فهم لوازم المعنى، ونظائره، ومراد المتكلم بكلامه، ومعرفة حدود كلامه بحيث لا يدخل غير المراد، ولا يخرج منها شيء من المراد" (١).
* * *
стр. 632
المطلب الثاني مشروعية استنباط الواقعة القضائية المؤثرة
إنَّ الاستنباط- كما مَرَّ- عملية ذهنية يقوم بها القاضي لتقرير ثبوت الواقعة القضائية الحسي أَوْ شيء منها مما يؤثر في الحكم استنباطًا من كلام الخصوم، وأدلة ثبوت الواقعة، وقد دَلَّ على مشروعيته ما يلي:
١ - قوله -تعالى-: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
فقد جعل الله- للقاضي الرضا بالشهادة قبولًا وردًا، وهذا يؤكد وظيفته في الاستنباط والاستدلال؛ إذ الشهادة لا ترد إلَّا بموجب شرعي يطلب من القاضي النظر فيه، والاجتهاد في تقريره بحسب ما يظهر له من الاستدلال بالأمارات والعلامات على ثبوت الوقائع واستنباطها من طرق الحكم بواسطة طرق الاستدلال من
стр. 633
الألفاظ والتراكيب، وإذا صَحَّ ذلك في الشهادة قبولًا وردًا صَحَّ في غيره من الوقائع القضائية التي تحتاج إلى استدلال واستنباط.
يقول ابن العربي (ت: ٥٤٣ هـ): ، "قوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ دليل على تفويض القبول في الشهادة إلى الحاكم؛ لأنَّ الرضا معنىً يكون في النفس بما يظهر إليها من الأمارات عليه، ويقوم من الدلائل المبينة له، ولا يكون غير هذا، فإنَّا لو جعلناه لغيره لما وُصِلَ إليه إلَّا بالاجتهاد، واجتهاده أولى من اجتهاد غيره ... قال علماؤنا: هذا دليل على جواز الاجتهاد والاستدلال بالأمارات والعلامات على ما خفي من المعاني والأحكام" (١).
٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ : "بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنَّما ذهب بابنك أنتِ، وقالت الأخرى: إنَّما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود -عليه ما السلام - فأخبرتاه، فقال ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا تفعل- يرحمك الله- هو ابنها، فقضى به للصغرى" (٢).
فقد استنبط سليمان ﵇ من شفقة الصغرى،
стр. 634
وامتناعها من شق الابن، وموافقة الكبرى على شقه، استنبط منه أَنَّ الصغرى هي الأم؛ لتمام شفقتها على الابن، واستنبط من موافقة الكبرى على شقه ضد ذلك؛ إذ لو كانت أُمًّا لم توافق على شقه نصفين، واستدل بهذه القرينة القوية على تقرير الواقعة المذكورة، وهي بنوة المتنازع فيه للصغرى، وقدمها على الإِقرار (١).
قال ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "ولا أحسن من هذا الحكم وهذا الفهم وإذا لم يكن مثل هذا في الحاكم أضاع حقوق الناس" (٢).
وقد ترجم الإِمام النسائي (ت: ٣٠٣ هـ) على هذا الحديث في السنن الكبري (٣) بقوله: "اللهم في القضاء، والتدبير فيه، والحكم بالاستدلال".
وذكر النسائي الحديث مختصرًا، وقال في آخره: "فقال سليمان -يعني للكبرى-: لو كان ابنك لم ترضيْ أَنْ يقطع ... " (٤)، فهذا يؤكد مشروعية استنباط القاضي للمعاني والأحكام من طرق الحكم وأدلته.
فاستنباط المعاني المؤثرة في ثبوت الواقعة أَوْ شيء من
стр. 635
أوصافها عمل لا يسوغ للقاضي تركه؛ لأَنَّه لا يتمكن من تَوْصِيف الوقائع القضائية والحكم فيها إلَّا به، يقول ابن القَيَّمِ: "لا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلَّا بنوعين من الفهم؛ أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو حكم الله الذي حكم به في كتابه أَوْ على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر" (١).
وبالفهم ودقة الاستنباط يتوصل القاضي إلى حل ما أشكل، وفك ما أعضل، وبه فاق بعض القضاة بعضًا في استخراج الحق، وإيصاله لأصحابه، يقول ابن القَيِّمِ: "والذي اختص به إياس وشريح مع مشاركتهما لأهل عصرهما في العلم هو الفهم في الواقع، والاستدلال بالأمارات وشواهد الحال، وهذا الذي فات كثيرًا من الحكام فأضاعوا كثيرًا من الحقوق" (٢).
فهذا إياس بن معاوية (ت: ١١٢ هـ) أتته امرأتان تختصمان في كُبَّة غزل ليس معهما بينة، فَبَعَّدَ واحدة وقَرَّبَ الأخرى، فقال لها: على أي شيء كببت غزلك؟ قالت: على كسرة خبز، فَنَحَّاها وقرَّب الأخرى، فقال لها: على أي شيء كببت غزلك؟ قالت: على خرقة,
стр. 636
فأمر بالكبة فنفضت فإذا هي على كسرة خبز، فلما بلغ ذلك محمد بن سيرين، قال: ويحًا له ما أفهمه! ويحًا له ما أفهمه! (١).
فاستنبط إياس من تَحَاتّ الخبز من الكبة أَن صاحبتها هي التي طابق وصفها حال الكبة، ونفى ذلك عن الأخرى.
وتخاصم رجلان عند إياس بن معاوية في قطيفتين؛ إحداهما حمراء، والأخرى خضراء، جعل أحدهما قطيفته عند قطيفة صاحبه ودخل الحمام، فخرج أحدهما قبل صاحبه، وادعى صاحبه بأَنَّه أخذ قطيفته ومضى بها، وأنه طلب منه إعادتها، فزعم أَنَّها قطيفته، ولا بينة لأحدهما، فقال إياس: ائتوني بمشط، فأُتي به، فسرَّح رأس هذا ورأس هذا، فخرج من رأس أحدهما صوف أحمر، ومن رأس الآخر صوف أخضر، فقضى بالقطيفة الحمراء للذي خرج من رأسه الصوف الأحمر، وبالقطيفة الخضراء للذي خرج من رأسه الصوف الأخضر (٢).
فاستنبط إياس من مشاكلة الصوف الذي خرج من رأس كل واحد من الرجلين للون القطيفة بأنَّه صاحبها، وقضى بذلك.
* * *
стр. 637
المطلب الثالث شروط استنباط الواقعة القضائية المؤثرة
إنَّ القاضي وهو في سبيل تقرير ثبوت الواقعة المؤثرة أَوْ شيء من أوصافها لتهيئتها للتَّوْصِيف قد يستنبط وقوعها من أقوال الخصوم ودفوعهم وبيناتهم، ولذا وجب أَنْ تتوفر في الاستنباط الشروط الآتية (١):
١ - أَنْ يشهد الشرع للمعنى المستنبط، فلا يعتد باستنباط لا يقرر حقيقة شهد لها الشرع.
٢ - أَنْ يكون المعنى المستنبط مؤثرًا في تَوْصِيف الواقعة المتنازع فيها بحيث يؤدي إلى ثبوت الواقعة القضائية المؤثرة، أَوْ
стр. 638
أحد أوصافها فلا يعتد باستنباط ثبوت وصف مؤثر شهد الشرع بالاعتداد به ولكنه لا يتعلق بموضع النزاع.
٣ - ألَّا يعارض المعنى المستنبط ما هو أقوى منه من العلل والمعاني التي تؤدي إلى نفي الواقعة المؤثرة أَوْ المعنى المستنبط لأجل ثبوتها، فمثلًا: يستدل على القتل العمد بالآلة المستخدمة في القتل؛ فمن قتل شخصًا بمسدس كان ذلك دالًّا على العمدية في القتل، لكن لو عارض هذا قرائن قوية أَوْ بينة تَدُل على أنَّ القاتل لم يقصد القتل وإنَّما انطلقت الرصاصة من المسدس خطأ- عمل بذلك، وكان القتل خطأ.
٤ - أَنْ يكون الاستنباط كافيًا، مبينًا فيه المعنى المستنبط، والأدلة والوقائع المستفاد منها، والرد على ما يعارضه من أقوال الخصوم ودفوعهم وبيناتهم، ولا يكون مجرد ظن ضعيف ولا خارجًا عن طرق الاستدلال المقررة شرعًا في تفسير الوقائع من دلالة النَّصّ والظاهر، وبيان المجمل، والجمع بين الوقائع عند تعارضها، فلا ينتقل القاضي من معنى راجح إلى معنى دونه دون أَنْ يكون لذلك مسوغ يبينه، ولا من مفهوم مع ظهور منطوق يعارضه، ولا يهجم على تفسير مجمل من غير توضيح مُبيّنِه، ولا صارفًا الدلالة الأصلية للأمر والنهي إلى معنى آخر من غير بيان الدليل الذي يعضده، ولا مقررًا نسخ واقعة أَوْ دليل من غير بيان مستنده.
стр. 639
٥ - أَنْ يكون الاستنباط متسلسلًا، ينتقل فيه مقرره من المقدمات إلى النتائج، ومن المعلوم إلى استنباط المجهول وتقريره، ومن الدليل إلى المدلول.
وعلى القاضي التأكد من صِحَّة استنباطه واستنتاجه بتكرار التأمل، والنظر، وتفحص ما ظهر له، مستعينًا في ذلك بالمحاورة الذهنية الهادئة، وذلك بتقمص شخصية المخالف بافتراض الاعتراض والإِجابة عليه ذهنيًا، فمن الخطأ السيرُ في فرض واحد مع عدم افتراض ما يعارضه؛ وذلك حتى يتبين له استنتاجه كالشمس المضيئة.
٦ - أَنْ يكون الاستنباط مبنيًا على ما تداعى فيه الخصوم وقدموه للقاضي، وتمَّ تدوينه لديه، فلا يستدل القاضي أَوْ يستنبط من أقوال أَوْ أدلة لا سند لها في ضبط القضية وأوراق الدعوى.
* * *
стр. 640
الفصل الثالث
تفسير الواقعة القضائية
وفيه تمهيد، وسبعة مباحث:
التمهيد: المراد بتفسير الواقعة القضائية وأهميته ومشروعيته والوسائل الدالة على الإِرادة.
المبحث الأول: تفسير لفظ المكلف.
المبحث الثاني: تفسير فعل المكلف.
المبحث الثالث: تفسير إشارة المكلف.
المبحث الرابع: تفسير سكوت المكلف.
المبحث الخامس: أثر الأسباب والدوافع في تفسير الوقائع لفظًا أَوْ فعلًا أَوْ سكوتًا.
المبحث السادس: تفسير الشاهد شهادته.
المبحث السابع: التعارض والجمع والترجيح فيما يصدر
عن المكلف من قول أَوْ تصرف وفي البينات القضائية.
стр. 641
التمهيد
وفيه:
* المراد بتفسير الواقعة القضائية.
* أهمية تفسير الواقعة القضائية ومشروعيته.
* الوسائل الدالة على الإِرادة.
стр. 642
المراد بتفسير الواقعة القضائية:
سبق المراد بلفظ "التفسير" لغة: وأَنَّه الكشف، والبيان، والإِيضاح (١).
والمراد بتفسير الواقعة القضائية هنا: بيان معاني ودلالات الأقوال والأفعال والسكوت والأحوال الواقعة في التصرفات والواردة في الدعوى والإِجابة، وطرق الحكم والإِثبات من الشهادة ونحوها من الأوصاف والوقائع المؤثرة في الحكم القضائي.
أهمية تفسير الواقعة القضائية ومشروعيته:
لا بُدَّ لكل واقعة قضائية من تصورها، وتنقيحها، وبيان تأثيرها، وثبوتها بطرق الحكم، وبيان وجه الدلالة منها، وانتفاء معارضها، وكل ذلك لا يتحقق إلَّا بعد تفسيرها، وفهمها بالطرق المقررة (٢).
وما ذلك إلَّا لأَنَّه كما يقول القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): "الأحكام
стр. 643
تختلف باختلاف العبارات، والدعاوى، والإِقرارات، والشهادات، والشروط التي تتضمن حقوق المحكوم له" (١).
والمكلف وهو يتكلم بأمر، أَوْ نهي، أَوْ إقرار، أَوْ عقد قد يُطْلِق الكلام ولا يقيده أَوْ يفسره، بل إنَّ تقييده أحيانًا يُعَدُّ إعياءً في الكلام، فيتعين على من يُنَفِّذ كلامه أَوْ يُحاكمه فيه أن يَحْمله على وجوه تفسير الكلام المقررة، يقول ابن مفلح (ت: ٧٦٣ هـ): "ومن قصد بيان تعليق الحكم بالوصف رتَّبه عليه، ولم يتعرض لجميع شروطه وموانعه (٢)؛ لأَنَّه عَسِر؛ إذ القصد بيان اقتضاء السبب للحكم، فلو قال: اعط هذا للفقراء أَوْ نحوهم استَأْذَنَه في عدوه وفاسق، ولو قال: إلَّا أَنْ يكون أحدهم كذا وكذا عُدَّ لُكْنة وعِيًّا ... وكذا قول الطبيب: اشربه للإِسهال، فعرض له ضعف شديد أَوْ إسهال، ذكر ذلك شيخنا -يعني ابن تَيْمِيّةَ-" (٣).
ففهم الواقعة وتفسيرها أمر لا بُدَّ منه للحكم القضائي، وقد أثنى الله- على سليمان ﵇ لفهمه الواقعة ووجه الحكم فيها، كما في قوله -تعالى-: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩,٧٨].
стр. 644
فثناء الله- على سليمان ﵇ لفهمه الواقعة ووجه الحكم فيها (١) يؤكد أهمية تفسير الواقعة وتصورها لتوصيفها والحكم فيها.
كما أنكر النبي ﷺ على خالد بن الوليد ﵁ قتله لبعض بني جذيمة؛ لعدم استفساره لهم عن مرادهم من كلمة مشكلة أطلقوها؛ فعن ابن عمر ﵁ أَنَّه قال: "بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فلم يحسنوا أَنْ يقولوا أسلمنا، فقالوا: صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر ... فذكرنا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: اللَّهُمَّ إنِّي أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد، مرتين" (٢)، فقد حمل خالد ﵁ معنى قولهم: "صبأنا" على خروجهم من دين إلى دين غير الإِسلام، لكن النبي ﷺ أنكر عليه الأخذ بهذا الظاهر قبل الاستفسار عن المراد به (٣)؛ قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ): "قوله: "اللَّهُمَّ إنِّي أبرأ إليك مما صنع خالد" يعني مِن قتلِه الذين قالوا: "صبأنا"ـ قبل أَنْ يستفسرهم عن مرادهم بذلك القول" (٤)، فدَلَّ على أَنّه لا بُدَّ من تفسير الواقعة
стр. 645
وفهمها قبل توصيفها والحكم فيها.
وقد أوصى عمر ﵁ القضاة بفهم الواقعة وتفسيرها في كتابه الذي بعثه إلى أبي موسى الأشعري ﵁؛ فقال: "فافهم إذا أدلي إليك" (١)، وقال: "الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك" (٢).
فلا بُدَّ لفهم الواقعة وتصورها من تفسيرها، فالمطلوب من الحاكم كما يقول ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "أَنْ يعلم ما يقع، ثم يحكم فيه بما يجب" (٣).
وقد ذكر الفقهاء جملة من الآداب للقاضي تعود لفهم الواقعة، وتصورها، وتفسيرها، من ذلك: كون القاضي عارفًا بلغة ولهجات البلد التي يلي الحكم فيها (٤)، يقول ابن المناصف (ت: ٦٢٠ هـ) - في شروط الكمال الذي القاضي-: "أَنْ يكون عارفًا بما لا بُدَّ منه من العربية، واختلاف المعاني للعبارات فإنَّ الأحكام تختلف
стр. 646
باختلاف العبارات في نحو الإقرار والدعوى والشهادات ... " (١).
وقد تواطأت كلمات العلماء التي تؤكد مكانة فهم الواقعة القضائية، وتفسيرها في تنزيل الحكم الكلي عليها، ومن ذلك ما يلي:
١ - يقول أبو المعالي الجويني (ت: ٤٧٨ هـ): "ولا بُدَّ من أَنْ يفهم- يعني القاضي- الواقعة المرفوعة إليه على حقيقتها، ويتفطن لموقع الإعضال، وموضع السؤال، ومحل الإشكال منها ... فأَمَّا إذا لم يفهم الواقعة فكيف يفرض نفوذ حكمه فيها، وليس في عالم الله أخزى من مُتَصَدٍّ للحكم لو أراد أَنْ يصف ما حكم به لم يستطعه ... ومما يقضي اللبيب العجب فيه انتصاب غِرٍّ للقضاء، لا يقف على الواقعة التي فيها القضية، ولا يفهم العربية، ويصغي إلى صكوك وقَبَالات (٢)، متضمنها ألفاظ عويصة، لا يحيط بفحواها ومقتضاها إلَّا مبرز تثني عليه الخناصر، ويُعَدُّ من المرموقين والأكابر في اللغة؛ إذ منها صدر الألفاظ في أصول الفقه المشتمل على الخصوص، والعموم، والاستثناءات، وسائر القضايا والموجبات في فن الفقه، فإليه الرجوع في مآخذ الأحكام، والنقض، والإبرام" (٣).
стр. 647
٢ - ويقول ابن القَيِّمِ: "ليس للمفتي أَنْ يطلق الجواب في مسألة فيها تفصيل إلَّا إذا علم أَنَّ السائل إنَّما سأل عن أحد تلك الأنواع، بل إذا كانت المسألة تحتاج إلى التفصيل استفصله، كما استفصل النبي ﷺ ماعزًا لما أقرّ بالزنا، وهل وجد منه مقدماته أَوْ حقيقته؟ فلما أجابه عن الحقيقة استفصله: هل به جنون فيكون إقراره غير معتبر، أَمْ هو عاقل؟ فلما علم عقله استفصله بأَنْ أَمَرَ باستنكاهه ليعلم هل هو سكران أَمْ صاحٍ؟ فلما علم أَنَّه صاحٍ استفصله: هل أحصن أَمْ لا؟ فلما علم أَنه أحصن أقام الحد عليه ... والمقصود التنبيه على وجوب التفصيل إذا كان يجد السؤال محتملًا ... فكثيرًا ما يقع غلط المفتي في هذا القسم، فالمفتي ترد إليه المسائل في قوالب متنوعة جدًّا" (١).
٣ - ويقول ابن القَيِّمِ- أيضًا-: "ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلَّا بنوعين من الفهم؛ أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط بها علمًا، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أَوْ على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على
стр. 648
الآخر" (١).
٤ - ويقول ابن خلدون (ت: ٨٠٨ هـ): "إذا لم يتبين له القضاء، فإنَّ كان لغبش (٢) في الواقعة استوضحها واستجلاها بالبحث الشافي" (٣).
ويقول في موضع آخر: "إذا تصور الواقعة كالشمس ليس دونها سحاب ... فإذا وضحت له القضية جيدًا فحينئذٍ يستحضر قول الله العلي العظيم: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨] (٤).
قال الفقهاء: لا يجوز إطلاق الفتيا في اسم مشترك إجماعًا، بل عليه التفصيل، ومَثَّلُوا له بأَنَّ المفتي إذا سئل عن جواز الأكل بعد طلوع الفجر، فلا بُدَّ أَنْ يقول: أَبَعْدَ الفجر الأول أَمْ الثاني (٥)؟
أقول: وهكذا الحكم.
فهذا كله يؤكد مكانة تفسير الواقعة في التصرف والدعوى من كلام الخصوم ودفوعهم وبيناتهم حتي يتم تهيئتها للتَّوْصِيف.
стр. 649
الوسائل الدالة على الإرادة:
القصد والإرادة عماد التصرفات والالتزامات التي يجريها المكلف، ولكن القصد والإرادة مكنونة لا تظهر بنفسها، بل لا بُدَّ لها من وسيلة تبرزها وتَدُلُّ عليها، والوسائل الدالة على الإرادة ثلاث، هي:
اللفظ، والفعل، والسكوت.
فهذه هي الوسائل الدالة على الإرادة، وما عداها فهو يعود لها، فالكتابةُ تعود للفظ، والإشارةُ تعود للفعل (١).
يقول ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "فمن عرف مراد المتكلم بدليل من الأدلة وجب اتباع مراده، والألفاظ لم تقصد لذواتها، وإنَّما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريق كان عَمِلَ بمقتضاه، سواء كان بإشارة، أَوْ كتابة، أَوْ إيماءة، أَوْ دلالة عقلية، أَوْ قرينة حالية، أَوْ عادة له مطردة لا يخل بها" (٢).
وسوف يأتي تفسير اللفظ، والفعل، والإشارة، والسكوت، وما يلحق بها في مباحث متتابعة مما يلي:
* * *
стр. 650
المبحث الأول تفسير لفظ المكلف
وفيه عشرة مطالب
المطلب الأول: المراد بلفظ المكلف والأصل في تفسيره.
المطلب الثاني: الاعتداد بالعرف في تفسير لفظ المكلف.
المطلب الثالث: إعمال الكلام أولى من إهماله عند تفسير لفظ المكلف.
المطلب الرابع: الوضوح والإجمال في لفظ المكلف.
المطلب الخامس: عموم لفظ المكلف وخصوصه.
المطلب السادس: إطلاق لفظ المكلف وتقييده.
المطلب السابع: دلالة المفهوم في لفظ المكلف.
المطلب الثامن: دلالة الاقتضاء والإشارة والإيماء في لفظ المكلف.
المطلب التاسع: دلالة التعريض في لفظ المكلف.
المطلب العاشر: تفسير الكتابة الصادرة من المكلف.
стр. 651
المطلب الأول المراد بلفظ المكلف والأصل في تفسيره
المراد بلفظ المكلف:
اللفظ في اللغة: اسم، والفعل منه: لَفَظَ، ولَفَظَ الشيء من فمه رماه، ولفَظ بالكلام تكلم به، والجمع منه: ألفاظ، وهو في الأصل مصدر (١).
والمراد بلفظ المكلف في الاصطلاح: الكلام الصادر من المكلف الدال على ما في النفس من الإرادة والعزم (٢).
فقد وضع الله- تعالى- الألفاظ للعباد لتكون تعريفًا ودلالة على ما في نفوسهم، ورتب على المقاصد والإرادات أحكامها بواسطة ما ظهر من الألفاظ.
فإذا عامل بعض العباد بعضًا كانت تلك الألفاظ معرفة بمرادهم وما في نفوسهم (٣).
стр. 652
الأصل في تفسير لفظ المكلف:
الأصل أَنَّ ما يجري على تفسير النُّصُوص الشرعية من أصول وقواعد يجري في الجملة على تفسير كلام المكلف في تصرفاته، وإقراراته، ودعاواه، ودفوعه، وبيِّناته، ففيها الواضح من نَصٍّ وظاهر، وفيها المجمل الذي يلزم تفسيره وبيانه بطرقه المقررة، وفيها المؤول الذي يُصرف عن ظاهره بدليل راجح، وفيها العام والخاص، والمطلق والمقيد، وما دلالته منطوق، ومفهوم موافقةً أَوْ مخالفةً، وفيها ما يقع فيه التعارض.
وللقرائن الحالية والمقالية وغيرها أثرٌ كبير في تفسير الوقائع، ودفعِ التعارض.
وثَمَّ اختلاف في بعض ذلك بين دلالتها في نُصُوص الشرع وكلام المكلفين استدعاه أَنَّ كلام الشارع نحتاج إلى تعديته من واقعة مَنْصُوص عليها إلى غيرها لتقرير حكمها.
أَمَّا كلام المكلف فإنَّما جعل للكشف عن إرادته وتصرفاته، ولا يستدعي الأمر تعديته، بل الأصل قصره والاحتياط للمكلف بعدم إلزامه بدلالة لم يظهر ما يَدُلُّ على التزامه بها، قال الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ): "أحكام الشرع يجمع فيها بين اعتبار الأسامي والمعاني، وأحكام الأيمان معتبرة بالأسامي دون المعاني؛ لأَنَّ الضرورة دعت في المسكوت عنه في أحكام الشرع إلى إعتبار المعاني
стр. 653
وتجاوز الأسامي، ولم تَدْعُ الضرورة في الأيمان إلى اعتبار المعاني، فوقفت على اعتبار الأسامي" (١).
وسوف يأتي بيان لتفسير تلك الدلالات في كلام المكلفين (٢)، وهو موضوع هذا المبحث.
* * *
стр. 654
المطلب الثاني الاعتداد بالعرف في تفسير لفظ المكلف
والمراد بالعرف هنا: ما اعتاده أكثر الناس وساروا عليه في جميع البلدان، أَوْ بعضها، من الأقوال، والأفعال، والتصرفات، سواء أكان ذلك في جميع العصور، أَمْ في عصر معين مما كان قائمًا وقت النطق والتصرف (١).
فيعمل بما اعتُدَّ في العرف من تفسيركلام المكلف ودلالة معانيه، فمن تكلم من المكلفين بكلام من إقرار ونحوه حمل كلامه على دلالته العرفية حال النطق؛ معنىً، واستنباطًا، وإطلاقًا، وتقييدًا، ونحو ذلك من وجوه الدلالات، وهو مقدم في ذلك على الدلالات اللغوية والمصطلحات الشرعية إذا خالفها؛ لأَنَّ كلام المكلف يبين مراده وقصده بلفظه الذي يتعامل به مع غيره (٢).
стр. 655
يقول ابن تَيْمِيَّهَ (ت: ٧٢٨ هـ): "لفظ الواقف كلفظ الحالف والموصي، وكل عاقد يحمل قوله على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها، سواء وافقت العربية العرباء، أَوْ العربية المولدة، أَوْ العربية الملحونة، أَوْ كانت غير عربية، وسواء وافقت لغة الشارع أَمْ لم توافقها؛ فإنَّ المقصود في الألفاظ دلالتها على مراد الناطقين بها، فنحن نرجع في معرفة كلام الشارع إلى معرفة لغته، وعرفه، وعادته، وكذلك في خطاب كل أمة وكل قوم، فإذا تخاطبوا بينهم في البيع، أَوْ الإجارة، أَوْ الوقف، أَوْ الوصية، أَوْ النذر، أَوْ غير ذلك بكلام نرجع في معرفة مرادهم منه إلى ما يَدُلُّ على مرادهم من عادتهم في الخطاب وما يقترن بذلك من الأسباب" (١).
لكن إذا كان صريح القول ينافي دلالة العرف- كأَنْ يصرح المتعاقدان بخلاف العرف- قُدِّم صريح القول (٢).
стр. 656
وإذا كان العرف متواترًا ظاهرًا للقاضي وللمترافعين، أَوْ أقر الخصم القائم ضده بدلالته أَخَذ القاضي بذلك، وإلَّا رجع في تفسيره إلى أهل الخبرة بالعرف اللفظي.
ومن أمثلة الرجوع إلى أهل الخبرة في تفسير الأقوال عند خفائها: قصةُ هجاء الحطيئة (ت: حوالي ٤٥ هـ) للزبرقان بن بدر (ت: حوالي ٤٥ هـ)، والتي رجع عمر- ﵁ في تفسير بعض دلالاتها إلى حسان بن ثابت، ولبيد بن ربيعة.
وتفصيل ذلك: أَنَّ الحطيئة لما هجا الزبرقان بن بدر في قصيدته التي منها قوله:
دَعْ المكارم لاترحلْ لبغيتها ... واقعدْ فإنَّك أنت الطاعمُ الكاسي
فقام الزبرقان فشكى الحطيئة إلى عمر- ﵁، فقال عمر- ﵁: ما أسمع هجاءً ولكنها معاتبة جميلة، فقال عمر- ﵁: عليَّ بحسَّان، فجيء به، فسأله، فقال: لمْ يهجه ولكن سَلَح عليه، ويقال: إنَّه سأل لبيدًا عن ذلك، فقال: ما يسرني أَنَّه لحقني من هذا الشعر ما لحقه وأَنَّ لي حُمْرَ النَّعَم، فأمر عمر- ﵁ به، فجُعِل في نقير في بئر (١).
стр. 657
وهذا ظاهر في رجوع القاضي لأهل الخبرة لمعرفة الدلالات العرفية للألفاظ والأساليب الكلامية فصيحة أَوْ عامية، وأَنَّه يُرجع إلى أهل كلِّ فنٍّ في تخصصهم؛ فقد رجع عمر- ﵁ في تفسير الشعر وبيانه إلى فحول الشعراء مع مكانته في فهم اللسان العربي ودلالته؛ وما ذاك إلَّا لأَنَّ لكل أَصْحَاب فنٍّ مصطلحهم في فحوى الخطاب، وأَنَّه قد يكون عند الشاعر من لحن القول ما يتشفى به ممن يريد هجاءه معزِّضًا به في أمر قبيح لا يدركه إلَّا أهل الشعر مثلهم.
* * *
стр. 658
المطلب الثالث إعمال الكلام أولى من إهماله عند تفسير لفظ المكلف
هذه قاعدة جليلة لها شأن في تفسير الأقوال.
والمراد بها: أَنَّ المكلف إذا تصرف تصرفًا قوليًا، وكان كلامه يحتمل معنيين؛ أحدهما يترقب عليه حكم شرعي، والآخر لا يترتب عليه حكم ولا يكون له ثمرة- فإنَّه يحمل على المعنى الذي يترتب عليه حكم شرعي؛ لأَنَّ كلام العاقل محمول على الإفادة، مُصانٌ عن الإهمال والإلغاء، لكن إذا تعذر حمله على الإعمال فإنَّه يهمل (١).
شروط إعمال الكلام:
لإعمال الكلام شروط، هي (٢):
стр. 659
١ - أَلَّا يكون اللفظ مجملًا، مشتركًا بين معنيين لا يتضح المراد منهما، ولم يحفَّ به من الأقوال، والقرائن، والأعراف ما يفسره، فإذا كان الكلام مجملًا وتعذر تفسيره فإنَّه يهمل.
٢ - أَلَّا يتعذر إعمال الكلام عرفًا، أَوْ عقلًا، أَوْ شرعًا؛ فإذا تعذر فإنَّه يهمل.
فمثال التعذر العرفي: أَنْ يدعي رجل على السلطان أنَّه استأجره لعلف دوابه.
ومثال التعذر العقلي: أَنْ يقول شخص لمن هو أكبر سنًا منه: أنت ابني.
ومثال التعذر الشرعي: أَنْ يموت شخص ويخلف ابنًا وبنتًا فقط، فتقول البنت: أَرِثُ من والدي مثل نصيب أخي، فإنَّ هذا محال شرعًا؛ لأَنَّ الشرع جعل للذكر مثل حظ الأنثيين.
٣ - أَنْ يكون المتكلم بالغًا، عاقلًا، مختارًا، فإذا كان المتكلم صغيرًا، أَوْ مجنونًا، أَوْ مكرهًا لم يعتد بكلامه، بل يهمل.
٤ - أَنْ يكون المتكلم قاصدًا، عالمًا بما تكلم به، فمن تكلم بما لا يقصده، كالنائم، والساهي، ومن سبق لسانه إلى ما لا يريده، ونحوهم- لم يؤاخذ به، وهكذا من تكلم بما لا يعرف معناه، كالأعجمي ينطق بكلمة البيع، أَوْ الإجارة، أَوْ الطلاق، وغيره مما لا
стр. 660
يفهم معناه- لم يؤاخذ به؛ لأَنَّه لم يلتزم مقتضاه، ولم يقصده، فمن أطلق لفظًا لا يعرف معناه لم يؤاخذ بمقتضاه.
القواعد المنتظمة مع هذه القاعدة:
هناك عدة قواعد تتفرع عن القاعدة السابقة، من أبرزها ما يلي:
١ - إذا تعذرت الحقيقة يصار إلى المجاز:
فالحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب، وذلك كقولك: رأيت أسدًا، فالمراد به هنا: الحيوان المفترس.
والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينه وبين ما وضع له، وذلك كقولك: رأيت أسدًا شاهرًا سيفه، فالمراد به هنا: الرجل الشجاع (١).
والأصل أَنْ يحمل اللفظ الصادر من المكلف بإقراره، وتعاقده، وتصرفاته على حقيقته في استعمال المتكلم؛ لأَنَّه هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق، لكن اذا تعذرت الحقيقة، أَوْ هجرت بقرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي فإنَّه يصار إلى المجاز؛ إعمالًا للكلام، وصونًا له عن الإهمال، وتَصْحِيحًا لكلام المكلف ما أمكن، فمن قال لآخر: طلِّقْ زوجتي إن كنت رجلًا، فيحمل هذا
стр. 661
الكلام على التوبيخ لا على توكيله في الطلاق بقرينة قوله: إن كنت رجلًا (١).
ومن قال لآخر: لي عليك مائة ألف ريال يلزمك أداؤها، فقال له: اقبضها- حُمل كلامه على السخرية والاستهزاء، لا على الإقرار للاستعمال العرفي الآن (٢).
والحقيقة المهجورة شرعًا، أَوْ عرفًا هي بمثابة المجاز عند الفقهاء، ومثَّل له المالكية بأَنَّ من قال لامرأته: أنت عليَّ حرام، فيلزمه ثلاث طلقات للمدخول بها، لكنه شاع عرفًا استعمال هذا اللفظ في بعض العصور والأقاليم لإزالة العصمة من دون عدد، ولذلك أفتى بعضهم بأَنَّه طلقة واحدة رجعية (٣).
٢ - التأسيس أولى من التأكيد:
المراد بالتأسيس: هو إفادة اللفظ معنى لم يفده لفظ سابق، ويقال له: إفادة.
стр. 662
والمراد بالتأكيد: هو إفادة اللفظ معنى قد أفاده لفظ سابق، ويقال له: إعادة.
والتأسيس هو الأصل، والتأكيد خلاف الأصل؛ لأَنَّ الأصل في وضع الكلام إفهام السامع ما ليس عنده، فإذا دار اللفظ بين أَنْ يفيد معنى جديدًا، وبين أَنْ يؤكد معنىً سابقًا حمل على المعنى الجديد؛ لأَنَّ في التأسيس حكمًا جديدًا، وأَمَّا التأكيد فهو تقرير وتقوية للمعنى السابق فقط، ففي التأسيس إعمال للحكم الجديد، وفي التأكيد إهمال له، وإعمال الكلام أولى من إهماله (١)(٢).
ومثاله عند الحنابلة: أَنَّ من قال لزوجته المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، فإن نوى بالثانية إيقاعًا وقعت، وإن نوى بها التأكيد لم تقع، وإن لم ينوها إيقاعًا ولا تأكيدًا وقعت طلقة ثانية؛ لأنَّ الأصل إعمال الكلام (٣).
стр. 663
لكن إذا عارض حملَ اللفظ على معنى جديد معارضٌ أعملنا ما تقتضيه القرائن والأصول، فمن أقرّ لشخص بألف في وقتين، فألف واحد فقط؛ لأَنَّّ الأصل براءة الذمة من الزائد وجريان العادة بتكرار الإقرار، إلَّا أَنْ يدُلَّ دليل على التَّعَدُّد- كأَنْ يذكر لكل واحد منهما سببًا- فيلزمه ألفان (١).
٣ - السؤال مُعَادٌ في الجواب:
والمراد بها: أَنَّ من سُئل سؤالًا مفصلًا، فأجاب بإحدى أدوات الجواب: (نعم، بلى، أجل)، فيُعَدُّ الجواب مشتملًا على مضمون السؤال ومعادًا فيه، فمتى قيل لرجل: للرجل الفلاني عليك ألف درهم، فقال: نعم- كان إقرارًا صريحًا بالألف يلزمه أداؤه، ولا يقبل تفسيره بما يخالفه، فإعمال السؤال وإضماره في الجواب أولى من إهماله؛ لأَنَّ مدلول أدوات الجواب يعتمد على ما قبلها من تفصيل، ولأَنَّ الجواب غير مستقل بنفسه في الإفادة (٢).
ويَدُلُّ على اعتبار إعادة السؤال في الجواب قوله- تعالى-: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤]، أي: نعمْ
стр. 664
وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا (١).
٤ - ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله:
إذا كان الشيء لا يتجزأ، فَلَفَظَ المكلَّفُ ببعضه لزمه كله، وذلك كمن طلق زوجته بقوله: أنت طالق نصف طلقة، فيُعْتَدُّ عليه بطلقه تامة، فقد دار ذكر بعض الطلقة بين إعماله بالاعتداد به طلقة واحدة تامة وبين إهماله بعدم الاعتداد به، فرجح جانب الاعتداد به؛ لأَنَّ إعمال الكلام أولى من إهماله (٢)، وهكذا لو قال شخص: اكفلْ ثلث فلان أَوْ نصفه كان كفيلًا ببدنه كله بإحضاره عند الطلب؛ لأَنَّ الإحضار لا يتجزأ، بخلاف الضمان فإنَّه يتجزأ (٣).
وإسقاط بعض ما لا يتجزأ كإسقاط كله، فإذا عفا مستحق القصاص عن بعضه، أَوْ عفا بعض المستحقين سقط القصاص كله (٤).
٥ - الجمع بين ظاهر اللفظ والمبنى وبين الحقيقة والمعنى عند ظهوره:
الأصل قصركلام المكلف على ما نطق به وعدم تفسيره بما
стр. 665
يخالف ذلك (١)، لكن يجوز مخالفة هذا الأصل عند القرينة المقتضية لذلك، فيجمع بين ظاهر اللفظ والمبنى وبين الحقيقة والمعنى عند ظهوره.
وهذا معنى القاعدة المقررة عند الفقهاء: العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
فالاعتداد في الألفاظ بمعانيها، وحقائقها المتجهة إليها قصود وإرادات المتكلمين بها مع لفظها ومبناها، فيجمع بين ظاهر اللفظ ومبناه وبين حقيقة الأمر ومعناه عند قرينة مقتضية لذلك.
فإذا كانت حقيقة الأمر الصادر من المكلف كلامًا أَوْ عقدًا تخالف لفظه ظاهرًا اعتددنا بالمعنى وأعملناه، وجمعنا بينه وبين اللفظ بوجه صَحِيح، كأَنْ يحمل اللفظ على المجاز، فلا يهدر اللفظ، ولا يعرض عن المعنى، بل يجمع بينهما عند القرينة المقتضية لمراعاة المعنى (٢).
стр. 666
يقول ابن تَيْمِيَّهَ (ت: ٧٢٨ هـ): "فيجب في ذلك- أي موجب العقد- ما أوجبه العاقدان بحسب قصدهما الذي يظهر بلفظهما، وعرفهما" (١).
ويقول ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "وقواعد الفقه وأصوله تشهد أَنَّ المرعي في العقود حقائقُها ومعانيها، لا صورها وألفاظها" (٢).
ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت: ١٣٨٩ هـ) - وهو يبين عمل القاضي عند فصل النزاع-: "ولا يقف- يعني القاضي- عند ظواهر الألفاظ ويترك حقائق المعاني" (٣).
ومن أمثلة ذلك في العقود: أَنَّ من قال لآخر: خُذْ هذه السيارة إعارةً بألفي ريال للشهر، فهي إجارة.
ومن طلق على عوض فهي مخالعة ولوكانت بلفظ الطلاق، ومن قال: وهبتك هذه العين بعشرة آلاف ريال فهي بيع لا هبة، ومن أظهر بيعًا بقصد توثيق الدَّين فهو رهن لا بيع (٤).
стр. 667
ومن ذلك: أنَّ الكلام إذا خرج مخرج المبالغة والكناية غلَّبنا جانب المعنى واعملناه (١).
فلو قال رجل لولده: لست ولدًا لي لم يكن ذلك قذفًا لأمه إذا فسره بما يحتمله مما ليس قذفًا؛ لأنَّ الرجل قد يغلظ في القول والفعل لولده، هكذا ذكره بعض الحنابلة (٢).
وهذا اللفظ يستعمل اليوم للمبالغة في الكلام في مقام التأديب أَوْ اللوم، فلا ينصرف إلى غيره من كنايات القذف للأم ما لم تكن ثمَّ قرينة تعارض ذلك وتوجب صرفه.
ومما تجدر الإشارة إليه أنَّه إذا تعذر التأليف بين المعاني المقصودة والألفاظ الصادرة من المكلف وجب العمل باللفظ دون المعنى (٣).
مثاله: أَنْ يقول الرجل لزوجته: أنتِ طالق، مع ظهور اللفظ ودلالته على هذا المعنى دون سواه، ثم يقول: لم أقصد فراق زوجتي بطلاقها، فلا يسمع منه (٤).
стр. 668
وقد يؤخذ بباطن الأمر الذي يدَّعيه المدعي ويهدر لفظ التعاقد لأنَّهما لم يريدا معناه متى ثبت ذلك بقرينة قوية دالة على ذلك، كبيع التلجئة الذي يظهره المتعاقدان خشية ظالم من مغتصب ونحوه، فيهدر اللفظ ببطلان العقد، ويؤخذ بباطن الأمر وحقيقته، وهكذا في بيع الهازل (١)؛ فاللفظ قد يكون صريحًا في دلالته على أمر، لكن ينضم إليه قرائن تصرفه عن موضوعه وحقيقته إلى معنى مخالف للفظ (٢).
ومما يدخل في الاعتداد بالحقيقة والمعنى عند ظهوره في تفسير اللفظ والمبنى: الدعوى والطلباتُ فيها.
فإنَّه يعتدُّ بالمعاني التي تظهر من تقرير الخصوم لدعواهم وطلباتهم ولا يعتد بالفاظهم ومباني كلامهم مجردة إذا ظهر ما يصرفها، فمن ادعى بشيء وشرحه في دعواه بما يخالف لفظه أَعْمَلْنا شرحه وفسرنا به لفظه.
ولقد صرح الشافعية في أَصَحّ القولين عندهم أنَّ من ادعى قتل عمد ووصفه بغيره من خطأ وشبه عمد لم يبطل أصل الدعوى، ويعتمد وصفه وتفسيره، ويلغى لفظه، ويمضي القاضي في الدعوى دون تجديدها؛ لأنَّ الخصم قد يظن ما ليس بعمد عمدًا، ولأنَّ العبرة
стр. 669
بالمعاني لا بالألفاظ والمباني (١)، لكن ينبغي تقييد ذلك بأَنْ يوافق الطلب في الدعوى، أَوْ يُعَدِّل الخصم الطلب إذا ساغ العدول أَوْ التعديل.
٦ - من أطلق لفظًا لا يَعْرف معناه لم يؤاخذ بمقتضاه:
يراعى في أعمال اللفظ عند نطق المكلف به بإقرار ونحوه أَنْ يكون قاصدًا مريدًا له، فمن تكلم بما لا يريده ولا يقصده لم يؤاخذ به (٢)؛ ذلك أَنّه كما يقول ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "لا بُدَّ من إرادتين: إرادة التكلم باللفظ اختيارًا، وإرادة موجبه ومقتضاه، بل إرادة المعنى آكد من إرادة اللفظ؛ فإنَّه المقصود، واللفظ وسيلة" (٣)، ومن أمثلة ذلك: كلام النائم، والذاهل، والناسي، والمخطئ من شدة الفرح، أَوْ الغضب أَوْ المرض ونحوهم.
وهكذا من طلق أَوْ باع أَوْ تصرف تصرفًا قوليًّا وهو لا يفهم ما نطق به ولم يعرف معناه، كالأعجمي يخرج منه ذلك باللغة العربية وهو لا يفهمها فكل هؤلاء لا يؤاخذون بما نطقوا به (٤).
стр. 670
ويؤيد ذلك ما نجده أحيانًا من خطأ الإنسان في مناداة أولاده بعضهم باسم البعض الآخر، وقد أخطأ رجل من شدة الفرح، فقال: "اللَّهُمَّ أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" (١).
وقد ساق ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ) خبرًا عن عمر- ﵁، قال: "وفي مصنَّف وكيع: أنَّ عمر بن الخطاب قضى في امرأة قالت لزوجها: سَمِّني، فسمَّاها: الطيبة، فقالت: لا، فقال لها: ما تريدين أن أسميك؟ قالت: سَمِّني: خليَّة، طالق، فقال لها: فأنت خلية، طالق، فأتت عمر بن الخطاب، فقالت: إنَّ زوجي طلقني، فجاء زوجها، فقص عليه القصة، فأوجع عمر رأسها، وقال لزوجها: خذها بيدها، وأوجع رأسها".
وقد عقب ابن القَيِّمِ على ذلك بقوله: "وهذا هو الفقه الحي الذي يدخل إلى القلوب بغير استئذان" (٢).
والأصل مؤاخذة الإنسان بما نطق به، لكن إذا دَلَّت القرائن على عدم إرادة المتكلم لما تلفظ به عدلنا عن هذا الأصل، وقلت: إنَّ من أطلق لفظًا لا يعرف معناه لم يؤاخذ بمقتضاه.
* * *