← Сияса и кади

Сияса и кади · id 17810

توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية

عبد الله بن محمد الخنين

Полный текст (1 181 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

يقول ابن تَيْمِيَّهَ (ت: ٧٢٨ هـ): "فيجب في ذلك- أي موجب العقد- ما أوجبه العاقدان بحسب قصدهما الذي يظهر بلفظهما، وعرفهما" (١). ويقول ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "وقواعد الفقه وأصوله تشهد أَنَّ المرعي في العقود حقائقُها ومعانيها، لا صورها وألفاظها" (٢). ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت: ١٣٨٩ هـ) - وهو يبين عمل القاضي عند فصل النزاع-: "ولا يقف- يعني القاضي- عند ظواهر الألفاظ ويترك حقائق المعاني" (٣). ومن أمثلة ذلك في العقود: أَنَّ من قال لآخر: خُذْ هذه السيارة إعارةً بألفي ريال للشهر، فهي إجارة. ومن طلق على عوض فهي مخالعة ولوكانت بلفظ الطلاق، ومن قال: وهبتك هذه العين بعشرة آلاف ريال فهي بيع لا هبة، ومن أظهر بيعًا بقصد توثيق الدَّين فهو رهن لا بيع (٤).

стр. 667

ومن ذلك: أنَّ الكلام إذا خرج مخرج المبالغة والكناية غلَّبنا جانب المعنى واعملناه (١). فلو قال رجل لولده: لست ولدًا لي لم يكن ذلك قذفًا لأمه إذا فسره بما يحتمله مما ليس قذفًا؛ لأنَّ الرجل قد يغلظ في القول والفعل لولده، هكذا ذكره بعض الحنابلة (٢). وهذا اللفظ يستعمل اليوم للمبالغة في الكلام في مقام التأديب أَوْ اللوم، فلا ينصرف إلى غيره من كنايات القذف للأم ما لم تكن ثمَّ قرينة تعارض ذلك وتوجب صرفه. ومما تجدر الإشارة إليه أنَّه إذا تعذر التأليف بين المعاني المقصودة والألفاظ الصادرة من المكلف وجب العمل باللفظ دون المعنى (٣). مثاله: أَنْ يقول الرجل لزوجته: أنتِ طالق، مع ظهور اللفظ ودلالته على هذا المعنى دون سواه، ثم يقول: لم أقصد فراق زوجتي بطلاقها، فلا يسمع منه (٤).

стр. 668

وقد يؤخذ بباطن الأمر الذي يدَّعيه المدعي ويهدر لفظ التعاقد لأنَّهما لم يريدا معناه متى ثبت ذلك بقرينة قوية دالة على ذلك، كبيع التلجئة الذي يظهره المتعاقدان خشية ظالم من مغتصب ونحوه، فيهدر اللفظ ببطلان العقد، ويؤخذ بباطن الأمر وحقيقته، وهكذا في بيع الهازل (١)؛ فاللفظ قد يكون صريحًا في دلالته على أمر، لكن ينضم إليه قرائن تصرفه عن موضوعه وحقيقته إلى معنى مخالف للفظ (٢). ومما يدخل في الاعتداد بالحقيقة والمعنى عند ظهوره في تفسير اللفظ والمبنى: الدعوى والطلباتُ فيها. فإنَّه يعتدُّ بالمعاني التي تظهر من تقرير الخصوم لدعواهم وطلباتهم ولا يعتد بالفاظهم ومباني كلامهم مجردة إذا ظهر ما يصرفها، فمن ادعى بشيء وشرحه في دعواه بما يخالف لفظه أَعْمَلْنا شرحه وفسرنا به لفظه. ولقد صرح الشافعية في أَصَحّ القولين عندهم أنَّ من ادعى قتل عمد ووصفه بغيره من خطأ وشبه عمد لم يبطل أصل الدعوى، ويعتمد وصفه وتفسيره، ويلغى لفظه، ويمضي القاضي في الدعوى دون تجديدها؛ لأنَّ الخصم قد يظن ما ليس بعمد عمدًا، ولأنَّ العبرة

стр. 669

بالمعاني لا بالألفاظ والمباني (١)، لكن ينبغي تقييد ذلك بأَنْ يوافق الطلب في الدعوى، أَوْ يُعَدِّل الخصم الطلب إذا ساغ العدول أَوْ التعديل. ٦ - من أطلق لفظًا لا يَعْرف معناه لم يؤاخذ بمقتضاه: يراعى في أعمال اللفظ عند نطق المكلف به بإقرار ونحوه أَنْ يكون قاصدًا مريدًا له، فمن تكلم بما لا يريده ولا يقصده لم يؤاخذ به (٢)؛ ذلك أَنّه كما يقول ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "لا بُدَّ من إرادتين: إرادة التكلم باللفظ اختيارًا، وإرادة موجبه ومقتضاه، بل إرادة المعنى آكد من إرادة اللفظ؛ فإنَّه المقصود، واللفظ وسيلة" (٣)، ومن أمثلة ذلك: كلام النائم، والذاهل، والناسي، والمخطئ من شدة الفرح، أَوْ الغضب أَوْ المرض ونحوهم. وهكذا من طلق أَوْ باع أَوْ تصرف تصرفًا قوليًّا وهو لا يفهم ما نطق به ولم يعرف معناه، كالأعجمي يخرج منه ذلك باللغة العربية وهو لا يفهمها فكل هؤلاء لا يؤاخذون بما نطقوا به (٤).

стр. 670

ويؤيد ذلك ما نجده أحيانًا من خطأ الإنسان في مناداة أولاده بعضهم باسم البعض الآخر، وقد أخطأ رجل من شدة الفرح، فقال: "اللَّهُمَّ أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" (١). وقد ساق ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ) خبرًا عن عمر- ﵁، قال: "وفي مصنَّف وكيع: أنَّ عمر بن الخطاب قضى في امرأة قالت لزوجها: سَمِّني، فسمَّاها: الطيبة، فقالت: لا، فقال لها: ما تريدين أن أسميك؟ قالت: سَمِّني: خليَّة، طالق، فقال لها: فأنت خلية، طالق، فأتت عمر بن الخطاب، فقالت: إنَّ زوجي طلقني، فجاء زوجها، فقص عليه القصة، فأوجع عمر رأسها، وقال لزوجها: خذها بيدها، وأوجع رأسها". وقد عقب ابن القَيِّمِ على ذلك بقوله: "وهذا هو الفقه الحي الذي يدخل إلى القلوب بغير استئذان" (٢). والأصل مؤاخذة الإنسان بما نطق به، لكن إذا دَلَّت القرائن على عدم إرادة المتكلم لما تلفظ به عدلنا عن هذا الأصل، وقلت: إنَّ من أطلق لفظًا لا يعرف معناه لم يؤاخذ بمقتضاه. * * *

стр. 671

المطلب الرابع الوضوح والإجمال في لفظ المكلف الوضوح والإجمال يرد على كلام المكلف، كما يرد على نُصُوص الشرع، ونتناول الواضح في كلام المكلف، ثم المجمل فيما يلي: أولًا: الواضح في لفظ المكلف: المراد بالواضح: هو ما اتضحت دلالته على معناه بحيث لا يحتاج فهم المعنى المراد منه، أَوْ تطبيقه على الوقائع إلى أمر خارج عنه (١). أقسام الواضح في لفظ المكلف وحكم العمل بها: والواضح من كلام المكلَّف ينقسم إلى صريح وظاهر: وتفصيلها فيما يلي:

стр. 672

القسم الأول: الصريح . وهو ما أفاد المعنى بنفسه مع عدم احتمال غيره (١). وسماه بعض الشافعية نَصًّا؛ وذلك مثل لفظ الطلاق أَوْ البيع أَوْ الإجارة، فإنَّها صريحة في بابها ولا تحتاج إلى نية، ولا يقبل من المكلف حكمًا تفسيرها بغير ما دَلَّت عليه (٢). وهذا هو شأن الصريح من كلام المكلَّف، وحكم العمل به. القسم الثاني: الظاهر . وهو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق، مع احتمال غيره. وحكم العمل به: أنَّ المكلف إذا أطلق لفظًا حمل على ما يقتضيه ظاهره، وهو الاحتمال الراجح، ولا يحمل على الاحتمال الخفي والمرجوح، يقول القرافي (ت: ٦٨٤ هـ): " ... متى حصل التبادر كان الحق أنَّ اللفظ موضوع لما يتبادر إليه الذهن؛ لأنَّه الراجح، والمصير إلى الراجح واجب وإن كان خلاف الأصل" (٣).

стр. 673

فمن دفع مالًا لآخر، وقال له: مَلَّكْتُك هذا المال، ولم يذكر البدل، ولم تقم قرينة تَدُلُّ على ذلك فهو هبة، فإذا اختلف الآخذ والمعطي، فقال المعطي: هو قرض، وقال الآخذ: هو هبة، فالقول قول الآخذ: إنَّها هبة؛ لأنَّ الظاهر معه؛ إذ لفظ التمليك يفيد الهبة. ومن قال لآخر: لك في هذا المال ألف، أَوْ لك في هذه الدار نصفها، فهو إقرار يؤاخذ به، ولا يقبل منه تفسيره بإنشاء الهبة؛ لأنَّه خلاف الظاهر. ويجوز صرف الظاهر إلى الاحتمال الخفي أَوْ المرجوح بدلالة الحال أَوْ العرف أَوْ السياق أَوْ لفظ آخر وغير ذلك مما فيه دلالة على صرف الظاهر لذلك المعنى (١). مثاله: لو كان عمرو يملك دارًا قد أجَّرها على زيد، فمَرَّ رجل فسأل عَمْرًا عن مسكن زيد، فأشار إليها، وقال: هذه دار زيد، لم يكن ذلك إقرارًا من عمرو لزيد بالدار، بل إخبار بأنَّها محل سكناه؛ بدلالة السياق، والإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة. وفي التنزيل قوله- تعالى-: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] , وقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ

стр. 674

وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] , وقوله في المطلقات: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. فقد أضاف البيوت للزوجات مع أنَّ البيوت للأزواج؛ لأنَّهن يَسْكُنَّ فيها، فالإضافة إضافة إسكان لا إضافة تمليك، والإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة (١). ومن صرف الظاهر ما يكون مرجعه لنية المتكلم إذا كان في إنشاء أمر يستقل به المتكلم، مثل: تفسير الموقف والموصي مرادَه بما يخالف الظاهر بتخصيص ونحوه، كما لو قال: ثوبي أَوْ خيلي وقف، وفسره بمعين، فإنَّه يقبل منه هذا التفسير وإن كان ظاهره العموم (٢). جاء في الاختيارات: "وهذا أصل عظيم في الإنشاءات التي

стр. 675

يستقل بها، دون ما لا يستقل بها كالبيع ونحوه" (١). والاحتمال المرجوح لا يَصْرِف ولا يُسْقِط دلالة اللفظ الظاهر إلَّا عن دليل، ولذلك جاءت القاعدة الفقهية مقررة بأنَّه: لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن الدليل. أَمَّا مجرد الاحتمال من دون دليل فلا يسقط به الاستدلال، ولا يصرف الدليل عن ظاهره (٢). ثانيًا: المجمل في لفظ المكلف: المراد بالمجمل: هو ما احتمل معنيين فأكثر على السواء. وفي قول: ما لا يفهم معناه عند الإطلاق (٣). وذلك مثل: لفظ الفجر، فإنَّه يطلق على الفجر الأول، كما يطلق على الفجر الثاني، ومثل لفظ العيد فإنَّه يطلق على عيد الفطر، كما يطلق على عيد الأضحى، ومثل شهر ربيع، فإنَّه يطلق على الأول، كما يطلق على الثاني. ومثل الكنايات في النكاح والقذف ونحوها، والإقرار بمجهول.

стр. 676

فمن أقر بدين لرجل- كألف- وفي البلاد نقود مختلفة متساوية الرواج كان هذا الإقرار مجملًا لا يعمل به إلَّا بعد تفسيره. ومن طلق أَوْ قذف بكناية فلا يعمل بموجبها إلَّا بعد تفسيرها. والإجمال قد يكون واقعًا بالفعل، كما في الألفاظ التي مثلنا بها، وقد يكون بالقوة بأَنْ يكون الكلام في نفسه غير مشكل، ولكن عارضه كلام آخر جعله مشكلًا، كالتناقض في كلام المكلف والبينات المتعارضة، ولذا اهتم العلماء ببيان أحكام التناقض في الدعوى والبينات المتعارضة (١). حكم العمل بالمجمل في لفظ المكلف: لا يعمل بالمجمل من لفظ المكلف ومنه المشترك والمجهول إلَّا بعد بيانه، فإن تعذر بيانه أهمل ولم يعمل به. ومن أمثلة ذلك ما ذكره الفقهاء: أنَّ من أوقع على زوجته كلمة، وشَكَّ: هل هي طلاق أَوْ ظهار- لم يلزمه شيء منهما؛ لأنَّ الأصل عدمهما ولم يتيقن أحدهما (٢). ولو أنَّ شخصًا باع سلعة بدينار مطلق غير معين ولا موصوف

стр. 677

في الذمة، وفي البلد نقود مختلفة من الدنانير كلها رائجة لم يَصِحَّ البيع؛ لعدم العلم بالثمن حال العقد (١). والضابط في هذا الباب: أنَّ الكلام إذا تعذر إعماله وبيانه أُهْمِل (٢)، وأنَّ المجهول إذا يئس من الوقوف عليه، أَوْ شق اعتباره وبيانه يُنَزَّل منزلة المعدوم وإن كان الأصل بقاءه (٣)، ويأتي طرق بيان المجمل وأمثلة لها في العنوان التالي. طرق بيان المجمل في لفظ المكلف: كل طريق يحصل به بيان المجمل في لفظ المكلف وكذا تصرفه فإنَّنا نَعْتَدُّ به ونُعْمِلُه، ومن أبرز هذه الطرق ما يلي: ١ - حمله على الجائز المشروع: والمراد بذلك: حمل المجمل من كلام المكلف على الوجه المشروع دون الوجه المحرم الممنوع. فإذا صدر من المكلف قول أَوْ تصرف، وتردد حمله على الوجه المشروع أَوْ الوجه الممنوع فيكون مجملًا، ويفسر بالوجه المشروع

стр. 678

دون الوجه الممنوع، وذلك كالخليفة يشتري شيئًا ويدفع ثمنه من بيت المال، ويدعيه ورثته ملكًا خاصًا لمورثهم لاقتسامه بينهم، فيكون ذلك الشيء لبيت المال؛ لأنَّه وإن احتمل أَنْ يكون الشراء لنفسه أَوْ للمسلمين إلَّا أَنَ تصرفه يُحمل على الجائز المشروع وهو شراؤه للمسلمين دون المحرَّم الممنوع وهو شراؤه لنفسه من بيت المال (١). ٢ - حمله على نية المكلف وتعيينه: فمن المجمل ما يكون بيانه من جهة المكلف نفسه، فيُرجع في تفسيره إلى نيته وتعيينه بقوله أَوْ فعله، وذلك إذا كان لا يُعرف إلَّا من جهته. ومن ذلك: كنايات الطلاق والقذف، فالقول قول المطلِّق والقاذف في تفسيرها حسب نيته ما لم يعارض ذلك قرينة قوية، كأَنْ يكون الطلاق بالكناية حال الخصومة أَوْ الغضب، أَوْ تسأله طلاقها، أَوْ يصاحب كناية القذف قرينةٌ تفسره فيعمل بها (٢). ومن ذلك: من أتى بإحدى كنايات الوقف وقال: أردت بها الوقف لزمه، وإن نفى إرادة الوقف قُبِل قوله (٣).

стр. 679

ومن ذلك: الرجل يكون عليه لآخر دينان؛ ألف عن دين طَلْق (أي: بغير رهن)، وألف عن دين برهن، فيدفع المدين لرب الحق ألفًا ويُطْلِق (أي: لا يبين صرفه لأيٍّ من الدينين)، فالقول قوله في صرفه لأحدهما، لأنَّه أدرى بما صدر عنه، ولأنَّ له تخصيصه ابتداءً بأحدهما (١). ومن ذلك: المرأة يطلقها زوجها، وتدعي انقضاء عدتها بالقروء في زمن يمكن فيها ذلك، أَوْ تدّعي انقضاء عدتها بوضع الحمل الممكن، فالقول قولها ولو أنكر ذلك الزوج، لأنَّ الله جعلها مؤتمنة على ذلك، يقول- تعالى-: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (٢). ومن ذلك: لو قال رجل عن آخر: له عليَّ ألف، وفي البلد أكثر من عملة متساوية الرواج لا مرجح لتعيين إحداها، فيرجع إليه في تفسيرها بأي العملات الرائجة؛ ولذلك قال الفقهاء: من قال: له علي ألف، فإنَّه يُرجع إليه في تفسير جنسها (٣). ومن ذلك لو قال إنسان عن آخر: له عليَّ درهم أَوْ دينار لزمه أحدهما، ويُرجَع في تعيينه إليه؛ لأنَّ (أَوْ) لأحد الشيئين، فكان

стр. 680

الإقرار مجملًا وتعيينُ أحدهما للمقِرّ؛ لأنَّه لا يعلم إلَّا من جهته (١). ومن البيان بالفعل ما ذكره الفقهاء: أنَّ من أقر لآخر بخاتم وأطلق، ثم سلم له خاتمًا فيه فصّ، وقال: ما أردت الفص- لم يقبل قوله، ولو سلم له إبتداءً خاتمًا بدون فصّ وقال: هذا الذي أردت قُبِل منه؛ لأنَّ لفظه يحتمله (٢). ٣ - البيان بالعرف: سبق تعريف العرف (٣). للعرف أهمية كبيرة في بيان المجمل فيما يصدر من المكلف من تعاقد وإقرار ونحوهما، فموجبات العقود كما تتلقى من اللفظ تتلقى من العرف (٤)، فإذا أطلق إنسان لفظًا مجملًا، كقوله: لزيد عليَّ مال عظيم، رُجع في تفسيره للعرف، ولا يقبل تفسيره بأقل متمول بخاصة إذا كان المقرُّ من الأغنياء المكثرين، أَوْ الملوك (٥)، إلَّا مع عدم العرف أَوْ القرينة فيقبل تفسير المقرّ لذلك ولو بأقل متمول (٦).

стр. 681

٤ - البيان بالعادة: العادة أخص من العرف، فهي عادة شخص أَوْ قوم في أمر من الأمور (١). فيفسر المجمل- ومنه المجهول- بما تستقر عليه عادة شخص؛ لأنَّه قرينة دالة على المُفَسَّر. ومن بيان العادة للمجهول ما ذكره الفقهاء: أنَّه إذا جهل شرط الواقف في مصرف الوقف عُمِلَ بالعادة المستمرة من النُظَّار السابقين، فإن لم يكن فبالعرف (٢). ويلحظ هنا أنَّ العادة قُدِّمَتْ على العرف، لكن لو لم يكن عادة صِير إلى العرف مع عدم البينة. ٥ - البيان بالقرعة: القرعة وسيلة لتعيين المبهم أَوْ المشتبه فيه بالإجمال. ومن أمثلة ذلك ما ذكره الفقهاء: أنَّ من طلق امرأة من نسائه ونسيها ميَّزها عن غيرها من نسائه بالقرعة (٣)، ومن قال: امرأتي طالق، ومعه أكثر من امرأة، ونوى واحدة مبهمة- أُخْرِجَتْ بالقرعة (٤).

стр. 682

٦ - البيان بالدلائل الحالية والمقالية: فالبيان كما يكون بالصريح يكون بالدلالة، فالحال له دلالة المقال، والدلائل الحالية والمقالية تفسر الأقوال والأفعال (١). فمن كنَّى في بيع أَوْ إجارة أَوْ غيرها من المعاملات عَمِلَ بالقرائن الحالية والمقالية في تفسير ذلك وبيانه (٢). ومن أمثلة ذلك: من ادّعت عدم قبض صداقها، وقال الزوج: بل قبضته، ووُجِدَ معها مال لم يظهر وجه اكتسابها له فالقول قول الزوج؛ أخذًا بدلالة الحال (٣). لكن إذا تعارض الصريح والدلالة لم يُعْتَدَّ بالدلالة في مواجهة الصريح (٤). ٧ - البيان بدلالة الاقتران: وهي أَنْ يقترن اللفظ المجمل الصادر من المكلف بآخر معه من جنسه يفسره. فيحمل المجمل على جنس المفسر معه، وذلك مثل أَنْ يقول رجل: لفلان عليَّ ألفٌ ودرهم.

стр. 683

فلفظ (ألف) مجمل يحتمل ألف ثوب، أَوْ ألف دينار، أَوْ ألف درهم، لكنه اقترن بالدرهم المجعول معه في الإقرار، فكان المجمل وهو (ألف) من جنس المفسر وهو (درهم)، فيكون كأنَّه قال: له عليَّ ألف درهم، ودرهم. والعرب تكتفي بتفسير إحدى اللفظتين عن الأخرى؛ وفي التنزيل قول الله- : ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [سورة الكهف: ٢٥] (١). ٨ - البيان بالحمل على أقل ما يتناوله اللفظ: فإذا أطلق المكلف كلامًا، واحتمل معاني مُتَعَدِّدَة، ولم يظهر ما يفسره من عرف وغيره، فيحمل على أقل ما يتناوله اللفظ. مثال ذلك: أَنْ يوكل زيد عَمْرًا في طلاق زوجته بأَنْ يقول: قد وكّلْتك في طلاق زوجتي فلانة - لم يملك الوكيل إلَّا طلقة واحدة فقط. ومثل أَنْ يقر رجل لآخر بحق مجمل، ولم تقم قرينة ولا عرف يفسره بشيء معين، كأَنْ يقول: لزيد عليَّ شيء، فيقبل تفسيره منه بأقل متمول، لأنَّ الإذن أَوْ الأمر أَوْ اللفظ إذا أطلق، فإنَّه يتناول أقل ما يقع عليه الاسم ما لم تصرفه قرينة أَوْ دلالة عن ذلك (٢). * * *

стр. 684

المطلب الخامس عموم لفظ المكلف وخصوصه العموم والخصوص مما يرد في كلام المكلف، كما يرد على نُصُوص الشرع. المراد بالعام والخاص والتخصيص في لفظ المكلف: المراد بالعام: اللفظ الدال على جميع أجزاء ماهية مدلوله بحسب وضع واحد دفعة واحدة بلا حصر (١). والمراد بالخاص: اللفظ الدال على شيء بعينه (٢). والتخصيص: قصر العام على بعض أفراده بدليل يَدُلُّ على ذلك (٣).

стр. 685

حكم العمل بالعام والخاص في لفظ المكلف: يجب العمل بعموم العام من كلام المكلف ما لم يخصص، فإذا قام دليل يخصصه عَمِلْنا بالخاص، وبقى العام على عمومه فيما عدا ما خصص منه (١). لكن إذا تعذر العموم حمل الكلام على أخص الخصوص وهو أقل ما يقع عليه الاسم (٢). فيحمل مطلق الكلام على أقل محتملاته ما لم تقم قرينة تخالف ذلك عرفيةً أَوْ حاليةً أَوْ غيرها، فلو أقر شخص لآخر بقوله: له عليَّ مال عظيم قُبِل تفسيره بمتموّل قليلٍ أَوْ كثيرٍ؛ لأنَّه لا حدَّ للعظيم، ولأنَّ كلَّ مالٍ عظيمٌ بالنسبة لما دونه ما لم تقم قرينة معتدٌّ بها تخالف ذلك، ككون المقرّ من الأغنياء المكثرين فيرجع في تقديره للعرف (٣). وإذا كان الخاص والعام في كلامين منفرد أحدهما عن الآخر،

стр. 686

وكان المتكلم لا يمكنه الرجوع فيه، كالإقرار بعد الإقرار، والعقد بعد العقد- فلا يكون الثاني من الإقرار أَوْ العقد رجوعًا، ولا مخصصًا للأول ما لم تَدُلَّ قرينة على خلاف ذلك (١)، كأن لا يمكن الجمع بين العقد بعد العقد بوجه سائغ فيحمل على أنَّ العقد الثاني ناسخ للأول محمول على الإقالة منه (٢). أَمَّا إذا كان الرجوع ممكنًا كالوصية فيُقدم الخاص على العام مطلقًا عُلِمَ التاريخُ أَوْ جُهِلَ، وهذا أشهر الروايات عند الحنابلة (٣)، وذلك كمن أوصي بثلث ماله للفقراء، ثم في مجلس آخر قال: ثلث مالي لفقراء بني فلان، فيقدم الخاص على العام، ويكون ثلث ماله للفقراء الذين عيَّنهم. لكن لو أوصى الموصي بعدة وصايا لا مخصص لبعضها، ولم يَفِ الثلثُ بها، ولم يُجِزْها الورثة- أُدْخِل النقص على الجميع محاصة، وذلك كمن أوصى بثلث ماله لرجل، ولآخر بمائة ألف ريال، ولعمارة مسجد بعشرين ألف ريال (٤) فلا يكون الأخير ناسخًا للأول؛ لأنَّ وقت لزوم الوصية الموت، فاستوى ما قبله فيها.

стр. 687

صيغ العموم في لفظ المكلف: للعموم صيغ، منها: المفرد المضاف، ومَنْ، وما، وأيّ، ومتى، وأل، وكل، وجميع، وهكذا النكرة بعد النفي، أَوْ النهيِ، أَوْ الاستفهامِ، أَوْ الشرطِ. ويدخل ذلك في كلام الواقفين، والموصين، وفي الطلاق، والأيمان، والإقرار، وغيرها (١). مخصصات العموم في لفظ المكلف: يخص عموم كلام المكلف بمخصصات، منها: ١ - الشرع: مما يخص به عموم كلام المكلف الشرع، قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ): "ويخص العموم بالشرع- أيضًا- على الصَّحِيح في مسائل" (٢). ويقول السيوطي (ت: ٩١١ هـ): "ولو كان اللفظ يقتضي العموم، والشرع يقتضي التخصيص- اعتُبِر خصوص الشرع في الأَصَحّ" (٣).

стр. 688

ومن أمثلة ذلك: من أوصى بجميع ماله فإنَّ الوصية تقتصر على الثلث إلَّا بإجازة الورثة. ومن ذلك ما ذكره ابن رجب: أنَّ من أوصى لأقاربه لم يدخل فيهم الوارثون في أحد الوجهين (١). وبه قال الشافعية، والحنفية (٢)؛ لأنَّ المنع الشرعي كالمنع الحسي. ٢ - النِّيَّة: فالنية مخصصة لكلام المكلف في صور كثيرة، كما أَنّها تعمم الخاص (٣). قال ابن رجب: "النية تعم الخاص وتخصص العام بغير خلاف" (٤). ويجري ذلك في الأيمان والطلاق كثيرًا، ومثل ابن رجب بتخصيص النية للعام بأنَّ من قال لزوجته: إن دخلتِ الدار فأنت

стр. 689

طالق، ثم قال: أردتُ في هذه السَّنة، قال ابن رجب: "فالجمهور من الأَصْحَاب على أنَّه يُديَّن في ذلك، وفي قبوله في الحكم روايتان" (١). لكن إذا كان اللفظ صريحًا لا يحتمل التأويل لم يقبل فيه مخالفة اللفظ بالنية (٢). وهكذا كل ما تعلق به حقوق الآخرين من بيع، وإجارة لا يقبل فيه تخصيص اللفظ بالنية إلَّا بموافقة المستحِق (٣). ٣ - العرف: سبق تعريفه. والعرف مما يخصّ به عموم كلام المكلف (٤)، قال عبد العزيز ابن عبد السلام (ت: ٦٦٠ هـ): "فصل في تنزيل دلالة العادات وقرائن الأحوال منزلة صريح الأقوال في تخصيص العموم وتقييد المطلق وغيرهما" (٥).

стр. 690

فإذا غلب استعمال الاسم العام في بعض أفراده حتى صار حقيقة عرفية فإنَّه يخص به العموم، قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ): "بغير خلاف" (١)، فتكون الحقيقة المهجورة بمثابه المجاز، فتترك بدلالة العرف والاستعمال؛ لأنَّه بهجرها صار لا يعرفها أكثر الناس، ولا تراد عند الإطلاق (٢). ومثاله ما ذكره القرافي (ت: ٦٨٤ هـ): أَنّه قد وقع في المدونة: أنَّ من قال لامرأته: أنت عليَّ حرام يلزمه الطلاق ثلاثًا في مدخول بها، ثم قال: "لفظ الحرام في عرفنا اليوم لإزالة العصمة خاصة دون عدد، وهي مشتهرة في ذلك ... ومقتضى هذا أَنْ يفتى بطلقة رجعية ليس إلَّا" (٣). ومما تجدر الإشارة إليه أنَّ صريح الكلام قد يكون كناية، والكناية قد تكون صريحًا بكثرة الاستعمال؛ لذا وجب مراعاة ذلك عند تفسيركلام المكلف ونُصُوص الفقهاء المبنية على ذلك (٤).

стр. 691

وهكذا في الوقف يفسر اللفظ حسب عرف الواقفين لا على الدقائق الأصولية، والفقهية، والعربية. قال ابن حجر المكي (ت: ٩٧٤ هـ): "لا تبنى عبارة الواقفين على الدقائق الأصولية والفقهية والعربية، كما أشار إليه الإمام البلقيني في فتاويه، وإنَّما نجريها على ما يتبادر ويفهم منها في العرف، وعلى ما هو أقرب إلى مقاصد الواقفين وعاداتهم" (١). ويقول ابن تَيْمِيَّهَ (ت: ٧٢٨ هـ): "الأحكام تتعلق بما أراده الناس بالألفاظ الملحونة ... ومن رامَ جَعْلَ جميع الناس في لفظ واحد بحسب عادة قوم بعينهم فقد رام ما لا يمكن عقلًا ولا يصلح شرعًا" (٢). ويقول البهوتي (ت: ١٠٥١ هـ): "العبرة بما يفهم من اللفظ، ولا أثر للحن" (٣). وكما يكون العرف مخصصًا متصلًا في معنى اللفظ فإنَّه يكون مخصصًا منفصلًا، وذلك كمن قال لوكيله: بِعْ داري هذه، فليس له بيعها بغير ثمن المثل، بل ذلك مخصوص بثمن المثل حسب العرف، فكأنَّه قال: بِعْ داري هذه بثمن المثل (٤).

стр. 692

وعلى الاعتداد بالعرف مخصصًا لعموم لفظ المكلف وتصرفه دَرَجَ القضاة والمفتون في تفسير الوقائع، فقد سُئِل بعضهم فيمن أوقف نخلة -كما يفعله بعض أهل نجد- فبادت، فأجاب: بأَنَّ العرف ومقاصد الناس معتبرة في تصرفاتهم، والعرف في وقتنا أَنَّ المُوقِف لا يقصد إلَّا جذع النخلة، وأَنَّها لا تعاد إذا بادت، مع أَنَّ القياس يقتضي ذلك، فالفرع لا يتبعه الأصل، والأصل يتبعه الفرع، إلَّا أَنْ يكون بستانًا ونحوه فالقرينة تقتضي دخول الأصل والفرع معًا في الوقفية (١). ٤ - عادة الشخص أَوْ القوم: العادة أخص من العرف؛ إذ إنَّها عادة شخص أَوْ قوم في أمر من الأمور (٢). والعادة قولية أَوْ فعلية مما يخص به عموم كلام المكلَّف، فعادة الشخص أَوْ القوم في أمر من الأمور مما يخص كلامه ويفسره، قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ): "يخص العموم بالعادة على المَنْصُوص، وذلك في مسائل" (٣)، وذكر ابن رجب جملة من المسائل منها: مَنْ أوصي لأقربائه وأهل بيته فبم يفسر لفظه؟ وحاصل ذلك

стр. 693

ثلاثة أوجه من التفسير عند الحنابلة، هي (١): (أ) أَنَّ قرابة الأم لا يدخلون في الوصية إلَّا إذا كان الموصي يصلهم في حياته. (ب) أَنَّ ذلك ينصرف لمن كان يصله الموصي في حياته من قرابته من جهة أبيه أَوْ من جهة أمه، فإن لم يكن له عادة بصلة أحدهما فهي لقرابة الأب، وهذا الوجه هو المذهب- كما ذكره ابن رجب-. (ج) أَنّه لا اعتبار بالصلة. وللوجه الثاني قوة، وبه يتحقق المثال ويظهر التعليل. وقد خالف جماعة من العلماء (٢) منهم القرافي (ت: ٦٨٤ هـ) في تأثير العادة الفعلية على اللفظ؛ يقول القرافي: "العوائد القولية تؤثر في الألفاظ تخصيصًا ومجازًا وغيره، بخلاف العوائد الفعلية" (٣). وما ذكره ابن رجب أظهر، فيُعمَل بالعادة قوليةً أَوْ فعليةً إذا تجردت عن القرائن المانعة من إعمالها؛ لأَنَّها قرينة على تحديد المراد وتخصيصه.

стр. 694

٥ - القرائن الحالية والمقالية ونحوهما: والمراد بها: ما يحف بالكلام من أقوال، ومقتضيات، وأسباب لها تأثير في دلالته. فيخصّ عموم كلام المكلف بالقرائن الحالية، والمقالية؛ من أفعال وأقوال، ومقتضيات، كالسياق، وأسباب حملت عليه، فلسان الحال كلسان المقال في تخصيص الكلام وتفسيره. وهكذا يخص الكلام بما لا يقصد من العموم عادةً إمَّا لندرته، أَوْ لاختصاصه بمانع، وذلك ما لم يعارض هذه المخصصات ما هو أقوى منها دلالة، فالإعمال لهذه الدلالات في التخصيص وإهمالها بحسب قوة القرائن وضعفها، وقوةِ ما يعارضها وضعفه، ويجري ذلك كثيرًا في الأيمان والطلاق، كما يجري في غيرها من المعاملات من بيع، وإجارة، ونحوهما (١). * * *

стр. 695

المطلب السادس إطلاق لفظ المكلف وتقييده المراد بالمطلق والمقيد في لفظ المكلف: المراد بالمطلق: هو اللفظ الدال على أمر مجرد عن القيود التي توجب فيه بعض الأوصاف والحدود. والمراد بالمقيد: هو اللفظ الذي يكون محددًا بشيء من الأوصاف والحدود، فلفظ (فرس) مثلًا مطلقٌ، وإذا قلنا: (فرس أبيض) صار مقيدًا (١). حكم العمل بالمطلق والمقيد في لفظ المكلف: الأصل العمل بالمطلق على إطلاقه حتى يرد دليل يَدُلُّ على التقييد فيجب العمل به مقيدًا بقيده (٢)، قال الحصيري (ت: ٦٣٦ هـ): كلام الناس يجري على إطلاقه حتى يقوم دليل التقييد (٣).

стр. 696

وقال ابن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ): "يجب تقييد اللفظ بملحقاته من وصف، أَوْ شرط، أَوْ استثناء، أَوْ غيرها من القيود ... فكما أَنّنا نعتبر هذه القيود في الكتاب والسنة كذلك نعتبره في كلام الناس، ونحكم عليهم بما نطقوا به من إطلاق أَوْ تقييد، ويدخل في هذا الأصل من الأحكام ما لا يُعَدُّ ولا يحصى من ألفاظ المتعاقدين، وصفة العقود، ومن شروط الموقفين والموصين، ومن القيود والاستثناءات في كلام المطلّقين والمعتقين، ومن القيود في كلام الحالفين والمعترفين بحق من الحقوق على الصفة التي أقروا بها، وكما تعتبر القيود اللفظية فكذلك تعتبر القرائن ومقتضى الأحوال وما يحتف (١) بالكلام من الأسباب المهيجة، والغايات المقصودة" (٢). وقد جاءت القاعدة الفقهية مقررة أَنَّ المطلق يجري على إطلاقه، ما لم يقم دليل التقييد نَصًّا أَوْ دلالة (٣). فمن وَكَّل شخصًا في شراء سيارة، فاشتراها له حمراء، فقال الموكِّل: أردت بيضاء- لزم الموكل ما اشتراه له الوكيل؛ لأَنَّ كلامه مطلق، فيجري على إطلاقه.

стр. 697

ومن وكّل شخصًا في شراء سيارة حمراء، فاشترى له بيضاء- لم تلزم الموكّل إلَّا برضاه بها. ولو تكرر من رجل الإِقرار لآخر بألف في وقتين مختلفين، ولم يوجد ما يقتضي التَّعَدُّد، وقيّد أحدهما بأَنَّه قرض، فهما ألف واحد عن القرض؛ حملًا للمطلق على المقيد (١). مقيدات المطلق في لفظ المكلف: المطلق يجري تقييده باللفظ نَصًّا أَوْ بالدلالة، فيعمل في التقييد باللفظ نَصًّا أَوْ دلالة من قرائن حالية، أَوْ مقالية، أَوْ عرفية، وغيرها، وأبرز المقيدات ما يلي: ١ - النَّصّ الصادر من المكلف: والمراد به: اللفظ الدال على القيد، كما لو قيده بصفة: كثوب هرري، أَوْ حال: كدخلت راكبًا، أَوْ إضافة: كاشترِ لي فرس زيد، أَوْ نهي: كلا تَبِعْ سيارتي في سوق كذا، أَوْ شرط: كالبيع المعلق، كبعتك هذا الثوب إن رضي زيد (٢)، أَوْ الاستثناء إذا كان متصلًا، ومنه

стр. 698

ما يقع في الأقارير والعقود، كقولك: له علىَّ مائة ريال إلَّا عشرة أريل (١). وقد يقيد المكلف ما أطلقه بالسبب الموجب للحق من بيع أَوْ قرض ونحوه؛ فمن قال: لزيد عليَّ ألف ريال، ثم قال مرة أخرى: له عليَّ ألف ريال عن قرض، حمل المطلق على المقيد (٢). ٢ - المعهود الشرعي: والمراد به: ما عهد في الشرع الاعتداد به، مثل: أَنْ يوصي شخص لجميع أصناف أهل الزكاة، فيعطى كل واحد منهم من الوصية قدر ما يعطى من الزكاة؛ حملًا للمطلق من كلام الآدمي على المعهود الشرعي، ولا يجب التعميم ولا التسوية، ذكره جمع من الحنابلة، وقوَّى بعض الحنابلة أنَّ لكل واحد ثمنًا. وهكذا يحمل المطلق من كلام المكلف على المشروع، ويقيد به، فمن نذر أَنْ يحج أَوْ يعتمر وَجَبَ عليه أَنْ ينشئ ذلك من دويرة أهله ومكانه الذي نذر فيه (٣).

стр. 699

٣ - العرف: وقد سبق تعريفه (١). فبالعرف يقيد المطلق، فمن وكّل آخر في بيع شيء فيتقيد ذلك بثمن المثل، وبنقد البلد؛ لاقتضاء العرف لذلك. كما يتقيد في التأجيل والتعجيل للثمن بحسب العرف (٢). ولذلك جاءت القاعدة الفقهية مقررة: أَنَّ التعيين بالعرف كالتعيين بالنَّصّ (٣)، وأَنَّ مطلق العقد يتقيد بدلالة العرف (٤)، وأَنَّ مطلق الكلام فيما بين الناس ينصرف إلى المتعارف عليه بينهم (٥). ٤ - الغالب: والمراد به: ما يكثر وقوعه من غير دلالة عرفية. فإذا غلب أمر رُوعي في الأحكام، وقُيِّد به ما أطلق من كلام المكلف وتصرفاته.

стр. 700

فمن وكل رجلًا ليبيع سلعته وسكت عن تعيين الثمن كان ذلك مطلقًا، ويحمل على غالب نقد البلد إذا راج في البلد أكثر من عملة نقدية (١). وهكذا من باع سلعة بدنانير مبينة العدد لكنها مطلقة من التعيين والوصف، وفي البلد دنانير مختلفة حُمِل على أغلبها رواجًا، وانصرف إليه الإِطلاق، وقُيِّد به (٢). ٥ - الحال: والمراد به: ما يحف بالكلام من قرائن حالية أَوْ مقالية تبين المراد منه. للحالة دلالة المقالة (٣) إطلاقًا وتقييدًا، فكما يجري التقييد باللفظ الصادر من المكلف يجري التقييد بدلالة حال الشخص الآمر أَوْ المأمور، أَوْ سوابق اللفظ ولواحقه، فإذا دَلَّ الحال على التقييد أُخِذ به، فلو وكّل طالب علم رجلًا ليشتري له كتبًا، فاشترى له كتبًا في الطب، فلا تلزم الموكّل؛ لأَنَّ دلالة الحال تقتضي أَنْ يشتري له كتبًا تناسب تخصصه.

стр. 701

ومن وكل شخصًا ليشتري له أضحية، فاشتراها له بعد مضي أوقات الذبح فلا تلزمه؛ لأَنَّ دلالة الحال تقتضي أَنْ يشتريها قبل انتهاء أيام الذبح ليضحي بها (١). * * *

стр. 702

المطلب السابع دلالة المفهوم في لفظ المكلف المراد بالمفهوم في لفظ المكلف: المفهوم هو المعنى المستفاد من اللفظ مع السكوت عنه، ولزوم ذلك المعنى للفظ (١). أقسام المفهوم في لفظ المكلف: وهو ينقسم قسمين، هما (٢): ١ - مفهوم الموافقة: والمراد به: فهم الحكم في المسكوت من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده.

стр. 703

ومنه ما كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، ومنه ما كان المسكوت عنه مساويًا للمنطوق في الحكم. ٢ - ومفهوم المخالفة: والمراد به: أَنْ يكون المسكوت عنه مخالفًا لحكم المنطوق. فمن وكّل شخصًا في شراء سيارة بيضاء، فمفهوم المخالفة من صفة البياض ألَّا تكون لونًا آخر. ومن أقسام مفهوم المخالفة: مفهوم الصفة، ومفهوم التقسيم، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم العدد، ومفهوم اللقب. حجية المفهوم في لفظ المكلف: ونبين حجية مفهوم المخالفة في لفظ المكلف، ثم نتبعه ببيان حجية مفهوم الموافقة عنده فيما يلي: أولًا: حجية مفهوم المخالفة في لفظ المكلف: مفهوم المخالفة في لفظ المكلف غير محتج به إذا دَلَّ دليل من قرينة وغيرها على تخصيص المنطوق بالذكر؛ لكونه مختصًا بالحكم، وما عدا ذلك فقد اختلف الفقهاء في حجية مفهوم المخالفة في كلام الآدميين على قولين، وبيان ذلك على النحو التالي: القول الأول: أَنَّ مفهوم المخالفة في كلام المكلفين غير حجة.

стр. 704

وهذا القول هو ظاهر المذهب عند الحنفية (١)، وهو المحكيُّ عن القاضي حسين (ت: ٤٦٢ هـ) من الشافعية، ومال إليه السبكي (ت: ٧٥٦ هـ) منهم (٢). وعلل الحنفية ذلك: بأَنَّ المفهوم لا يعمل به في الأدلة الشرعية، فكذا في كلام المكلفين (٣). القول الثاني: أَنَّ مفهوم المخالفة في كلام المكلفين حجة. وبذلك قال جمع من الحنفية، منهم محمد (ت: ١٨٩ هـ) في السير الكبير، والسرخسي (ت: ٤٩٠ هـ) في السير الكبير، والخصاف (ت: ٢٦١ هـ)، قال ابن نحيم (ت: ٩٧٠ هـ): "وعليه العمل" (٤). وبه قال جمع من الشافعية، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ): "وهو قول الأئمة والأَصْحَاب" (٥) يعني: من الشافعية.

стр. 705

وعلل الحنفية ذلك: بأَنَّ المتعارف عليه العملُ بالمفهوم عند المكلفين، والثابت بالعرف كالثابت بالنَّصّ، والمعروف كالمشروط (١). وقال ابن حجر عن القول الأول: إنَّه مهجور، وعمل الناس على خلافه (٢). والذي أرجحه: هو القول الثاني؛ لقوة ما علل به قائلوه. فيعمل بمفهوم المخالفة في كلام المكلف على أَنّه إذا قامت قرينة حالية، أَوْ مقالية، أَوْ عرفية تعارض مفهوم المخالفة، وتوجب إهماله أُخِذ بها. ثانيًا: حجية مفهوم الموافقة في لفظ المكلف: أَمَّا مفهوم الموافقة في كلام المكلفين فلم أقف على من ذكره من العلماء. والذي يظهر لي: أَنّه بقسميه الأولوي والمساوي (٣) ليس حجة؛ لأَنَّه من باب القياس، وهو ممتنع في كلام المكلفين في العقود والالتزامات ونحوها؛ إذ إنَّه يؤدي إلى إلزام المكلف بما لم
следующие страницы →