← Сияса и кади

Сияса и кади · id 17810

توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية

عبد الله بن محمد الخنين

Полный текст (1 181 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ومن وكل شخصًا ليشتري له أضحية، فاشتراها له بعد مضي أوقات الذبح فلا تلزمه؛ لأَنَّ دلالة الحال تقتضي أَنْ يشتريها قبل انتهاء أيام الذبح ليضحي بها (١). * * *

стр. 702

المطلب السابع دلالة المفهوم في لفظ المكلف المراد بالمفهوم في لفظ المكلف: المفهوم هو المعنى المستفاد من اللفظ مع السكوت عنه، ولزوم ذلك المعنى للفظ (١). أقسام المفهوم في لفظ المكلف: وهو ينقسم قسمين، هما (٢): ١ - مفهوم الموافقة: والمراد به: فهم الحكم في المسكوت من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده.

стр. 703

ومنه ما كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، ومنه ما كان المسكوت عنه مساويًا للمنطوق في الحكم. ٢ - ومفهوم المخالفة: والمراد به: أَنْ يكون المسكوت عنه مخالفًا لحكم المنطوق. فمن وكّل شخصًا في شراء سيارة بيضاء، فمفهوم المخالفة من صفة البياض ألَّا تكون لونًا آخر. ومن أقسام مفهوم المخالفة: مفهوم الصفة، ومفهوم التقسيم، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم العدد، ومفهوم اللقب. حجية المفهوم في لفظ المكلف: ونبين حجية مفهوم المخالفة في لفظ المكلف، ثم نتبعه ببيان حجية مفهوم الموافقة عنده فيما يلي: أولًا: حجية مفهوم المخالفة في لفظ المكلف: مفهوم المخالفة في لفظ المكلف غير محتج به إذا دَلَّ دليل من قرينة وغيرها على تخصيص المنطوق بالذكر؛ لكونه مختصًا بالحكم، وما عدا ذلك فقد اختلف الفقهاء في حجية مفهوم المخالفة في كلام الآدميين على قولين، وبيان ذلك على النحو التالي: القول الأول: أَنَّ مفهوم المخالفة في كلام المكلفين غير حجة.

стр. 704

وهذا القول هو ظاهر المذهب عند الحنفية (١)، وهو المحكيُّ عن القاضي حسين (ت: ٤٦٢ هـ) من الشافعية، ومال إليه السبكي (ت: ٧٥٦ هـ) منهم (٢). وعلل الحنفية ذلك: بأَنَّ المفهوم لا يعمل به في الأدلة الشرعية، فكذا في كلام المكلفين (٣). القول الثاني: أَنَّ مفهوم المخالفة في كلام المكلفين حجة. وبذلك قال جمع من الحنفية، منهم محمد (ت: ١٨٩ هـ) في السير الكبير، والسرخسي (ت: ٤٩٠ هـ) في السير الكبير، والخصاف (ت: ٢٦١ هـ)، قال ابن نحيم (ت: ٩٧٠ هـ): "وعليه العمل" (٤). وبه قال جمع من الشافعية، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ): "وهو قول الأئمة والأَصْحَاب" (٥) يعني: من الشافعية.

стр. 705

وعلل الحنفية ذلك: بأَنَّ المتعارف عليه العملُ بالمفهوم عند المكلفين، والثابت بالعرف كالثابت بالنَّصّ، والمعروف كالمشروط (١). وقال ابن حجر عن القول الأول: إنَّه مهجور، وعمل الناس على خلافه (٢). والذي أرجحه: هو القول الثاني؛ لقوة ما علل به قائلوه. فيعمل بمفهوم المخالفة في كلام المكلف على أَنّه إذا قامت قرينة حالية، أَوْ مقالية، أَوْ عرفية تعارض مفهوم المخالفة، وتوجب إهماله أُخِذ بها. ثانيًا: حجية مفهوم الموافقة في لفظ المكلف: أَمَّا مفهوم الموافقة في كلام المكلفين فلم أقف على من ذكره من العلماء. والذي يظهر لي: أَنّه بقسميه الأولوي والمساوي (٣) ليس حجة؛ لأَنَّه من باب القياس، وهو ممتنع في كلام المكلفين في العقود والالتزامات ونحوها؛ إذ إنَّه يؤدي إلى إلزام المكلف بما لم

стр. 706

يلتزمه، والأصل عدم تعدية كلام المكلف على ما زاد على لفظه إلَّا بدليل يَدُلُّ على ذلك. لكن متى أفاد مفهوم الموافقة ظنًا غالبًا عهد من المكلف الالتفات إلى مثله بدلائل حالية، أَوْ عرفية، أَوْ دلالة السياق، وكان خاليًا من معارض راجح أُخِذ به (١). * * *

стр. 707

المطلب الثامن دلالة الاقتضاء والإِشارة والإِيماء في لفظ المكلف وقد سبق بيان أنَّها من أقسام المنطوق غير الصريح. المراد بهذه الدلالات: سبق أَنَّ دلالة الاقتضاء: هي أَنْ يتضمن الكلام إضمارًا ضروريًّا لا يستقيم الكلام إلَّا بتقديره. وموجباته: تَوَقُّف الصدق عليه، أَوْ تَوَقُّف الصِّحَّة عليه شرعًا أَوْ عقلًا. كما سبق أَنَّ دلالة الإشارة: هي أَنْ يدُلَّ اللفظ على معنى ليس مقصودًا باللفظ في أصل الوضع، لكنه لازم للمقصود (١). كما سبق أَنَّ دلالة الإِيماء أَوْ التنبيه: هي أَنْ يقترن بالحكم وصف لو لم يكن هذا الوصف تعليلًا لكان ذكره في الكلام حشوًا لا فائدة منه (٢).

стр. 708

حكم إعمال هذه الدلالات في لفظ المكلف: قد سبق بيان حكم هذه الدلالات في النُّصُوص الشرعية. والمطلوب هنا بيان حكم إعمال هذه الدلالات- الاقتضاء، والإِشارة، والإِيماء- في كلام المكلفين من إقرار، وتعاقد، ونحوهما. فنقول: إنَّ هذه الدلالات هي دلالات التزامية للكلام، ولفظ المكلف قد وضع للدلالة على إرادته بالتزاماته العقدية ونحوها التي اتجه إليها قصده عند صدور الكلام منه، ولذا وجب عند تفسير دلالة كلامه أَنْ يلحظ هذا الأمر. وغاية البحث في الألفاظ ودلالاتها صريحةً أَوْ التزاميةً: هو الكشف عن إرادة المكلف لما صدر منه من إقرار، أَوْ تصرف، أَوْ معاقدة، يقول ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ) - بعد أَنْ بين أَنَّ الألفاظ لم ترد لذواتها, ولا تُعُبِّدْنا بها، وإنَّما هي وسائل إلى المعاني، وأَنَّ الحقائق لا تتغير بتغير اللفظ، وأَنَّ الاستنباط هو استخراج الأمر الذي من شأنه أَنْ يخفي على غير مستنبطه-، يقول: "وإنَّما هذا -يعني الاستنباط- فهم لوازم المعنى ونظائره، ومراد المتكلم بكلامه، ومعرفة حدود كلامه بحيث لا يدخل فيها غير المراد، ولا يخرج منها شيء من المراد" (١).

стр. 709

وقال في موضع آخر: "فمن عرف مراد المتكلم بدليل من الأدلة وَجَبَ اتباع مراده، والألفاظ لم تقصد لذواتها، وإنَّما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده ووضح بأيِّ طريق كان عُمِل بمقتضاه، سواء كان بإشارة، أَوْ كتابة، أَوْ إيماءة، أَوْ دلالة عقلية، أَوْ قرينة حالية، أَوْ عادة له مطردة لا يخل بها" (١). فقد ضبط ابن القَيِّمِ فيما ذكره سابقًا اعتبار تفسير الكلام بأَنَّه: ما أظهر مراد المكلف وأوضحه بأيّ طريق كان، وعدَّ من الدلالات الالتزامية دلالةَ الإِيماء. وصرح بعض المعاصرين: بأَنَّه يعمل بدلالة الاقتضاء في كلام المكلفين؛ لأَنَّ الأصل صيانة كلام العاقل عن اللغو، ولأَنَّ إعمال الكلام خير من إهماله (٢). وهذا هو ظاهر صنيع الأصوليين، فقد مَثَّلوا لدلالة الاقتضاء التي أوجبها تَوَقُّف صِحَّة الكلام على الدلالة عقلًا بأمر شخص لغيره بقوله: اصعد السطح، فإذا يقضي بالضرورة نصب السُّلَّم. كما مَثَّلوا لدلالة الاقتضاء التي أوجبها تَوَقُّف صِحَّة الكلام عليها بقول شخص لآخر: اعتق عبدك عني على خمسمائة درهم، فيقدر إذا أعتقه بيع ضمني؛ لأَنَّ ذلك يقتضي ضرورة دخول العبد في

стр. 710

ملك القائل قبل عتقه بزمن ما؛ ليكون عتقه متفرعًا على ملكه (١). ولم أقف على غير ذلك في بيان حجية الدلالات المذكورة في كلام المكلفين. والذي يظهر لي: أَنَّ دلالة الاقتضاء، والإِشارة، والإِيماء تُعْمَل أَوْ تُهْمَل بحسب القرائن التي تحتف بها، فتوجب إعمالها أَوْ إهمالها، سواء كانت القرائن عرفية، أَمْ حالية، أَمْ مقالية من سياق ونحوه، أَمْ بينات قضائية، أَمْ مرجحات أوّلية من أصل أَوْ ظاهر (٢)، وإذا جرى إعمالها للقرائن المقتضية لذلك، واقتضى الأمر تقوية الدلالة باليمين وأمكن فَعَلَه القاضي، وذلك كما في التحليف عند تفسير الكناية في القذف (٣). على أَنّه يجب أَنْ يلحظ عند تفسير الكلام باقتضائه ما فيه من إجمال أَوْ اشتراك، فيسلك في تفسيره الأصول والأحكام المقررة في تفسير المجمل، وقد سبق بيان ذلك (٤). أَمَّا إذا خلت هذه الدلالات من القرائن الموجبة أَوْ النافية لها

стр. 711

فيُعْمَل بدلالة الاقتضاء؛ لقوتها؛ لأَنَّ الدلالة مقصودة للمتكلم في أصل الوضع (١). ولا يعمل بدلالة الإِشارة؛ لأَنَّها غير مقصودة باللفظ في أصل الوضع (٢)، واللازم قد لا يقصده المكلف عند كلامه فلا يلزمه، وليس هناك ضرورة تقتضيه في أصل الوضع، كدلالة الاقتضاء. كما لا يُعْمَل بدلالة الإِيماء؛ لأَنَّها تعود إلى إثبات العلة في باب القياس (٣)، وهو ممتنع في كلام المكلف فيما يَدُلُّ على إرادته في التعاقد ونحوه، ولا تؤمن نتيجته بإلزام المكلف بما لم يلتزمه. قال العلماء: إذا كان الحكم معللًا بعلة فلا يتكرر بتكرارها في تصرفات المكلفين (٤)؛ وما ذلك إلَّا لمنع القياس في تصرفات المكلفين. * * *

стр. 712

المطلب التاسع دلالة التعريض في لفظ المكلف الكلام، منه الواضح (صريح، وظاهر)، ومنه المجمل كالكناية (١)، ومنه التعريض (٢). المراد بالتعريض في لفظ المكلف: التعريض في اللغة: ضد التصريح، فيقال: عرَّض لفلان، وبفلان: إذا قال قولًا وهو يعنيه (٣)، وذلك كأَنْ يقول رجل لآخر: ما أقبح البخل! تعريض بالمخاطب بأَنَّه بخيل (٤). ولا يخرج المراد به هنا عن المعنى اللغوي. حجية دلالات التعريض في لفظ المكلف: معرض الكلام لا دلالة فيه ظاهرة على قصد المكلف وإرادته، فلا يكون حجة على المكلف إلَّا إذا اقترن به ما يفسر الإِرادة ويوضح

стр. 713

المعنى المراد من قرائن لفظية كالسياق، أَوْ عرفية، أَوْ حالية، فيحتج به، ولذلك قال الفقهاء: إنَّ على الخصم أَنْ يفصح في كلامه، ويبين دعواه وإجابته حتى يفهم كلامه، ولا يعتد بلحن خطابه (١)، ومعرض كلامه، فإذا أبهم كلامه لزمه تفسيره وبيانه بما يرفع الإِشكال، وإلَّا لم يعتد به (٢). قال ابن سهل (ت: ٤٨٦ هـ): "إذا نقص المدعي من دعواه ما فيه بيان مطلبه أَمَرَه بتمامه، وإن أتى بإشكال أَمَرَه ببيانه، فإذا صَحَّت الدعوى سَأَل الحاكم المطلوب عنها ... وإن أبهم جوابه أمره بتفسيره حتى يرتفع الإِشكال عنه" (٣). ويقول عياض (ت: ٥٤٤ هـ) -وهو يبين المراد بفهم القاضي عن الخصمين -: " ... تحققه ما سمع منهما دون احتمال، لا أَنّه فهم من معرض كلامهما, ولحن خطابهما، ليس هذا مما تقام الأحكام به" (٤). فلا يبنى الفهم السليم على معرض الكلام، ولحن الخطاب. نَعَمْ، ما يفهمه القاضي من معرض كلام الخصم ولحن خطابه

стр. 714

-مما يوجب الحق عليه لا له- يستدعي من القاضي التثبت وزيادة الكشف، حتى يتحقق للقاضي ما يثبت ذلك أَوْ ينفيه، أما الركون إلى ذلك مجردًا فغير سائغ. فالتعريض المعتدّ به في الدلالة هو: ما دَلَّ على المعنى المراد بقرينة ظاهرة (١). ومن أمثلة ما اعتُدَّ فيه بالتعريض للقرينة الملابسة له: من دفع ثوبه لخياط ليخيطه، ولم يكن منتصبًا لهذا العمل، ولم تجر عادته بأخذ الأجرة، فإنَّه لا يستحق أجرة إلَّا بشرط، لكن لو عَرَّض صاحب الثوب للخياط بدفع الأجرة لزمته أجرة المثل، وذلك كقوله له: خذه وأنا أعلم أَنّك مُتَعَيِّش، أَوْ أنا أُرْضِيك، ونحوه مما يَدُلُّ على التزامه إعطاء الأجرة (٢). * * *

стр. 715

المطلب العاشر تفسير الكتابة الصادرة من المكلف المراد بالكتابة: هي الخط المرسوم على الوجه المعتاد؛ للدلالة على القصد والإرادة. حجية العمل بالكتابة وشروطه: الكتابة تَدُلُّ على القصد والإرادة كدلالة اللفظ؛ ولذلك قال العلماء: الكتاب كالخطاب (١). ويجوز الإِقرار والتصرف بالكتابة، فللإِنسان أَنْ يقر بدين لآخر بواسطة الكتابة، وأَنْ يطلّق بواسطة الكتابة، وأَنْ يعاقد رجلًا آخر في بلد آخر بيعًا ونحوه بالكتابة. وهكذا إذا كان الرجل أخرسَ كانت الكتابة وسيلة له في الدلالة على الإِرادة والقصد في التعاقد وكافة التصرفات؛ لأَنَّها له كالنطق من

стр. 716

كل وجه (١). ويشترط في العمل بالكتابة: أَنْ تكون مستبينة، ومرسومة على الوجه المعتاد، مأمونة من التزوير، قد ثبتت نسبتها للكاتب. ومعنى كونها مستبينة: أَنْ تكتب على شيء تثبت عليه وتظهر فيه، فلا تعتبر الكتابة في الهواء، أَوْ على سطح الماء. ومعنى كونها مرسومة على الوجه المعتاد: أَنْ يسلك كاتبها الطريقة المعتادة بين الناس في كتاباتهم، ومن ذلك في وقتنا الحاضر توقيعُها (٢). ومعنى الأمن فيها من التزوير: أَنْ تحصل الثقة بنسبتها إلى الكاتب من غير تغير يخل بالثقة فيها ونسبتِها للكاتب. طرق تفسير الكتابة: طرق تفسير الكتابة هي نفسها طرق تفسير اللفظ في كل حق عددنا الكتابة فيه وسيلة للدلالة على الإِرادة، فالقلم أحد اللسانين، وحُسْنُه أحد البيانين. * * *

стр. 717

المبحث الثاني تفسير فعل المكلف وفيه مطلبان: المطلب الأول: المراد بفعل المكلف ودلالته. المطلب الثاني: أصول تفسير فعل المكلف في دلالته على الإِرادة.

стр. 718

المطلب الأول المراد بفعل المكلف ودلالته المراد بفعل المكلف: الفِعْلُ في اللغة -بكسر الفاء-: اسم، وهو مفرد جمعه: فِعَال، ولجمع القلة يقال: أفعال، والفعل منه (فَعَلَ): يَدُلُّ على إحداث شيء من عمل وغيره (١). والمراد به هنا: عمل المكلف في مقام الدلالة على الإِرادة والعزم. فهناك أعمال تصدر عن المكلف في مجال الدلالة على الإِرادة، فيكون بعضها مهدرًا، وهو الأصل، ويكون بعضها معتدًّا به في الدلالة على العزم والإرادة، كالمعاطاة في البيع والإِجارة، ونحوهما.

стр. 719

دلالة فعل المكلف: الأصل في الدلالة على الإِرادة وبيانها هو اللفظ، فهو الطريق الفطري الذي يستعمله الناس في إظهار مكنوناتهم، وإبرازِ إراداتهم (١)، غير أَنَّ الناس قد اتخذوا وسائل أخرى يصيرون إليها للدلالة على إراداتهم كالكتابة التي لها حكم اللفظ وقد سبقت، وكالفعل للدلالة على أمر من عقد ونحوه، كالمعاطاة في البيع والإِجارة ونحوهما، وفي حكم الفعل في الهيئة: الإِشارة كما سيأتي، وكالسكوت الذي يَدُلُّ على الإرادة في بعض الصور، وسيأتي. فما أثر الفعل في الدلالة على الإرادة ؟ إنَّ الأصل في الفعل عدم الدلالة على القصد والإِرادة؛ لأَنَّه لم يُجْعَل لذلك، ولكن إذا لابسته قرينة تَدُلُّ على الاعتداد به في الدلالة على القصد والإِرادة عُمِلَ بها، وصار دالًّا على القصد والإِرادة، سواء كان الفعل وسيلة عرفية للدلالة على الإِرادة، أَمْ اقتضى الحال إعماله في الدلالة على ذلك، أَمْ كان في ترك إعماله تغرير أَوْ ضرر، ومن القواعد المقررة: أَنَّ البيان كما يكون بالصريح يكون بالدلالة (٢).

стр. 720

وذلك مثل: بيع المعاطاة؛ لاقتضاء العرف لها، وإظهار صفة في المبيع؛ فإنَّه بمثابة اشتراطها دفعًا للتغرير (١)، ووطء المطلقة الرجعية؛ فإنَّه رجعة ولو لم يَنْوِ به الرجعة؛ لدلالة الحال الظاهرة على ذلك، فهو كالصريح كما ذكره الحنابلة (٢)، وكتحويل الرجل وجهه عن زوجته في الفراش من غير مسوغ؛ فإنَّه إضرار بها كما ذكره المالكية (٣). على أَنَّ من الأفعال ما يكون واضحًا في الدلالة، كالمعاطاة في البيع ونحوه، ومنها ما يحتمل أكثر من معنى على التساوي، فيطلب مرجح لأحد المعنين على الآخر (٤)، وذلك كمن عليه دينان لشخص واحد؛ أحدهما برهن والآخر بدونه، فسلّم لرب الحق مقدار أحدهما، فالقول في حمله وتفسيره على أيٍّ من الدينين يرجع للمُسلِّم؛ لأَنَّ فعل المُسلِّم يحتملهما فيرجع إليه في التعيين فيما نواه (٥). * * *

стр. 721

المطلب الثاني أصول تفسير فعل المكلف في دلالته على الإِرادة للفعل الدال على الإِرادة أصول يرجع إليها في تفسيره، وبيانها كما يلي: ١ - الشرع: فإذا كان ثَمَّ فعل، ودَلَّ الشرع على الاعتداد بدلالته على القصد والإِرادة وَجَبَ إعماله. مثال ذلك: إظهار الصفات في المبيع؛ فقد جعله النبي ﷺ بمثابة اشتراطها؛ تنزيلًا للدلالة بالفعل منزلة المقالة، ودفعًا للتغرير عن المشتري، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أَنّه قال: "لا تُصَرُّوا الإِبل والغنم، فمن ابتاعها بَعْدُ فإنَّه بخير النظرين بعد أَنْ يحلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعَ تمر" (١).

стр. 722

فمن أظهر صفة مطلوبة في المبيع وهي ليست فيه فكأَنَّه اشترطها لفظًا، فيكون البائع مدلّسًا، ويثبت للمشتري الخيار (١). يقول ابن تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨ هـ): "وجعل -يعني النبي ﷺ إظهار الصفات في المبيع بمنزلة اشتراطها باللفظ، مثل المصرّاة ونحوها من المدلّسات" (٢). ومن ذلك: إذا كان في الفعل ضرر؛ لأَنَّ النبي ﷺ نهى عن الضرر؛ فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٣)، فمن حوّل وجهه عن زوجته في الفراش كان دليلًا على إرادته الإِضرار بها- كما ذكره المالكية-، ولها طلب فراقه (٤).

стр. 723

٢ - العرف: وقد سبق تعريفه (١). فالأفعال المستقرة عرفًا كالأقوال، فإنَّ عَمَلَ الناس وأفعالهم التي تتعلق بالمعاملات والدلالة على الإِرادة إذا استقرت وصارت عرفًا لا يخالف الشرع صار لها قوة في الدلالة كدلالة اللفظ، كالمعاطاة في البيع، والهبة، والوكالة، والإِعارة، والإِباحة؛ فإنَّها تنعقد بما يَدُلُّ عليها من الأفعال (٢). وهكذا من جهز ابنته أَوْ أخته بجهاز إلى بيت زوجها كان ذلك تمليكًا لها (٣). ومما يلحق بذلك الأعراف العملية التي تواضع الناس عليها مما لا يخالف الشرع، فإنَّ لها قوة في الدلالة كدلالة اللفظ الصادر من المكلف في تقييد المطلق، وتخصيص العام، وتفسير المجمل، وصرف الظاهر. فمن باع سيارة تبعها في ذلك ما معها من عُدَّتها وعَجَلِها الاحتياطي ولو لم يشترطه المشتري؛ إقامةً للعرف العملي مقام

стр. 724

الشرط، ومن استأجر سيارة لحمل متاع فإنَّما يحمل عليها النوع والقدر المعتاد مما لا ضرر منه عليها ولو لم يشترط ذلك المؤجر؛ إقامةً للعرف العملي مقام صريح اللفظ في تقييد ما أطلق. وقد تتابعت عدد من القواعد الفقهية على تقرير هذا المعنى منها: "استعمالُ الناسِ حجةٌ يجب العملُ به"، و"المعروفُ عُرْفًا كالمشروط شَرْطًا"، و"التعيينُ بالعُرْفِ كالتعيينِ بالنَّصّ"، و"المعروفُ بين التُّجَّار كالمشروط بينهم" (١)، لكن المستقر عرفًا إذا صرح المتعاقدان بخلافه صَحَّ ولزم الأمر المصرح به (٢). ودلالة الفعل العرفية إذا لم تكن معروفة للقاضي والمفتي رُجِعَ فيها إلى أهل الخبرة بالعرف في الشأن الذي يراد تفسير الفعل في مقامه؛ لأَنَّ أهل الخبرة بالعرف في كل اختصاص أدرى بتفسيره، وإظهاره، وكشفه، وبيانه. وقد ذكر الفقهاء أَنَّ الراعي لو فعل فعلًا، وتصادق الطرفان على حدوثه، لكن اختلفا في كونه تعديًا- فإنَّه يرجع إلى أهل الخبرة في بيان كون هذا الفعل تعديًا أَوْ لا؛ لأَنَّهم أدرى به، وأقدر على إظهاره، وكشفه، وبيانه (٣).

стр. 725

٣ - دلالة الحال: والمراد به: القرائن الحالية التي تحفّ بالفعل، فترجح جانب إعماله ودلالته على الإِرادة على جانب إهماله. وذلك إقامة لدلالة الفعل مقام دلالة اللفظ، فللحالة من الدلالة كما للمقالة. ومن ذلك: مشتري السلعة إذا ظهر بها عيب، فله الخيار على التراخي، لكن إذا تصرف فيها ببيع، أَوْ إجازة، أَوْ إعارة ونحوها، أَوْ استعمل السلعة لغير تجربة عالمًا بالعيب- سقط خياره في الرد؛ لأَنَّ ذلك دليل على الرضا به، والحال تفسر الأفعال كما تفسر الأقوال. وهكذا من تزوج امرأة فصارت معيبة، أَوْ هو معيب بعيب موجب للخيار فله أَوْ لها الخيار متراخيًا، لكن إذا وجد ما يَدُلُّ على رضاه من وطء من الزوج، أَوْ تمكين من الزوجة مع العلم بالعيب سقط خياره في الفسخ (١). وهذا فيه -أيضًا-: أَنَّ دلالة الشيء في الأمور الباطنة تقوم مقامه؛ فإنَّ الرضا بالعيب مكانه القلب، فوطء الزوج، أَوْ تمكين الزوجة مع العلم بالعيب دالٌّ على الرضا بالعيب (٢)، وهكذا الرضا بعيب المبيع على ما سلف ذكره.

стр. 726

فالشرع يرتب أحكامًا على أمور باطنة يعسر أَوْ يتعذر الوقوف والاطلاع عليها، فجعل دليل تلك الأمور الباطنة ما ظهر منها؛ طلبًا لانضباط أحكامها، فإذا ثبتت تلك الأمارات والعلامات الظاهرة من الأفعال دلَّتْ على الإِرادة، وأثبت الحكم لذلك الأمر الباطن. ومن أمثلته منضافة إلى ما سلف: وجوب القصاص في القتل العمد العدوان، فلما كانت العمدية صفة قائمة بالقلب رَتَّبَ الشرع الحكم على الفعل بالآلة المستعملة في القتل، فإن كانت الإِصابة بها تؤدي إلى الموت غالبًا كان فاعل ذلك عامدًا (١). * * *

стр. 727

المبحث الثالث تفسير إشارة المكلف وفيه مطلبان: المطلب الأول: المراد بإشارة المكلف ودلالتها. المطلب الثاني: شروط العمل بإشارة المكلف.

стр. 728

المطلب الأول المراد بإشارة المكلف ودلالتها المراد بإشارة المكلف: هي هيئة فعلية معهودة مفهومة تصدر من المكلف للدلالة على إرادته وقصده. دلالة إشارة المكلف: إذا تعذر على الإِنسان البيان بلسانه لِخَرِسٍ فإنَّ الإِشارة المعهودة منه تقوم مقام بيانه ولفظه باللسان، سواء أكانت الإِشارة باليد أَمْ العين أَمْ الحاجب، وسواء أكان ذلك في البيع، أَمْ الهبة، أَمْ النكاح، أَمْ الطلاق، أَمْ الإِقرار، أَمْ الإِنكار، أَمْ الحلف، أَمْ النكول، أَمْ غيرها مما يستدعي بيانه وإيضاحه، وقد جاءت القاعدة الفقهية مقررة: أَنَّ الإِشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان. وإنَّما كانت الإِشارة للأخرس كلفظه لضرورة بيان إرادته عند تعامله؛ لأَنَّه محتاج للتعامل مع الآخرين، ويتعذر بيانه إلَّا بها (١).

стр. 729

وقد قرر العلماء: أَنّه يثبت القصاص على الأخرس إذا أقر بموجبه بالإِشارة (١). وذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى صِحَّة إقرار الأخرس بالإِشارة بما يوجب الحد عليه؛ لأَنَّه كما يؤاخذ بإقراره بالإِشارة في غير الحدود فكذلك يؤاخذ في الحدود. وخالف في ذلك الحنفية فقالوا: لا يُحَدُّ الأخرس عند إقراره بالإِشارة؛ لأَنَّه يتطرق إليها الاحتمال في المراد، والحدود تُدْرَأ بالشبهات (٢)، وكلام الخرقي (ت: ٣٣٤ هـ) من الحنابلة يحتمل ذلك (٣). * * *

стр. 730

المطلب الثاني شروط العمل بإشارة المكلف يشترط للعمل بالإِشارة ما يلي: ١ - أَنْ تكون الإِشارة معهودة مفهومة، فإن عَرَفَها القاضي، وإلَّا ترجم إشارة الأخرس من يعرفها من أقربائه وجيرانه، ومعارفه، أَوْ المتخصصين بهذا الفن (١)، أَمَّا إذا لم تعرف له إشارة ولا عبارة فهو في حكم المجنون يقوم وليه مقامه (٢). ويتضح مما سلف أَنَّ دلالات الإِشارة من الأخرس اصطلاحية، فهو يصطلح على إشارات معينة يتعامل بها مع الناس عامة أَوْ مع معارفه من جيران وأصدقاء وأقارب خاصة، وقد تقدمت الأبحاث والدراسات التعليمية، وصار للخَرَس إشارات اصطلاحية تعمهم، يتفاهمون بواسطتها مع أمثالهم ومع غيرهم، وعلى كلٍّ فإنَّه لا يعمل بإشارة الأخرس إلَّا إذا كانت معهودة منه، مفهومة لغيره.

стр. 731

والأخرس بهذه الإِشارة المفهومة يَدُلُّ على إرادته في تصرفاته، وهي تقوم مقام اللفظ للمتكلم في بيان إرادته، وتفسر دلالتها عند إجمالها، وتقيد مطلقها، وتخصص عمومها، ونحو ذلك مما يفسر به اللفظ. ٢ - يشترط بعض الفقهاء: أَنْ تكون الإِشارة من أخرس، أَوْ من معتقل لسانه زاد اعتقاله على عام حتى لا تتعطل مصالحه (١)، أَوْ يقوم دليل على اليأس من كلامه ولو لم يصل اعتقاله إلى عام. وخالف آخرون منهم فقالوا: لا تَصِحُّ الإِشارة من معتقل اللسان، لأَنَّه غير ميؤوس من نطقه (٢). والذي يظهر لي: اشتراط أَنْ تكون الإِشارة من أخرس أَوْ معتقل لسانه ولو لم تصل مدة اعتقاله إلى عام، بل متى اعتقل لسانه وفهمت إشارته عُمِل بها. وإذا جرى العرف باستعمال بعض الإِشارات من الناطقين عُمِل بها (٣)، وقد أشار النبي ﷺ في مواضع، وأغنت إشارته عن نطقه، فقال: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وقبض الإِبهام في الثالثة" (٤).

стр. 732

٣ - يشترط بعض الفقهاء: ألَّا يُحْسِن الأخرسُ الكتابة، فإن أحسنها أعملنا كتابته وألغينا إشارته؛ لأَنَّ الكتابة كالنطق من كل وجه، بخلاف الإِشارة فإنَّها دونه، فلا تقبل مع إمكان الكتابة. وخالف آخرون فقالوا باعتبار الإِشارة ولو عرف الأخرس الكتابة (١)، وهذا أظهر؛ لأَنَّها وسيلة يسلكها الأخرس للدلالة على ما يريده ويقصده، لكن مهما أمكنت الكتابة إن كان الأخرس كاتبًا فهو أتمّ وأكمل. * * *

стр. 733

المبحث الرابع تفسير سكوت المكلف وفيه مطلبان: المطلب الأول: المراد بسكوت المكلف ودلالته. المطلب الثاني: أصول تفسير سكوت المكلف الملابس للقرينة.

стр. 734

المطلب الأول المراد بسكوت المكلف ودلالته المراد بسكوت المكلف: السكوت لغة: يَدُلُّ على خلاف الكلام، فهو الصمات (١). وسكوت المكلف اصطلاحًا: ترك المكلف الكلام والفعل ونحوهما من الكتابة والإِشارة في مقام الدلالة على الإرادة (٢). فالسكوت ترك للكلام والفعل في مقام الدلالة على الإِرادة، وسواء أكان السكوت مجردًا عن القرائن الدالة على القصد والإِرادة، أَمْ ملابسًا للقرائن الدالة عليه (٣). دلالة سكوت المكلف: سكوت المكلف نوعان، لكل واحد منهما حكم في الدلالة

стр. 735

يختلف عن الآخر، وبيانهما كما يلي (١): النوع الأول: السكوت المجرد عن القرائن الدالة على القصد والإِرادة: فهذا السكوت لا يكون رضًا بالمسكوت عنه ولا موافقة عليه؛ لأَنَّ عدم القول هو المتيقن، ودلالة السكوت مشكوك فيها ولم يؤيدها قرائن مرجحة لها، ولذا جاءت القاعدة الفقهية مقررة أَنَّه: لا ينسب لساكت قول (٢). فالسكوت المجرد لا يكون إذنًا، ولا دلالة فيه على الإِرادة (٣)، فلو صدر الإِيجاب بالبيع من شخص لآخر، وقوبل من قِبَل الآخر بالسكوت عن القبول، ولم يقترن به معاطاة ولا غيرها مما يَدُلُّ على القبول فلا يكون الساكت قابلًا للبيع، فلا ينعقد. وهذا النوع هو الأصل في السكوت، فإنَّه لا دلالة للسكوت على الرضا، فلا يقال عن ساكت: إنَّه قال كذا، أَوْ أراد كذا. النوع الثاني: السكوت الملابس للقرينة: فإذا دَلَّت قرينة على أَنَّ الساكت أراد معنى معينًا كان السكوت

стр. 736

بيانًا، وذلك حين يكون السكوت في موطن يلزم فيه التكلم لدفع ضرر أَوْ تغرير، أَوْ يكون قرينة حالية، أَوْ وسيلة عرفية للدلالة على القصد والإِرادة، ولذلك جاءت القاعدة الفقهية مقررة أَنَّ: للحالة من الدلالة كما للمقالة، ومقررة: بأَنَّ السكوت في معرض الحاجة إلى البيانِ بيانٌ. وحكم هذا السكوت أَنَّه يعتد به في الدلالة على القصد والإِرادة من انعقاد عقد، أَوْ إجازة تصرف، أَوْ الإِذن فيه، وذلك ما لم يعارضه ما هو أقوى منه من قرينة أخرى أَوْ تصريح بما ينفي دلالته، ولذلك جاءت القاعدة الفقهية مقررة: أَنَّه لا عبرة بالدلالة في مقابلة الصريح (١). ومن أمثلة ما يكون فيه السكوت بيانًا: سكوت الشفيع عن المطالبة بالشفعة بعد علمه بالبيع، فيُعَدُّ سكوته رضًا بإسقاط الشفعة (٢)، وسيأتي مزيد من الأمثلة في المطلب القادم. * * *

стр. 737

المطلب الثاني أصول تفسير سكوت المكلف الملابس للقرينة هناك أصول يرجع إليها عند تفسير السكوت الملابس للقرينة، وهي: ١ - الشرع: فإذا كان ثَمَّ سكوت، ودَلَّ الشرع على تفسيره بما يَدُلُّ على القصد والإِرادة وَجَبَ إعماله. مثال ذلك: سكوت البكر البالغة بعد استئذانها في التزويج، فإنَّه رضًا بالزوج، وموافقة على نكاحه؛ لأَنَّ الحياء يمنعها من التصريح بالرضا، فعن ابن عباس- ﵁ أَنَّ النبي ﷺ قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تُستَأمَر، وإذنها سكوتها" (١).

стр. 738

ومن ذلك: إذا كان السكوت تغريرًا أَوْ ضررًا (١). ودليله: نَهْيُ النبي ﷺ عن الضرر، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٢). وهذا صريح في الضرر، والتغريرُ مثله؛ لأَنَّ في ترك إعماله عند مقتضيه ضرر على المغرور. ومن أمثلته: أَنَّ العين المرهونة إذا بيعت مع علم المرتهن وسكوته فيكون ذلك من المرتهن كتمانًا وتغريرًا بالمشتري، والغارُّ ضامن (٣). ومن ذلك: من رأى أَوْ علم أَنَّ ولده يتصرف بتأجير حوانيته، وقبض الأجرة، فيكون ذلك توكيلًا له، ولا يقبل من المالك نقض العقد مع المستأجر، ولو فرض أَنَّه لم يوكله فإنَّه غار بعلمه وسكوته عن الناس يتعاملون معه، والغارُّ ضامن (٤). يقول ابن تَيْمِيّهَ (ت: ٧٢٨ هـ): "لا يقبل قوله في إنكار الوكالة مع كونه يتصرف له تصرف الوكلاء مع علمه بذلك وكونه معروفًا بأَنَّه

стр. 739

وكيل بين الناس، حتى لو قدر أَنَّه لم يوكله- والحالة هذه- فتفريطه وتسليطه عدوان منه يوجب الضمان" (١). وهذا كحال بعض الناس اليوم: يضعون عمالهم في حوانيتهم فيبيعون ويشترون، وظاهر حال أرباب الأموال علمهم بذلك، وسكوتهم عنهم، فإذا وجب عليهم غرم من ثمن مبيع ونحوه أنكروا توكيلهم، فلا يسمع منهم ذلك، بل يضمنون. ومن أمثلة الضرر: شروطٌ هي من مقتضى العقد، مثل: تسلّم الثمن والمثمن، فإنَّها تلزم ولو سكت عنها المتعاقدان؛ لأَنَّ في تركها والإِعراض عنها ضررًا على المتعاقدين أَوْ أحدهما. ومن ذلك: أَنَّ الساكت عن جواب الدعوى يُعَدُّ ناكلًا، تسمع عليه البينة- إن كانت- بعد إنذاره بذلك، وإلَّا استُحلف المدعي وقضي على الساكت بعد إنذاره بذلك (٢)؛ لأَنَّ في إيقاف الدعوى عند سكوت المدعى عليه ضررًا على المدعي (٣). ومن ذلك: أَنَّه إذا توجهت اليمين على المدعى عليه ثم سكت فإنَّه يُعَدُّ ناكلًا ويقضى عليه بعد إنذاره بذلك- زاد بعضهم مع يمين

стр. 740

الطالب (١) -؛ لأَنَّ سكوت المدعى عليه عن أداء اليمين يؤدي إلى ترك الفصل في الدعوى، وذلك ضرر على المدعى. ٢ - العرف: وقد سبق تعريفه. فإذا حصل تصرف من الطرفين أَوْ أحدهما، وسكتا أَوْ أحدهما عن شيء من ذلك التصرف، فإنَّ العرف يأتي كاشفًا ومبينًا لإِرادة العاقد فيما سكت عنه بدخوله في العقد والتصرف أَوْ خروجه عنه ما لم يصرحا بخلافه (٢)، ولذلك جاءت القاعدة الفقهية مقررة بأَنَّ: "المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا" (٣)، وأَنَّ "المعروف بين التجار كالمشروط بينهم" (٤)، وأَنَّ "التعيين بالعرف كالتعيين بالنَّصّ" (٥). ومن أمثلة ذلك: معرفة ما يدخل في المبيع من التوابع إذا لم يشترط المتعاقدان ذلك، فمرجع تعيين المسكوت عنه من ذلك إلى
следующие страницы →