الطرفين، وتمييزُ ما اتفقا عليه وما اختلفا فيه، تهيئةً للواقعة المؤثرة المختلف فيها للإثبات (١).
يقول علي حيدر (كان حيًّا عام ١٣٢٧ هـ): "والقاضي يستمع أولًا دعوى المدعي ... ويوفق هذه الدعوى على إحدى المسائل الشرعية، فيستوضح القيود والشروط اللازمة المقتضية" (٢).
وفي التنقيح الابتدائي ربما كان للدعوى تَوْصِيف، وللإجابة تَوْصِيف مضادّ.
ومما تجدر الإِشارة إليه أَنَّ التنقيح الابتدائي، قد يتغير عند التنقيح النهائي، فتضاف أوصاف مؤثرة، وتلغى أوصاف أخرى ظهرت طرديتها عند تنقيح الوقائع وتهيئتها للتَوْصِيف والحكم.
فالتَّوْصِيف الابتدائي أشبه بفتوى تصدر من القاضي في هذا المحل؛ تهيِّء الواقعة للإثبات، وللقاضي العدول عنها أَوْ تعديلها عند التَّوْصِيف النهائي.
ثانيًا: التنقيح النهائي:
المراد به: تخليص الوقائع والبينات القضائية بإبقاء مؤثرها وإلغاء طرديها بعد ختام المرافعة.
стр. 597
والغرض منه: تهيئة الواقعة للتَّوْصِيف النهائي، والحكمِ فيها.
وزمنه: بعد ختام المرافعة بانتهاء استجواب الطرفين، وسماعِ دفوعهما وبيناتهما، والإِعذارِ (١) إليهما، أَوْ تعجيزهما (٢).
فالقاضي بعد فراغه من سماع المرافعة يكون لديه وقائع من أقوال الخصوم ودفوعهم، ومن البينات وما يتعلق بها، ولا يمكنه تَوْصِيف الواقعة إلَّا بعد تهيئة وقائعها المؤثرة مهذبة مرتبة كأَنَّه لم يذكر معها سواها (٣)، ولا يكون ذلك إلا بالتنقيح. وهذا التنقيح هو المعتدّ به للتَوْصِيف الموضوعي النهائي، ويأتي على التنقيح الابتدائي بالتعديل والإِكمال.
وسيأتي بيان لسير القاضي في تنقيح الوقائع القضائية في المطلب القادم.
* * *
стр. 598
المطلب الخامس سير القاضي في تنقيح الواقعة القضائية المؤثرة
إنَّ على القاضي بعد تلقي الدعوى والإِجابة تنقيحَ هذه الوقائع المختلطة، ويتم ذلك بتحديد الحكم الكلي الملاقي للواقعة المدعاة وتنقيحها على ضوئه بطريقة التحليل والمقابلة المارّ ذكرها، وبذلك يُبْقِي مؤثرها، ويلغي طرديها، ويستدعى ما سكت عنه الخصم من الوقائع المؤثرة بسؤاله عنها حتى تكتمل صورة الواقعة المؤثرة، ويكون ذلك في التنقيح الابتدائي الذي يتم بعد سماع الدعوى والإِجابة حتى يتسنى للقاضي السير في القضية، وإثبات وقائعها المؤثرة، وتقرير هذه الوقائع، واستخلاصها، واستنباط الأوصاف المؤثرة في التَّوْصِيف والحكم.
وهكذا إذا انتهى القاضي من سماع البينات وتنقيحها، وأجرى ما يلزم نحوها، وختم المرافعة، وفَسّر الوقائع، وقرّر واستنبط الأوصاف المؤثرة في التَّوْصِيف والحكم القضائي، واستحضر الحكم الكلي الملاقي للواقعة- فإنَّه يقوم بتنقيح الوقائع على ضوء ذلك،
стр. 599
ولا يغني ما أجراه القاضي في التنقيح الابتدائي؛ لأنَّ التنقيح الابتدائي كان مبنيًا على كلام الخصمين، فهو أشبه بالفتيا في عدم لزومها.
أَمَّا في التنقيح النهائي هنا فيراعى فيه ما يثبت من كلام الخصمين بطرق الحكم، وما استنبطه القاضي منها من الأوصاف المؤثرة، وطلبات الخصوم، مع مراعاة أصول التَّوْصِيف التي سوف يأتي ذكرها لاحقًا (١) - إن شاء الله-.
على القاضي وهو ينظر في تنقيح الوقائع لإعمال مؤثرها وإلغاء طرديها أَنْ يتدرج في ذلك، فينظر في جميع الوقائع المقدمة من الطرفين، ثم بعد مقابلتها بالحكم الكلي الفقهي يجري تنقيحها باستبعاد طرديها، وإبقاء مؤثرها.
ثم يجمع هذه الأوصاف المنقحة المؤثرة التي يتعلق بها الحكم ويرتبها حتى تصبح متآلفة متكاملة وكأَنَّها أوصاف جاءت مجتمعة فورًا واحدًا، مهذبة مرتبة، لم يُذكر معها سواها مما يتعلق بالحكم ويؤثر فيه، وهنا تكون الواقعة مُهَيَّئَةً للتَّوْصِيف بتحقيق مناط الحكم عليها، أي بتنزيل الحكم الكلي عليها.
إنَّ سلوك القاضي هذا الطريق مما يعينه على استيعاب الأوصاف المؤثرة للواقعة، وعلى تَوْصِيفها تَوْصيفًا صحِيحًا ملاقيًا
стр. 600
ومطابقًا للحكم الكلي الفقهي، ومتى غفل عن تنقيح الوقائع فإنَّ تَوْصِيفه للواقعة القضائية سوف يكون عرضة للانتقاض؛ لأَنَّه ربما بنى تَوْصِيفه للواقعة على الأوصاف الطردية المحتفة بالواقعة، وغفل عن أوصافها المؤثرة (١).
وعلى القاضي عند تنقيح الوقائع القضائية أَنْ يجتهد في إعمال فكره، على التقاط الأوصاف، والصور، والوقائع المؤثرة، وتمييز الفروق المقررة.
* * *
стр. 601
المبحث الثالث إثبات الواقعة القضائية المؤثرة
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: المراد بإثبات الواقعة القضائية ومشروعيته.
المطلب الثاني: شروط الواقعة القضائية المثبتة.
المطلب الثالث: ضوابط طرق إثبات الواقعة القضائية.
المطلب الرابع: اجتهاد القاضي في قبول طرق الإِثبات وردّها.
стр. 602
المطلب الأول المراد بإثبات الواقعة القضائية ومشروعيته
المراد بإثبات الواقعة القضائية:
المراد به: تحقق الوجود الحسي للواقعة القضائية المؤثرة بطرق الحكم المقررة، من الإِقرار، والكتابة، والشهادة، وغيرها من طرق الحكم.
فهنا يقوم القاضي بالتحقق من وجود الواقعة المدعاة حسًّا بإثباتها بطرق الحكم، وسواء ثبت الوجود الحسي مباشرة كإثبات واقعة البيع ممن شاهدها وحضرها، أَوْ إثباتها عن طريق الوقائع التبعية من القرائن كإثبات وجود العين في يد المدعى عليه؛ ليتوصل بذلك على أنَّه هو مالكها، ولذلك قال العلماء في تعريف الإِثبات بأنَّه: إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددتها الشريعة على حق أَوْ واقعة معينة تترتب عليها آثار شرعية (١).
стр. 603
أمَّا الوجود المعنوي للواقعة القضائية: فهو تأثيرها في الحكم، وقد سبق تعريف الواقعة المؤثرة (١)، وهو الوجود المعنوي للواقعة.
مشروعية إثبات الواقعة القضائية:
القضاء لا يقوم على الثقة بكلام الخصم- المدعي أَوْ المدعى عليه-، بل الأصل أَنَّ ما يدعيه الخصم غير ثابت بمجرد قوله، ولذا جاءت الحاجة إلى إثبات الوقائع المؤثرة في الحكم بطرقه المقررة (٢)، وقد أمر الله- في كتابه بكتابة الديون والحقوق، قال - تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ففي هذه الآية الأمر بكتابة الدين، وذلك صيانة له من الجحود، وحفظًا له من الإِنكار عند الخصومة.
وفي قصة خصومة الحضرمي والكندي حين ادعى الحضرمي على الكندي بأَنَّه غلبه على أرض كانت لأبيه، فرد الكندي على الدعوى بأَنَّ الأرض أرضه وفي يده يزرعها وأنّه ليس للمدعي فيها حق، فقال النبي ﷺ : "ألك بينه؟ قال: لا، قال: فلك يمينه" (٣)، فلا بُدَّ للقاضي من العلم بما يقع، ثم يحكم بما يجب (٤)، وطريق العلم بما يقع هو البينة المثبتة للواقعة.
стр. 604
فعلى القاضي الاجتهاد، والتثبت من الوقائع، وتتبع طرق ثبوتها من البينات الشرعية الدالة عليها، فإنَّه لا يتم الحكم بالحق إلَّا بذلك؛ فعن عمرو بن العاص أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (١).
ومن الاجتهاد في القضاء بذلُ الوسع بالنظر في إثبات الوقائع والتحقق من وجودها أَوْ انتفائها.
قال الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): " ... لأنَّ الاجتهاد هذا بلاغ الجهد في تتبع وجوه الحكم، والنظر في مشتبهات الأدلة، والموازنة بين الحجج التي لها مدخل في تلك الحادثة" (٢).
* * *
стр. 605
المطلب الثاني شروط الواقعة القضائية المثبتة
المراد بالواقعة القضائية المثبتة:
هي الواقعة القضائية المؤثرة التي يسوغ إثباتها أصليةً أَوْ تبعيةً (١).
فهي الواقعة محل الإِثبات، أَوْ الواقعة التي يراد إثباتها.
والفرق بينها وبين الواقعة المؤثرة: أنَّ الواقعة المثبتة أخص من الواقعة المؤثرة، فكل واقعة صالحة للإثبات هي واقعة مؤثرة، وليس كل واقعة مؤثرة تصلح للإِثبات؛ ذلك أنَّ من الوقائع ما لا تحتاج للإِثبات؛ لإقرار الخصم بها، أَوْ لكونها متواترة، أَوْ يتعذر إثباتها، كنِيّة الإِنسان الباطنة، ونحو ذلك مما سوف يأتي بيانه وتوضيحه في شروط الواقعة المثبتة.
стр. 606
ويشترط للواقعة المثبتة شروط خمسة، هي:
١ - أَنْ تكون مؤثرة في الحكم القضائي.
٢ - ألَّا تكون معترفًا بها في الجملة.
٣ - أَلَّا تكون متواترة وما في حكمها.
٤ - ألَّا تكون من الأمور الباطنة التي يتعذر الاطّلاع عليها.
٥ - أَنْ تكون موجبة لا منفية.
وتفصيل هذه الشروط فيما يلي:
١ - أَنْ تكون الواقعة مؤثرة في الحكم القضائي، سواء كان تأثيرها أصليًّا أَمْ تبعيًّا، فلا يَصِحُّ للقاضي إثبات واقعة طردية غير مؤثرة في الدعوى؛ لما فيه من إضاعة لجهد القاضي، وإتعاب للخصوم، وإطالة أمد النزاع (١).
٢ - ألَّا تكون الواقعة معترفًا بها في الجملة، فإذا اعترف الخصم بها أغنى ذلك عن طلب إثباتها (٢)، لكن إذا كان في الشهادة زيادة فائدة على الإِقرار سُمِعت (٣).
مثال ذلك: أَنْ يكون على الميت ديون لعدد من الغرماء بعضها عليه بينة، والآخر لا بينة عليه، وماله لا يفي بديونه، والورثة كلهم
стр. 607
بالغون، ومقرون بالديون، فمن له بينة على دينه سمعت، وفائدة ذلك: تقديمه على سائر الغرماء ممن لم يثبت إلَّا بإقرار الورثة (١).
٣ - ألَّا تكون الواقعة متواترة وما في حكمها، فإذا تواترت الواقعة بحيث يشترك القاضي في العلم بها مع غيره من عموم الناس من بَرٍّ وفاجر ومسلم وغيره فهنا يستند القاضي عليها, ولا يطلب إثباتها (٢).
وذلك كالعلم بوجود مكة، والمدينة النبوية، والرياض، والقاهرة، ودمشق، ونحوهن من حواضر وعواصم العالم الإِسلامي وغيره.
وكالأمور العادية من تعاقب الليل والنهار، أَوْ الأمور العقلية، ككون المائة مع المائة تساوي مائتين، فكل ذلك يستند القاضي فيه إلى علمه، ولا يطلب إثباته.
ولا يدخل في ذلك الاشتهارالخاص، كشيوع وفاة شخص بين أفراد معينين، فهذا ليس من الوقائع المتواترة (٣)، وعليه العمل، فلا زال القضاة يطلبون الإِثبات على وفاة شخص، وحصر ورثته، ولو
стр. 608
كان ذلك مشتهرًا عند القاضي؛ لأَنَّ الشهرة الخاصة ليست كالتواتر العام.
٤ - ألَّا تكون الواقعة من الأمور الباطنة التي يتعذر الاطلاع عليها إذا كان الإِثبات بالشهادة، وذلك كنية الإِنسان الباطنة، فإنَّه إذا كان محل الإِثبات مما يتعذر الاطلاع عليه كالنية فلا وجه لسماع الشهادة عليه، ولذلك ذكر الفقهاء في غير موضع أَنَّ القول قول المدعي فيما نواه، فقالوا فيمن قضى بعض دينه، أَوْ أسقط عن مدينه بعض الدَّين الذي عليه، وكان ببعض الدَّين رهن أَوْ كفيل وبعضه بدون ذلك وقع قضاء البعض أَوْ إسقاطه عما نواه قاضٍ ومسقط؛ لأَنَّ تعيينه إليه ابتداءً، فلو نواه عما عليه الرهن، أَوْ ما به الكفيل، وهو بقدره انفك الرهن، وبرئ الكفيل، ويقبل قول المسقط والقاضي (المسلِّم) فيما نواه، ولا محل للبينة هنا؛ لأَنَّ نيته لا تعلم إلَّا من قبله.
كما ذكروا: أَنَّ الكناية في الطلاق يرجع فيها إلى نية المطلِّق؛ لأَنَّها لا تعلم إلَّا من جهته، ولا تمكن الشهادة عليها؛ لأَنَّها مستترة، لا يطلع عليها أحد غير المطلق.
وهكذا لو قال المدين لرب الدين: أحلتك بديني، أَوْ بالمال الذي قِبَل فلان، وادعى أحدهما أَنّه أريد بها الوكالة، وأنكر الآخر أَنْ يكون أريد بها الوكالة، فقول مدعي الوكالة؛ لأَنَّه يدعي بقاء الحق
стр. 609
على ما كان، وينكر انتقاله؛ فالأصل معه، قال الفقهاء: ولا موضع للبينة (الشهادة) هنا؛ لأَنَّهما لم يختلفا في لفظ يسمع، ولا فعل يرى، وإنَّما يدعي أحدهما بنيته، وهذا مما لا تشهد به البينة نفيًا ولا إثباتًا (١)، لكن لو أظهر ما نواه بلسانه، وقامت البينة على نطقه أخذنا بذلك، وهكذا لو قامت قرينة على مانواه أخذنا بذلك، كما في بيع الهازل، وتلجئة العقود، فإنَّها تثبت بالقرينة (٢)، لكن هنا يتوجه الإِثبات على الأمر الظاهر الذي يَدُلُّ على باطن الأمر.
٥ - أَنْ تكون الواقعة موجبة لا منفية إذا كان الإِثبات بالشهادة، إلَّا ما يستثنى.
والواقعة الموجبة هي المقتضية للإِثبات إيجابًا، ككون فلان مدين لفلان بكذا، أَوْ أَنَّ هذا العقار ملك لفلان.
والواقعة المنفية هي ما اقتضت نفيًا مطلقًا، ككون فلان غير مدين لفلان.
فالواقعة الموجبة هي التي تصلح بأَنْ تكون محلًا للإِثبات.
أَمَّا الواقعة المنفية فالأصل فيها: أَنَّ إثبات النفي بالشهادة
стр. 610
لا يَصِحُّ إذا لم يكن منضبطًا، ولا محددًا، ولا محصورًا، بل كان نفيًا مطلقًا (١).
وهناك ضوابط لإِثبات النفي في الشهادة أُبيّنُها في العنوان التالي.
تتمة: ضوابط إثبات النفي بالشهادة:
إذا كان النفي منضبطًا، ومحددًا، ومحصورًا جاز إثباته بالشهادة، ويظهر ذلك في صور ترجع إلى ضابطين، وبيانهما، وأمثلة لما يدخل تحتهما من صور (٢) فيما يلي:
الضابط الأول: أَنْ يكون النفي محددًا مما يحيط به علم الشاهد، ولذلك صور منها:
١ - أَنْ يضاف النفي إلى وقت مخصوص.
وذلك كأَنْ يشهد الشاهد بأَنَّ زيدًا لم يقتل عَمْرًا بالأمس؛ لأَنَّه
стр. 611
كان معه في البيت لم يفارقه، أَوْ يشهد بأَنَّني قد صحبت فلانًا في يوم كذا ولم يقذف فلانًا.
٢ - أَنْ يضاف النفي إلى مكان معين محصور.
وذلك كأَنْ يشهد الشاهد أَنّه لا يوجد في هذه القطعة من الأرض بناء.
٣ - أَنْ يضاف النفي إلى حالة محددة يمكن حصرها بالنفي،
وذلك كأَنْ يشهد الشاهد بأَنَّ فلانًا أقر لديه بأَنَّه لا يستحق على فلان شيئًا.
الضابط الثاني: أَنْ يكون المنفي مما يغلب على الظن حصوله بحكم العادة، أَوْ معرفة باطن الأمر، ولذلك صور منها:
١ - الشهادة على حصر الورثة بقوله: لا وارث له غيره، فإنَّه بحكم العادة يعرف ذلك جارهُ ومن له معرفة بباطن أمره.
٢ - الشهادة على الإِعسار بقوله: لا مال له زائدًا عن حاجته من نقود، ولا عقار، ولا متاع؛ فإنَّ هذا مما يعرفه من له معرفة بباطن أمر المعسر، والبينة فيه تثبت ما يظهر ويشاهد من حاله.
٣ - الشهادة على الغائب بأَنَّه لم يترك لزوجته نفقة، فإنَّه بحكم العادة يعرف ذلك جاره ومن له معرفة بباطن أمره.
٤ - الشهادة لزيد من الناس بأَنَّ الشيء الفلاني مُلكُه قد مَلَكَه بالإِحياء، ولم يخرجه عن ملكه بما يفوته عليه من بيع، أَوْ وقف، أَوْ هبة.
* * *
стр. 612
المطلب الثالث ضوابط طرق إثبات الواقعة القضائية
ونتناول فيه: المراد بطرق إثبات الوقائع، ثم ضو ابطها.
المراد بطرق إثبات الواقعة القضائية:
طرق إثبات الواقعة القضائية: البينة الشرعية، وهي كل ما أبان الحق وأظهره عند المنازعة لدى القاضي، بأي دليل كان مما شهد الشرع لأصله.
فطرق الإِثبات غير محصورة، بل كل ما أبان الحق وأظهره مما شهد الشرع لأصله فإنَّ القاضي يأخذ به لإِثبات الوقائع، سواء كان ذلك إقرارًا، أَمْ كتابة، أَمْ شهادة، أَمْ يمينًا، أَمْ نكولًا، أَمْ قرينة، أَمْ غيرها من طرق الحكم والإِثبات التي تبين الحق وتظهره، سواء مما تقرر بالكتاب والسنة، أَمْ استنبط العلماء مشروعيته منهما، أَمْ جدَّ من طرق ووسائل الإثبات والحكم مما شهد الشرع لأصله، كتحليل الدم، وبعض وسائل كشف الجريمة التي استجدت وغيرها، فإنَّ
стр. 613
طرق الحكم هي من أدلة وقوع معرفات الأحكام والتي لا تنحصر (١).
ضوابط طرق الإِثبات:
لطرق الحكم والإِثبات ضوابط عامة في الجملة تجب مراعاتها، وهي:
١ - أَنْ تتقدم البينة دعوى إن كانت في الحقوق الخاصة:
فلا تسمع البينة ولا يعمل بها إلَّا إذا وقعت بعد دعوى صَحِيحة، مستوفية لشروط صِحَّتِها؛ لأَنَّ القاضي إذا سمع الدعوى وجوابها فَهِمَ الواقعة واستطاع تحديد الأوصاف المؤثرة التي يتوجه عليها الإِثبات، وهذا جارٍ في الشهادة (٢) كما يجري في الأيمان (٣).
لكن دعوى الحسبة يجوز سماع الشهادة فيها من غير تقدم
стр. 614
دعوى، بل شهادة الشاهد بها تُعَدُّ دعوى (١)، ولذا تسمع بينة بطلاق على الزوج ولو أنكرته الزوجة (٢).
٢ - أَنْ يكون سماعها عند ذي ولاية مختص:
فلا تسمع البينة، ولا يعمل بها إلَّا إذا وقعت في مجلس القضاء عند مختص من قاض ومحكَّم؛ لأَنَّ الغرض من سماعها إعمالها، ولا يكون ذلك إلَّا من قِبَل المختص، وذلك جارٍ في الشهادة كما يجري في الأيمان (٣).
٣ - أَنْ يكون سماعها بحضور طرفي النزاع:
فلا تسمع البينة، ولا يعمل بها إذا سمعت في غيبة أحد الخصمين، بل لا بُدَّ من حضورهما مدعيًا ومدعى عليه؛ لأَنَّ حضور الخصمين عند أدائها مما يشعرهما بالاطمئنان على حسن أدائها، وهذا جار في الشهادة (٤)، والأيمان (٥).
стр. 615
وإذا كانت الدعوى على غائب ونحوه، أَوْ تَبَلَّغَ المدعى عليه بجلسة سماع البينة ولم يحضر سُمِعَت الشهادة من غير حضور المتخلف، ومتى حضر تُلِيَت عليه الشهادة (١)، وهكذا إذا أذن المشهود عليه بسماعها في غيبته جاز وسُمِعَت.
وإذا كان إثبات الشهادة عن طريق الاستخلاف، وطلب المشهود له أَوْ عليه حضور جلسة سماع الشهادة فله ذلك (٢)، وهكذا اليمين.
٤ - ألَّا يكذب البينة العقل أَوْ الحس أَوْ ظاهر الحال:
فإذا كذب البينةَ العقلُ، أَوْ الحس، أَوْ ظاهر الحال فلا يعمل بها، بل تهمل وتهدر، وهذا يجري في الشهادة، كما يجري في الأيمان، والإِقرار، يقول عبد العزيز بن عبد السلام (ت: ٦٦٠ هـ): "والقاعدة في الأخبار من الدعاوى، والشهادات، والأقارير، وغيرها: أَنَّ ما كذبه العقل، أَوْ جوزه وأحالته العادة فهو مردود، وأَمَّا ما أبعدته العادة من غير إحالة فله رُتَبٌ في البعد والقرب قد يختلف فيها، فما كان أبعد وقوعًا فهو أولى بالرد، وماكان أقرب وقوعًا فهو أولى بالقبول، وبينهما رُتَبٌ متفاوتة" (٣).
стр. 616
ومثال ما كذبه الحس: أَنْ تشهد بينة بأَنَّ محمدًا قتل زيدًا، وزيد هذا حيُّ.
ومثال ما كذبه العقل: أَنْ تشهد البينة بأَنَّ زيدًا قتل عَمْرًا قبل عشرين سنة، وسِنُّ زيد دونها.
ومثال ما كذبه ظاهر الحال: أَنْ تشهد بينة بشيء ترده العادة، مثل: أَنْ يشهد الشهود بأَنَّ فقيرًا قد أقرض مالًا عظيمًا لأحد الأغنياء، ويبعد عادة أَنْ يصيب الفقيرُ هذا المالَ في حياته (١).
٥ - أَنْ تحرر البينة محل الإِثبات:
فإذا لم تحرر البينة المثبتة محل الإِثبات، فتُبيّنُ قدره، وحدوده، وأوصافه المؤثرة في الحكم الرافعة للجهالة عن المثبت فلا تقبل، ويجري ذلك في الشهادة، فيحرر الشاهد شهادته، كما يحرر المدعي دعواه، وإذا كان المشهود عليه نحو عقار وتعذر عليه تحديده حين أداء الشهادة لدى القاضي وَقَفَ الشاهد مع أهل الخبرة على الشيء المشهود عليه، وبيَّنه بحضرتهم، ونقلوا ذلك للقاضي.
وإذا شهد الشاهد بنكاحٍ ذَكَرَ شروطه، أَوْ شهد بسرقة لإِقامة الحد بيَّن الشروط الموجبة له، وإذا سكت الشاهد عن بيان شيء من ذلك سَأَلَه القاضي عنه حتى تكون الشهادة مكررة معلومة المشهود عليه (٢).
стр. 617
وكما يجري ذلك في الشهادة فإنَّه يجري في الإِقرار، فيبين فيه المقرّ، والمقرّ له، والمقرّ به، فلو قال واحد من جماعة: في ذمة أحدنا لزيد مائة ألف لم يَصِحَّ، ولو قال المقرّ: في ذمتي مائة ألف ريال، وسكت، ولم يبين المستحق لم يَصِحَّ.
والإِقرار بدين ونحوه يَصِحُّ مجهولًا، ويطلب بيانه وتفسيره من المقرّ، أَوْ حسب العرف ونحوهما من وجوه التفسير والبيان.
وهكذا إذا كان الإِقرار في تصرف لا يَصِحُّ مع الجهالة فلا بُدَّ من بيانه، مثل البيع والإجارة، أَمَّا إذا صَحَّ مجهولًا، مثل عوض الخلع، والوصية فيَصِحُّ مع الجهالة (١).
كما يجري في الأيمان: بأَنْ تشتمل صيغة اليمين على بيان المحلوف عليه (٢).
٦ - أَنْ تكون البينة مشروعة في أصلها:
بأَنْ تكون معتدًّا بها شرعًا، فلا تكون البينة بطريق محرم،
стр. 618
كالسحر، والكهانة، والشعوذة، والأعراف والعادات الجاهلية المخالفة للشرع.
كما لا تكون فيما لا يشرع جنسه، كالأحلام، والرؤى؛ لأَنَّ رؤيا المنام لا تثبت بها الأحكام (١).
٧ - أَنْ تكون البينة منتجة:
فإذا كانت البينة غير منتجة (مؤثرة)، ولا فائدة تترتب عليها فإنَّها لا تقبل، ولا يعمل بها.
ومن ذلك: من شهد بأَنَّ عَمْرًا قد اشترى متاعًا من زيد لم تقبل هذه الشهادة على ملكية زيد للمبيع إلَّا إذا شهدت بأَنَّ زيدًا كان يملك المبيع (٢).
ومن شهد على إقرار مدعى عليه بموجب حدٍّ خارج مجلس القضاء لم تقبل هذه الشهادة فيما يوجب الحدّ؛ لأَنَ المقرّ لو أنكر، فهو رجوع عن الإِقرار، والرجوع عن الإِقرار فيما يوجب الحدّ مقبول، وهذا في الجملة (٣).
٨ - ألَّا يكون فيها تهمة للقاضي:
فإذا كان في البينة تهمة للقاضي فلا تقبل؛ صيانةً للقاضي، وحفظًا لحقوق المترافعين.
стр. 619
وذلك مثل: حكم القاضي بعلمه فيما يقع خارج مجلسه، ومكان حكمه (١).
ومثل: شهادة ابن القاضي، ومن لا تقبل شهادة القاضي له، فهذه الشهادة لا تقبل؛ لأَنَّ قبول القاضي لشهادتهم تزكية لهم، وليس له تزكيتهم (٢).
٩ - أَنْ تكون البينة موافقة للدعوى في المعنى إذا كانت في الحق الخاص:
فلا يعمل ببينة خالفت الدعوى في المعنى؛ لأَنَّ الدعوى إذا كانت في شيء، وجاء الإِثبات على شيء آخر انخرمت الموافقة بينهما، فلا يقضى للمدعي بما ادعاه؛ لأَنَّه لم تقم بينة عليه، ولا يقضى له بالبينة المخالفة لدعواه؛ لأَنَّه لم يَدَّعِ ما قامت عليه البينة، لكن لو عَدَّل المدعي طلبه موافقًا لما قامت عليه البينة قضي له بما قامت عليه البينة إذا ساغ تعديل الطلب، وإلَّا رفع به دعوى جديدة متى شاء (٣).
وهذا جارٍ في الإِقرار، والشهادة، واليمين.
стр. 620
ولذلك فإنَّ من ادُّعِي عليه بشيء فأقر بغيره لزمه المقرّ به إذا صدقه المقرّ له وادعى بذلك وساغ تعديل الطلب، والدعوى الأساس بحالها لا يقضى فيها بإقرار لم يطابق الدعوى.
ومن شهد شهوده بشهادة مخالفة للدعوى، كما لو ادعى دنانير فشهد شهوده بدراهم أَوْ العكس لم تقبل (١).
ويكفي في مطابقة الشهادة للدعوى أَنْ يكون المشهود به أقل من المدعي به، فلو ادعى بمائة ألف ريال وشهد الشهود بخمسين ألف ريال قُبِلَت وحكم بها في المقدار المشهود به.
ولا يضر اختلاف الشاهدين في مقدار المشهود به، بل يكمل البينة على الأقل، ويحلف على الباقي مع شاهد الأكثر (٢).
ولو شهد الشهود بحق زائد عن الدعوى لا شبهة في ثبوته فلا يكون ذلك مسقطًا للشهادة، بل للمدعي المطالبة بالزيادة إذا عدَّل الطلب في دعواه وساغ ذلك، فلو أقر الموقوف عليه أَنّه لا يستحق في هذا الوقف إلَّا مقدارًا معلومًا، ثم ظهر بشرط الواقف أَنّه يستحق أكثر حُكِمَ له بما ثبت، ولا يمنع ذلك إقراره المتقدم (٣).
وهكذا صفة اليمين، يجتهد القاضي في إعداد صيغتها بحسب
стр. 621
موافقتها للدعوى والجواب والدفوع وما يراه القاضي مظهرًا للحق (١).
أَمَّا حقوق الله فلا يشترط موافقة الدعوى للبينة؛ لأَنَّه لا يشترط لها سبق الدعوى، بل يقضي بما وافق البينة ولو خالف الدعوى؛ لأَنَّ شهادة الشاهد بحق لله يُعَدُّ دعوى به وشهادة (٢).
١٠ - أَنْ تعتمد البينة في تحملها على طريق شرعي:
البينة مظهرة للحق، فلا بُدَّ عند تحملها أَنْ تعتمد على طريق شرعي في هذا التحمل.
فالشاهد لا يشهد إلَّا بما يعلمه؛ إما برؤية، أَوْ سماع من مشهود عليه، أَوْ بشمّ، أَوْ ذوق، أَوْ لمس فيما طريقه ذلك، أَوْ باستفاضة فيما يتعذر علمه بدونها، أَوْ بغلبة ظن فيما يتعذر فيه الجزم، مثل: شهادة أهل الخبرة بقيم المتلفات ونحوها (٣).
والحالف يعتمد على علمه فيما يحلف عليه، كما يجوز أَنْ يعتمد على غالب ظنه فيما يحلف عليه من صدق شاهده، أَوْ رؤية خط أبيه بحق، أَوْ قرائن قوية يطمئن إليها كما في القسامة (٤).
стр. 622
١١ - أَنْ تستوفي البينة أحكامها المقررة:
فلا يعمل بالبينة إلَّا إذا استوفت أحكامها وشروطها المقررة في كل طريق ما يخصه من شروط وأحكام، فتستوفي الشهادة ما يلزم لها من نصاب وغيره، والكتابة تكون مأمونة من التزوير، وغير ذلك من الشروط، وهكذا في كل طريق من طرق الأحكام.
* * *
стр. 623
المطلب الرابع اجتهاد القاضي في قبول طرق الإِثبات وردها
إنَّ البينة (طريق الإِثبات) إذا قامت لدى القاضي سواء كان ذلك إقرارًا، أَمْ شهادة، أَمْ تقريرَ خبيرٍ، أَمْ قرينة، أَمْ غيرها، فالأصل وجوب إعمالها إذا استوفت ما يجب لها، فالحاكم أسير الحجج الشرعية (١) غير أَنَّ القاضي قد يلحظ وجهًا موجبًا لرد البينة، أَوْ قد تتعارض البينات لديه بين إقرار وقرينة، أَوْ شهادة وقرينة، ونحو ذلك من البينات، فهنا على القاضي الأخذ بما كان أقوى دلالة من البينات ولو كان ذلك بتقديم قرينة قوية على إقرار، أَوْ برد قرار خبير، ونحو ذلك، لكن لا بُدَّ في ذلك جميعه من تسبيب صَحِيح يبين فيه قوة ما أخذ به، ووهن ما عدل عنه، مراعيًا أصول إعمال البينات وردها، ودفع التعارض بينها عند ظهوره (٢)، ويَدُلُّ لذلك ما يلي:
стр. 624
١ - قوله -تعالى-: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ فقد جعل الله الرضا بالشهادة قيدًا على قبولها، وتقدير الرضا بها يرجع لاجتهاد القاضي قبولًا وردًا؛ طبقًا للقواعد المقررة شرعًا، يقول ابن العربي (ت: ٥٤٣ هـ) "قوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾ دليل على تفويض القبول في الشهادة إلى الحاكم؛ لأَنَّ الرضا معنى يكون في النفس بما يظهر إليها من الأمارات عليه، ويقوم من الدلائل المبينة له، ولا يكون غير هذا، فإنَّا لو جعلناه لغيره لما وصل إليه إلَّا بالاجتهاد، واجتهاده أولى من اجتهاد غيره ... قال علماؤنا -يعني علماء المالكية-: هذا دليل على جواز الاجتهاد والاستدلال بالأمارات والعلامات على ما خفي من المعاني والأحكام" (١).
٢ - قوله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦] , فدَلَّت الآية على أَنَّ خبر الفاسق لا يرد مطلقًا، ولا يقبل مطلقًا، بل يُتَثَبَّتُ منه، فإن ظهر صدقه أخذ به، وإن ظهر كذبه وجب رده، ولا يتوصل إلى ذلك إلَّا بالاجتهاد والنظر في البينة من القاضي.
يقول ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "والله سبحانه لم يأمر برد خبر
стр. 625
الفاسق، فلا يجوز رده مطلقًا، بل يتثبت فيه حتى يتبين: هل هو صادق أَوْ كاذب؟ فإن كان صادقًا قُبِلَ قوله وعمل به، وفسقه عليه، وإن كان كاذبًا رُدَّ خبره، ولم يلتفت إليه" (١)، وسر المسألة: أَنَّ مدار قبول الشهادة وردها على غلبة ظن الصدق وعدمه، وهذا لا يكون إلَّا بعد اجتهاد القاضي في ذلك.
٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ : "بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب، فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنَّما ذهب بابنك أنت، وقالت الأخرى: إنَّما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود ﵉ فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى لا تفعل- يرحمك الله- هو ابنها فقضى به للصغرى" (٢).
فقد قَدَّم سليمان هنا القرينة الحالية- وهي شفقة الصغرى على الابن-، قدمها على اعترافها بالابن للكبرى، وقضى به للصغرى، قال ابن القَيِّمِ: "فأي شيء أحسن من اعتبار هذه القرينة الظاهرة، فاستدل برضا الكبرى بذلك، وأَنَّها قصدت الاسترواح إلى التأسي بمساواة الصغرى في فَقْد ولدها، وبشفقة الصغرى عليه وامتناعها من
стр. 626
الرضا بذلك، على أَنَّها هي أمه، وأَنَّ الحامل لها على الامتناع هو ما قام بقلبها من الرحمة والشفقة التي وضعها الله في قلب الأم، وقويت هذه القرينة عنده حتى قدمها على إقرارها، فإنّه حكم به لها مع قولها: وابنها، وهذا هو الحق، فإنَّ الإِقرار إذا كان لعلة اطّلع عليها الحاكم لم يلتفت إليه" (١).
وقد ترجم الإِمام النسائي (ت: ٣٠٣ هـ) في السنن الكبرى على هذا الحديث بقوله: "الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم له إذا تبين للحاكم أَنَّ الحق غير ما اعترف به" (٢).
قال ابن القَيِّمِ معلقًا على هذه الترجمة: "فهكذا يكون الفهم عن الله ورسوله" (٣)، كما قال: "وهذا هو العلم استنباطًا ودليلًا" (٤).
فالقاضي يسعى جهده لإِيصال الحقوق لأصحابها, ولا يحول بينه وبين ذلك شهادة أَوْ إقرار إذا ظهر فيها الريبة، يقول ابن القَيِّمِ: "ولم يزل حذاق الحكام والولاة يستخرجون الحقوق بالفراسة، والأمارات، فإذا ظهرت لم يقدموا عليها شهادة تخالفها ولا إقرارًا" (٥).
стр. 627
لكن ذلك إنَّما يكون بأدلة توجبه وتبينه يذكرها القاضي في أسباب حكمه حتى يكون ذلك مقنعًا بصِحَّة الحكم حاملًا على قبوله، يقول ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): "فليس الإِسراع بالفصل بين الخصمين وحده محمودًا إذا لم يكن الفصل قاطعا لعود المنازعة، ومقنعًا في ظهور كونه صوابًا وعدلًا" (١).
وسِرُّ ذلك: أَنَّ القاضي لا يجوز له الاعتماد على غلبة الظن النفسي الذي لا يعتمد على دليل قضائي، بل لا بُدَّ من اعتماد القاضي في قبول البينات وردها على دليل قضائي يحدث غلبة ظن للقاضي في ترجيح أحد الجانبين على الآخر، يقول ابن دقيق العيد (ت: ٧٠٢ هـ): "لا يجوز الحكم إلَّا بالقانون الشرعي الذي رتب عليه وإن غلب على الظن صدق المدعي" (٢).
* * *
стр. 628
المبحث الرابع استنباط الواقعة القضائية المؤثرة
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف استنباط الواقعة القضائية المؤثرة.
المطلب الثاني: مشروعية استنباط الواقعة القضائية المؤثرة.
المطلب الثالث: شروط استنباط الواقعة القضائية المؤثرة.
стр. 629
المطلب الأول تعريف استنباط الواقعة القضائية المؤثرة
تعريف الاستنباط لغة واصطلاحًا:
الاستنباط في اللغة: الاستخراج، فيقال: استنبط الحافر الماء إذا استخرجه بعمله (١).
وهو عند الأصوليين: استخراج الحكم الكلي من الأدلة الشرعية بالاجتهاد (٢).
وسبق تعريف الواقعة لغة (٣).
المراد باستنباط الواقعة القضائية المؤثرة:
المراد باستنباط الواقعة القضائية المؤثرة: استخراج ثبوت الواقعة القضائية المؤثرة، أَوْ شيء من معانيها وأوصافها، سواء من
стр. 630
أقوال الخصوم أَمْ من بيناتهم، وذلك لتقرير وجودها الحسي، تهيئة لها للتَّوْصِيف.
فهو عمل يقوم به القاضي مكمل للإثبات، الغرض منه إثبات الوجود الحسي للواقعة بحيث تكون مهيئة للتَّوْصِيف، وهو عمل يستدعي من القاضي فهم الوقائع، ومن ثَمَّ استنباط حقيقة ما يقع من الأدلة والعلامات، فهو عمل يستدل فيه القاضي بالأمارات والعلامات على ثبوت الوقائع المؤثرة أَوْ شيء منها مما يقدمه الخصوم، وما يصدر عنهم من دعوى، وإجابة، ودفوع، وبينات، وذلك بواسطة طرق الاستدلال من الألفاظ، والتراكيب، والأفعال، والسكوت.
فيجمع القاضي في ذلك إعمال اللفظ، أَوْ الفعل، أَوْ السكوت، ومراعاة العلامات والدلالات، يقول ابن القَيَّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "ومعلوم أَنَّ ذلك -يعني الاستنباط- قدر زائد على مجرد فهم اللفظ؛ فإنَّ ذلك ليس طريقه الاستنباط؛ إذ موضوعات الألفاظ لا تنال بالاستنباط، وإنَّما تنال به العلل والمعاني، والأشباه والنظائر، ومقاصد المتكلم، والله -سبحانه- ذم من سمع ظاهرًا مجردًا فاذاعه وأفشاه، وحمد من استنبط من أولي العلم حقيقة معناه ... ومعلوم أنَّ هذا الفهم قدر زائد على معرفة موضوع اللفظ، وعمومه أَوْ خصوصه، فإنَّ هذا قدر مشترك بين سائر من يعرف لغة العرب، وإنَّما هذا
стр. 631
فهم لوازم المعنى، ونظائره، ومراد المتكلم بكلامه، ومعرفة حدود كلامه بحيث لا يدخل غير المراد، ولا يخرج منها شيء من المراد" (١).
* * *
стр. 632
المطلب الثاني مشروعية استنباط الواقعة القضائية المؤثرة
إنَّ الاستنباط- كما مَرَّ- عملية ذهنية يقوم بها القاضي لتقرير ثبوت الواقعة القضائية الحسي أَوْ شيء منها مما يؤثر في الحكم استنباطًا من كلام الخصوم، وأدلة ثبوت الواقعة، وقد دَلَّ على مشروعيته ما يلي:
١ - قوله -تعالى-: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
فقد جعل الله- للقاضي الرضا بالشهادة قبولًا وردًا، وهذا يؤكد وظيفته في الاستنباط والاستدلال؛ إذ الشهادة لا ترد إلَّا بموجب شرعي يطلب من القاضي النظر فيه، والاجتهاد في تقريره بحسب ما يظهر له من الاستدلال بالأمارات والعلامات على ثبوت الوقائع واستنباطها من طرق الحكم بواسطة طرق الاستدلال من
стр. 633
الألفاظ والتراكيب، وإذا صَحَّ ذلك في الشهادة قبولًا وردًا صَحَّ في غيره من الوقائع القضائية التي تحتاج إلى استدلال واستنباط.
يقول ابن العربي (ت: ٥٤٣ هـ): ، "قوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ دليل على تفويض القبول في الشهادة إلى الحاكم؛ لأنَّ الرضا معنىً يكون في النفس بما يظهر إليها من الأمارات عليه، ويقوم من الدلائل المبينة له، ولا يكون غير هذا، فإنَّا لو جعلناه لغيره لما وُصِلَ إليه إلَّا بالاجتهاد، واجتهاده أولى من اجتهاد غيره ... قال علماؤنا: هذا دليل على جواز الاجتهاد والاستدلال بالأمارات والعلامات على ما خفي من المعاني والأحكام" (١).
٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ : "بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنَّما ذهب بابنك أنتِ، وقالت الأخرى: إنَّما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود -عليه ما السلام - فأخبرتاه، فقال ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا تفعل- يرحمك الله- هو ابنها، فقضى به للصغرى" (٢).
فقد استنبط سليمان ﵇ من شفقة الصغرى،
стр. 634
وامتناعها من شق الابن، وموافقة الكبرى على شقه، استنبط منه أَنَّ الصغرى هي الأم؛ لتمام شفقتها على الابن، واستنبط من موافقة الكبرى على شقه ضد ذلك؛ إذ لو كانت أُمًّا لم توافق على شقه نصفين، واستدل بهذه القرينة القوية على تقرير الواقعة المذكورة، وهي بنوة المتنازع فيه للصغرى، وقدمها على الإِقرار (١).
قال ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "ولا أحسن من هذا الحكم وهذا الفهم وإذا لم يكن مثل هذا في الحاكم أضاع حقوق الناس" (٢).
وقد ترجم الإِمام النسائي (ت: ٣٠٣ هـ) على هذا الحديث في السنن الكبري (٣) بقوله: "اللهم في القضاء، والتدبير فيه، والحكم بالاستدلال".
وذكر النسائي الحديث مختصرًا، وقال في آخره: "فقال سليمان -يعني للكبرى-: لو كان ابنك لم ترضيْ أَنْ يقطع ... " (٤)، فهذا يؤكد مشروعية استنباط القاضي للمعاني والأحكام من طرق الحكم وأدلته.
فاستنباط المعاني المؤثرة في ثبوت الواقعة أَوْ شيء من
стр. 635
أوصافها عمل لا يسوغ للقاضي تركه؛ لأَنَّه لا يتمكن من تَوْصِيف الوقائع القضائية والحكم فيها إلَّا به، يقول ابن القَيَّمِ: "لا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلَّا بنوعين من الفهم؛ أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو حكم الله الذي حكم به في كتابه أَوْ على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر" (١).
وبالفهم ودقة الاستنباط يتوصل القاضي إلى حل ما أشكل، وفك ما أعضل، وبه فاق بعض القضاة بعضًا في استخراج الحق، وإيصاله لأصحابه، يقول ابن القَيِّمِ: "والذي اختص به إياس وشريح مع مشاركتهما لأهل عصرهما في العلم هو الفهم في الواقع، والاستدلال بالأمارات وشواهد الحال، وهذا الذي فات كثيرًا من الحكام فأضاعوا كثيرًا من الحقوق" (٢).
فهذا إياس بن معاوية (ت: ١١٢ هـ) أتته امرأتان تختصمان في كُبَّة غزل ليس معهما بينة، فَبَعَّدَ واحدة وقَرَّبَ الأخرى، فقال لها: على أي شيء كببت غزلك؟ قالت: على كسرة خبز، فَنَحَّاها وقرَّب الأخرى، فقال لها: على أي شيء كببت غزلك؟ قالت: على خرقة,