بيانًا، وذلك حين يكون السكوت في موطن يلزم فيه التكلم لدفع ضرر أَوْ تغرير، أَوْ يكون قرينة حالية، أَوْ وسيلة عرفية للدلالة على القصد والإِرادة، ولذلك جاءت القاعدة الفقهية مقررة أَنَّ: للحالة من الدلالة كما للمقالة، ومقررة: بأَنَّ السكوت في معرض الحاجة إلى البيانِ بيانٌ.
وحكم هذا السكوت أَنَّه يعتد به في الدلالة على القصد والإِرادة من انعقاد عقد، أَوْ إجازة تصرف، أَوْ الإِذن فيه، وذلك ما لم يعارضه ما هو أقوى منه من قرينة أخرى أَوْ تصريح بما ينفي دلالته، ولذلك جاءت القاعدة الفقهية مقررة: أَنَّه لا عبرة بالدلالة في مقابلة الصريح (١).
ومن أمثلة ما يكون فيه السكوت بيانًا: سكوت الشفيع عن المطالبة بالشفعة بعد علمه بالبيع، فيُعَدُّ سكوته رضًا بإسقاط الشفعة (٢)، وسيأتي مزيد من الأمثلة في المطلب القادم.
* * *
стр. 737
المطلب الثاني
أصول تفسير سكوت المكلف الملابس للقرينة
هناك أصول يرجع إليها عند تفسير السكوت الملابس للقرينة، وهي:
١ - الشرع:
فإذا كان ثَمَّ سكوت، ودَلَّ الشرع على تفسيره بما يَدُلُّ على القصد والإِرادة وَجَبَ إعماله.
مثال ذلك: سكوت البكر البالغة بعد استئذانها في التزويج، فإنَّه رضًا بالزوج، وموافقة على نكاحه؛ لأَنَّ الحياء يمنعها من التصريح بالرضا، فعن ابن عباس- ﵁ أَنَّ النبي ﷺ قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تُستَأمَر، وإذنها سكوتها" (١).
стр. 738
ومن ذلك: إذا كان السكوت تغريرًا أَوْ ضررًا (١).
ودليله: نَهْيُ النبي ﷺ عن الضرر، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٢).
وهذا صريح في الضرر، والتغريرُ مثله؛ لأَنَّ في ترك إعماله عند مقتضيه ضرر على المغرور.
ومن أمثلته: أَنَّ العين المرهونة إذا بيعت مع علم المرتهن وسكوته فيكون ذلك من المرتهن كتمانًا وتغريرًا بالمشتري، والغارُّ ضامن (٣).
ومن ذلك: من رأى أَوْ علم أَنَّ ولده يتصرف بتأجير حوانيته، وقبض الأجرة، فيكون ذلك توكيلًا له، ولا يقبل من المالك نقض العقد مع المستأجر، ولو فرض أَنَّه لم يوكله فإنَّه غار بعلمه وسكوته عن الناس يتعاملون معه، والغارُّ ضامن (٤).
يقول ابن تَيْمِيّهَ (ت: ٧٢٨ هـ): "لا يقبل قوله في إنكار الوكالة مع كونه يتصرف له تصرف الوكلاء مع علمه بذلك وكونه معروفًا بأَنَّه
стр. 739
وكيل بين الناس، حتى لو قدر أَنَّه لم يوكله- والحالة هذه- فتفريطه وتسليطه عدوان منه يوجب الضمان" (١).
وهذا كحال بعض الناس اليوم: يضعون عمالهم في حوانيتهم فيبيعون ويشترون، وظاهر حال أرباب الأموال علمهم بذلك، وسكوتهم عنهم، فإذا وجب عليهم غرم من ثمن مبيع ونحوه أنكروا توكيلهم، فلا يسمع منهم ذلك، بل يضمنون.
ومن أمثلة الضرر: شروطٌ هي من مقتضى العقد، مثل: تسلّم الثمن والمثمن، فإنَّها تلزم ولو سكت عنها المتعاقدان؛ لأَنَّ في تركها والإِعراض عنها ضررًا على المتعاقدين أَوْ أحدهما.
ومن ذلك: أَنَّ الساكت عن جواب الدعوى يُعَدُّ ناكلًا، تسمع عليه البينة- إن كانت- بعد إنذاره بذلك، وإلَّا استُحلف المدعي وقضي على الساكت بعد إنذاره بذلك (٢)؛ لأَنَّ في إيقاف الدعوى عند سكوت المدعى عليه ضررًا على المدعي (٣).
ومن ذلك: أَنَّه إذا توجهت اليمين على المدعى عليه ثم سكت فإنَّه يُعَدُّ ناكلًا ويقضى عليه بعد إنذاره بذلك- زاد بعضهم مع يمين
стр. 740
الطالب (١) -؛ لأَنَّ سكوت المدعى عليه عن أداء اليمين يؤدي إلى ترك الفصل في الدعوى، وذلك ضرر على المدعى.
٢ - العرف:
وقد سبق تعريفه.
فإذا حصل تصرف من الطرفين أَوْ أحدهما، وسكتا أَوْ أحدهما
عن شيء من ذلك التصرف، فإنَّ العرف يأتي كاشفًا ومبينًا لإِرادة العاقد فيما سكت عنه بدخوله في العقد والتصرف أَوْ خروجه عنه ما لم يصرحا بخلافه (٢)، ولذلك جاءت القاعدة الفقهية مقررة بأَنَّ: "المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا" (٣)، وأَنَّ "المعروف بين التجار كالمشروط بينهم" (٤)، وأَنَّ "التعيين بالعرف كالتعيين بالنَّصّ" (٥).
ومن أمثلة ذلك: معرفة ما يدخل في المبيع من التوابع إذا لم يشترط المتعاقدان ذلك، فمرجع تعيين المسكوت عنه من ذلك إلى
стр. 741
العرف (١)، وهكذا صانعٌ نصب نفسه للعمل بأجرة كحلاق، فإنَّه مع السكوت عن المعاقدة على الأجرة له أجرةُ المثل حسب العرف (٢).
٣ - دلالة الحال:
والمراد به: القرائن الحالية التي تحفُّ بالسكوت فتقوى جانب إعماله على إهماله.
فإذا سكت المكلف عند تصرف ونحوه، وقامت القرينة على دلالة السكوت على إرادة الساكت بموافقة ورضًا على ذلك الأمر اعتبرنا السكوت دالًّا على الرضا والموافقة على المسكوت عنه؛ لأَنَّ الحال اقتضى نطقه فسكت من غير مسوغ (٣)، ولذلك أمثلة منها:
(أ) إذا باع رجل دارًا أَوْ متاعًا بحضور آخر، فبعث البائع هذا الحاضر إلى المشتري ليقتضي الثمن منه، فذهب واقتضاه، فلا تسمع بعد دعواه على المشتري ملك المبيع لنفسه؛ لأَنَّه يصير مجيزًا للبيع بالسكوت مع تقاضي الثمن، ذكره الحنفية (٤).
ويقوى عندي أَنَّ سكوت الحاضر عن الاعتراض على البيع ولو
стр. 742
لم يذهب لاقتضاء الثمن فإنَّه يُعَدُّ تغريرًا بالمشتري، فينفذ العقد، وله مطالبة البائع بما قبضه من ثمن المبيع، وتسمع دفوع التملك أثناء المطالبة بالثمن.
(ب) من ترك متاعه عند جالس، وقال له: احفظ متاعي، فسكت المودع كان ذلك قبولًا منه للوديعة؛ لأَنَّ سكوته حين تركه ربه لديه رضًا بالإِيداع (١).
(ج) من ولدت له زوجته ولدًا فهُنِّئ به، فسكت كان ذلك إقرارًا به، فلا يملك نفيه بعد ذلك (٢).
* * *
стр. 743
المبحث الخامس أثر الأسباب والدوافع في تفسير الوقائع لفظًا أوْ فعلًا أوْ سكوتًا
стр. 744
المراد بالأسباب والدوافع هنا: الباعث الذي حمل المتكلم أَوْ المتعاقد، أَوْ الفاعل إلى ما قام به من ذلك الأمر (١).
فهي ملحوظة في بيان المجمل، وتأويل الظاهر، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وإبطال العقد وتَصْحِيحه، ونحو ذلك.
فالأسباب المهيجة للفعل أَوْ القول أَوْ السكوت، والدواعي أَوْ القصود الحاملة عليه ملحوظة في بيانه، أَوْ صحته وبطلانه.
فمن أوقف وقفًا، واحتمل لفظه في مصرفه شيئين حُمِل على ما هو أقرب إلى قصد المكلف وعرفه.
ومن وهبت لزوجها مالًا بطلبه، ثم طلقها أَوْ تزوج عليها كان لها الرجوع في هبتها؛ لأَنَّها إنَّما فعلت ذلك تودّدًا واستدامة للنكاح.
ومن طلق امرأته في مرض موته المخوف لم يمنعها ذلك من الإِرث ما لم تتزوج بعد انتهاء عدتها قبل موته.
ومن طلق امرأته بناءً على ما نقل عنها كذبًا من السوء، ثم ظهر له براءتها من ذلك لم يقع هذا الطلاق.
стр. 745
ومن عقد على امرأة ليحلها لغيره كان النكاح باطلًا، فلا تحل لناكحها ولا لمطلقها- العائدة إليه- بهذا النكاح.
ومن سكت عن المطالبة بحق، أَوْ عَقَدَ عَقْدَ إلجاءٍ حمله عليه حامل من خوف سلطان ظالم، أَوْ غرض آخر لم يلزم، ويعمل بالقرينة في ذلك.
ومن تزوج امرأة بعد طلاق امرأة قبلها، فكتب لزوجته الجديدة وكالة بأَنَّه متى ردّ زوجته السابقة فلها طلاقها إلى عشرين سنة، ثم طلق الثانية بطلت الوكالة، وهكذا من أكره على إقرار أَوْ عقد لم يلزمه ذلك.
فالقصد روح العقد، ومُصَحِّحُه، ومبطله، ومبينه، ومفسره (١).
стр. 746
ويَدُلُّ على ذلك آيات بينات (١)؛ منها قوله- تعالى-: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١، ، ففي ذلك بيان بأَنَّ الرجعة لمن قصد الصلاح دون الضرار.
ومنها قوله- تعالى-: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]، فإنَّ الله- إنَّما قَدَّم على الميراث وصية من لم يضار الورثة بها، فإذا وصى ضرارًا كان ذلك حرامًا، وكان للورثة إبطالها، وحرم على الموصى له أخذها بدون رضاهم (٢).
كما يَدُلُّ له من السنة أحاديث، منها: قوله ﷺ فيما رواه عمر ابن الخطاب ﵁: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٣).
وعلى تقرير هذه الحقيقة- أعني لحظ الأسباب والدواعي والقصود في تفسير الوقائع- تتابع الفقهاء والباحثون، أذكر لك طرفًا من أقوالهم:
стр. 747
يقول ابن تَيْمِيَّهَ (ت: ٧٢٨ هـ): "إنَّ المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعادات، كما هي معتبرة في القربات والعبادات، فيجعل الشيء حلالًا، أَوْ حرامًا، أَوْ صَحِيحًا، أَوْ فاسدًا، أَوْ صَحِيحًا من وجه، فاسدًا من وجه، كما أَنَّ القصد في العبادة يجعلها واجبة، أَوْ مستحبة، أَوْ محرمة، أَوْ صَحِيحة، أَوْ فاسدة" (١).
ويقول ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "القصد روح العقد، ومُصَحِّحُه، ومبطله" (٢).
ويقول ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ): "تعتبر الأسباب في عقود التملكات، كما تعتبر في الأيمان" (٣).
ويقول ابن حجر- صاحب الفتح- (ت: ٨٥٢ هـ): "قال ابن المنير: إنَّ المقاصد تعتبر بأدلتها كيفما كانت الأدلةُ لفظيةً أَوْ غيرَ لفظية بأيّ لغة كانت" (٤).
ويقول ابن عطوة (ت: ٩٤٨ هـ): "والقصود (٥) في العقود معتبرة، فإياك أَنْ تهمل قصد المتكلم، ونيته، وعُرْفه، فتجني عليه
стр. 748
وعلى الشريعة، وتنسب إليها ما هي بريئة منه، فتلزم العاقد ما لم يلزمه الله ورسوله" (١).
ويقول ابن النجار (ت: ٩٧٢ هـ): "والعبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ" (٢).
ويقول ابن حجر المكي (ت: ٩٧٤ هـ): "لا نبني عبارة الواقفين على الدقائق الأصولية، والفقهية، والعربية ... وإنَّما نبنيها على ما يتبادر ويفهم من العرف، وعلى ما هو أقرب إلى مقاصد الواقفين وعاداتهم" (٣).
ويقول ابن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ): "الأسباب والدواعي للعقود والتبرعات معتبرة ... ومن هذا إقرارات الناس ينظر فيها إلى الحامل لهم، وإلى ما اقترن بذلك من الأحوال لا إلى مجرد اللفظ" (٤).
وقال- أيضًا-: " ... فكذلك نعتبر القرائن، ومقتضى الأحوال، وما يحتفّ بالكلام من الأسباب المهيجة والغايات المقصودة" (٥).
стр. 749
وسئل شيخ مشايخنا الشيخ الإِمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت: ١٣٨٩ هـ) عَمَّن سمع عن زوجته نبأً فغضب وطلقها بالثلاث، ثم تبين أَنَّ النبأ كان مكذوبًا، فأجاب بقوله: "إذا كان الحال ما ذكر، وأَنَّك لم تطلقها إلَّا بناءً على هذا النبأ المكذوب، فالصَّحِيح من أقوال العلماء أَنَّ الطلاق لا يقع؛ لاعتبار القصود في العقود، وعلى هذا فالطلاق لاغٍ، والمرأة حلالٌ لك بالعقد الأول، فلا يحتاج إلى مراجعة ولا عقد جديد" (١).
ويقول المحمصاني (معاصر): "كذلك ينظر للغرض - أيضًا- لتفسير العقد ولتحديد مداه، مثاله: أَنْ ينظر إلى غرض الاشتراء عند تعيين توابع المبيع في عقد البيع وإن لم تذكر هذه التوابع صراحة في العقد" (٢).
وإعمال الأسباب والدواعي والقصود لا يُعْتَدُّ به في كل الصور والأحوال، بل يعمل بالقرائن والدلائل الحالية في الأخذ بها أَوْ إهدارها، فمن اشترى بيتًا للسكنى، لكن عرض له عارض في نفسه يمنعه من سكناه فليس له فسخ العقد بحجة أنَّه قصد من شرائه السكنى وقد عرض له عارض منعه منه ولو علم الطرف الآخر بهذا السبب والداعي ما لم يكن ثَمَّ شرط خيار.
стр. 750
وقد اعترض فريق من الفقهاء على اعتبار السبب والداعي وقرروا: أَنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما في كلام الشارع.
ورُدّ عليهم بأَنَّ الفرق بينهما ظاهر؛ لأَنَّ كلام الشارع لبيان الأحكام، فلا يختص بمحل السبب، فالحاجة داعية إلى معرفة الحكم في غير السبب، وكلام المكلف بخلاف ذلك (١)، وهو رَدٌّ ظاهر القوة.
وفي بعض الصور التي مثلنا بها خلاف يرجع إليه في مظانه؛ إذ القصد من الأمثلة تقرير هذه الحقيقة وأثرها في تفسير الوقائع، لا بيان حكم هذه الصور.
وبهذا يظهر لنا أَنَّ البواعث والقصود ملحوظة في تفسير الوقائع متى قامت الأدلة والقرائن الدالة على تلك القصود والبواعث.
* * *
стр. 751
المبحث السادس تفسير الشاهد شهادته
стр. 752
للشاهد تفسير شهادته ببيان مجملها، وتخصيص عمومها، وتقييد مطلقها، سواء كان ذلك قبل الأداء أَمْ بعده قبل الحكم، ذكره المالكية (١)، وهو مقتضى قول أبي حنيفة (ت: ١٥٠ هـ)، وأبي يوسف من الحنفية (ت: ١٨٣ هـ)، والمَنْصُوص عن الإِمام أحمد (ت: ٢٤١ هـ)، فقد ذكروا: أن للشاهد الزيادة في شهادته والنقص منها قبل الحكم (٢)، فلو فسرها قبل الحكم بما فيه زيادة أَوْ نقص قبل منه ذلك.
أَمَّا تفسير الشاهد شهادته بالزيادة فيها والنقص منها بعد الحكم بما يغير معناها فله حكم الرجوع عنها (٣)؛ جاء في الاختيارات: "من شهد بعد الحكم شهادةً تنافي شهادته الأُولى فكرجوعه عن الشهادة وأولى" (٤).
стр. 753
لكن لو تعذر تفسير الشاهد شهادته قبل الحكم بموت أَوْ غيره حمل العام على عمومه والمطلق على إطلاقه، ولم نعمل بالمجمل؛ لتعذر تفسيره.
وإذا تعارضت الشهادات من شهود مختلفين فإنَّ العام يحمل على الخاص، والمطلق يحمل على المقيد، والمجمل يحمل على المبين وهكذا، ما لم يمنع من ذلك مانع فيؤخذ بما يقتضيه الحال (١).
* * *
стр. 754
المبحث السابع التعارض والجمع والترجيح فيما يصدر عن المكلف من قول أَوْ تصرف وفي البينات القضائية
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: التعارض والجمع والترجيح فيما يصدر عن المكلف من قول أَوْ تصرف.
المطلب الثاني: التعارض والجمع والترجيح بين البينات القضائية.
стр. 755
المطلب الأول التعارض والجمع والترجيح فيما يصدر عن المكلف من قول أوْ تصرف
المراد بالتعارض والجمع والترجيح فيما يصدر عن المكلف:
المراد بالتعارض: هو تقابل ما يصدر عن المكلف ظاهرًا فيبدو للناظر فيها الممانعة بينها بأَنْ يدُلَّ أحدهما على معنى، ويَدُلَّ الآخر على معنى آخر يناقضه (١).
والمراد بالجمع: هو التوفيق بين ما يصدر من المكلف، فيحمل كل منهما على معنى يَصِحُّ الجمع بينه وبين الآخر (٢).
والمراد بالترجيح: هو تقديم أحد المعنيين الصادرين عن المكلف على الآخر لاختصاصه بقوة في الدلالة.
стр. 756
طرق الجمع والترجيح فيما يصدر عن المكلف:
عند تعارض القول والفعل والسكوت: يقدم القول على الفعل، والفعل على السكوت؛ لأَنَّ القول أصرح من الفعل، والفعل أدَلُّ على المراد من السكوت، هذا في الجملة، وقد يخرج عن ذلك لقرينة ظاهرة.
وأشير إلى جملة من الأحكام المتعلقة بالتعارض وطرق الجمع والترجيح في خطاب المكلف وتصرفاته، وهي:
(أ) يعمل بقوة الدلالة؛ فيقدم النَّصّ على الظاهر، والمنطوق على المفهوم، والنَّصّ والظاهر على دلالة الحال والسياق، ولذلك كان من المقرر فقهًا: أَنَّه لا عبرة بالدلالة في مقابلة التصريح (١) ما لم يعارض ذلك جميعه شيء من القرائن القوية، فيعمل بما يقتضيه الحال، فعلى سبيل المثال: تُقَدم القرائن إذا قويت على الإِقرار ولو كان صريحًا، كما ستأتي الإِشارة إلى ذلك في المطلب القادم.
كما ويحمل العام على الخاص والمطلق على المقيد، كما سبق بيانه (٢).
(ب) إذا حصل تعارض بين إقراري المكلف في الحقوق
стр. 757
الخاصة فيؤخذ بأشدّهما عليه، فعدوله إلى الأقل غير مقبول؛ لأَنَّه رجوع عن الإِقرار، وعدوله إلى الأكثر اعتراف بحق للغير لا مسقط له؛ فلو اعترف في مجلس بألف ريال، ثم اعترف في آخر بألف وخمسمائة ريال، ولم يظهر ما يقتضي تَعَدُّد الإِقرار- أخذنا بأكثرهما عليه.
وقد يجمع بين المتناقضين بإلغاء أحدهما؛ لأَنَّه سهو عند القرينة المقتضية لذلك؛ يقول ابن حجر المكي (ت: ٩٧٤ هـ): "إذا سمع من الواقف كلمات متناقضة حكمنا عليه بالسهو في بعضها، ورجحنا مقابله، وعملنا به بقرائن لفظية أَوْ حالية" (١)(٢).
(ج) إذا تعارض إقرار المكلف فيما يتعلق بالحدود، وحصل تناقض بين أقواله طُلِب منه تفسيرها، فإن فسرها على وجه يَصِحُّ، وإلَّا كان التعارض شبهة موجبة لدرء الحد، والحدود تدرأ بالشبهات.
(د) إذا حصل تناقض من المدعي في دعواه، مثل: أَنْ يقر بعين لشخص، ثم يدعيها لنفسه، ومثل: أَنْ يدعي شخص على آخر
стр. 758
وديعة، فينكرها المدعى عليه، فيقيم المدعي البينة على الإِيداع، فيدفع المدعى عليه بالهلاك، فلا تقبل الدعوى الثانية، ويعمل بالأولى.
وللتناقض شروط، ولكيفية ارتفاعه والعمل عند ذلك تفصيلات مقررة عند أهل العلم يرجع إليها في مظانها (١).
(هـ) التعارض بين المرجحات الأولية من الأصل والظاهر:
المراد بالأصل: الحالة العادية الثابتة التي لا تحتاج إلى دليل، مثل: أصل براءة الذمة قبل عمارتها (٢).
والمراد بالظاهر: ما ترجح وقوعه، مثل: العرف، وأصل صِحَّة العقود بعد وقوعها؛ لأَنَّ الغالب تمامها على وجه الصِّحَّة (٣).
والقاعدة: تقديم البينة الشرعية- مثل الشهادة- على دلالة الأصل والظاهر، فإذا لم يكن ثم شهادة، أَوْ تعارضت الشهادات صرنا للترجيح بالأصل والظاهر، فإذا انفرد أحدهما أخذنا به، وإذا حصل تعارض بينهما؛ فإن دَلَّ على الاعتداد بأحدهما نَصٌّ شرعي وجب إعماله، وذلك كتقديم قول واصف اللقطة على منازعه ممن عجز عن وصفها (٤)؛ لقوله ﷺ : "فإذا جاء صاحبها، فعرف
стр. 759
عفاصها، وعددها، ووكاءها فأعطها إياه، وإلَّا فهي لك" (١).
فإن لم يكن نَصٌّ كان ترجيح أحدهما على الآخر بحسب القرائن ومقتضيات الأحوال؛ فتارة يقدم الأصل، وتارة يقدم الظاهر.
قال ابن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ): "إذا تعارض الأصل مع الظاهر يرجح أرجحهما، ومن الترجيحات كثرة القرائن وقوتها" (٢).
فيقدم الأصل على الظاهر إذا كان الظاهر مجرد احتمال، مثل: الرجل الصالح يدعي على أفسق الناس دينًا ونحوه، فقد تعارض معنا الأصل- وهو براءة الذمة- مع الظاهر وهو أَنَّ الغالب صدق الرجل الصالح فيما يدعيه، وأعملنا الأصل؛ لأَنَّ الظاهر مجرد احتمال.
ويقدم الظاهر على الأصل إذا كان الظاهر سببًا قويًّا منضبطًا، وذلك مثل: العقد يتنازع شخصان في صحته؛ أحدهما يدعي مفسدًا، والآخر يدعي كمال شروطه، فيقدم الظاهر هنا وهو أَنَّ الغالب في عقود الناس الصِّحَّة على الأصل، وهو عدم استيفاء العقد للشروط.
стр. 760
فإذا تعارض أصلان قُدِّم أقواهما دلالة إمَّا لاعتضاده بمرجح آخر من أصل أَوْ ظاهر، أَوْ لكون أحد الأصلين أكثر تعلقًا بموضع النزاع، أَوْ أكثر شبهًا به، وقد يعمل بالأصلين معًا (١).
مثال ما قُدِّم فيه أحد الأصلين على الآخر: أَنْ تكون دار رجل في يد آخر، فيقول المالك: لقد آجرتك، ويقول الذي هي في يده: بل أعرتني، ولم تمض مدة لها أجرة، فالقول لمدعي الإِعارة بيمينه.
فقد تنازعها هنا أصلان؛ أصل عدم الإِعارة، وأصل عدم الإِجارة، وقدمنا أصل عدم الإِجارة لاعتضاده بأصل آخر، وهو براءة الذمة.
لكن لو كان ذلك بعد مُضِيِّ مدة لها أجرة، وطالب مالكها بأجرة ما مضى رَجَّحْنا قول المالك في دعوى الإِجارة بيمينه؛ لاعتضاده بالظاهر، وهو أَنَّ العادة بذل الإِنسان ماله معاوضة، وأن على قابضه ضمانه بعوض، فيكون القول قول القابض في نفي الإجارة، فترد العين لصاحبها، والقول قول المالك في استحقاق الأجرة لما مضى- فيقضى له بأجرة المثل إعمالًا لكل أصل بما ترجح به (٢)، وهذا مثال لإعمال الأصلين معًا.
стр. 761
وهكذا إذا تعارض الظاهران، عملنا مثل عملنا في تعارض الأصلين (١).
مثال ما قدم فيه أحد الظاهرين: أَنْ يتداعى جَزَّارَان في جِلْد هو بيد أحدهما، فيقضى به للذي هو بيده مع يمينه، فقد تعارض معنا ظاهر من الجانبين وهو العرف، وقدمنا صاحب اليد؛ لاعتضاده بظاهر آخر وهي اليد، وأَمَّا إذا لم يكن بيد أحدهما ولا منازع لهما فنقسمه بينهما نِصْفين إعمالًا للظاهر من الجانبين وهو العرف، ولا مرجح لأحدهما على الآخر، وعلى كل واحد منهما يمين لصاحبه (٢).
* * *
стр. 762
المطلب الثاني التعارض والجمع والترجيع بين البينات القضائية
سبق بيان المراد بالتعارض، والجمع والترجيح لما يصدر من المكلف في تعاقد ودعوى ونحوهما، وذلك في مستهل المطلب السابق، وهو لا يختلف عن المراد به هنا في البينات القضائية.
طرق الجمع والترجيح بين البيانات القضائية:
أشير إلى جملة من الأحكام المتعلقة بالتعارض وطرق الجمع والترجيح بين البينات القضائية، وهي:
١ - الترجيح بين البينات القضائية معتبر كاعتباره بين الأدلة الشرعية (١):
فإذا تعارضت البينات القضائية قُدِّم الأقوى فالأقوى دلالة، فيقدم الإِقرار على الشهادة، ثم الشهادة التامة على الشاهد واليمين، ثم القرينة مع اليمين على اليمين المجردة، والكتابة في الجملة مقدمة على الشهادة (٢).
стр. 763
وقد يُخْرَج عن ذلك لمقتضٍ شرعي، فقد حقق ابن القَيِّمِ (١) (ت: ٧٥١ هـ) تقديم القرائن القوية عند الاقتضاء على الإِقرار مستدلًّا بحديث أبي هريرة- ﵁ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : "بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنتِ، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك أنتِ، فتحاكمتا إلى داود- ﵇، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود- ﵉ فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا تفعل - يرحمك الله- هو ابنها، فقضى به للصغرى" (٢).
كما حقق ابن القَيِّمِ تقديم القرائن القوية على الشهادة عند الاقتضاء، فهو يقول: "وهل يشك أحد في أن كثيرًا من القرائن تفيد علمًا أقوى من الظن المستفاد من الشاهدين بمراتب عديدة" (٣).
٢ - إذا تعارضت الشهادتان من شهود مختلفين سلكنا طريق الجمع:
فيحمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد، كما يجمع بين الشهادتين باختلاف الحال (٤).
стр. 764
أَمَّا لو تعارضت شهادة رجل واحد، فيطلب منه تفسيرها قبل الحكم، فإذا فسَّرها أُعمِل تفسيره بيانًا، وتخصيصًا وتعميمًا، وإطلاقًا وتقييدًا؛ لأن له الزيادة فيها والنقص منها قبل الحكم.
أَمَّا إذا فسرها بعد الحكم بما يعارض دلالتها قبل الحكم فيكون رجوعًا عنها تجري عليه أحكام الرجوع (١).
٣ - إذا تعذر الجمع سلكنا طريق الترجيح بتقديم إحدى الشهادتين وإلغاء الأخرى:
وذلك كتقديم الشهادة التي بينت سبب الملك على الشهادة التي أطلقته، كما ترجح الشهادة الأسبق تاريخًا بالملك على المتأخرة إذا عُلِم تاريخهما، كما ترجح الشهادة المثبتة على الشهادة النافية، والشهادة المتضمنة لزيادة علم أَوْ لزيادة الحق على ضدها، وتقدم الشهادة الناقلة عن الأصل على الشهادة المستصحبة للأصل أَوْ المبقية عليه، كما ترجح الشهادة التي معها يد على ضدها، والشهادة التي حضر صاحبها الواقعة على غيره (٢).
٤ - إذا تعذر الجمع والترجيح قسمنا المشهود عليه إذا كان عينًا:
وذلك كدعوى اثنين عينًا ليست في يد أحدهما ولكل واحد
стр. 765
منهما بينه لا مزية لإِحداهما على الأخرى فتقسم العين بينهما (١).
تنبيه: وقد لا تتجه القسمة مع تعارض البينات فيصار إلى القرعة، كاللقيط يلتقطه اثنان يكون عند أحدهما بقرعة عند التنازع (٢).
٥ - يعمل بالبينة في حال أَوْ نوع دون غيره:
إنَّ البينة عند تعارضها قد يعمل بها في حال أَوْ نوع دون غيره كما حققه ابن تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨ هـ)؛ جاء في الاختيارات: "وينبغي أَنْ نقول في الشهود ما نقول في المحدثين، وهو أنَّه مِن الشهود مَنْ تقبل شهادته في نوع دون نوع، أَوْ شخص دون شخص كما أَنَّ المحدثين كذلك" (٣).
٦ - ترجح بعض البينات على بعض بالنسخ:
وذلك كما لو شهدت بينتان كل واحدة بعقدٍ أحدُهما متأخر عن الآخر، والعقدان على محل واحد، وفي موضوع واحد وبينهما تعارض، وتعذر الجمع ووجوه الترجيح الأخرى، فيكون العقد المتأخر ناسخًا للعقد المتقدم، محمولًا على الإِقالة منه، ويعمل بالمتأخر، ولم أقف على من ذكره، لكن الأصول تقتضيه، ولا
стр. 766
يعارض هذا ما ذكره ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) عن غير واحد من المتأخرين من الحنابلة من أَنَّ العقد بعد العقد لا يُعَدُّ الثاني رجوعًا عن الأول (١)؛ لأن كلامه هذا محمول فيما إذا أمكن الجمع أَوْ الترجيح بوجه سائغ، فإن تعذر فلا بُدَّ من المصير إلى النسخ كما تنسخ الأدلة الشرعية.
٧ - تهاتر (٢) البينات والرجوع إلى مرجح أصلي:
إنَّ البينات إذا تعارضت وتعذرت وجوه الجمع الترجيح المقررة فإنَّه يُسْقط بعضها بعضًا، ويُرْجَع الى المرجحات الأولية من الأصل، والظاهر على نحو ما سبق (٣).
طرق الجمع والترجيح بين البينات القضائية غير محصورة:
طرق الجمع والترجيح ودفع التعارض بين البينات القضائية لا حصر لها بل بكل طريق يحصل به دفع التعارض بين البينات مما يزيد القاضي قوة في اعتبار البينات جميعها، أَوْ إعمال إحداهما وإهدار الأخرى على وجه شرعي، فهو معتبر، وعلى القاضي عند تقرير ذلك توضيح الأسباب الموجبة له في حكمه.
стр. 767
ويؤيده: ما ذكره الأصوليون من أن طرق الترجيح بين الأدلة غير محصورة، بل بكل طريق يفيد زيادة ظن على وجه مطابق للمسالك الشرعية ويحصل به للمستدل قوة في نظره فإنَّه معتدٌّ به في الترجيح (١)، وَعَلَّل الفتوحي (ت: ٩٧٢ هـ) ذلك بقوله: "إن رجحان الدليل هو الزيادة في قوته، أَوْ ظن إفادته المدلول، وذلك أمر حقيقي لا يختلف في نفسه وإن اختلفت مداركه" (٢).
والقاضي يجب عليه الإِفادة من طرق الترجيح المقررة عند الأصوليين، فيعمل منها ما يلائم البينات القضائية، ومن هذه الطرق مثلًا: تقديم شهادة من حضر العقد وشهد عليه، أَوْ كان سفيرًا بين المتعاقدين عند تعارض البينات فيه؛ أخذًا مما يقرره الأصوليون: أن رواية من حضر الواقعة مباشرًا لها أَوْ سفيرًا فيها مقدمةٌ على غيره (٣).
* * *
стр. 768
الباب الثالث تقرير التوصِيف القضائي "تقرير تَوْصِيف الأَقضِيَة "
وفيه تمهيد، وخمسة فصول:
التمهيد: المراد بتقرير التَّوْصِيف القضائي وبيان محله ووقته وضوابطه.
الفصل الأول: أصول التَّوْصِيف القضائي ووسائله ووحدته وتجزئته وتَعَدُّده أَوْ تضاده أَوْ اتفاقه.
الفصل الثاني: وظيفة الخصم والبينة والقاضي في التَّوْصِيف القضائي.
الفصل الثالث: طريقة تقرير التَّوْصِيف القضائي وفحص التَّوْصِيف.
الفصل الرابع: التَّوْصِيف القضائي والحكم القضائي.
الفصل الخامس: مراحل التَّوْصِيف القضائي.
مدخل
سبق الحديث عن طرفي التَّوْصِيف، وهما: الحكم الكلي الفقهي- معرفات وحكم-، والواقعة القضائية، كما سبق الحديث عن صفة تنقيح الواقعة القضائية، وإثباتها، واستخلاصها، وعن طرق تفسير الحكم الكلي الفقهي، والواقعة القضائية، وكل ذلك يُعَدُّ تهيئة لتقرير تَوْصِيف الواقعة القضائية بتنزيل الحكم الكلي المفسَّر على الواقعة القضائية المفسَّرة.
المراد بتقرير التَّوْصِيف القضائي:
هو قرار القاضي بانطباق الأوصاف المقررة في الحكم الكلي على الواقعة القضائية الثابتة بطرق الحكم المقررة.
محل تقرير التَّوْصِيف القضائي:
القاضي لا يحكم إلَّا بعد أَنْ يعلم الوقائع المدعاة، فإذا علم ما وقع على حقيقته انتقل إلى تَوْصِيف الواقعة فحكم بما يجب من الحكم الشرعي (١).
стр. 771
ولذا فإن محل تقرير التَّوْصِيف هي الوقائع القضائية المنقحة الثابتة بأدلة الإِثبات وطرق الحكم والمستمدة من أقوال الخصوم ودفوعهم، وبيناتهم، مراعى في ذلك طلبات الخصوم، أَوْ آخر الطلبات عند العدول عنها، أَوْ تعديلها حيث ساغ ذلك؛ لأَنَّ الدعوى إذا كانت في شيء فليس للقاضي العدول عنه والحكم بغيره، فالقاضي لا يقضي بشيء لم يطلبه الخصم في الدعوى (١)، وهذا في الحقوق الخاصة؛ لأن للخصم السير في دعواه أَوْ تركها، لكن إذا انتهى التَّوْصِيف للدعوى بما يَصِحُّ سماعه حِسْبة بدون دعوى كالطلاق، والحدود، والتعزيزات، ونحوها (٢)، فإنَّ القاضي يقضي بما تقرر لديه من التَّوْصِيف غير مراع مخالفة التَّوْصِيف المتقرر للطلب في الدعوى، أَمَّا لو كانت الدعوى في حق خاص وتَوْصِيف الدعوى المتقرر لم يطابق الطلب كلًّا أَوْ بعضًا، بل خالفه سواء كان طلب المدعي أَمْ المدعى عليه فإنَّ التَّوْصِيف لا ينتج أثره حالًا.
وعلى القاضي إفهام الخصم بذلك مدعيًا أَوْ مدعى عليه، فإن تمسك بطلبه ولم يُعَدِّله ردّ دعواه، لكن لو عدَّل الخصم طلبه وساغ التعديل جاز الأخذ بالتَّوْصِيف المتقرر، ولم يُلْزم باستئناف الدعوى بطلب جديد موافق للتَّوْصِيف المتقرر؛ لما في ذلك من حفظ للجهد المبذول في القضية من قِبَل القاضي والمتخاصمين.
стр. 772
وقت تقرير التَّوْصِيف القضائي:
إنَّ التَّوْصِيف القضائي الموضوعي- وهو المراد عند الإِطلاق- لا يكون تقريره إلَّا بعد استيفاء الدعوى، والإِجابة، ودفوع الطرفين، وحججهما، وبيناتهما، والإِعذار في البينات من الشهادة والشهود ونحوهما، واختتام المرافعة، فيقوم القاضي بعد ذلك بتحديد الحكم الكلي وتفسيره، واستخلاص الوقائع وتفسيرها والتحقق من انتفاء موانعها، ثم بعد ذلك ينتقل لتقرير تَوْصِيف الواقعة (١).
يقول ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "لا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم إلَّا بنوعين من الفهم؛ أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والعلامات حتى يحيط به علمًا، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو حكم الله الذي حكم به في كتابه أَوْ على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر" (٢).
فتَوْصِيف الواقعة إنما يكون بعد تحقق وجودها وتأثيرها، فعلى القاضي العلم أولًا بما وقع، ثم تَوْصِيف الواقعة بما يجب (٣).
стр. 773
ضَوَابِط تَوْصِيف الأَقْضِيَة:
للتَّوْصِيف الْقَضَائِي ضوابط تجب مراعاتها، وهي:
١ - أَنْ يكون الحكم الكلي الفقهي الموصّف به مبنيًّا على أصل شرعي: فالعلم بالحق مقدمة للحكم به، والقاضي لا يستطيع أَنْ يحكم فيما يقع إلَّا بعد العلم بما يجب، فعلى القاضي إذا أراد تَوْصِيف الواقعة تحديدُ الحكم الكلي الفقهي الملاقي لها بالاجتهاد بناء على أصوله الشرعية من الكتاب والسنة والإِجماع وغيرها من أدلة شرعية الأحكام، أَوْ باتباع عالم سبق أَنْ قرر حكم المسألة بدليلها، أَوْ بالتقليد (١)، جاء في الاختيارات: "ويجب أَنْ يَنْصِب - يعني القاضي- على الحكم دليلًا، وأدلة الأحكام من الكتاب، والسنة، والإِجماع، وما تكلم الصَّحَابَة والعلماء به إلى اليوم" (٢).
فإذا حدد القاضي الحكم الكلي المبني على أصوله فقد حقق ضابطًا من ضوابط التَّوْصِيف.
وعلى القاضي عند تَوْصِيف الواقعة تحديد الحكم الكلي
стр. 774
الملاقي لها بالرجوع إلى نَصِّه، والتحققِ من الشروط والأوصاف المقتضية له من مظانها, ولا يكتفي القاضي بحفظه للنَّصِّ؛ لأَنَّه ربما فاته قيد أَوْ وصف مؤثر.
٢ - أَنْ يكون الحكم الكلي مفسرًا:
إذا كان الحكم الكلي قد ورد في عبارات تحتاج إلى تفسير وبيان فلا بُدَّ من تفسيره قبل التَّوْصِيف به سواء أكان نَصُّ الحكم من كتاب أَمْ من سنة أَمْ من كلام أهل العلم، فإنَّه لا يكفي في الحكم الكلي تقريره، بل لا بُدَّ من بيانه وتفسيره حتى يكون عند التَّوْصِيف مفهومًا ظاهر المعنى.
ولا بُدَّ عند التفسير من الاعتماد على طرق تفسير الحكم المقررة، وسبق بيانٌ مفصَّلٌ لذلك (١).
٣ - أَنْ تكون الواقعة القضائية مؤثرة في الحكم القضائي:
إنَّ الواقعة القضائية هي محل التَّوْصيف، فلا بُدَّ أَنْ تكون مؤثرة في موضوع النزاع، فإذا لم تكن مؤثرة مطلقًا، أَوْ كانت مؤثرة ولكن لا تأثير لها في موضع النزاع فإنَّها تكون طردية غير صالحة للتوصيف (٢)، وللواقعة المؤثرة
стр. 775
شروط مقررة سبق ذكرها (١).
٤ - ثبوت الواقعة بطرق الحكم المقررة شرعًا:
القضاء مبني على ثبوت الوقائع بطرق الحكم المقررة شرعًا من الإقرار والشهادة واليمين وغيرها مما دَلَّ على ثبوت الحق من غير حصر، ولذلك قال الفقهاء: القاضي أسير الحجج والبينات.
فليس للقاضي تَوْصِيف الأَقْضِيَة من دون نظر في ثبوتها، فبالبينة تحدد الواقعة التي ينكرها الخصم، ومنها يقرر أَوْ يستنبط القاضي الوقائع والأوصاف المؤثرة في الحكم، فالمتنازع فيه تظهره البينات وتبين أوصافه (٢).
وقد سبق بيان طرق إثبات الوقائع، وضوابطها، وشروط الواقعة المثبتة -التي يراد إثباتها (٣) -، واستنباط الواقعة المؤثرة، وشروطه (٤)، وسيأتي بيان وظيفة الشاهد في التوصيف (٥).
٥ - وضوح الواقعة وبيانها:
لا يكفي في الواقعة تأثيرها وثبوتها، بل لا بُدَّ من وضوحها