← Сияса и кади

Сияса и кади · id 17810

توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية

عبد الله بن محمد الخنين

Полный текст (1 181 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أَمَّا تخصيص العموم بقول الصَّحَابِيّ- عدا ما له حكم الرفع- عند القائلين به ففيه خلاف. (د) القياس: ومثاله: قوله- تعالى-: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فإنَّه مخصوص بتحريم الربا في البُرّ بعلة الكيل، وقياسه: تحريم الربا في الأرز. والتخصيص بالقياس الجلي جائزٌ بلا إشكال، وبالقياس الخفي جائزٌ عند الجمهور. (هـ) المفهوم سواء كان مفهوم موافقة أَمْ مخالفة: فمثال التخصيص بمفهوم الموافقة: تخصيص قوله ﷺ فيما رواه عمرو بن الشريد عن أبيه: "لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته" (١) بمفهوم الموافقة في قوله- تعالى-: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فإنَّ الحديث يَدُلَّ على مشروعية حبس المدين المليء، والآية يفهم منها منع حبس الوالد في دين ولده. ومثال التخصيص بمفهوم المخالفة: تخصيص حديث: "في

стр. 457

أربعين شاةً شاةٌ" (١) بمفهوم المخالفة من حديث: "في سائمة الغنم الزكاة" (٢)، فمفهوم (السائمة) أنه لا زكاة في المعلوفة، فتخرج من عموم "في أربعين شاة شاةٌ". (ز) النَّصّ: والمراد به: التخصيص بالكتاب والسنة بأنواعها القولية، والفعلية، والإِقرارية، فيجوز تخصيص الكتاب بالسنة، والعكس، كما يجوز تخصيص المتواتر بخبر الآحاد، والعكس، وقد تركنا التمثيل؛ لطوله، فليرجع إليه عند الحاجة في مراجعه المذكورة سابقًا. ثانيًا: المخصصات المتصلة: وهي التي لا تستقل بنفسها، بل مرتبطة لكلام آخر، مثل الصفة، والشرط، والاستثناء، والغاية، والبدل، وإليك أمثلة على هذ المخصصات (٣):

стр. 458

(أ) الصفة: وهي ما أشعر بمعنى يتصف به أفراد العَامّ، مثل السائمة في قوله ﷺ : "في سائمة الغنم الزكاة" (١). (ب) الشرط: والمراد به: صيغ التعليق بـ (إنْ) ونحوها، مثل قوله - تعالى-: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. (ج) الاستثناء: والمراد به: إخراج شيء لولا الاستثناء لوجب دخوله، مثل قوله- تعالى-: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]. (د) الغاية: والمراد بها: أَنْ يأتي بعد اللفظ العَامّ حرف من أحرف الغاية، كاللام، وإلى، وحتى، مثل قوله- تعالى-: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. (هـ) البدل: والمراد به: بدل البعض من الكل، كقوله- تعالى-: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ بدل من ﴿النَّاسِ﴾ في قوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾. * * *

стр. 459

المطلب الثاني المطلق والمقيد تعريف المطلق: وهو عند الأصوليين: اللفظ المتناول لواحد غير معين بحسب حقيقة شاملة لجنسه. فخرج بذلك: ألفاظ الأعداد المتناولة لأكثر من واحد، مثل لفظ: عشرة؛ لأَنَّ المطلق يتناول واحدًا غير معين. كما خرج بذلك: المعارف كزيد، لأَنَّه معين والمطلق غير معين. كما خرج بذلك: المشترك، والواجب المخير؛ فإنَّ كلًّا منهما يتناول واحدًا لا بعينه بحسب حقائق مختلفة (١). ومثال المطلق: قوله ﷺ فيما رواه أبو موسى: "لا نكاح إلَّا بولي" (٢)، فالولي قد تناول واحدًا غير معين من جنس

стр. 460

الأولياء (١). تعريف المقيد: وهو عند الأصوليين: اللفظ المتناول لمعين أَوْ موصوف بوصف زائد على حقيقة جنسه (٢). فظهر من التعريف أَنَّ المقيد قد يكون معينًا، مثل: هذا الرجل، أَوْ موصوفًا بوصف زائد على حقيقة جنسه، مثل قوله - تعالى- في كفارة قتل الخطأ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، فقد وصف الشهرين بالتتابع، وذلك وصف زائد على حقيقة جنس الشهرين؛ لأَنَّ الشهرين قد يكونان متتابعين وغير متتابعين (٣). مراتب المقيد: تتفاوت مراتب المقيد في تقييده باعتبار قلة القيود وكثرتها؛ فما كانت قيوده أكثر كانت رتبته في التقييد أعلى، وهو فيه أدخل، فقوله- تعالى-: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾ [التحريم: ٥] أعلى رتبة، وأدخل في التقيد مما لو اقتصر على بعض

стр. 461

الصفات المذكورة، فكلما كثرت الأوصاف المخصصة المميزة للذات من غيرها كانت رتبة التخصيص والتقييد فيها أعلى. وعلى كلٍّ فالإِطلاق والتقييد أمران نسبيان، فمطلق لا مطلقَ بعده مثل: (معلوم)، ومقيد لا مقيدَ بعده مثل: (زيد)، وبينهما وسائط (١). حكم العمل بالمطلق والمقيد: يجب حمل النَّصّ المطلق على إطلاقه والعمل به من هذا الوجه ما لم يثبت المقيد. كما يجب حمل النَّصّ المقيد على تقييده، والعمل به من هذا الوجه، سواء كان المقيد متصلًا أَمْ منفصلًا، فلا يجوز والحالة هذه العمل بالمطلق دون حمله على المقيد، فالمقيد ها هنا مقدم على المطلق وحاكم عليه، لا فرق في ذلك بين الكتاب والسنة، والمتواتر والآحاد، والمتقدم والمتأخر (٢). شروط حمل المطلق على المقيد: ليس كل مطلق يحمل على المقيد، بل لا يحمل عليه إلَّا إذا تحققت شروط هي:

стр. 462

١ - أَنْ يكون الحكم فيهما واحدًا، فإن اختلف الحكم فلا يحمل مطلق على مقيد. مثال التقييد: اتحاد الحكم في قوله- تعالى- في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، وقوله - تعالى- في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فالحكم واحد، وهو تحرير الرقبة، فيجب تقييد المطلق في كفارة الظهار بالمقيد في كفارة القتل، ويشترط الإِيمان في الرقبة في كل منهما. ومثال ما اختلف فيه الحكم ولم يحمل أحدهما على الآخر: قوله- تعالى-: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله- تعالى- في آية الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، فالحكم مختلف، ففي الأولى قطع، وفي الثانية غسل، فلا تقيَّد الأولى بالثانية، بل تبقى على إطلاقها، ويكون القطع من الكوع مفصل الكف، والغسل إلى المرافق (١). ٢ - أَنْ يقوم الدليل الصَّحِيح على تقييد المطلق. فلا يحمل مطلق على مقيد إلَّا بمقيِّد من كتاب أَوْ سنة ونحوهما من المقيِّدات (٢)، قال ابن النجار (ت: ٩٧٢ هـ): "وهما- أي

стр. 463

المطلق والمقيد- كعَامّ وخَاصّ فيما ذكر من تخصيص العموم من متفق عليه، ومختلف فيه، ومختار من الخلاف، فيجوز تقييد الكتاب بالكتاب وبالسنة، وتقييد السنة بالسنة وبالكتاب، وتقييد الكتاب والسنة بالقياس ومفهوم الموافقة والمخالفة، وفعل النبي ﷺ ، وتقريره، ومذهب الصَّحَابِيّ، ونحو ذلك على الأصَحِّ في الجميع" (١). ٣ - عدم المانع من حمل المطلق على المقيد. فإذا وجد مانع من حمل المطلق على المقيد فلا حمل، ومن الموانع ما يلي (٢): (أ) تضاد القيدين ولا مرجح لأحدهما على الآخر. وذلك مثل تقييد صوم الظهار بالتتابع في قوله- تعالى-: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]، وتقييد صوم التمتع بالتفريق في قوله- تعالى-: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] مع إطلاق صوم قضاء رمضان في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤, ١٨٥]. (ب) إذا وجدت قرينة مانعة من الحمل، كأَنْ يستلزم حملُ المطلق على المقيد تأخيرَ البيان عن وقت الحاجة، وذلك مثل

стр. 464

اشتراطه ﷺ كما في حديث عبد الله بن عمر- ﵄: "قطع أسفل الخفين للمحرم الذي لم يجد النعلين" (١)، فهذا مقيد، وكان ذلك في المدينة، والمطلق: أنّه لم يشترط ﷺ القطع، بل أطلق لبس الخفين كما في حديث ابن عباس- ﵁، وكان ذلك في عرفات (٢)، فلا يحمل هنا المطلق على المقيد، ويصير القطع منسوخًا. * * *

стр. 465

المطلب الثالث النسخ المراد بالنسخ: اختلف في المراد به بين المتقدمين والمتأخرين. فيطلق عند المتقدمين ويراد به: تخصيص العَامّ، وتقييد المطلق، وتبيين المجمل، ورفع الحكم بجملته، وهذا الأخير هو ما يعرف عند المتأخرين بالنسخ (١).

стр. 466

فالنسخ إذا أطلق عند المتأخرين فالمراد به: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخٍ عنه (١)، وعليه استقر هذا الاصطلاح حتى يومنا هذا. فالنسخ رفع لأصل الحكم وجملته، وكأَنَّه لم يشرع البتة، وليس النسخ رفعًا لحكم البراءة الأصلية الثابت بدليل العقل، كإيجاب الصلاة؛ لأَنَّها إنّما ارتفعت بإيجاب العبادات. ولا بُدَّ في النسخ من دليل رافع متأخر عن الدليل المثبت، فزوال الحكم بالموت أَوْ الجنون مثلًا ليس نسخًا، بل انقطاع للتكليف. وإذا اتصل الخطاب الثاني بالأول فإنَّه يكون تخصيصًا له وبيانًا، ولا يكون نسخًا، على أَنَّ التخصيص والتقييد إذا لم يرد إلَّا بعد العمل بالعَامّ أَوْ المطلق فيكون حينئذٍ نسخًا. والأمة مجمعة على جواز النسخ ووقوعه في الشريعة (٢). شروط النسخ: يشترط لصِحَّة النسخ شروط، هي: ١ - أَنْ يكون النسخ رفعًا لأصل الحكم وجملته ، لا رفعًا

стр. 467

لأصل البراءة بالتكليف، ولا رفعًا للتكليف بجنون أَوْ موت، ولا تخصيصًا، أَوْ تقييدًا لبعضه؛ فإنَّ ذلك ليس نسخًا، وقد مَرَّ ذلك في تعريف النسخ عند المتأخرين وشرحه. ٢ - أَنْ يكون المنسوخ حكمًا لا خبرًا ، فلا يدخل النسخُ الأخبارَ، كالإِخبار بما كان وما يكون، وأخبار الأنبياء- ﵈ والأمم السالفة (١). ٣ - أَنْ يكون الناسخ وحيًا من كتاب أَوْ سنة ، فلا نسخ بعد عهد الرسالة؛ لانقطاع الوحي، وينسخ القرآن بالقرآن وبالسنة متواترة أَوْ آحادًا متى صَحَّتْ، كما تنسخ السنة بالقرآن وبالسنة متواترة أَوْ آحادًا متى صَحَّتْ. ولا ينسخ بمجرد الإِجماع إذا لم يُبْنَ على دليل من الوحيين أَوْ أحدهما؛ لأَنَّ الإِجماع لا ينعقد إلَّا بعد وفاته ﷺ ، وبعد وفاته لا يرد النسخ، لكن يستدل على وقوع النسخ بالإِجماع. كما أَنّه لا نسخ بالقياس؛ لأَنَّه لا يصار للقياس إلَّا عند عدم النَّصّ، وحيث وجد النَّصّ فلا يعتد بقياس يخالفه (٢).

стр. 468

تذييل: لا نسخ، ولا تخصيص، ولا تقييد، ولا تبديل في الشريعة بعد كمالها. إنَّ الشريعة بعد كمالها، وختامها بوفاة النبي ﷺ لا يلحقها نسخ، ولا تخصيص، ولا تقييد، يقول الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) - وهو يتحدث عن أوصاف الشريعة-: "الثبوتُ من غير زوال؛ فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخًا، ولا تخصيصًا لعمومها، ولا تقييدًا لإِطلاقها، ولا رفعًا لحكم من أحكامها لا بحسب عموم المكلفين، ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمان دون زمان، ولا حال دون حال، بل ما أثبت سببًا فهو سبب أبدًا لا يرتفع، وما كان شرطًا فهو أبدًا شرط، وما كان واجبًا فهو واجب أبدًا، أَوْ مندوبًا فمندوب، وهكذا جميع الأحكام، فلا زوال لها، ولا تبدل، ولو فرض بقاء التكليف إلى غير نهاية لكانت أحكامها كذلك" (١). ٤ - ثبوت تأخر الناسخ عن المنسوخ . فإنَّه إذا كان لا بُدَّ من تأخر الناسخ عن المنسوخ فلا بُدَّ من ثبوت ذلك التأخر بطريق النقل الدال على ذلك، ومنه ما يلي (٢):

стр. 469

(أ) الإِجماع، وذلك مثل أَنْ يوجد تعارض بين نَصَّين، ولكن أجمعت الأمة على خلاف ما ورد به أحد الخبرين، فيستدل بذلك على أَنَّ المتروك منسوخ. فالإِجماع يبين أَنَّ النَّص المتأخر ناسخ للمتقدم، لا أَنَّ الإِجماع هو الناسخ. (ب) قوله ﷺ وفعله. ومثال ذلك في القول: قوله ﷺ من حديث بريدة- ﵁: "نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها" (١). ومثال ذلك في الفعل: عن ابن عباس- ﵁: "أَنَّ النبي ﷺ أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ" (٢). فهو ناسخ لقوله ﷺ : "توضؤوا مما مَسَّتْ النار" (٣). (ج) قول الراوي من الصَّحَابة: "كان كذا، ونُسِخ"، أَوْ "رخص في كذا ثم نهى عنه"؛ لأَنَّ له حكم المرفوع، ومنه ذكر الراوي لتاريخ سماعه للخبر، نحو أَنْ يقول: "سمعت عام الفتح كذا، وسمعت في حجة الوداع كذا"، وهكذا معرفة موت السابق

стр. 470

بالإِسلام من الصَّحَابة قبل صحبه الثاني، ولا نسخ بقول الراوي: ذي الآية منسوخة، أَوْ ذا الخبر منسوخ حتى يبين الناسخ للآية والخبر؛ لأَنَّه قد يكون عن اجتهاد فلا يقبل، وهكذا لا يقبل قول مفسر أَوْ مجتهد بالنسخ من دون دليل. * * *

стр. 471

المبحث السادس الحاجة إلى معرفة أسباب النزول وأعراف العرب حال النزول عند تفسير نُصُوص الأحكام الكلية وفيه مطلبان: المطلب الأول: الحاجة إلى معرفة أسباب النزول عند تفسير نُصُوص الأحكام الكلية. المطلب الثاني: الحاجة إلى معرفة أعراف العرب حال النزول عند تفسير نُصُوص الأحكام الكلية.

стр. 472

المطلب الأول الحاجة إلى معرفة أسباب النزول عند تفسير نُصُوص الأحكام الكلية المراد بسبب النزول: هو ما نزلت الآية أَوْ الآيات من القرآن الكريم متحدثة عنه أَوْ مبينة لحكمه أيام وقوعه (١). فإذا وقعت حادثة زمن النبي ﷺ ، أَوْ جاءه سؤال فنزل القرآن بآية أَوْ آيات مبينًا حكم تلك الحادثة، أَوْ جواب هذا السؤال، فتكون هذه الآية أَوْ الآيات نزلت لذلك السبب (٢). ومعرفة سبب النزول تعين على تفسير النَّصّ وبيانه، وتُعَرِّف وتَدُلُّ على حكمة التشريع، مما يعين على استنباط الحكم وتقريره، وفهم معناه وتفسيره (٣). يقول ابن تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨ هـ): "ومعرفة سبب النزول يعين

стр. 473

على فهم الآية، فإنَّ العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، ولهذا كان أَصَحُّ قولي الفقهاء أَنَّه إذا لم يعرف ما نواه الحالف رجع إلى سبب يمينه وما هيجها وأثارها" (١). مثال ذلك: قوله- تعالى-: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)﴾ [آل عمران: ١٨٨]. فقد أشكل على مروان بن الحكم ابن أبي العاص (ت: ٦٥ هـ) معنى هذه الآية حتى بَيَّن له ابن عباس معناها مقرونًا بسبب نزولها. فعن ابن أبي مليكة أَنَّ علقمة ابن أبي وقاص أخبره أَنَّ مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أَنْ يحمد بما لم يعمل معذبًا لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه؟ إنَّما دعا النبيُّ ﷺ يهودَ، فسألهم عن شيء، فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم، ثم قرأ ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ كذلك حتى قوله: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨، ١٨٧] (٢).

стр. 474

وهكذا سبب ورود الحديث كسبب النزول مما يعين على فهم الحديث، وتفسيره، واستنباط الحكم وتقريره (١)؛ قال السيوطي (ت: ٩١١ هـ): "فبذكر السبب يتبين الفقه في المسألة" (٢). مثال ذلك: عن جابر بن عبد الله- ﵁ عن النبي ﷺ قال: "سموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي" (٣). وهذا النهي عن التكني بكنية النبي ﷺ ليس على عمومه، بل هو خَاصّ بحياته ﷺ ، فبعد وفاته لا يكره التكني بكنيته (٤)؛ لأَنَّ التكنية بكنيته في حياته مما يجعله ملتبسًا بغيره عند مناداته، فَمُنع ذلك في حياته، وجاز بعدها؛ يبين ذلك سبب ورود الحديث: فعن أنس بن مالك- ﵁ قال: "كان النبي ﷺ في السوق، فقال رجل: يا أبا القاسم، فالتفت إليه النبي ﷺ ، فقال: إنّما دعوت هذا، فقال النبي ﷺ : سموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي" (٥).

стр. 475

المطلب الثاني الحاجة إلى معرفة أعراف العرب حال النزول عند تفسير نُصُوص الأحكام الكلية والمراد بأعراف العرب التي يُحتاج إلى معرفتها عند تفسير النُّصُوص: ما كان عليه العرب حال النزول من أعراف وعادات في أقوالهم، وأفعالهم، ومجاري أحوالهم، مما له تأثير في فهم النَّصّ وتفسيره وإن لم يكن ثمَّ سبب خَاصّ (١). فقد يُشْكِل تفسير نَصٍّ من كتاب أَوْ سنة، فإذا وقف المفسر على حال العرب وعرفها وما كانت تفعله وتقوله وقت نزول القرآن أَوْ ورود الحديث كان ذلك كاشفًا لمعنى الآية أَوْ الحديث (٢). يقول الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "لا بُدَّ في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين، وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، فإن كان

стр. 476

للعرب في لسانهم عرف مستمر فلا يَصِحُّ العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثمَّ عرف فلا يَصِحُّ أَنْ يجرى في فهمها على ما لا تعرفه، وهذا جارٍ في المعاني والألفاظ والأساليب" (١). ويقول أيضًا: "معرفة عادات العرب في أقوالها، وأفعالها، ومجاري أحوالها حالة التنزيل وإن لم يكن ثمَّ سبب خَاصّ لا بُدَّ لمن أراد الخوض في علم القرآن منه، وإلَّا وقع في الشبه والإِشكالات التي يتعذر الخروج منها بهذه المعرفة" (٢). فالعلم بأعراف العرب ومجاري أحوالها في كلامها وفعالها حال نزول القرآن وورود الحديث مما يساعد على كشف معنى النَّصّ وتفسيره ببيان مجمله، وتخصيصه، أَوْ تقييده، حيث ثبت ذلك العرف بطريق شرعي. ولذلك أمثلة، منها ما يلي: ١ - قوله- تعالى-: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]. فظاهر الآية يَدُلُّ على المنع من الإِكراه على الزنى إذا كانت الأمة لا ترضاه، وهذا غير مراد قطعًا؛ لأَنَّ جريمة الزنى لا تجوز بحالٍ رضيت الأمة أَمْ لم ترض، وإنَّما جاء النهي بهذه الصيغة مراعاةً

стр. 477

لما كان عليه العرب في أعرافهم وعاداتهم، فقد كان بعضهم يكرهون الإِماء على البغاء مع إرادتهن التعفف (١). فعن جابر- ﵁: "أَنَّ جارية لعبد الله بن أبي سلول يقال لها: مسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة، كان يكرههما على الزنى، فشكتا ذلك إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله- : ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣] إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣] " (٢). ٢ - قوله- تعالى-: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾ [البقرة: ١٨٩]. فقد جاءت الآية مبينة جواز دخول الحاج بعد إحرامه لبيته من بابه، خلافًا لما كان عليه الأنصار؛ إذ كانوا إذا أحرموا بالحج ورجع أحدهم إلى بيته قبل تمام حجه لا يدخل من باب بيته، بل كان يتسنم من ظهر البيت (٣)، فعن البراء أَنّه قال: "كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] " (٤).

стр. 478

فمعرفة هذه العادة عن العرب بينت معنى الآية وأوضحتها، وأظهرت فقه المسألة، فلا يحرم على الحاج الدخول من باب البيت وهو مُحْرِم بِنَصِّ القرآن. ٣ - قوله- تعالى-: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩)﴾ [النجم: ٤٩]، قال الشاطبي: "فَعيَّن هذا الكوكبَ- وهو الشِّعْرَى- لكون العرب عَبَدَتَه وهم خزاعة، ابتدع ذلك لهم أبو كبشة، ولم تعبد العرب من الكواكب غيرها، فلذلك عينت" (١). ٤ - عن معمر بن عبد الله قال: "كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: الطعام بالطعام مثلًا بمثل"، قال: وكان طعامنا يومئذٍ الشعير (٢). قال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ): "فمن يقول بأَنَّ علة الربا غير الطعم خَصَّصَ عموم الطعام في هذا الحديث بالشعير؛ للعرف المقارن للخطاب" (٣)؛ لأَنَّه إذا أُطْلِق (الطعامُ) عند الصَّحَابة في المدينة انصرف إلى الشعير. * * *

стр. 479

المبحث السابع مقاصد الشريعة والحاجة إليها عند تفسير نُصُوص الأحكام الكلية وفية ثلاثة مطالب: المطلب الأول: بيان المراد بمقاصد الشريعة. المطلب الثاني: أقسام مقاصد الشريعة. المطلب الثالث: الحاجة إلى مقاصد الشريعة عند تفسير نُصُوص الأحكام الكلية.

стр. 480

المطلب الأول المراد بمقاصد الشريعة المراد بها: المعاني والحِكَم ونحوها من الأهداف والغايات التي راعاها الشرع لتحقيق مصالح العباد في الدارين (١). وبيان ذلك: ما قاله ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): "مقاصد التشريع العَامَّة هي المعاني والحِكَم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أَوْ معظمها بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خَاصّ من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا أوصاف الشريعة، وغاياتها العَامَّة، والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، ويدخل في هذا- أيضًا- معانٍ من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها" (٢). * * *

стр. 481

المطلب الثاني أقسام مقاصد الشريعة تنقسم مقاصد الشريعة من جهتين، هما: جهة كليتها وجزئيتها، وجهة كونها ضرورية، أَوْ حاجية، أَوْ تحسينية، وبيان ذلك فيما يلي: التقسيم الأول: أقسام مقاصد الشريعة من جهة كليتها وجزئيتها: وتنقسم من هذه الجهة ثلاثة أقسام، هي (١): عَامَّة، وخَاصَّة، وجزئية، وبيانها بإيجاز فيما يلي: ١ - المقاصد العَامَّة: هي المقاصد التي تراعيها الشريعة وتسعى إلى تحقيقها في كلِّ أَوْ أكثر أحكامها وآدابها، وهذا هو المراد غالبًا عند الإِطلاق. ٢ - المقاصد الخَاصَّة: هي المقاصد التي تراعيها الشريعة وتسعى إلى تحقيقها في باب معين، أَوْ في أبواب متجانسة، كمقاصد الشارع في أحكام الأنكحة، أَوْ البيوع، أَوْ التصرفات المالية، أَوْ

стр. 482

الإِجارة، أَوْ الرهن، ويذكره الفقهاء من باب ذكر حكمة التشريع في هذا الباب أَوْ ذاك، وقد اعتنى الشيخ علي الجرجاوي (ت: ١٣٤٠ هـ) في كتابه: "حكمة التشريع وفلسفته"، والشيخ ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ) في كتابه: "مقاصد الشريعة" بذكر جملة من ذلك (١). ٣ - المقاصد الجزئية: هي مقصد الشرع في كل حكم جزئي كلي، من إيجاب، أَوْ تحريم، أَوْ ندب، أَوْ كراهة، أَوْ إباحة، وهي المعنية بحكمة التشريع، وذلك كالمشقة التي شرع القصر والإِفطار لأجلها، وقد اعتنى الشيخ شاه ولي الله الدهلوي (ت: ١١٧٦ هـ) بذكر جملة من ذلك في كتابه: "حجة الله البالغة". التقسيم الثاني: أقسام مقاصد الشريعة من جهة كونها ضرورية أَوْ حاجية أَوْ تحسينية: وتنقسم من هذه الجهة ثلاثة أقسام، هي (٢): ضرورية، وحاجية، وتحسينية، وبيانها بإيجاز فيما يلي: ١ - المقاصد الضرورية: هي المصالح التي لا بُدَّ منها في قيام الدين والدنيا، من حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، سواء في جانب الوجود أَمْ العدم، وقد شرع الإِسلام لكل

стр. 483

واحدة من هذه الضروريات الأحكام التي تحفظها؛ لأَنَّها إذا فقدت اختل نظام الحياة، وعَمَّتْ الفوضى، وانتشر الفساد. ٢ - المقاصد الحاجية: هي المصالح التي يحتاج إليها الإِنسان من حيث التوسعة، ورفع الضيق، وإذا فقدت لا يختل نظام حياته، ولا يؤدي ذلك إلى الفوضى، ولكن يناله الحرج والمشقة، وذلك كالرخص المخفِّفة مثل: المرض، والسفر، وإباحة الصيد، والمضاربة. ٣ - المقاصد التحسينية: هي المصالح التي تقتضيها المروءة والآداب، وسائر محاسن العادات مما فيه تحسين لحال الأفراد والجماعة، وإذا فقدت لا يختل نظام حياتهم كما في الضروري، كما لا ينالهم حرج في الأمر الحاجي، ومن ذلك أحكام الزينة، وستر العورات. وإذا ازدحمت هذه المقاصد الثلاثة ولم يمكن الجمع بينها قُدِّم ما هو ضروري على ما هو حاجي، وما هو حاجي على ما هو تحسيني (١). كما يقدم ما تعلق بالدِّين، ثم النفس، ثم العقل، ثم العرض، ثم المال (٢)، وهذا في الجملة. * * *

стр. 484

المطلب الثالث الحاجة إلى المقاصد عند تفسير نُصُوص الأحكام الكلية إنَّ مقاصد الشريعة تأتي عاضدة لتعدية حكم أصل لفرع لكونها مناطًا له، فتكون وسيلة لتوسيع الاجتهاد وتمكينه وإنضاجه وتقويمه، غير أَنّها لا تقتصر على ذلك فحسب، بل تكون وسيلة لفهم النُّصُوص وتفسيرها. فالألفاظ هي معرفات ودلائل على المعاني، وقد يشتبه في معناها عند تفسيرها، أَوْ تتعارض الدلالات والمعاني، فيستعان على ذلك بما عهد عن قائلها مراعاته من أمور كلية يهتدى بها إلى مراده، وهكذا شأن نُصُوص الشريعة، قد يغمض تفسيرها، ويستغلق فهمها، أَوْ تتعارض الدلالات والمعاني، فتأتي مقاصد الشريعة أَوْ حكمة الشرعية كاشفة وهادية لذلك المعنى، أَوْ مرجحة دلالة على أخرى، أَوْ معنى على آخر. فمعرفة مقاصد الشرع العَامَّة أَوْ حكمة التشريع في حكم خَاصّ

стр. 485

مما يعين على فهم النَّصّ، كما يرجح احتمالًا في التفسير على آخر، أَوْ قولًا في الترجيح على آخر، فالألفاظ لا تراد لذاتها، وإنَّما لما تحمله من معنى ربما دَلَّت عليه تلك المقاصد، فكشفت مغلق اللفظ وبيَّنَتْه. فالواجب أَنْ يعطى اللفظ حقه، والمقصد حقه؛ لكشف المعنى وتقريره، ولا يستقيم لمن رام تفسيرًا لنَصٍّ شرعي مشكل أَنْ يهمل مراعاة المقاصد الشرعية لإيضاح النَّصّ وبيانه، ولا يتبع المقاصد في ظنه مهدرًا دلالة الألفاظ (١)، "فالمقصود أَنَّ الواجب فيما علق عليه الشارع الأحكام من الألفاظ والمعاني: ألَّا يُتَجَاوَز بألفاظها ومعانيها، ولا يقصر بها، ويعطى اللفظ حقه، والمعنى حقه" (٢)؛ "لأَنَّه ليس عندنا عقلٌ محضٌ نتبعه، ولا لفظٌ مجردٌ نحتكم إليه، وإنَّما العبرة بمجموع اللفظ والمعنى، تسوقه المقاصد اللغوية وتحكمه المقاصد الشرعية" (٣).

стр. 486

فالعبرة عند تفسير النصُوص بالألفاظ مقرونة بسوابقها ولواحقها (١)، ومقاصد الشريعة كلية أَوْ جزئية مما يساعد على كشف المعنى وإظهاره. ولقد اشترط بعض العلماء في الفقيه مجتهدا أَوْ مقلدًا، وفي مُنَزِّل الأحكام على الوقائع قاضيًا أَوْ مفتيًا- معرفةَ مقاصد الشريعة (٢)، وما ذاك إلا لأهميتها ومكانتها في الاستدلال وتفسير النُّصُوص والأحكام. يقول الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "إنَّما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين؛ أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها ... فإذا بلغ الإِنسان مبلغًا فَهِمَ عن الشارع فيه قَصْدَه في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها فقد حصل له وصفٌ هو السبب في تنزيله منزلة الخليفة للنبي ﷺ في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله" (٣). ومتى انكشفت دلالة اللفظ بذاته أَوْ بغيره من الأدلة على المراد فلا مساغ للاجتهاد في مورد النَّصّ؛ لأَنَّ اتباع

стр. 487

المصالح مع مناقضة النَّصّ باطل (١). فلا تجعل المقاصد وسائلَ لِإهدار النُّصُوص الواضحة المفسرة، ولا تهمل مراعاتها في تفسير المجمل، وتوضيح المشكل، وتأويل الظاهر عند القرينة، وتعدية الحكم من النظير إلى نظيره. * * *

стр. 488

المبحث الثامن تعارض الأدلة والجمع والترجيح بينها وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: المراد بالتعارض بين الأدلة وحقيقته. المطلب الثاني: طرق دفع التعارض. المطلب الثالث: ترتيب طرق دفع التعارض. المطلب الرابع: الطرق المعينة على درء التعارض. المطلب الخامس: طرق الترجيح بين الأدلة.

стр. 489

المطلب الأول المراد بالتعارض بين الأدلة وحقيقته المراد بتعارض الأدلة: المراد به: تقابل دليلين على سبيل الممانعة، وذلك بأَنْ يدُلَّ أحد الدليلين على الجواز، ويَدُلُّ الدليل الآخر على المنع، فدليل الجواز يمنع التحريم، ودليل التحريم يمنع الجواز، فكل منهما مقابل للآخر ومعارض له (١). حقيقة التعارض بين الأدلة: أدلة الشرع ونُصُوصه متفقة غير مختلفة، سالمة من الاختلاف والاضطراب والتناقض، ولا يعارض بعضها بعضًا، كما أَنَّ الأدلة الشرعية لا تعارض العقل، بل العقل الصريح موافق للنقل الصَّحِيح.

стр. 490

ولذا فما يوجد من تعارض بين أدلة الشرع فإنَّه بحسب ما يظهر للمستدل في بادئ النظر، أَمَّا في حقيقة الأمر فلا تعارض بينها؛ لأَنَّ التعارض يزول بالجمع أَوْ الترجيح بعد التأمل والتمحيص (١). * * *

стр. 491

المطلب الثاني طرق دفع التعارض إذا ظهر للناظر في الأدلة تعارض بينها فسبيل إزالة ذلك التعارض بأحد طرق ثلاثة، هي: الجمع، أَوْ الترجيح، أَوْ النسخ (١). والمراد بالجمع: حمل كل واحد من الدليلين على وجه يجري به إعماله، كأَنْ يحمل واحد على زمان، والآخر على زمان آخر، أَوْ يحمل كل واحد على حال، والأحوال كثيرة، أَوْ يكون أحدهما عامًّا والآخر خَاصًّا، أَوْ أحدهما مطلقًا والآخر مقيدًا (٢). قال الطوفي (ت: ٧١٦ هـ): "والصواب تقديم الجمع على الترجيح ما أمكن، إلَّا أَنْ يفضي الجمع إلى تكليفٍ يغلب على الظن براءة الشرع منه، ويبعد أَنّه قصده، فيتعين الترجيح

стр. 492

ابتداءً" (١)، وقال في موضع آخر: "وسواء كان الجمع بينهما قويًّا ظاهرًا، أَوْ ضعيفًا خفيًا؛ لأَنَّ حمل النَّصّ على معنى خفي أولى من تعطيله بكل حال" (٢). والمراد بالترجيح: تقديم أحد دليلي الحكم على الآخر لاختصاصه بقوة في الدلالة (٣). أَمَّا النسخ فقد سبق تعريفه وشيء من أحكامه (٤). * * *

стр. 493

المطلب الثالث ترتيب طرق دفع التعارض إذا حصل تعارض بين الأدلة فإنَّ النظر بين طرق دفع التعارض يكون حسب الترتيب الآتي (١): ١ - الجمع بين الأدلة، وهو المتعين ما أمكن. ٢ - النسخ، وذلك إذا تعذر الجمع، وعلم تاريخ سَبْقِ أحد الدليلين، فيكون الثاني ناسخًا للأول. ٣ - الترجيح، وذلك إذا تعذر الجمع بينهما، وتعذر النسخ لعدم معرفة السابق من الدليلين. * * *

стр. 494

المطلب الرابع الطرق المعينة على درء التعارض بين الأدلة يعين على درء التعارض بين الأدلة أمور، منها (١): ١ - التثبت من صِحَّة الدليل إذا كان خبرًا، والحذر من الأحاديث التي لا تصلح للاحتجاج، والتنبه مما يُدَّعى أنه إجماع وليس كذلك، والتثبت من صِحَّة الأقيسة والدلالة. ٢ - تتبع الأدلة من مصادرها الشرعية، والنظر إليها مجتمعة، ومراعاة خصوص الجزئيات في الأدلة الشرعية مع كلياتها وبالعكس، فالكلي لا ينخرم بجزئي ما، والجزئي محكوم عليه بالكلي ما لم يمنع مانع من جريانه، وهكذا تتبع روايات الأحاديث وألفاظها والقراءات الثابتة، فإنَّ بعض ذلك يفسر بعضًا، فيحمل العَامّ على الخَاصّ، والمطلق على المقيد، وغير ذلك من وجوه الجمع والترجيح.

стр. 495

٣ - العلم بلغة العرب وما فيها من أساليب، ودلالات، ومعانٍ، فإنَّ فهم النَّصّ وسياقه - سوابقه، ولواحقه، وحقيقته، ومجازه - مما يعين على معرفة درء التعارض وإزالته. * * * .
следующие страницы →