (كل) و (جميع)، وذلك مثل قوله- تعالى-: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، [العنكبوت: ٥٧]، وقوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣)﴾ [ص: ٧٣].
стр. 451
٥ - النكرة في سياق النفي، مثل قوله- تعالى-: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
ومما يفيد العموم عرفًا لا وضعًا ما يلي (١):
١ - الخطاب الموجه إلى الرسول ﷺ ؛ لأَنَّ الأصل العموم والأسوة ما لم يقم دليل على اختصاصه بذلك.
٢ - ترك النبي ﷺ الاستفصال عن الواقعة، فإذا سئل ﷺ عن واقعة، أَوْ عرضت عليه للقضاء فيها فلم يستفصل دَلَّ على عمومها لجميع الأحوال، وذلك مثل أمره ﷺ للرجل الذي اشتكته زوجته بفراقها، ولم يسأل هل هي في طهر أَوْ حيض (٢)، فدَلَّ على عمومه للحالتين، وأَنَّ المرأة إذا طلبت الطلاق من زوجها وطَلَّقها جاز ذلك في حيض أَوْ طهر (٣).
تذييل: إذا نزلت الآية لسبب معين فإنَّ العبرة بعموم لفظها
стр. 452
لا بخصوص سببها (١).
وهكذا السُّنَّة، العبرة بعموم لفظها لا بخصوص سبب ورود الحديث.
حكم العمل بالعَامّ:
يجب اعتقاد العموم والعمل به من غير تَوَقُّف على البحث عن المخصص، فإذا ظهر دليل على التخصيص وجب الأخذ به، وحمل العَامّ عليه، والعمل بالدليل المخصص في الصورة التي ورد بها.
واللفظ العَامّ بعد التخصيص يجب العمل به فيما بقي منه، والاحتجاج ربه فيما عدا صورة التخصيص (٢).
والمخصص لا يعمل به إلَّا إذا تحقق شرطه، وسيأتي بيان شرطه في هذا المطلب في عنوان لاحق.
ثانيًا: الخَاصّ:
المراد بالخَاصّ:
هو اللفظ الدال على شيء بعينه.
فهو مقابل للعَامّ، فالعَامّ كالرجال، والخَاصّ كزيد وهذا الرجل (٣).
стр. 453
والتخصيص: هو قصر العَامّ على بعض أفراده بدليل يَدُلُّ على ذلك (١).
مثاله: قوله- تعالى-: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
فهذه الآية مخصصة لقوله- تعالى-: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فالكتابيات مخصوصات بالإِباحة من المشركات المحرم نكاحهن (٢).
مشروعية التخصيص وحكم العمل به:
تخصيص العموم جائز من حيث الجملة بالإِجماع (٣).
قال ابن قدامة (ت: ٦٢٠ هـ): "لا نعلم اختلافًا في جواز تخصيص العموم" (٤).
ويجب العمل بالدليل المخصص في صورة التخصيص، وتبقى دلالة العَامّ قاصرة على ما عدا تلك الصورة المخصصة (٥).
стр. 454
شرط العمل بالمخصص:
يشترط في الدليل المخصص أَنْ يكون صَحِيحًا، سواء كان متصلًا أَمْ منفصلًا، متقدمًا أَمْ متأخرًا، ولا يشترط فيه مساواته للمخصص، أَوْ كونه أقوى منه رتبة؛ لأَنَّ التخصيص بيان، والبيان يجوز أَنْ يكون أضعف رتبة من المبيَّن، فيجوز تخصيص الكتاب بالسنة، والمتواتر بالآحاد (١).
المخصصات:
وهي أدلة التخصيص، وتكون على نوعين: متصلة، ومنفصلة، ونبيِّنها بإيجاز فيما يلي (٢):
أولًا: المخصصات المنفصلة:
وهي التي استقلت بنفسها، ولم تكن مرتبطة بكلام آخر.
مثل: النَّصّ، والمفهوم، والحسّ، والعقل، وقول الصَّحَابِيّ، والقياس، وإليك أمثلة على هذه المخصصات:
стр. 455
(أ) الحس (١):
وذلك كقوله- تعالى- ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧].
فالمشاهدة في عصر التنزيل دالة على أَنَّ ما في أقصى المشرق والمغرب لم تُجْبَ إليه ثمراته.
(ب) العقل:
والمراد به: ما لا يجوز ورود الشرع بخلافه، مثل ما دَلَّ عليه العقل من نفي كون صفات الله- سبحانه- مخلوقة، فيجوز التخصيص بهذا، كقوله- تعالى-: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، فالمراد أَن الله خالق كل شيء ما عدا صفاته؛ لأَنَّ العقل دَلَّ على أَنّه- تعالى- لا يجوز أَنْ يخلق صفاته، وقد يعترض على هذا المخصص بأَنَّه لم يدخل تحت العموم ابتداءً، أَوْ بأَنَّه من قبيل العَامّ الذي أريد به الخصوص، ولا مشاحة في ذلك إذا اتفق المعنى.
(ج) قول الصَّحَابِيّ:
والمراد به: ما كان له حكم الرفع، وذلك فيما لا مجال للرأي فيه، وهذا باتفاق.
стр. 456
أَمَّا تخصيص العموم بقول الصَّحَابِيّ- عدا ما له حكم الرفع- عند القائلين به ففيه خلاف.
(د) القياس:
ومثاله: قوله- تعالى-: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
فإنَّه مخصوص بتحريم الربا في البُرّ بعلة الكيل، وقياسه: تحريم الربا في الأرز.
والتخصيص بالقياس الجلي جائزٌ بلا إشكال، وبالقياس الخفي جائزٌ عند الجمهور.
(هـ) المفهوم سواء كان مفهوم موافقة أَمْ مخالفة:
فمثال التخصيص بمفهوم الموافقة: تخصيص قوله ﷺ فيما رواه عمرو بن الشريد عن أبيه: "لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته" (١) بمفهوم الموافقة في قوله- تعالى-: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فإنَّ الحديث يَدُلَّ على مشروعية حبس المدين المليء، والآية يفهم منها منع حبس الوالد في دين ولده.
ومثال التخصيص بمفهوم المخالفة: تخصيص حديث: "في
стр. 457
أربعين شاةً شاةٌ" (١) بمفهوم المخالفة من حديث: "في سائمة الغنم الزكاة" (٢)، فمفهوم (السائمة) أنه لا زكاة في المعلوفة، فتخرج من عموم "في أربعين شاة شاةٌ".
(ز) النَّصّ:
والمراد به: التخصيص بالكتاب والسنة بأنواعها القولية، والفعلية، والإِقرارية، فيجوز تخصيص الكتاب بالسنة، والعكس، كما يجوز تخصيص المتواتر بخبر الآحاد، والعكس، وقد تركنا التمثيل؛ لطوله، فليرجع إليه عند الحاجة في مراجعه المذكورة سابقًا.
ثانيًا: المخصصات المتصلة:
وهي التي لا تستقل بنفسها، بل مرتبطة لكلام آخر، مثل الصفة، والشرط، والاستثناء، والغاية، والبدل، وإليك أمثلة على هذ المخصصات (٣):
стр. 458
(أ) الصفة:
وهي ما أشعر بمعنى يتصف به أفراد العَامّ، مثل السائمة في قوله ﷺ : "في سائمة الغنم الزكاة" (١).
(ب) الشرط:
والمراد به: صيغ التعليق بـ (إنْ) ونحوها، مثل قوله - تعالى-: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
(ج) الاستثناء:
والمراد به: إخراج شيء لولا الاستثناء لوجب دخوله، مثل قوله- تعالى-: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١].
(د) الغاية:
والمراد بها: أَنْ يأتي بعد اللفظ العَامّ حرف من أحرف الغاية، كاللام، وإلى، وحتى، مثل قوله- تعالى-: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
(هـ) البدل:
والمراد به: بدل البعض من الكل، كقوله- تعالى-: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ بدل من ﴿النَّاسِ﴾ في قوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾.
* * *
стр. 459
المطلب الثاني المطلق والمقيد
تعريف المطلق:
وهو عند الأصوليين: اللفظ المتناول لواحد غير معين بحسب حقيقة شاملة لجنسه.
فخرج بذلك: ألفاظ الأعداد المتناولة لأكثر من واحد، مثل لفظ: عشرة؛ لأَنَّ المطلق يتناول واحدًا غير معين.
كما خرج بذلك: المعارف كزيد، لأَنَّه معين والمطلق غير معين.
كما خرج بذلك: المشترك، والواجب المخير؛ فإنَّ كلًّا منهما يتناول واحدًا لا بعينه بحسب حقائق مختلفة (١).
ومثال المطلق: قوله ﷺ فيما رواه أبو موسى: "لا نكاح إلَّا بولي" (٢)، فالولي قد تناول واحدًا غير معين من جنس
стр. 460
الأولياء (١).
تعريف المقيد:
وهو عند الأصوليين: اللفظ المتناول لمعين أَوْ موصوف بوصف زائد على حقيقة جنسه (٢).
فظهر من التعريف أَنَّ المقيد قد يكون معينًا، مثل: هذا الرجل، أَوْ موصوفًا بوصف زائد على حقيقة جنسه، مثل قوله - تعالى- في كفارة قتل الخطأ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، فقد وصف الشهرين بالتتابع، وذلك وصف زائد على حقيقة جنس الشهرين؛ لأَنَّ الشهرين قد يكونان متتابعين وغير متتابعين (٣).
مراتب المقيد:
تتفاوت مراتب المقيد في تقييده باعتبار قلة القيود وكثرتها؛ فما كانت قيوده أكثر كانت رتبته في التقييد أعلى، وهو فيه أدخل، فقوله- تعالى-: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾ [التحريم: ٥] أعلى رتبة، وأدخل في التقيد مما لو اقتصر على بعض