← Сияса и кади

Сияса и кади · id 17810

توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية

عبد الله بن محمد الخنين

Полный текст (1 181 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ولذا فإن محل تقرير التَّوْصِيف هي الوقائع القضائية المنقحة الثابتة بأدلة الإِثبات وطرق الحكم والمستمدة من أقوال الخصوم ودفوعهم، وبيناتهم، مراعى في ذلك طلبات الخصوم، أَوْ آخر الطلبات عند العدول عنها، أَوْ تعديلها حيث ساغ ذلك؛ لأَنَّ الدعوى إذا كانت في شيء فليس للقاضي العدول عنه والحكم بغيره، فالقاضي لا يقضي بشيء لم يطلبه الخصم في الدعوى (١)، وهذا في الحقوق الخاصة؛ لأن للخصم السير في دعواه أَوْ تركها، لكن إذا انتهى التَّوْصِيف للدعوى بما يَصِحُّ سماعه حِسْبة بدون دعوى كالطلاق، والحدود، والتعزيزات، ونحوها (٢)، فإنَّ القاضي يقضي بما تقرر لديه من التَّوْصِيف غير مراع مخالفة التَّوْصِيف المتقرر للطلب في الدعوى، أَمَّا لو كانت الدعوى في حق خاص وتَوْصِيف الدعوى المتقرر لم يطابق الطلب كلًّا أَوْ بعضًا، بل خالفه سواء كان طلب المدعي أَمْ المدعى عليه فإنَّ التَّوْصِيف لا ينتج أثره حالًا. وعلى القاضي إفهام الخصم بذلك مدعيًا أَوْ مدعى عليه، فإن تمسك بطلبه ولم يُعَدِّله ردّ دعواه، لكن لو عدَّل الخصم طلبه وساغ التعديل جاز الأخذ بالتَّوْصِيف المتقرر، ولم يُلْزم باستئناف الدعوى بطلب جديد موافق للتَّوْصِيف المتقرر؛ لما في ذلك من حفظ للجهد المبذول في القضية من قِبَل القاضي والمتخاصمين.

стр. 772

وقت تقرير التَّوْصِيف القضائي: إنَّ التَّوْصِيف القضائي الموضوعي- وهو المراد عند الإِطلاق- لا يكون تقريره إلَّا بعد استيفاء الدعوى، والإِجابة، ودفوع الطرفين، وحججهما، وبيناتهما، والإِعذار في البينات من الشهادة والشهود ونحوهما، واختتام المرافعة، فيقوم القاضي بعد ذلك بتحديد الحكم الكلي وتفسيره، واستخلاص الوقائع وتفسيرها والتحقق من انتفاء موانعها، ثم بعد ذلك ينتقل لتقرير تَوْصِيف الواقعة (١). يقول ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "لا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم إلَّا بنوعين من الفهم؛ أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والعلامات حتى يحيط به علمًا، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو حكم الله الذي حكم به في كتابه أَوْ على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر" (٢). فتَوْصِيف الواقعة إنما يكون بعد تحقق وجودها وتأثيرها، فعلى القاضي العلم أولًا بما وقع، ثم تَوْصِيف الواقعة بما يجب (٣).

стр. 773

ضَوَابِط تَوْصِيف الأَقْضِيَة: للتَّوْصِيف الْقَضَائِي ضوابط تجب مراعاتها، وهي: ١ - أَنْ يكون الحكم الكلي الفقهي الموصّف به مبنيًّا على أصل شرعي: فالعلم بالحق مقدمة للحكم به، والقاضي لا يستطيع أَنْ يحكم فيما يقع إلَّا بعد العلم بما يجب، فعلى القاضي إذا أراد تَوْصِيف الواقعة تحديدُ الحكم الكلي الفقهي الملاقي لها بالاجتهاد بناء على أصوله الشرعية من الكتاب والسنة والإِجماع وغيرها من أدلة شرعية الأحكام، أَوْ باتباع عالم سبق أَنْ قرر حكم المسألة بدليلها، أَوْ بالتقليد (١)، جاء في الاختيارات: "ويجب أَنْ يَنْصِب - يعني القاضي- على الحكم دليلًا، وأدلة الأحكام من الكتاب، والسنة، والإِجماع، وما تكلم الصَّحَابَة والعلماء به إلى اليوم" (٢). فإذا حدد القاضي الحكم الكلي المبني على أصوله فقد حقق ضابطًا من ضوابط التَّوْصِيف. وعلى القاضي عند تَوْصِيف الواقعة تحديد الحكم الكلي

стр. 774

الملاقي لها بالرجوع إلى نَصِّه، والتحققِ من الشروط والأوصاف المقتضية له من مظانها, ولا يكتفي القاضي بحفظه للنَّصِّ؛ لأَنَّه ربما فاته قيد أَوْ وصف مؤثر. ٢ - أَنْ يكون الحكم الكلي مفسرًا: إذا كان الحكم الكلي قد ورد في عبارات تحتاج إلى تفسير وبيان فلا بُدَّ من تفسيره قبل التَّوْصِيف به سواء أكان نَصُّ الحكم من كتاب أَمْ من سنة أَمْ من كلام أهل العلم، فإنَّه لا يكفي في الحكم الكلي تقريره، بل لا بُدَّ من بيانه وتفسيره حتى يكون عند التَّوْصِيف مفهومًا ظاهر المعنى. ولا بُدَّ عند التفسير من الاعتماد على طرق تفسير الحكم المقررة، وسبق بيانٌ مفصَّلٌ لذلك (١). ٣ - أَنْ تكون الواقعة القضائية مؤثرة في الحكم القضائي: إنَّ الواقعة القضائية هي محل التَّوْصيف، فلا بُدَّ أَنْ تكون مؤثرة في موضوع النزاع، فإذا لم تكن مؤثرة مطلقًا، أَوْ كانت مؤثرة ولكن لا تأثير لها في موضع النزاع فإنَّها تكون طردية غير صالحة للتوصيف (٢)، وللواقعة المؤثرة

стр. 775

شروط مقررة سبق ذكرها (١). ٤ - ثبوت الواقعة بطرق الحكم المقررة شرعًا: القضاء مبني على ثبوت الوقائع بطرق الحكم المقررة شرعًا من الإقرار والشهادة واليمين وغيرها مما دَلَّ على ثبوت الحق من غير حصر، ولذلك قال الفقهاء: القاضي أسير الحجج والبينات. فليس للقاضي تَوْصِيف الأَقْضِيَة من دون نظر في ثبوتها، فبالبينة تحدد الواقعة التي ينكرها الخصم، ومنها يقرر أَوْ يستنبط القاضي الوقائع والأوصاف المؤثرة في الحكم، فالمتنازع فيه تظهره البينات وتبين أوصافه (٢). وقد سبق بيان طرق إثبات الوقائع، وضوابطها، وشروط الواقعة المثبتة -التي يراد إثباتها (٣) -، واستنباط الواقعة المؤثرة، وشروطه (٤)، وسيأتي بيان وظيفة الشاهد في التوصيف (٥). ٥ - وضوح الواقعة وبيانها: لا يكفي في الواقعة تأثيرها وثبوتها، بل لا بُدَّ من وضوحها

стр. 776

وبيانها حتى تكون مفهومة للقاضي فيستطيع تنزيل الحكم الكلي عليها، فإذا كان فيها خفاء فسرها بطرق التفسير المقررة، وقد سبق بيانٌ مفصَّلٌ لتفسير الواقعة وأصوله (١). ٦ - أَنْ يكون التوصيف ملاقيًا للدعوى والطلبات المستوفية لشروط صِحَّتِها: إنَّ القاضي يكون أمام دعوى وإجابة ودفوع وطلبات لا بُد من الفصل فيها, ولذلك فإنَّ التَّوْصيف الذي يقرره القاضي لا بُدَّ أَنْ يكون ملاقيًا للدعوى والإجابة مراعى فيه الدفوع والطلبات، لا يغفل عنها ولا يهدرها، فليس للقاضي إذا كانت الخصومة في شيء أَنْ يدعه ويقضي في غيره (٢)، وهذا في جميع الحقوق الخاصة، وأَمَّا حق الله نحو الطلاق والتعزيز والحدود فلا يلزم فيه ذلك، بل يكفي فيه ملاقاته للبينات القضائية، ولذلك قال الفقهاء: تَصِحّ الشهادة بحق الله من غير تقدم دعوى؛ لأنَّ شهادة الشهود بها دعوى (٣)، كما قالوا: إنَّ إقامة التعزير لا يحتاج إلى مطالبة (٤).

стр. 777

وإنَّما قلنا في الدعوى والطلبات التي يشترط ملاقاة التَّوْصيف لها أَنْ تكون مستوفية لشروط صِحَّتِها إشارة إلى أَنّها إذا لم تستوف شروطها فإنَّها لا تصلح للتَّوْصِيف؛ وذلك حيث اشترط لها الدعوى، فإذا لم تَصِحّ الدعوى لم يَصِحّ التَوْصِيف؛ لأَنَّه لم يصادف محلًا صالحًا، وسواء عادت شروط الدعوى لتأثير الواقعة في الحكم القضائي (١) أَمْ عادت لشروط أخرى من التصريح بالطلب والجزم به، وكونِها عند ذي ولاية مختص بسماعها (٢). ٧ - اشتراك الواقعة القضائية مع الحكم الكلي في الأوصاف المؤثرة: إنَّ التَّوْصِيف القضائي يتم بانطباق الأوصاف المؤثرة المقررة في الحكم الكلي على الأوصاف المؤثرة المقررة في الواقعة القضائية، وبغير ذلك لا يتم التَّوْصِيف، ولذلك كان اشتراك طرفي التَوْصِيف -الحكم الكلي الفقهي والواقعة القضائية- في الأوصاف المؤثرة في الحكم أمرًا لا بُدَّ منه في تحقق التَّوْصِيف، فهو لا يتم إلَّا بذلك، وسبق بيان مفصل عن تنقيح الوقائع القضائية (٣)، وصفة تقرير تَوْصِيف الواقعة القضائية (٤).

стр. 778

٨ - مراعاة أصول التوصيف: التَّوْصِيف عمل قضائي لا ينظر فيه إلى الأحكام الكلية مجردةً من أحوال الوقائع وآثارها، بل نظر ذلك لا بُدَّ منه، وذلك حتى لا ينساق القاضي وراء أمر قد يظهر له من دون تبصر في آثاره، ولا نظرٍ إلى باطنه وقرائن أحواله التي تعينه في الوصول إلى الحقيقة وتنزيل الحكم الكلي على الواقعة المنظورة لديه، بل عليه مراعاة ذلك جميعه، وسيأتي تفصيل لأصول التَّوْصِيف وبيان للمراد بها وثمرتها (١). وتقرير التَّوْصِيف له أصول ووسائل، كما أن للخصم والبينة والقاضي أثرًا فيه، وله مراحل يبدأ بها وينتهي إليها، كما أن له صلة بالتسبيب والنقض، وكل ذلك سوف يأتي بيانه في الفصول التالية إن شاء الله. * * *

стр. 779

الفصل الأول أصول التوصيف القضائي ووسائله ووحدته وتجزئته وتَعَدُّده واتفاقه وتضاده وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: أصول التَّوْصِيف القضائي. المبحث الثاني: وسائل التَّوْصِيف القضائي. المبحث الثالث: وحدة التَّوْصِيف القضائي وتجزئته وتَعَدُّده واتفاقه وتضاده.

стр. 780

المبحث الأول أصول التَّوْصِيف القضائي وفيه تمهيد وخمسة مطالب: التمهيد: المراد بأصول التَّوْصِيف القضائي وثمرتها. المطلب الأول: الأصل الأول: النظر في مآلات الوقائع عند التَّوْصِيف. المطلب الثاني: الأصل الثاني: مراعاة مقصد الشرع وحكمة التشريع عند التوصيف. المطلب الثالث: الأصل الثالث: مراعاة الفروق بين الوقائع والأشخاص عند التوصيف. المطلب الرابع: الأصل الرابع: مراعاة الضرورات والحاجات عند التوصيف. المطلب الخامس: الأصل الخامس: مراعاة درء الحدود والقصاص بالشبهات عند التَّوْصِيف.

стр. 781

التمهيد المراد بأصول التَّوْصِيف القضائي وثمرتها المراد بأصول التَّوْصِيف القضائي: هي طائفة من القواعد والضوابط تعين القاضي على تحديد الحكم الكلي الملاقي للدعوى وتنزيله على الواقعة القضائية. فهي أمور كلية يقصد بها ضبط الاجتهاد القضائي ببيان طريقة التَّوْصِيف التي يكون بها إجراء الحكم الكلي على محله من الوقائع مراعيًا خصوصية كل واقعة وما يحفّ بها من أحوال ومقتضيات تؤثر في ضبط التَّوْصِيف وتقريره، وقد تقتضي هذه الأصول زيادة قيد في الحكم الكلي، أَوْ حذفه، أَوْ الانتقال من حكم كلي إلى آخَر أكثر ملاءمة لحل النزاع. ثمرة أصول التَّوْصِيف القضائي: تظهر ثمرة أصول التَّوْصِيف في أَنّها تعين القاضي على تحديد الحكم الكلي الملاقي للواقعة والذي يجري توصيفها عليه، وذلك

стр. 782

بتمييزه من عدة أحكام مشابهة له أَوْ متداخلة معه، أَوْ باستنباطه بالاجتهاد. كما تعين على ضبط التَّوْصِيف الذي يجري تقريره بإجراء الحكم الكلي على محله من الوقائع، فتعين بذلك على تحديد نطاق تطبيق الحكم الكلي على الوقائع. كما أن تلك الأصول التي سوف يأتي ذكرها تُعَدُّ قواعد مشتركة في تفسير الأحكام الكلية والوقائع القضائية (١) تنضاف إلى ما سلف من طرق تفسيرهما (٢)، ولذا فإن للوقوف عليها أهمية كبيرة. وبيان هذه الأصول في خمسة مطالب متعاقبة. * * *

стр. 783

المطلب الأول الأصل الأول النظر في مآلات الوقائع عند التَّوْصِيف ونبيِّن في هذا المطلب النظر في مآلات الوقائع عند التوصيف، ومسالكَ ذلك في عنوانين متتاليين: النظر في مآلات الوقائع عند التَّوْصِيف: النظر في مآلات الأفعال (الوقائع) مأمورًا بها، أَوْ منهيًا عنها أمرٌ لا بُدَّ منه عند توصيفها والحكم فيه، فهو مقصود شرعًا. فإذا كان الفعل يؤدي إلى أمر غير محمود شرعًا منع على المكلف وإن كان في أصله جائزًا أَوْ واجبًا. فقد ترك النبي ﷺ قتل المنافقين مع علمه بهم، وذلك حتى كما يقول النبي ﷺ فيما رواه جابر بن عبد الله ﵁: "لا يتحدَّث الناس أن محمَّدًا يقتل أَصْحَابه" (١).

стр. 784

ومراعاة هذا الأصل -أعني النظر في المآلات- عند تَوْصِيف الأَقْضِيَة بتنزيل الأحكام الكلية على الوقائع معدود من صفات أهل الرسوخ في العلم؛ يقول الشاطبي -في بيان صفة العالم الراسخ-: "إنَّه ناظر في المآلات قبل الجواب على السؤالات" (١). فالقاضي -بل والمفتي- وهو يوصف الواقعة لا بُدَّ له من التبصر في التَّوْصِيف بأَنْ يقدر عواقب ما يقرره ناظرًا إلى أثره أَوْ آثاره، فإن لم يفعل كان عمله خطأً مضيعًا للحقوق أدخله في الشرع اعتمادًا منه على تأويل ظهر له لم يلتفت فيه إلى عواقبه ومآلاته (٢). يقول ابن القَيمِ (ت: ٧٥١ هـ): "فالحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات، ودلائل الحال، ومعرفة شواهده، وفي القرائن الحالية والمقالية، كفقهه في كليات الأحكام- أضاع حقوقًا كثيرة على أَصْحَابها، وحكم بما يعلم الناس بطلانه، لا يَشُكُّون فيه اعتمادًا منه على نوع ظاهر لم يلتفت إلى باطنه وقرائن أحواله" (٣). فعلى القاضي وهو يوصف الواقعة بتنزيل الأوصاف الكائنة في الحكم الكلي عليها أَنْ ينظر نظرًا خاصًا في الحكم الذي حدده لتطبيقه

стр. 785

على الواقعة، ولا يقطع نظره عن النظر في مآل الواقعة لو طبق عليها ذلك الحكم الكلي، بل عليه مراعاة مآل الواقعة، فإن ظهر له عدم المواءمة بين الحكم الكلي ومآله على الواقعة أعاد النظر مرة أخرى في ملاقاة الحكم للواقعة، وطلب غيره مما يكون أقعد بمراعاة مآلها، أَوْ أضاف على الحكم، أَوْ حذف منه من القيود ما يحقق النظر في ذلك المآل طلبًا أَوْ منعًا. وإن رأى المواءمة بينهما طبقه على الواقعة، وحكم وألزم، يقول الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا كانت الأفعال موافقةً أَوْ مخالفةً، وذلك أَنَّ المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أَوْ الإحجام إلَّا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل مشروعًا لمصلحة فيه تُسْتَجْلب، أَوْ لمفسدة تُدْرَأ" (١). إن على القاضي وهو يقوم بتنزيل الأحكام الكلية المجردة على الوقائع القضائية أَنْ يلحظ ظروف، وأحوال، وملابسات، ومآلات الواقعة، وآثارها، فيعمل على المواءمة بين مقتضيات الحكم الكلي مجردًا وبين الواقعة القضائية لاحظًا ما ذكرنا (٢). ومن صور ذلك أَنَّ الحكم إذا كان يؤدي في مآله إلى الفتنة والفساد على الدين أَوْ الأمة فإنَّ القاضي يتوقى ذلك المآل بالقيود

стр. 786

الدافعة له زيادة أَوْ نقصًا، أَوْ يَعْدِل عنه إلى تَوْصِيف وحكم آخر؛ يقول ابن تَيْمِيّهَ (ت: ٧٢٨ هـ) -في الرد على الذين أنكروا عليه الفتيا في بعض المسائل، وقرروا حبسه إذا لم يمتنع عن ذلك-: "إن هذه الأحكام مع أَنّها باطلة بالإجماع فإنَّها مثيرة للفتن، مفرقة بين قلوب الأمة، متضمنة للعدوان على المسلمين، والحكمُ بما أنزل الله فيه صلاح الدنيا والآخرة، والحكمُ بغير ما أنزل الله فيه فساد الدنيا، والآخرة، فيجب نقضه بالإجماع" (١). ولا يعني النظر في المآلات عند الحكم والفتيا أَنَّ القاضي أَوْ المفتي يعمل استحسانه العقلي مجردًا من النُّصُوص الشرعية وأصول الشريعة، فمن فعل ذلك فهو مُتَشَهٍّ قد ردّ الناس إلى هواه، وجعل طلب غير الشريعة مبتغاه، وكان آثمًا مأزورًا غير مأجور؛ يقول ابن تَيْمِيَّة (ت: ٧٢٨ هـ): "فمن استحل أَنْ يحكم بين الناس بما يراه هو عدلًا، من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر، فإنَّه ما من أمة إلَّا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرها" (٢). ويقول الجويني (ت: ٤٧٨ هـ): "من ظنَّ أَنَ الشريعة تتلقى من استصلاح العقلاء ومقتضى رأي الحكماء فقد ردَ الشريعة، واتخذ كلامه هذا إلى رد الشرائع ذريعة" (٣).

стр. 787

والمعتد به في المآلات ما شهد له الشرع طلبًا أَوْ منعًا بِنُصُوص الشريعة وأصولها حسب المسالك الشرعية، وبيان ذلك في العنوان التالي: مسالك النظر في المآلات: للنظر في المآلات مسالك، أبرزها ما يلي (١): ١ - سد الذرائع: والمراد به: منع المباح أَوْ المشروع إذا أدى إلى مفسدة أعظم من مصلحته، فإذا أدى تحصيل الأمر المباح أَوْ المشروع إلى أمر ممنوع مُنع طلبه وتحصيله. ومن ثَمَّ ينتقل القاضي في تقرير توصيفه وحكمه من تَوْصِيف وحكم إلى آخر يتلافى به ذلك المآل الممنوع، وما ذلك إلَّا لأَنَّ الواقعة بهذا المآل أدْخَل في حكم كلي فقهي من آخر. فسد الذرائع منهج للتطبيق يسدد خُطَا القاضي والمفتي، ويعصمهما -بتوفيق الله- من الخطأ في الفهم والتطبيق على الوقائع الجزئية، ويجري به المواءمة بين الأحكام الكلية المجردة، والوقائع بأحوالها وظروفها وملابساتها (٢).

стр. 788

٢ - منع الحيل: والمراد بالحيلة: إظهار أمر جائز ليتوصل به إلى أمر محرم شرعًا (١). فكل حيلة هدمت أصلًا شرعيًا، أَوْ ناقضت مصلحة شهد لها الشرع بالاعتبار فهي ممنوعة (٢). فالوقائع منظور إليها بأَنْ تكون جارية على حقائقها ومعانيها الشرعية، لا على صورها وأشكالها، فإذا أظهر الخصم صورة من التعامل ظاهرها الإباحة، ولكنه قصد بها ما حقيقته الحظر والمنع أعطينا هذه الواقعة وصفها الشرعي الحقيقي المقتضي للحظر والمنع (٣). وذلك كمن ينكح امرأة لا رغبة له فيها، وإنما قصد إحلالها لزوجها الذي طلقها فنكاحه لها باطل، ولا تحل لمطلقها بهذا النكاح، فيوصف القاضي الواقعة بأَنَّها نكاح تحليل، لا نكاح مشروع. فقصد الشارع من المكلف أَنْ يكون قصده في العمل موافقًا

стр. 789

لقصده في التشريع، فكل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل، ومخالفتها استهزاء بالكتاب المنزل، ومشاقة للرسول ﷺ (١). ٣ - الاستحسان: وهو عند الأصوليين: العدول بحكم مسألة عن نظائرها لدليل شرعي (٢). والمراد به هنا: العدول بالواقعة من تَوْصِيف إلى آخر لمقتضٍ شرعي. فالواقعة القضائية قد يصرف تنزيلها على حكم كلي يجري على نظائرها إلى حكم كلي آخر؛ لأن تنزيلها على الأول يؤدي إلى مفسدة، أَوْ ذوات مصلحة بخصوص هذه الواقعة، ويجري عليها حكم وتَوْصِيف آخر يدفع عنها تلك المفسدة، أَوْ يحقق لها تلك المصلحة المؤثرة (٣)، فالمسألة إذا تجاذبتها الأصول ألحقت بأقربها شبهًا، وقد تضاف أَوْ تحذف بعض القيود في الحكم الكلي ليلائم الواقعة محل التَّوْصِيف.

стр. 790

٤ - مراعاة الخلاف: والمراد به: الأخذ بالقول المرجوح وترك الراجح في الحكم المقرر فقهًا مراعاة للواقعة المراد توصيفها لمقتض شرعي. وقد سبق بيان ذلك وشروطه في تقرير الحكم الكلي (١)، فالواقعة المعينة إذا أراد القاضي توصيفها، وتنازعها قولان للعلماء، وكان حملها على القول المرجوح أصلح أُجْرِي توصيفها وتنزيلها عليه استثمارًا للخلاف في معالجة المفسدة (٢). وليس ذلك عدولًا مجردًا عن القول الراجح إلى غيره، بل الأخذ بهذا القول المرجوح في هذه الواقعة المخصوصة يُعَدُّ راجحًا؛ لأَنَّ الواقعة قد اشتملت على وصف مؤثر -زيادة أَوْ نقصًا- سَوَّغ العدول لهذا القول فصار الخلاف بين القولين كأنّه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد. ومما تجدر الإشارة إليه أن مراعاة الخلاف يعود إلى الاستحسان؛ إذ هو صورة من صوره؛ لأَنَّ الحال إذا اقتضى العدول بالواقعة إلى تَوْصِيف وحكم آخر كان من وسائل ذلك مراعاة الخلاف، ونذكر بعض الأمثلة على ذلك:

стр. 791

(أ) إذا توفي رجل وخلف ورثة منهم زوجته التي نكحها بدون ولي بل أنكحت نفسها ومكثت معه مدة طويلة، وادعى بعض الورثة بعد وفاة زوجها منعها من الإرث لفساد نكاحها - فإنَّ الصَّحِيح من مذهب الحنابلة أَنّها لا ترث في النكاح الفاسد (١)، ولكن ثَمَّ ملحظ في الواقعة وهو دخول الزوجة في أصل النكاح على الحقوق الزوجية ومنها التوارث، فيقضي القاضي بإرثها منه أخذًا بالقول الآخر بالتوراث بينهما (٢)؛ مراعاة للخلاف، وقد وقعت، وحكم فيها بعض القضاة بذلك مراعاةً لما ذكرنا. (ب) من اشترى عينًا وظهر بها نقص في ذرعتها فللمشتري الخيار إذا جهل الحال وفات غرضه، وهذا هو المذهب عند الحنابلة (٣). ويرى ابن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) - في مطلق الرد بخيار العيب إذا كان السعر قد نقص نقصًا فاحشًا ولم يدلس البائع على المشتري-: أَنَّ المشتري مخير بين أخذ أرش العيب من البائع، أَوْ يرد العين ومعها أرش نقص سعرها عنده (٤). وقد وقعت هذه النازلة عند رخص أسعار العقار بالرياض في

стр. 792

بعض السنين، فصار بعض المشترين يدعي الخيار بهذا العيب -نقص الذرعة- ويطلب إعادة ثمن المبيع له، وأخذ بعض القضاة يقول ابن سعدي مراعاةً للخلاف، وسدًا لذرائع إفساد العقود بحيل ظاهرة. وهو اتجاه سديد يُفَوِّت على المشترين حيل فسخ العقود لأجل نقص قيمة العقار تذرعًا بنقص ذرعته. (ج) ذكر ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ) من الحيل المنكرة: أَنْ يقتل رجلٌ حماتَه -أَمْ زوجته- فيجب عليه القصاص، فيقوم بقتل زوجته التي له منها أولاد حتى يسقط القصاص عنه، وهذه الحيلة لا تسقط القصاص، بل وجوبه قائم؛ قال ابن القَيِّمِ: "لو قيل بتحتم قتله ولا بُدَّ إذا قصد هذا لكان أقرب إلى العقول والقياس" (١). * * *

стр. 793

المطلب الثاني الأصل الثاني مراعاة مقصد الشرع وحكمة التشريع عند التَّوْصِيف سبق بيان المراد بالمقاصد، وحكمة التشريع، وأَنّها المعاني والحِكَم العامة أَوْ الخاصة التي يسعى الشرع لتحقيقها لمصالح العباد في الدارين. كما سبق بيان أقسامها من جهة كونها كلية أَوْ جزئية، وأَنّها عامة وخاصة وجزئية، وبيان أقسامها من جهة كونها ضرورية أَوْ حاجية أَوْ تحسينية، وبيان حاجة القاضي إليها عند تفسير النُّصُوص والأحكام الكلية (١)، ونبين هنا مراعاة مقصد الشرع وحكمة التشريع عند التوصيف، وبعض الأمثلة التي توضح ذلك في عنوانين متتاليين:

стр. 794

مراعاة مقصد الشرع وحكمة التشريع عند التَّوْصِيف: إنَّ القاضي -بل والمفتي- وهو يوصف الواقعة عليه مراعاة مقاصد الشرع وحكمته، فالشرع له مقاصد في الأحكام، سواء كانت هذه المقاصد عامةً، أَمْ خاصة، أَمْ جزئية، وإذا كانت معرفة مقاصد الشرع في مجال تفسير الأحكام الكلية من الأهمية بمكان فإن معرفتها عند تَوْصِيف الأَقْضِيَة لا يقلّ أهمية عن ذلك، فهي تعين القاضي على تحديد التَّوْصِيف ابتداءً، كما ترجح بعضها على بعض عند تَعَدُّد الاحتمالات فيها؛ ذلك أن تنزيل الحكم الكلي على الأعيان والوقائع مشخصة يتطلب نظرًا خاصًّا يراعي فيه خصوصية الواقعة بأحوالها، وظروفها، وملابساتها، ومقاصدُ الشريعة وحكمتها من وراء ذلك تحوطه وتوجهه، فتعين على معرفة قبول المحل للحكم الكلي وتوصيفه عليه، أَوْ عدم قبوله لذلك. يقول ابن القَيّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث - فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل" (١).

стр. 795

فالمنافع والمضارّ التي تبنى عليها مقاصد الشرع وحكمته إضافية، بمعنى أَنَّها منافع أَوْ مضارّ في حال دون حال، ولشخص دون شخص، أَوْ في وقت دون وقت (١)، فمعرفة مقاصد الشرع وحكمته في الواقعة مما يرجح احتمالًا على آخر في التفسير، وقولًا على آخر عند الاختلاف، وهو مما يعين على تحديد التَّوْصِيف الملاقي للواقعة. بعض الضوابط والأمثلة التي تبين أثر المقاصد والحِكَم عند التَّوْصِيف: نذكر ضوابط وأمثلة تبين أثر المقاصد والحِكَم في تنزيل الأحكام الكلية على الوقائع القضائية فيما يلي: ١ - حفظ المال من الإهدار ما أمكن: لقد جاءت الشريعة بحفظ الضروريات الخمس من الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال، سواء كان ذلك في جانب الوجود أَمْ العلم. وحفظ المال يكون بتنميته وإصلاحه حتى لا يفنى، كما يكون بدفع العوارض عنه وتلافي هذه العوارض عند حدوثها بالزجر،

стр. 796

والحد، والضمان (١)، فحفظ المال من الإهدار مقصد مقرر في الشريعة، يَدُلُّ له حديث ابن عباس ﵄ أنَّه قال: "تُصُدِّقَ على مولاة لميمونة بشاة، فماتت، فمر بها رسول الله ﷺ فقال: هلّا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به، فقالوا: إنَّها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها" (٢). قال الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ): "إن فيه احتياطًا للمال، وأَنّه مهما أمكن ألَّا يضيع فلا ينبغي أَنْ يضيع" (٣). ولذلك أمثلة، منها: (أ) أن من بني في أرض غيره خطأً، أَوْ اشترى من غاصب أرضًا ولم يعلم بالحال، ثم غرس فيها، فقام صاحبها يدّعيها فالمَنْصُوص عن أحمد: أَنَّ الغرس يتملك بالقيمة، ولا يقلع مجانًا، وهو الصَّحِيح عنده، ولا يثبت عنه سواه، ويخير مالك الأرض بين تملك البناء أَوْ الغراس بقيمته وبين التنازل عن الأرض بقيمتها لمالك البناء أَوْ الغراس (٤)، وفيه مراعاة حفظ المال من الإهدار، وهو الذي يجري به العمل الآن.

стр. 797

(ب) أن من غصب خشبة ونحوها ثم بني عليها, ولا يمكن ردها لمالكها عند مطالبته إلَّا بهدم البناء الذي كلف الغاصب أضعاف قيمة الخشبة فإنَّ الخشبة تُقَدَّر بقيمتها، وتُسَلَّم القيمة لصاحبها, ولا ينقض البناء (١) صيانة للمال، وحفظًا له من الإهدار ما أمكن. ولو رأى الحاكم مع ذلك في حال الغصب تعزيره بإضعاف الغرم عليه وعقوبة مناسبة جاز (٢)؛ ويَدُلُّ على ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: "أن رجلًا من مزينة أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف ترى حريسة الجبل (٣)؟ قال: هي ومثلها والنكال (٤)، وليس في شيء من الماشية قطع إلَّا فيما آواه المراح (٥) فبلغ ثمن المجن (٦) ففيه قطع اليد، وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه (٧) وجلدات نكال، قال: يا رسول الله، كيف

стр. 798

ترى في الثمر المعلق؟ قال: هو ومثله معه والنكال، وليس في شيء من الثمر المعلق قطع، إلَّا فيما آواه الجرين (١)، فما أخذ من الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع، وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال" (٢). فقد جعل النبي ﷺ على حريسة الجبل والثمر الذي آواه الجرين ولم يبلغ النِّصَاب جعل فيه غرامة مثليه وجلدات نكال؛ زجرًا للآخذ، وهكذا الغاصب، بجامع الاعتداء في كل منهما. (ج) أن من أجر مفردًا مشاعًا بينه وبين غيره لغير الشريك، وبالعين المؤجرة غراس محتاج للسقيا، واختصم المستأجر مع من لم يؤجر من الشركاء، فهل يجبر من لم يؤجر من الشركاء على إجارة المثل؟ اختلف العلماء في ذلك؛ فذهب كثير من الحنابلة إلى عدم صِحَّة إجارة المشاع لغير الشريك؛ لأَنَّه لا يقدر على تسليمه. وخالف آخرون من الحنابلة؛ منهم أبو الخطاب (ت: ٥١٠ هـ)، وابن عبد الهادي (ت: ٩٠٩ هـ)، فقالوا: بِصِحَّة

стр. 799

إجارة المشاع لغير الشريك، وصوبه في الإِنصاف، وقال في التنقيح: وهو أظهر وعليه العمل (١). وعليه يجبر الشريك إذا أبي الإجارة (٢)، وهذا القول ظاهر في اعتبار حفظ المال من الإهدار ما أمكن. وعلى القول الأول: لا يَصِحُّ نقض العقد في هذه الواقعة، بل يجبر الممتنع على التأجير من وجه آخر وهو أَنَّ العقار به غراس محتاج للسقيا والعمارة، ومن كان بينهما مال مشترك محتاج للإِصلاح أُجْبِر الشريك على إصلاحه مع شريكه (٣). فمراعاة حفظ المال من الإهدار ما أمكن عند تَوْصِيف الأَقْضِيَة أمرٌ مقرر شرعًا. ٢ - ثبات التعامل بين الناس واستقراره: ثبات التعامل بين الناس واستقراره مراعىً في الشريعة؛ لما في ذلك من صيانة الحقوق، واطمئنان المتعاقدين على تعاملهما (٤)، فإذا عرض للقاضي عقد أَوْ شرط تردد توصيفه بين موجب الاستقرار والثبات في التعامل أَوْ ضده حُمِلَ على موجب الاستقرار؛ يقول ابن

стр. 800

عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): "وقد يقع الإغضاء عن خلل يسير ترجيحًا لمصلحة تقرير العقود، كالبيوع الفاسدة إذا طرأ عليها بعض المفوتات المقررة في الفقه" (١)، وهذا ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، ومن معارضة الأقوى ما ذكره ابن فرحون (ت: ٧٩٩ هـ)، فقد قال: "ينبغي للقضاة إذا رفعت إليهم أمور مشكلة، ولم يجدوا لها مخرجًا أَنْ يفسخوها، ويأمروهم بالابتداء" (٢). فإذا اختلف شخصان في عقد إجارة على عمل الإنسان مثلًا، وكانا في أوائلها لم يباشرا تنفيذ العقد، وكانت بينهما أمور مشكلة في تفسيره، فربما كان فسخه أدعى لقطع الخصومة بينهما، وأجدى في منع سوء تنفيذ العمل بينهما لو استمرا فيه مع التضاد والتشاحن، لكن لا يتم ذلك إلَّا بعد تسبيب صَحِيح يذكر فيه مسوغ الفسخ. وسوف أذكر بعض الضوابط والأمثلة في مراعاة ثبات التعامل واستقراره فيما يلي: (أ) حمل العقد والشرط على الصِّحَّة ما أمكن: فإذا صدر شرط أَوْ عقد، ووجد وجه لحمله على الصِّحَّة، حمل عليه ووصف به (٣).

стр. 801

ومن ذلك: ما ذكره الحنابلة من صِحَّة اشتراط الخيار للأجنبي، وحملوه على أَنّه اشتراط لنفسه وتوكيل للأجنبي في الخيار. وعللوا ذلك: بأن تَصْحِيح الاشتراط ممكن، فوجب حمله على الصِّحَّة صيانة لكلام المكلف عن الإلغاء (١). ومن ذلك: أَنَّ الأصل في العقود حملها على السلامة من المفسد، كما لو ادعى أحد المتعاقدين صغره حين التعاقد، وادعى خصمه بلوغه فالقول قول مدعي البلوغ؛ حملًا للعقد على الصِّحَّة واستكمال شروطه (٢). (ب) تَصْحِيح العقود والشروط إذا ترتب على إبطالها ضرر: قد يتوجه في عقد أَوْ شرط إبطاله، ولكن ذلك يؤدي إلى ضرر عظيم، فيعدل القاضي عن ذلك، ويصحح العقد والشرط ما أمكن؛ دفعًا لذلك الضرر والمفسدة، ويُوَصِّف الواقعة بذلك، وذلك مثل تَصْحِيح تصرف ناظر الوقف، وولي القاصر ونحوهم مع ظهور خيانتهم إذا ترتب على إبطال تصرفهم ضرر، وهكذا تَصْحِيح تصرف البغاة إذا وافق الحق (٣).

стр. 802

يقول ابن تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨ هـ): "لو قدر أن ناظر الوقف ووصيّ اليتيم والمضارب والشريك خانوا ثم تصرفوا مع ذلك فلا بُد من تَصْحِيح تصرفهم في حق المشتري منهم وحق رب المال، وإلَّا فلو أُبطل ذلك فسد عامة أموال الناس التي يتصرف فيها بحكم الولاية والوكالة؛ لغلبة الخيانة على الأولياء والوكلاء، لا سيما ويدخل في ذلك من تصرفات ولاة الأمور ما لا يمكن إبطاله، والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فلا يجوز لأحد رعاية حق مجهول في عين حصل عنها بدل خير له" (١). (ج) إبقاء الحال على ما وقعت عليه إذا ترتب على نقضها مفسدة أعظم: كل فعل خالف الحكم الشرعي فهو مهدر؛ لأَنَّ الحكم هو عين المصلحة، لكن قد يعرض من الوقائع ما يتجاذبه احتمالانِ الدليلُ في أحدهما أظهر والاحتمال الثاني له دليل ملحوظ في الجملة، ويترتب على تَوْصِيف الواقعة بالاحتمال الأول مفسدة عظيمة عُهد من الشارع مراعاة دفعها، ويمكن درؤها يحمل الواقعة على الاحتمال الثاني وتوصيفها به، فيتعين هذا التَّوْصِيف؛ لأن ذلك وافق دليلًا في الجملة هو أولى بالإعمال بعد الوقوع. يقول الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "فمن واقع منهيًا عنه فقد يكون فيما يترتب عليه من الأحكام زائدًا على ما ينبغي بحكم التبعية لا

стр. 803

بحكنم الأصالة، أَوْ مؤديًا إلى أمر أشد عليه من مقتضى النهي فيترك وما فعل من ذلك، أَوْ نجيز ما وقع من الفساد على وجه يليق بالعدل نظرًا إلى أن ذلك الواقع وَاقَعَ المكلف فيه دليلًا على الجملة، وإن كان مرجوحًا فهو راجح بالنسبة إلى إبقاء الحالة على ما وقعت عليه؛ لأن ذلك أولى من إزالتها مع دخول ضرر على الفاعل أشد من مقتضى النهي، فيرجع الأمر إلى أَنَّ النهي كان دليله أقوى قبل الوقوع، ودليل الجواز أقوى بعد الوقوع؛ لما اقترن به من القرائن المرجحة، كما وقع التنبيه عليه في حديث تأسيس البيت على قواعد إبراهيم (١)، وحديث قتل المنافقين (٢)، وحديث البائل في المسجد (٣) " (٤).

стр. 804

٣ - مبنى عقود الأبدان على الألفة والاتفاق: عقود الأبدان من الزوجية والإجارة الواردة على عمل الإنسان ونحوهما يحتاج تنفيذها والاستمرار فيها إلى التآلف ودوام الاتفاق، فإذا فقد ذلك ساءت الحال بين المتعاقدين، وأصبح كل منهما لا يحسن التعامل مع الآخر، بل ربما تربص به الشر والأذية، فإذا تردد عقد من ذلك بين إمضائه أَوْ فسخه أخذ القاضي بالتَّوْصِيف الموجب للفسخ؛ لأَنَّه أرفق بالطرفين ما لم يعارض ذلك موجب أقوى فتجرى الموازنة حسب تزاحم المصالح بعضها مع بعض أَوْ مع ضدها. يقول ابن العربي (ت: ٥٤٣ هـ) - في تأييد الفرقة بين الزوجين للضرر أَوْ النشوز-: "فأَما عقود الأبدان فلا تتم إلَّا بالاتفاق والتآلف وحسن التعاشر، فإذا فقد ذلك لم يكن لبقاء العقد وجه، وكانت المصلحة في الفرقة" (١). ٤ - قطع الخصومة ما أمكن أَوْ تقليلها: الحكمة من مشروعية القضاء إيصال الحقوق إلى أَصْحَابها، ورفع المشاحنات، وقطع الخصومات أَوْ تقليلها، وقمع الظالم، ونصرة المظلوم، ونشر الأمن في الأمة، وهي مقاصد في الشريعة من السمو بمكانة (٢).

стр. 805

وأصل ذلك ما حدَّث به زيد بن ثابت ﵁ قال: "كان الناس في عهد رسول الله ﷺ يتبايعون الثمار، فإذا جذَّ الناس وحضر تقاضيهم قال المُبتاع: إنَّه أصاب الثمرَ الدُّمان، أصابه مرض، أصابه قُشام - عاهات يحتجون بها - فقال رسول الله ﷺ لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: فأَمَّا لا فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم" (١). قال ابن تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨ هـ): "فقد أخبر أن سبب نهي النبي ﷺ عن ذلك ما أفضت إليه من الخصام" (٢)، فإذا تردد تَوْصِيف واقعة بين ما يقطع الخصومة أَوْ يقللها وبين ما يوجب استمرارها فإنَّ القاضي يقدم في توصيفها ما يقطع الخصومة أَوْ يقللها، وهكذا في سائر حِكَمِ مشروعية القضاء. وكل ذلك ما لم يعارضه موجب أقوى منه، فتجرى الموازنة حسب تزاحم المصالح بعضها مع بعض، أَوْ مع ضدها. ومن الأمثلة لما يراعى فيه قطع الخصومة ما أمكن أَوْ تقليلها: أَنْ يختلف المؤجر والمستأجر في شيء من حقوق العقد قبل مباشرة

стр. 806

تنفيذه، ويتردد توصيفه بين بقاء العقد وفسخه، فيقدم موجب فسخه؛ لأَنَّه أقطع للنزاع بينهما (١). وعلى القاضي هنا أَنْ يذكر في أسباب حكمه مسوغات توصيفه لما أخذ به على وجه كافٍ مفصل. * * *

стр. 807

المطلب الثالث الأصل الثالث مراعاة الفروق بين الوقائع والأشخاص عند التوصيف ونبيِّن هنا مراعاة الفروق بين الوقائع والأشخاص عند التوصيف وتطبيقات على ذلك في عنوانين متتاليين: مراعاة الفروق بين الوقائع والأشخاص عند التوصيف: إنَّ القاضي -بل والمفتي- وهو يوصف الوقائع لا بُدَّ له من النظر في خصوصيات الوقائع والأشخاص، وما بينهما من فروق مؤثرة، وأوصاف مقررة. فقد يكون للشخص المتقاضي من مدّعٍ أَوْ مدعى عليه، أَوْ للواقعة المتنازع فيها خاصية تستدعي توصيفًا وحكمًا لا يطبق على نظائرها؛ لوجود وصف مؤثر متعلق بالشخص أَوْ الواقعة استدعى المغايرة في التَّوْصِيف والحكم (١).

стр. 808

يَدُلُّ على ذلك ما رواه سعيد بن سعد بن عبادة قال: "كان في أبياتنا رويجل ضعيف، فخبث بأَمَةٍ من إمائهم، فذكر ذلك سعد لرسول الله ﷺ فقال: اضربوه حَدَّه، فقالوا: يا رسول الله، إنَّه أضعف من ذلك، فقال: خذوا عثكالًا فيه مائة شمراخ، ثم اضربوه به ضربة واحدة، ففعلوا" (١). ففي ضرب هذا الرجل بعثكال فيه مائة شمراخ بدلًا من مائة سوط مفرقة مراعاة لضعفه؛ لأَنَّه لا يطيق الجلد بالسوط مفرقًا، كما يضرب غيره من الأَصِحَّاء (٢)؛ لقوله -تعالى-: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. كما يَدُلُّ على مراعاة خصوصيات الأشخاص والأعيان ما رواه أبو ذر أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحبُّ لك ما أحبُّ لنفسي، لا تَأَمَّرنَّ على اثنين، ولا تَوَلَّينَّ مال يتيم" (٣)، فقد خص النبي ﷺ أبا ذر ﵁ بهذا الحكم،

стр. 809

وهو نهيه عن الإمارة ولو على اثنين، وعن ولايته على مال اليتيم؛ لأَنَّ أبا ذر رجل ضعيف لا يصلح للقيام بمثل هذه الأعمال، مع أَنَّ الأصل ترغيب عموم الناس في القيام بهذه الأعمال لحاجة الناس إليها، بل لقد كان النبي ﷺ نفسه يُرَغِّبُ فيها، فقد رغب في الحكم والقضاء بين الناس في أحاديث مُتَعَدِّدَةٍ، منها ما حدث به عبد الله ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حسد إلَّا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا، فسلطه على هلكته في الحق، وآخر آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها" (١). كما أَنَّ النبي ﷺ كان يرغب في كفالة اليتيم، ومن ذلك ما حدث به سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ أَنّه قال: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وقال بأصبعيه السبابة والوسطى" (٢). وقد نهى النبي ﷺ أبا ذر عن تلك الولايات لما رأى به من الصفات التي لا تمكنه من القيام بها (٣). فمراعاة خصوصيات الوقائع والأشخاص أمر مقرر في القضاء والفتيا؛ يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت: ١٢٥٨ هـ): "القصد من التشريع والأوامر تحصيل المصالح

стр. 810

ودرء المفاسد حسب الإمكان، وقد لا يمكن إلَّا مع ارتكاب أخف الضررين، أَوْ تفويت أدنى المصلحتين، واعتبارُ الأشخاص والأزمان والأحوال أصل كبير، فمن أهمله وضيعه فجنايته على الناس وعلى الشرع أعظم جناية" (١). ويقول ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ): "قال السهيلي: ولا يستحيل أَنْ يكون الشيء صوابًا في حق إنسان وخطأً في حق غيره، إنما المحال أَنْ يحكم في النازلة بحكمين متضادين في حق شخص واحد ... والأصل في ذلك: أَنَّ الحظر والإباحة صفات أحكام لا أعيان" (٢). ويقول السبكي (ت: ٧٥٦ هـ) -وهو يتحدث عن التبصر عند تنزيل الحكم الكلي على الواقعة-: "ولهذا تجد في فتاوى بعض المتقدمين ما ينبغي التوقف في التمسك به، ليس لقصور ذلك المفتي -مَعَاذ الله-، بل لأَنَّه قد يكون في الواقعة التي سئل عنها ما يقتضي ذلك الجواب الخاص، فلا يطرد في جميع صورها" (٣).
следующие страницы →