← Сияса и кади

Сияса и кади · id 17810

توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية

عبد الله بن محمد الخنين

Полный текст (1 181 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

زوج منفق هو والد الطفل أغنت نفقتها وكسوتها للزوجية عن أجرة المثل للِإرضاع (١). ومثل إتلاف النفس خطأً فيه ديةٌ كاملة، وتتداخل جميع الأعضاء والمنافع المقدرة شرعًا فيه، أَمَّا لو أُتلِفت عدد من المنافع المقدرة شرعًا مع بقاء النفس واستقرارها بالعلاج ففي كل عضو أَوْ منفعة تلفت الديةُ المقدرة لها شرعًا، ولا يدخل بعضها في بعض. وهكذا لو ذهب العضو كاملًا ففيه الدية المقدرة له شرعًا، ويتداخل جسم العضو مع منفعته، أَمَّا لو ذهبت منفعته وبقى جسمه قائمًا ففي المنفعة الدية المقدرة شرعًا للعضو، مثل: العين، يذهب بصرها وتبقى قائمة ففي ذهاب البصر دية العضو كاملًا، ولو تلفت كلها لم يكن فيها سوى دية واحدة بجسمها، ومنفعتها للتداخل (٢). سابعًا: أنواع الواقعة الفقهية من جهة كونها قولًا أَوْ فعلًا أَوْ تركًا: وهي من هذه الجهة ثلاثة أنواع: ١ - الواقعة القولية: والمراد بها: ما كان من الوقائع قولًا، وذلك مثل البيع: وسائر العقود من الإِجارة، والسلم، والخيار، والقرض، والرهن،

стр. 562

والضمان، والحوالة، والصلح، والحجر، والوكالة، والشركة، والمساقاة، والعاريّة، والوديعة، والجعالة، والوقف، والهبة، والوصية، والنكاح، والرجعة، والقذف، وهكذا الإِقالة، وسائر التصرفات التي تستدعى إبطالًا أَوْ حَلًّا للعقد بالقول من الطلاق، واللعان، والظهار، وفسخ عقد البيع أَوْ الإِجارة أَوْ غيرهما من العقود (١). وهكذا ما اقتضي إظهارًا لحقٍّ، مثل الإِقرار، أَوْ ما ألزم المكلف به نفسه وهو غير واجب عليه بالشرع، كالنذر. ٢ - الواقعة الفعلية: والمراد بها: ما كان من الوقائع فعلًا، وذلك مثل الاحتشاش، والاحتطاب، والاصطياد، وأخذ اللقطة، وإحياء الموات، والإِتلاف، والغصب، والسرقة، والقتل، والزنى، وشرب المسكر والمخدر، والحرابة، ونحو ذلك (٢). ٣ - واقعة الترك: والمراد بها: ما كان من الوقائع تركًا، وذلك مثل: مَنْ منع فضل مائه عن إنسان حتَّى مات عطشًا وهو يعلم أَنه يموت إن لم يسقه

стр. 563

كان قاتلًا، وعليه القصاص عند المالكية (١) وابن حزم (ت: ٤٥٦ هـ) (٢)، والدية عند الحنابلة (٣)، وهكذا مَنْ ترك بهيمته حتَّى أفسدت مال غيره ضمنه على تفصيل في موضعه (٤)، ومن علم بجريمة مما لا يشرع الستر فيها وترك الإِبلاع عنها كان مستحقًا للتعزير، كمن رأى شخصًا يقتل آخر (٥). ثامنًا: أنواع الواقعة الفقهية من جهة كونها من فعل المكلف المتصرف أَوْ غيره من المكلفين: وهي من هذه الجهة نوعان، هما (٦): ١ - ما كان من فعل المكلف المتصرف: وذلك مثل: البيع، والإِجارة، والإِتلاف. ٢ - ما كان من فعل المكلف غير المتصرف: كالإِكراه الملجئ بغير حق من أجنبي من المتعاقدين، فإنَّه

стр. 564

فعل من غير المتعاقدين يؤدي إلى بطلان العقد، فمن أكره على البيع والإِقرار ولو من أجنبي لم يَصِحَّ ذلك البيع (١)، لكن من أكره على قتل غيره عمدًا لم يسقط ذلك القصاص عنه؛ لأَنَّه افتدى نفسه بغيره (٢). تاسعًا: أنواع الواقعة من جهة تنجيزها: وهي من هذه الجهة نوعان، هما (٣): ١ - الواقعة الناجزة: والمراد بها: ما صدر من الوقائع ناجزًا غير معلق بشرط، مثل: البيع، أَوْ الإِجارة، أَوْ الوقف إذا كان مطلقًا من شرط التعليق. ٢ - الواقعة المعلقة: والمراد بها: ما صدر من الوقائع معلقًا على شرط، مثل: الوصية، والوقف على شرط الوفاة (٤)، ومثل تعليق البيع على قدوم زيد، أَوْ رأسِ الشهر، أَوْ تعليق طلاق أمرأته بدخول الدار أَوْ الخروج منها، وفي بعض ذلك خلاف وتفصيل يرجع إليه في مظانّه. * * *

стр. 565

الفصل الأول أهمية الواقعة القضائية وأقسامها وفيه مبحثان: المبحث الأول: أهمية الواقعة القضائية. المبحث الثاني: أقسام الواقعة القضائية.

стр. 566

المبحث الأول أهمية الواقعة القضائية سبق أن بَيَّنَّا الحكم الشرعي الكلي، وأَنّه مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أَوْ تخييرًا، أَوْ صِحَّةً وبطلانًا، وبَيَّنَّا أَنَّ له سمتين، هما: العموم والتجريد (١)، لكن الحكم الكلي الفقهي بهذه الصفة يبقي نظريًا ساكنًا منزلًا في الأذهان، حتَّى إذا لامسته الواقعة القضائية حركته من سكونه وشخَّصته، فصار منزلًا على الأعيان والأشخاص، فالواقعة القضائية هي المحل الذي يعمل فيه الحكم الكلي، ومن هنا تأتي أهمية الواقعة القضائية؛ فهي التي تحرك الحكم الكلي الفقهي نحو تَوْصِيفها. يقول ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "الحاكم محتاج إلى ثلاثة أشياء لا يَصِحُّ له الحكم إلَّا بها: معرفة الأدلة، والأسباب، والبينات، فالأدلة تُعَرِّفه الحكم الشرعي الكلي، والأسباب تعرفه ثبوته في هذا المحل المعين أَوْ انتفاءه عنه، والبينات تعرفه طريق

стр. 567

الحكم عند التنازع، ومتى أخطأ في واحد من هذه الثلاثة أخطأ في الحكم، وجميع خطأ الحُكَّام مداره على الخطأ فيها أَوْ بعضها. مثال ذلك: إذا تنازع عنده اثنان في رد سلعة مشتراة بعيب، فحكمه موقوف على العلم بالدليل الشرعي الذي يسلط المشتري على الرد (١)، وهو إجماع الأمة المستند إلى حديث المصراة (٢) وغيره، وعلى العلم بالسبب المثبت بحكم الشارع في هذا البيع المعين (٣)، وهو كون هذا الوصف عيبًا يسلط الرد أَمْ ليس بعيب، وهذا لا يَتَوَقَّفُ العلم به على الشرع، بل على الحسّ، أَوْ العادة، أَوْ الخبر، ونحو ذلك، وعلى البينة التي هي طريق الحكم بين المتنازعين ... " (٤). وبهذا يتبين بأَنَّ الواقعة القضائية هي التي تحرك الحكم الكلي من عمومه وتجريده لِيَنْزِل على الوقائع فيشخصها، وتدب فيه الحركة بعد السكون؛ ذلك أَنَّ القاضي إنَّما يحكم ويلزم في الوقائع المعينة، يقول ابن تَيْمِيَّة (ت: ٧٢٨ هـ): "وحكام المسلمين

стр. 568

يحكمون في الأمور المعينة، ولا يحكمون في الأمور الكلية" (١). فالأحكام الكلية إنَّما شرعت لِتُنَزَّل على الوقائع المعينة، لا لتبقى عِلْمًا مطلقًا لا حقيقة له ولا واقع، يقول الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): " ... الشرائع إنَّما جاءت لتحكم على الفاعلين من جهة ما هم فاعلون" (٢)، ويقول في موضع آخر: "ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد (٣) لم تتنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن" (٤). ولذلك فإنَّه لا بُدَّ لكل حكم قضائي من مقدمتين؛ إحداهما: الحكم الكلي، والأخرى: الواقعة القضائية، فالثانية محل الحكم، والأولى حاكمة عليه (٥). * * *

стр. 569

المبحث الثاني أقسام الواقعة القضائية وفيه: * أقسامها من جهة التأثير وعدمه. * أقسامها من جهة كون المؤثرة مفردةً أَوْ مركبةً. * أقسامها من جهة كون المؤثرة أصليةً أَوْ بديلةً.

стр. 570

مدخل إنَّ الواقعة القضائية هي محل التَّوْصِيف، وقد قلنا في بيانها بأَنَّها الحادثة التي يقع فيها التنازع لدى القاضي تقتضي فصلًا بحكم ملزم، أَوْ صلحٍ عن تراض. وأساسها الوقائع الفقهية، ولذا فكل تقسيم قلناه هناك في أنواع الوقائع الفقهية يجري على الواقعة القضائية في جانب الحكم الكلي، غير أَنَّنا هنا نذكر أقسامًا تخص الواقعة القضائية بصفتها موضعًا للتنازع، وتنقسم من جهات مُتَعَدِّدَة، هي: أولًا: أقسام الواقعة القضائية من جهة التأثير وعدمه: وتنقسم من هذه الجهة ثلاثة أقسام، هي (١): ١ - الواقعة المختلطة:

стр. 571

والمراد بها: ما يقدمه الخصم مدعيًا أَوْ مدعى عليه للقاضي عند المخاصمة من دعوى، وإجابة، ودفوع، مشتملة على وقائع طردية ومؤثرة، فإذا قدمت هذه الوقائع كان على القاضي تنقيحها بإبقاء مؤثرها، وحذف طرديها. ٢ - الواقعة المؤثرة: والمراد بها: ما شهد له الشرع بالاعتبار والتأثير في الحكم القضائي من أقوال الخصوم، ودفوعِهم الواردة في الدعوى والمتعلقة بها. فإنَّ الدعوى يرد فيها وقائع كثيرة سواء في الدعوى والإِجابة، أَمْ الدفوع والمباحثات بين الخصمين، أَوْ من أحدهما، أَوْ كليهما مع القاضي، فما كان له تأثير في الحكم القضائي فهو المراد بالواقعة المؤثرة. ومن الوقائع المؤثرة ما هو مؤكد لا مؤسس، كاشتراط تسليم المبيع، والرد بالعيب، وسائر شروط مقتضى العقد (١). ومنها ما تأثيره مباشر، وذلك كأَنْ يدعى رجل أَنَّه اشترى من زيد داره، ويطلب تسليم الدار له، وينكر زيد هذا العقد، فهنا الواقعة المؤثرة هي شراء المدعي الدار، فيَنْصَبُّ الإِثبات عليها عند الإِنكار، ويمكن أَنْ نطلق على هذه الواقعة المؤثرة: الواقعة الأصلية.

стр. 572

كما أَنَّ من الوقائع المؤثرة ما يكون تأثيره غير مباشر، وهي الواقعة التي يكون ثبوتها موصلًا إلى ثبوت الواقعة مباشرة، وذلك هو شأن القرائن، كحيازة المشتري العين - أي وضع يده عليها- مدة دالة على حيازة المُلَّاك أملاكهم، ويمكن أَنْ نطلق على هذه الواقعة المؤثرة الواقعة التبعية. ٣ - الواقعة الطردية: والمراد بها: ما دَلَّ الشرع بأن لا مدخل ولا تأثير لها في الحكم القضائي من أقوال الخصم ودفوعه الواردة في الدعوى والإِجابة، فهي الوقائع والأوصاف التي لا ثمرة من وجودها أَوْ فقدها. فالخصم يذكر أمورًا وحوادث في الدعوى والإِجابة، ونجد أَنَّ بعضًا منها لا مدخل ولا تأثير له في الحكم أصالةً أَوْ تبعيةً، فهذا هو المراد بالواقعة الطردية. والوقائع الطردية منها ما هو طردي مطلقًا لا تأثير له في الحكم القضائي، كالأمور التي لا تدخلها الأحكام من العبادات صِحَّةً وفسادًا، ومسائل العلم الكلية، ومسائل العقيدة؛ كالرؤية، والفضائل، والمندوبات، والمكروهات، فهذه وقائع طردية مطلقًا لا يدخلها الحكم القضائي البتة (١). ومثل ما يذكره الخصم في دعواه أَوْ إجابتة ودفوعة من كون

стр. 573

الخصم أثناء التعاقد كان يشرب القهوة، أَوْ يلبس ثوبًا أبيض، ونحو ذلك من الهيئات والأحوال التي الأصل عدم تأثيرها في الحكم. ومن الوقائع الطردية ما هو طردي في موضع النزاع فقط ويكون مؤثرًا في نزاع آخر، وذلك كأَنْ يدّعي شخص جهالة العمل المتعاقد عليه في الجعالة، كما لو قال شخص: من رَدَّ ضالتي فله كذا، فإنَّ هذا الادعاء في الجعالة طردي؛ لأَنَّها تَصِحُّ ولو مع جهالة العمل، لكن لو ادعي ذلك في الإِجارة كان وصفًا مؤثرًا؛ لأَنَّ الإِجارة يشترط لها معرفة المنفعة إما بوصف أَوْ مشاهدة أَوْ عرف (١). وسيأتي في وسيلة تنقيح الوقائع بيان لطريقة تنقية وتخليص الوقائع، وتمييز مؤثرها والاعتداد به، وإلغاء طرديها. ثانيًا: أقسام الواقعة القضائية المؤثرة من جهة إفرادها وتركيبها: وتنقسم من هذه الجهة قسمين، هما: ١ - الواقعة المفردة: والمراد بها: ما كانت فيه الواقعة من باب واحد ولو تركبت من أوصاف مُتَعَدَّدَة، وذلك مثل: القتل العمد العدوان، فإنَّها واقعة مفردة، ولكن لها أوصاف مُتَعَدِّدَة هي: القتل، والعمد، والعدوان؛ فتركيبها فقهي لا قضائي.

стр. 574

٢ - الواقعة المركبة: والمراد بها: ما كانت فيه الواقعة من أبواب مُتَعَدِّدَة، وذلك مثل دعوى زيد (صاحب الحق) على عمرو (الضامن) بأَنَّ خالدًا (المضمون) مدينٌ له بمائة ألف ريال، فهذه الدعوى في حقيقتها مركبة من دعوى المدعي أَنَّ خالدًا مدين له، وأَنَّ عَمْرًا ضمنه؛ يقول ابن خلدون (ت: ٨٠٨ هـ): "وربما تركبت الواقعة من عدة أبواب فليفحص- يعني القاضي- عن ذلك وليميز لكل باب محله منها" (١). فدعوى الضمان والحوالة وما شابههما وقائع قضائية مركبة. ثالثًا: أقسام الواقعة القضائية المؤثرة من جهة كونها أصلية أَوْ بديلة: وتنقسم من هذه الجهة قسمين، هما: أصلية، وبديلة، وبيانهما فيما يلي: ١ - الواقعة الأصلية: والمراد بها: ما كان من الوقائع هو موضوع الادعاء أصلًا، مثل: أَنْ يطالب المدعي بأجرة داره على زيد من الناس.

стр. 575

٢ - الواقعة البديلة: والمراد بها: ما صَحَّ بدلًا عن الواقعة الأصلية محل الادعاء عند عدم ثبوتها، وذلك مثل: أَنْ يدعي شخص على آخر بأجرة داره، ولم يثبت عقد الإِجارة، ولكن ثبت أَنَّ المدعى عليه قد شغل الدار بمتاعه، فتَصِحُّ هذه الواقعة بدلًا عن الدعوى الأصلية، ويقضى له بأجرة المثل، ومن القواعد المقررة: أَنَّ البدل يقوم مقام المبدل إذا تعذر المبدل منه (١). ومثل ذلك- أيضًا-: أَنْ يدّعي شخص بالشفعة على جاره؛ لاشتراكهما في مسيل، فلا يثبت المسيل، لكن ثبت اشتراكهما في طريق غير نافذ، أَوْ ثبت اشتراكهما في أصل الملك على وجه الشيوع، فتَصِحُّ الواقعة البديلة، ويقضى بها عند ثبوتها. ومن ذلك: أَنْ يدعي إنسان على آخر ملكية العقار الذي تحت يده بسبب معين كالإِقطاع ولا يثبت هذا السبب، ويثبت سبب آخر موجب للملك كالإِحياء، فتَصِحُّ الواقعة البديلة عند ثبوتها ويقضى بها (٢)، فالعلة إذا خلفتها علة أخرى استمر الحكم مستندًا إلى الثانية (٣).

стр. 576

ومما تجدر الإِشارة إليه أَنَّ الواقعة البديلة لا بُدَّ من الادعاء بها إذا ظهرت وتمسك بها الخصم، أَمَّا إذا لم يتمسك بها الخصم مع علمه بها فلا يقضى له بها، إلَّا إذا كانت الدعوى في حق الله فلا يلزم الادعاء والتمسك بها؛ إذ يجوز سماع البينة على حق الله من غير تقدم دعوى. تنبيه: الواقعة المُوَصَّفَة ابتداءً: هناك نوع من الوقائع موصف ابتداءً، مثل: تحديد المثل في جزاء الصيد بأَنَّ في الضبع كبشًا، ومثل الهبة بقرينة دالة على قصد الإِثابة، وتَوْصِيفها بأَنَّها بيع لها أحكامه، فمثل هذا التَّوْصِيف إنَّما هو تَوْصِيف فقهي (١)، وعمل المفتي والقاضي فيه التحققُ من الواقعة، وتطبيقها على التَّوْصِيف الفقهي، فلا بُدَّ فيه من التَّوْصِيف الفتوي والقضائي. * * *

стр. 577

الفصل الثاني شروط الواقعة القضائية المؤثرة وتنقيحها وإثباتها واستنباطها وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: شروط الواقعة القضائية المؤثرة. المبحث الثاني: تنقيح الواقعة القضائية المؤثرة. المبحث الثالث: إثبات الواقعة القضائية المؤثرة. المبحث الرابع: استنباط الواقعة القضائية المؤثرة.

стр. 578

المبحث الأول شروط الواقعة القضائية المؤثرة وفيه الشروط الآتية، وهي: ١ - أَنْ تكون الواقعة بحق مشروع للمدعى فيه مصلحة. ٢ - أَنْ تكون الواقعة لازمة عند ثبوتها. ٣ - أَنْ تكون الواقعة متعلقة بالدعوى. ٤ - أَنْ تكون الواقعة محررة. ٥ - أَنْ تكون الواقعة ممكنة الوقوع.

стр. 579

الواقعة المؤثرة: هي الواقعة التي شهد لها الشرع بالتأثير في الحكم القضائي (١). وإذا استطعنا معرفة الواقعة المؤثرة بتحقق شروطها سهل علينا معرفة الطردية واستبعادها، ولا يتحقق تأثير الواقعة في الحكم القضائي إلَّا باستجماعها الشروط الآتية: ١ - أَنْ تكون الواقعة حقًّا مشروعًا للمدعي فيه مصلحة من جلب نفع أَوْ دفع ضرّ: فلا بُدَّ لتأثير الواقعة في الحكم القضائي وصلوحها للتَّوْصِيف من أَنْ تكون معتدًّا بها شرعًا، فالحقوق، والأملاك، وجميع الأسباب لا تؤثر بنفسها في الوقائع إلَّا إذا جعلها الشرع كذلك، فالشريعة حاكمة على كل شيء إفرادًا وتركيبًا (٢). والواقعة القضائية إذا كانت في شيء غير محترم شرعًا فإنَّها تفقد التأثير الإِيجابي في الحكم القضائي عند الجمهور، وذلك

стр. 580

كالمطالبة بمهر البغي، وحلوان الكاهن، والفوائد الربوية (١)، وخالف ابن تَيْمِيَّه (ت: ٧٢٨ هـ) في ذلك، فهو يرى أَنَّ ثمن الخمر لا يحلّ للخمَّار، فلا يقضى لبائع الخمر بثمنها قبل القبض، ولو أعطى مشتريها الثمنَ لبائعها لم يُحْكَم بردّه للبائع، بل يؤخذ ويصرف في مصالح المسلمين (٢)، وهو قول له قوة، وعليه يجوز الدعوى بالمال غير المحترم في مثل هذه الحالة، ويحكم به لبيت المال. وتجوز المطالبة بكل حق مباح - عينٍ أَوْ دَيْن- للمدعي فيه نفع أَوْ دفع ضرر ولو كان الضرر المدفوع متوقعًا لا واقعًا إذا عرف وقوعه عادة (٣). ولا تكون الواقعة مؤثرة إذا كانت الدعوى حيلة لا حقيقة فيها للتنازع (٤)، أَوْ كانت الدعوى غير مفيدة للمدعي، بل كانت لعبًا وتعنتًا (٥)، وأَمَّا دعاوى الحسبة فلا يشترط لتأثيرها مطالب له مصلحة خاصة (٦).

стр. 581

٢ - لزوم الواقعة عند ثبوتها: فالواقعة القضائية المؤثرة هي التي تلزم على فرض ثبوتها كالبيع، والإِجارة، ونحوها من العقود التي تلزم عند صدورها. أَمَّا الوقائع غير اللازمة كالهبة قبل القبض فلا تأثير لها في الحكم القضائي؛ لأَنَّه لا يَصِحُّ الإِلزام بها قبل قبضها كما هو مذهب الجمهور، خلافًا للمالكية (١). ٣ - أَنْ تكون الواقعة متعلقة بالدعوى: لا يكفي في الواقعة القضائية مشروعيتها، ولا لزومها، بل لا بُدَّ من تعلقها بالدعوى والمطالبة المرفوعة حالًا أمام القاضي، وإلَّا كانت هدرًا غير مؤثرة (٢)، وهذا يشمل الواقعةَ الأصلية، وهي الواقعة المتنازع فيها، والواقعةَ التبعية، وهي التي يؤدي ثبوتها إلى ثبوت الواقعة الأصلية المتنازع فيها، كالقرائن المتعلقة بالإِثبات، والتي يستنبط منها ثبوت الواقعة المؤثرة أَوْ نفيها (٣)، فكلها تُعَدُّ متعلقة بالدعوى، ويُخْرِج هذا الشرط الواقعة الطردية في موقع النزاع وإن

стр. 582

كانت مؤثرة في نزاع آخر غير منظور لدى القاضي حالًا، كجهالة المتعاقد عليه في الجعالة، فإنَّه عند النزاع في الجعالة يكون طرديًا، وعند النزاع في الإِجارة يكون مؤثرًا. ٤ - أَنْ تكون الواقعة محررة: وذلك بأَنْ تكون الواقعة القضائية محددة، وموصوفة، ومعرفًا بها تعريفًا ينافي الجهالة، فالواقعة إذا كانت مجهولة فلا تكون مؤثرة؛ لأنَّها غير مفيدة في الدعوى؛ لجهالتها، وعدمِ إمكان القضاء فيها، ولا سماع البينة عليها (١). فلا بُدَّ من تحديد العقار، وبيان عدد النقود وجنسها، ونحو ذلك مما يلزم في تحديد المتنازع عليه في وصفه الخارجي، واستثنى العلماء بعض الصور تَصِحُّ الدعوى بها مجهولة، وتكون مؤثرة مع جهالتها، وذلك كالوصية، وعوض الخلع، ونحوهما مما يَصِحُّ مجهولًا (٢)، وينظر في بيانه وتفسيره. وهكذا لا بُدَّ من بيان المدعى به في وصفه الشرعي، وذلك بأَنْ يذكر شروط عقد النكاح مثلًا إذا كانت الواقعة في دعوى نكاح

стр. 583

ابتداءً، لا استدامته، ولا يلزم ذكر شروط عقد بيع وإجارة؛ حملًا لهما على الصِّحَّة (١). ومتى جهلت الواقعة المؤثرة، ويُئِس من الوقوف عليها، أَوْ شق اعتبارها كانت كالمعدومة، لا تأثير لها ولو كان الأصل بقاءها (٢)، فلو ادعى المدعي بأَنَّه اشترى جزءًا مشاعًا من عقار حدَّده، ووصفه، ولكنه لم يذكر مقدار هذا الجزء- ثلثًا أَوْ ربعًا أَوْ أمتارًا معلومة مشاعة - فإنَّ هذه الواقعة لا تعتبر حتى يدعي المدعي بجزء معين. ٥ - أَنْ تكون الواقعة ممكنة الوقوع: فلا تكون الواقعة القضائية مؤثرة إلَّا إذا كانت ممكنة الوقوع، منفكة عما يكذبها شرعًا وعقلًا وحسًّا وعرفًا، وغير متناقضة مع أمر سبق صدوره من الخصم ومن في حكمه، أَمَّا إذا لم تنفك عما يكذبها من أحد هذه الوجوه فلا تكون مؤثرة. فمثال ما كُذِّب شرعًا: الدعوى بأكثر من النصيب الشرعي في المسألة الإِرثية، كأَنْ تدعي الأخت في مسألة انحصر الوارث فيها في أخت وأخ شقيقين بأَنَّ لها النصف، وليس لها إلا الثلث، لأَنَّ للذكر مثل حظ الأنثيين في مثل هذه الصورة.

стр. 584

ومثال ما كُذِّب عقلًا: من يدعي بأَنَّ زيدًا قتل أباه منذ عشرين عامًا، وسِنُّ المدعى عليه دونها. ومثال ما كُذِّب حسًا: أَنْ يدعي شخص بأَنَّ أباه قد قُتِل، وهو حيٌّ مشاهد. ومثال ما كُذِّب عرفًا: أَنْ يدعي بأَنَّه قد استأجر السلطان لحمل حزمة بقل ونحوه. ومثال ما كانت فيه الدعوى متناقضة مع أمر سبق صدوره من المدعي: أَنْ يدعي على شخص بأَنَّه قتل أباه منفردًا، ثم يدعي على آخر بالمشاركة، فلا تسمع الدعوى الثانية إلَّا أَنْ يدعي غلطًا ممكنًا في الأولى، فتسمع الثانية (١). * * *

стр. 585

المبحث الثاني تنقيح الواقعة القضائية المؤثرة وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: تعريف تنقيح الواقعة القضائية. المطلب الثاني: أهمية تنقيح الواقعة القضائية. المطلب الثالث: وسيلة تنقيح الواقعة القضائية. المطلب الرابع: تنقيح الواقعة القضائية ابتداءً وانتهاءً. المطلب الخامس: سير القاضي في تنقيح الواقعة القضائية.

стр. 586

المطلب الأول تعريف تنقيح الواقعة القضائية تعريف التنقيح والواقعة لغةً: التنقيح لغة: مأخوذ من (نقَّحت) - بتشديد القاف- مبالغة وتكثير. وأصلها (نَقَحَ) تَدُلُّ على تنحية شيء عن شيء، ونَقَحْتُ الشيء: خلَّصت جيده من رديئه، ونَقَحْتُ العود: نقَّيته من عقده - أي أزلت أُبَنَه- وتنقيح الشعر تهذيبه، وشِعْر منقَّح: أي مفتش ملقى عنه ما لا يصلح فيه (١). فالتنقيح في اللغة: التخليص والتهذيب (٢). أمَّا الواقعة: فقد سبق تعريفها لغة (٣).

стр. 587

المراد بتنقيح الواقعة القضائية المؤثرة: والمراد بتنقيح الواقعة القضائية المؤثرة هنا: تمحيص الوقائع القضائية المختلطة، وتخليصها من الأوصاف والوقائع الطردية التي لا مدخل لها ولا تأثير في تَوْصِيف الواقعة، والحكمِ فيها، وتعيينِ الوقائع والأوصاف المؤثرة في تَوْصِيف الواقعة القضائية والحكم فيها. فهو الاجتهاد في حذف بعض الوقائع والأوصاف من الوقائع القضائية المدَّعاة، والتي لا ثمرة في وجودها أَوْ فقدها، وتعيين بعضها للتَّوْصيف والحكم القضائي. وذلك بأَنْ تكون بعض الأوصاف والوقائع لا دخل لها في تَوْصِيف الواقعة ولا الحكم فيها، فتحذف حتى تتعين الأوصاف والوقائع المؤثرة في التَّوْصِيف، والحكمِ القضائي، فينظر في إثباتها وتقريرها وتَوْصِيفها. ومما تجدر الإِشارة إليه أَنَّ بعض الأوصاف والوقائع المؤثرة قد يسكت عنها الخصم فيلزم القاضي الاستفسار عنها حتى تتم صورة الواقعة المؤثرة (١).

стр. 588

ومن جمع في دعواه بين ما يتعلق به تَوْصِيف الواقعة والحكم فيها وبين ما لا يتعلق به ذلك فلا يعتد بما لا يتعلق به التَّوْصِيف والحكم القضائي، بل الاعتداد بما له تعلق بالتَّوْصِيف والحكم، فعلى القاضي الاجتهاد في تنقيح الواقعة حتى تكون بعد تنقيحها مهذبة مرتبة، كأَنَّه لم يذكر فيها سوى ما يتعلق به التَّوْصِيف والحكم القضائي (١). * * *

стр. 589

المطلب الثاني أهمية تنقيح الوقعة القضائية المؤثرة لتنقيح الوقائع القضائية أهمية كبيرة عند تَوْصيفها، فتنقيحها يبين ما يتعلق به الحكم فيعتد به، وما لا يتعلق به الحكم فيلغى، وبذلك يتمكن القاضي من تحديد الوقائع المؤثرة في الحكم أصليةً أَوْ تبعيةً، والنظرِ في إثباتها بطرق الحكم، وتَوْصِيفِها، والحكمِ فيها، وبدون ذلك قد يستطرد القاضي في إثبات بعض الوقائع غير المؤثرة، فيضيع جهده ووقته، ويتعب الخصوم، ويطول أمد الفصل في القضية في أمرٍ لا فائدة فيه. ولذلك فلا غرو أَنْ تتواصل كلمات العلماء وتقريراتهم على الاهتمام بتنقيح الواقعة، من ذلك: يقول الدبوسي (ت: ٤٣٠ هـ): "الأصل عند أبي حنيفة: أَنَّ من جمع في كلامه بين ما يتعلق به الحكم وما لا يتعلق به الحكم فلا عبرة لما لا يتعلق به الحكم، والعبرة لما يتعلق به الحكم والحكم يتعلق به، فكأَنَّه لم يذكر في كلامه سوى ما يتعلق به الحكم" (١).

стр. 590

ويقول الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) - فيما سماه بالدعوى الزائدة-: " ... أَنْ تكون الزيادة هدرًا غير مؤثرة، كقوله: ابتعت منه هذا العبد في بلد كذا، أَوْ في سوق كذا، فلا يؤثر في الدعوى، ويطرح للحاكم (١) سماعها" (٢). ويقول ابن عرفة (ت: ٨٠٣ هـ): "فقه القضاء والفتيا مبنيان على إعمال النظر في الصور الجزئية، وإدراكِ ما اشتملت عليه من الأوصاف الكائنة فيها، فيلغي طرديها، ويعمل معتبرها" (٣). ويقول ابن خلدون (ت: ٨٠٨ هـ): "وربما تركبت الواقعة من عدة أبواب، فليفحص عن ذلك، وليميز لكل باب محله منها، ثم ينقح الواقعة بأخذ ما يتعين اعتباره، وإلغاء ما لا مدخل له في الحكم بحذف، إن اختل زلت قدم الحاكم ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ٩ - ١١]، ثم يطبق الحكم العدل على ما ينقح له" (٤). ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم (ت: ١٣٨٩ هـ): "إنَّ القاضي

стр. 591

إذا جلس إليه الخصوم فعليه أَنْ يجتهد في كل طريق لإِيضاح وجه الحكم وتبيينه، وإيصالِ الحق إلى صاحبه ... ويستفسر من الخصوم عن كل ما تتطلبه القضية، ويحدد الدعوى، وهذا لا يتأتى غالبًا إلَّا بزيادة وإيضاحات ... فعلى القاضي أَنْ يسلك أقرب الطرق التي تنهي القضية، ولا يطيل على الخصوم الأخذ والرَّد، أَوْ يتركهم يتخبطون في وجهة غير مجدية، وهو يجد لهم طريقًا شرعية أقرب منها، وكل هذا من أعمال القاضي المسؤول عنها" (١). * * *

стр. 592

المطلب الثالث وسيلة تنقيح الواقعة القضائية المؤثرة إنَّ تنقيح الوقائع القضائية لإعمال مؤثرها وحذف وإلغاء طرديها بحيث تكون الواقعة المؤثرة بعد تنقيحها وكأَنَّه لم يرد فيها سوى الأوصاف والوقائع المؤثرة منقحةً مرتبةً مهذبةً - له وسيلته، وهي: التحليل، والمقابلة بين الحكم الكلي الفقهي وبين الوقائع القضائية المختلطة، فيحلل الحكم الكلي الفقهي إلى عناصره الأساس (المُعَرِّفَات، والحكم)، ومقابلتها بالوقائع القضائية المختلطة. فيقوم القاضي بتحديد الحكم الكلي الفقهي الملاقي للواقعة (١)، سواء كان نَصًّا من الكتاب والسنة، أَمْ كان من كلام أهل العلم، أَمْ اجتهد القاضي في تقريره وتأصيله على نحو ما بيَّنَّا سابقًا في تقرير الحكم الكلي.

стр. 593

ومن المهم الرجوع إلى النَّصّ المقرر للحكم الكلي، والتحقق من الشروط المقتضية له من مظانه، وعدم الاعتماد على حفظ القاضي له حتى لا يفوته شيء منه. وبعد ذلك يقوم القاضي بتحليل مُعَرِّفَات الحُكْم الكلي الفقهي الموجودة في النَّصّ الشرعي، والتي تُمَثِّل فروض الحكم الكلي وعناصره التنظيرية الكلية؛ من السبب والشرط وعدم المانع، ومن ثمَّ يعرض القاضي الواقعة القضائية على هذه الفروض والأوصاف والمُعَرِّفَات الكلية وصفًا وصفًا، فما قابل منها المؤثر فهو مؤثر نعتدُّ به، وما خلا من ذلك فهو الطردي الذي يحذف ويلغى (١)؛ وما ذلك إلَّا لأَنَّ تَوْصِيف الواقعة القضائية والحكم فيها يتم على مثال الحكم الكلي الفقهي، ومنه يتعرف على الوقائع مؤثِّرِها وطرديِّها، فعلى القاضي أَنْ يحدد الحكم الكلي، ومن ثم إجراء المقابلة بينه وبين الواقعة المختلطة، فما قابل المؤثر فهو المعتدُّ به، وما عداه فهو الطردي الذي يلغى ويهدر، مع لحظِ ما في الوقائع من شروط وتقسيم يقتضيها الحكم الكلي الفقهي. وهذه الوسيلة- أعني التحليل والمقابلة- كان فقهاؤنا يَهْدُون إليها من رام إجابة لسائل في فتوى ونحوها، يقول الإِمام الكرخي (ت: ٣٤٠ هـ): "إنَّ السائل إذا سأل سؤالًا ينبغي للمسؤول أَلَّا يجيب

стр. 594

على الإِطلاق والإِرسال، لكن ينظر فيه ويتفكر؛ إنَّه ينقسم إلى قسم واحد، أَوْ إلى قسمين، أَوْ أقسام، ثم يقابل في كل قسم حرفًا فحرفًا، ثم يعدل جوابه على ما يخرج إليه السؤال، وهذا الأصل تكثر منفعته؛ لأنَّه إذا أطلق الكلام فربما كان سريع الانتقاض؛ لأَنَّ اللفظ قلَّما يجري على عمومه" (١). * * *

стр. 595

المطلب الرابع تنقيح الواقعة القضائية المؤثرة ابتداءً وانتهاءً إنَّ تنقيح الوقائع يتم في حالتين، هما: التنقيح الابتدائي، والتنقيح النهائي، ونبين ذلك فيما يلي: أولًا: التنقيح الابتدائي: المراد به: تخليص الوقائع القضائية من الوقائع الطردية بإلغائها وإبقاء الوقائع المؤثرة في بداية الدعوى بعد استجواب الطرفين. والغرض منه: تهيئة الواقعة للتَّوْصِيف الابتدائي للنظر في إثباتها بطرق الحكم. وزمنه: بعد سماع الدعوى والإِجابة. إنَّ الخصمين عند رفع دعواهما للقاضي تكون وقائعهما مختلطة غالبًا، مشتملة على المؤثر والطردي من الوقائع، ولا يمكن القاضي السير في القضية إلَّا بعد تنقيح الوقائع المدعاة بإلغاء طرديها وإبقاء مؤثرها، فعلى القاضي القيام بهذا التنقيح بعد استجواب

стр. 596

الطرفين، وتمييزُ ما اتفقا عليه وما اختلفا فيه، تهيئةً للواقعة المؤثرة المختلف فيها للإثبات (١). يقول علي حيدر (كان حيًّا عام ١٣٢٧ هـ): "والقاضي يستمع أولًا دعوى المدعي ... ويوفق هذه الدعوى على إحدى المسائل الشرعية، فيستوضح القيود والشروط اللازمة المقتضية" (٢). وفي التنقيح الابتدائي ربما كان للدعوى تَوْصِيف، وللإجابة تَوْصِيف مضادّ. ومما تجدر الإِشارة إليه أَنَّ التنقيح الابتدائي، قد يتغير عند التنقيح النهائي، فتضاف أوصاف مؤثرة، وتلغى أوصاف أخرى ظهرت طرديتها عند تنقيح الوقائع وتهيئتها للتَوْصِيف والحكم. فالتَّوْصِيف الابتدائي أشبه بفتوى تصدر من القاضي في هذا المحل؛ تهيِّء الواقعة للإثبات، وللقاضي العدول عنها أَوْ تعديلها عند التَّوْصِيف النهائي. ثانيًا: التنقيح النهائي: المراد به: تخليص الوقائع والبينات القضائية بإبقاء مؤثرها وإلغاء طرديها بعد ختام المرافعة.

стр. 597

والغرض منه: تهيئة الواقعة للتَّوْصِيف النهائي، والحكمِ فيها. وزمنه: بعد ختام المرافعة بانتهاء استجواب الطرفين، وسماعِ دفوعهما وبيناتهما، والإِعذارِ (١) إليهما، أَوْ تعجيزهما (٢). فالقاضي بعد فراغه من سماع المرافعة يكون لديه وقائع من أقوال الخصوم ودفوعهم، ومن البينات وما يتعلق بها، ولا يمكنه تَوْصِيف الواقعة إلَّا بعد تهيئة وقائعها المؤثرة مهذبة مرتبة كأَنَّه لم يذكر معها سواها (٣)، ولا يكون ذلك إلا بالتنقيح. وهذا التنقيح هو المعتدّ به للتَوْصِيف الموضوعي النهائي، ويأتي على التنقيح الابتدائي بالتعديل والإِكمال. وسيأتي بيان لسير القاضي في تنقيح الوقائع القضائية في المطلب القادم. * * *

стр. 598

المطلب الخامس سير القاضي في تنقيح الواقعة القضائية المؤثرة إنَّ على القاضي بعد تلقي الدعوى والإِجابة تنقيحَ هذه الوقائع المختلطة، ويتم ذلك بتحديد الحكم الكلي الملاقي للواقعة المدعاة وتنقيحها على ضوئه بطريقة التحليل والمقابلة المارّ ذكرها، وبذلك يُبْقِي مؤثرها، ويلغي طرديها، ويستدعى ما سكت عنه الخصم من الوقائع المؤثرة بسؤاله عنها حتى تكتمل صورة الواقعة المؤثرة، ويكون ذلك في التنقيح الابتدائي الذي يتم بعد سماع الدعوى والإِجابة حتى يتسنى للقاضي السير في القضية، وإثبات وقائعها المؤثرة، وتقرير هذه الوقائع، واستخلاصها، واستنباط الأوصاف المؤثرة في التَّوْصِيف والحكم. وهكذا إذا انتهى القاضي من سماع البينات وتنقيحها، وأجرى ما يلزم نحوها، وختم المرافعة، وفَسّر الوقائع، وقرّر واستنبط الأوصاف المؤثرة في التَّوْصِيف والحكم القضائي، واستحضر الحكم الكلي الملاقي للواقعة- فإنَّه يقوم بتنقيح الوقائع على ضوء ذلك،

стр. 599

ولا يغني ما أجراه القاضي في التنقيح الابتدائي؛ لأنَّ التنقيح الابتدائي كان مبنيًا على كلام الخصمين، فهو أشبه بالفتيا في عدم لزومها. أَمَّا في التنقيح النهائي هنا فيراعى فيه ما يثبت من كلام الخصمين بطرق الحكم، وما استنبطه القاضي منها من الأوصاف المؤثرة، وطلبات الخصوم، مع مراعاة أصول التَّوْصِيف التي سوف يأتي ذكرها لاحقًا (١) - إن شاء الله-. على القاضي وهو ينظر في تنقيح الوقائع لإعمال مؤثرها وإلغاء طرديها أَنْ يتدرج في ذلك، فينظر في جميع الوقائع المقدمة من الطرفين، ثم بعد مقابلتها بالحكم الكلي الفقهي يجري تنقيحها باستبعاد طرديها، وإبقاء مؤثرها. ثم يجمع هذه الأوصاف المنقحة المؤثرة التي يتعلق بها الحكم ويرتبها حتى تصبح متآلفة متكاملة وكأَنَّها أوصاف جاءت مجتمعة فورًا واحدًا، مهذبة مرتبة، لم يُذكر معها سواها مما يتعلق بالحكم ويؤثر فيه، وهنا تكون الواقعة مُهَيَّئَةً للتَّوْصِيف بتحقيق مناط الحكم عليها، أي بتنزيل الحكم الكلي عليها. إنَّ سلوك القاضي هذا الطريق مما يعينه على استيعاب الأوصاف المؤثرة للواقعة، وعلى تَوْصِيفها تَوْصيفًا صحِيحًا ملاقيًا

стр. 600

ومطابقًا للحكم الكلي الفقهي، ومتى غفل عن تنقيح الوقائع فإنَّ تَوْصِيفه للواقعة القضائية سوف يكون عرضة للانتقاض؛ لأَنَّه ربما بنى تَوْصِيفه للواقعة على الأوصاف الطردية المحتفة بالواقعة، وغفل عن أوصافها المؤثرة (١). وعلى القاضي عند تنقيح الوقائع القضائية أَنْ يجتهد في إعمال فكره، على التقاط الأوصاف، والصور، والوقائع المؤثرة، وتمييز الفروق المقررة. * * *
следующие страницы →