← Сияса и кади

Сияса и кади · id 17810

توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية

عبد الله بن محمد الخنين

Полный текст (1 181 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

تنفيذه، ويتردد توصيفه بين بقاء العقد وفسخه، فيقدم موجب فسخه؛ لأَنَّه أقطع للنزاع بينهما (١). وعلى القاضي هنا أَنْ يذكر في أسباب حكمه مسوغات توصيفه لما أخذ به على وجه كافٍ مفصل. * * *

стр. 807

المطلب الثالث الأصل الثالث مراعاة الفروق بين الوقائع والأشخاص عند التوصيف ونبيِّن هنا مراعاة الفروق بين الوقائع والأشخاص عند التوصيف وتطبيقات على ذلك في عنوانين متتاليين: مراعاة الفروق بين الوقائع والأشخاص عند التوصيف: إنَّ القاضي -بل والمفتي- وهو يوصف الوقائع لا بُدَّ له من النظر في خصوصيات الوقائع والأشخاص، وما بينهما من فروق مؤثرة، وأوصاف مقررة. فقد يكون للشخص المتقاضي من مدّعٍ أَوْ مدعى عليه، أَوْ للواقعة المتنازع فيها خاصية تستدعي توصيفًا وحكمًا لا يطبق على نظائرها؛ لوجود وصف مؤثر متعلق بالشخص أَوْ الواقعة استدعى المغايرة في التَّوْصِيف والحكم (١).

стр. 808

يَدُلُّ على ذلك ما رواه سعيد بن سعد بن عبادة قال: "كان في أبياتنا رويجل ضعيف، فخبث بأَمَةٍ من إمائهم، فذكر ذلك سعد لرسول الله ﷺ فقال: اضربوه حَدَّه، فقالوا: يا رسول الله، إنَّه أضعف من ذلك، فقال: خذوا عثكالًا فيه مائة شمراخ، ثم اضربوه به ضربة واحدة، ففعلوا" (١). ففي ضرب هذا الرجل بعثكال فيه مائة شمراخ بدلًا من مائة سوط مفرقة مراعاة لضعفه؛ لأَنَّه لا يطيق الجلد بالسوط مفرقًا، كما يضرب غيره من الأَصِحَّاء (٢)؛ لقوله -تعالى-: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. كما يَدُلُّ على مراعاة خصوصيات الأشخاص والأعيان ما رواه أبو ذر أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحبُّ لك ما أحبُّ لنفسي، لا تَأَمَّرنَّ على اثنين، ولا تَوَلَّينَّ مال يتيم" (٣)، فقد خص النبي ﷺ أبا ذر ﵁ بهذا الحكم،

стр. 809

وهو نهيه عن الإمارة ولو على اثنين، وعن ولايته على مال اليتيم؛ لأَنَّ أبا ذر رجل ضعيف لا يصلح للقيام بمثل هذه الأعمال، مع أَنَّ الأصل ترغيب عموم الناس في القيام بهذه الأعمال لحاجة الناس إليها، بل لقد كان النبي ﷺ نفسه يُرَغِّبُ فيها، فقد رغب في الحكم والقضاء بين الناس في أحاديث مُتَعَدِّدَةٍ، منها ما حدث به عبد الله ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حسد إلَّا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا، فسلطه على هلكته في الحق، وآخر آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها" (١). كما أَنَّ النبي ﷺ كان يرغب في كفالة اليتيم، ومن ذلك ما حدث به سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ أَنّه قال: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وقال بأصبعيه السبابة والوسطى" (٢). وقد نهى النبي ﷺ أبا ذر عن تلك الولايات لما رأى به من الصفات التي لا تمكنه من القيام بها (٣). فمراعاة خصوصيات الوقائع والأشخاص أمر مقرر في القضاء والفتيا؛ يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت: ١٢٥٨ هـ): "القصد من التشريع والأوامر تحصيل المصالح

стр. 810

ودرء المفاسد حسب الإمكان، وقد لا يمكن إلَّا مع ارتكاب أخف الضررين، أَوْ تفويت أدنى المصلحتين، واعتبارُ الأشخاص والأزمان والأحوال أصل كبير، فمن أهمله وضيعه فجنايته على الناس وعلى الشرع أعظم جناية" (١). ويقول ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ): "قال السهيلي: ولا يستحيل أَنْ يكون الشيء صوابًا في حق إنسان وخطأً في حق غيره، إنما المحال أَنْ يحكم في النازلة بحكمين متضادين في حق شخص واحد ... والأصل في ذلك: أَنَّ الحظر والإباحة صفات أحكام لا أعيان" (٢). ويقول السبكي (ت: ٧٥٦ هـ) -وهو يتحدث عن التبصر عند تنزيل الحكم الكلي على الواقعة-: "ولهذا تجد في فتاوى بعض المتقدمين ما ينبغي التوقف في التمسك به، ليس لقصور ذلك المفتي -مَعَاذ الله-، بل لأَنَّه قد يكون في الواقعة التي سئل عنها ما يقتضي ذلك الجواب الخاص، فلا يطرد في جميع صورها" (٣).

стр. 811

فواجب على القاضي والمفتي عند تَوْصِيف الواقعة أَنْ يراعي خصوصيتها في أشخاصها وجميع أحوالها إن كان ثَم ما يقتضي ذلك؛ يقول الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) -في خاصية العالم الراسخ-: "إنَّه يجيب السائل على ما يليق به في حالته على الخصوص إن كان له في المسألة حكم خاص" (١). كما يجب على القاضي والمفتي بذل الجهد للتعرف على تلك الخصوصيات إن كانت، وتقرير الحكم الملائم لها؛ يقول ابن عابدين (ت: ١٢٥٢ هـ): "والتحقيق أَنَّ المفتي في الوقائع لا بُدَّ له من ضرب اجتهاد، ومعرفة بأحوال الناس" (٢). ولأجل مراعاة هذا الأصل وغيره كان القضاء جزئيًا لا يتعدى نفوذه غير الواقعة المحكوم فيها, ولا الأشخاص المترافعين (٣)؛ وذلك لأَنَّه مُنَزَّل على واقعة معينة لها خصوصيتها سواء في نفس الواقعة، أَمْ الأشخاص، أَمْ أدلة إثباتها، وكان على القاضي الاجتهاد

стр. 812

في تنزيل الحكم الكلي على الواقعة القضائية في كل واقعة تحدث، ولا يغني تنزيل سابقه عن لاحقه، بل لكل واحدة منهما نظر مستقل؛ لأَنَّه كما يقول الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "كل صورة من النازلة، نازلة مستأنفة في نفسها لم يسبق لها نظير، وإن تقدم لها في نفس الأمر فلم يتقدم لنا فلا بُدَّ من كونها مثلها أَوْ لا ... ويكفيك من ذلك أَنَّ الشريعة لم تَنُصَّ على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمور كلية، وعبارات مطلقة تتناول أعدادًا لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست في غيره ولو في نفس التعين" (١). لكن الاعتداد بالفروق بين الأشخاص والوقائع عند الاقتضاء إنما يكون إذا انضبط ذلك بأمر ظاهر يذكره القاضي في تسبيب حكمه، أَمَّا إذا خفي أَوْ عسر انضباطه فلا يُعْتَدّ به (٢). تطبيقات على مراعاة الفروق بين الوقائع الاشخاص عند التَّوْصِيف: وتظهر مراعاة الفروق الفردية عند التَّوْصِيف في صور كثيرة تَدُلُّ عليها الأحكام الكلية في الجملة، ومن تطبيقات ذلك ما يلي:

стр. 813

١ - الإكراه المؤثر يختلف باختلاف الأشخاص: الإكراه مؤثر في إسقاط الرضا فيما يُعْتَدّ بالرضا فيه، وذلك إذا صدر من قادر، وغلب على ظن المكره نزول الوعيد به، وكان الإكراه مما يستضر به المكره ضررًا كثيرًا، كالقتل والضرب الشديد، أما الإكراه بالضرر اليسير، والضرب القليل فيختلف باختلاف الأشخاص، فإن كان في حق من لا يبالي فليس إكراهًا، وإن كان من ذوي المروءات، وكان على وجه يكون فيه إخراق لصاحبه، وغضاضة وشهرة في حقه - فهو كالضرب الكثير في حق غيره (١). وقد أفتى الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ (ت: ١٣٨٩ هـ) في رجل له والد قوي الشكيمة شديد عليه، وألزمه بطلاق زوجته، فطلقها ثلاثًا بلفظ واحد، وهو لم يرد الطلاق، فأفتاه بأن هذا الطلاق غير واقع؛ لأَنَّه في حكم المكره (٢). ٢ - ثبوت خيار الغبن لمغبون مسترسل: المسترسل: هو الجاهل بقيمة السلعة، ولا يحسن المماكسة، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص، فمن غبن وتحققت فيه الأوصاف من الجهل بالقيمة، وعدم حسن المماكسة ثَبَتَ له الخيار وإلَّا فلا (٣).

стр. 814

٣ - العقوبات التعزيرية تختلف بحسب الاقتضاء: العقوبة التعزيرية: هي عقوبة غير مقدرة شرعًا على معصية لا حدَّ فيها (١). وتتدرج من الإعراض والتوبيخ حتى القتل بحسب الذنب وأثره، وهي تختلف باختلاف الذنب، وحال المذنِب، وانتشار الجريمة في المجتمع، وأثرها عليه (٢)، يقول ابن تَيمِيَّةَ (ت: ٧٢٨ هـ): "وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها، وبحسب حال المذنب، وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته" (٣). ويبين في موضع آخر بعض المعاصي والجرائم، واختلاف عقوبتها فيقول: "بقدر ما يراه الوالي على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلته، فإذا كان كثيرًا زاد في العقوبة، بخلاف ما إذا كان قليلًا، وعلى حسب حال المذنب، فإذا كان من المدمنين على الفجور زِيد في عقوبته بخلاف المقل من ذلك، وعلى حسب كِبَر الذنب وصغره، فيعاقب من يتعرض لنساء الناس وأولادهم ما لا يعاقب من لم يتعرض إلَّا لامرأة واحدة أَوْ صبي

стр. 815

واحد" (١)، وواضح من هذا كله مراعاة الفروق الفردية بين الأشخاص والوقائع عند تنزيل الأحكام الكلية على الوقائع القضائية في العقوبات التعزيرية. * * *

стр. 816

المطلب الرابع الأصل الرابع مراعاة الضرورات والحاجات عند التوصيف نبيِّن المراد بالضرورة، ومعنى مراعاتها، وضوابطها، والمراد بالحاجة ومراعاتها كالضرورة، وشروط مراعاة الضرورةِ والحاجةِ عند التوصيف، وتطبيقات على مراعاة الحاجة والضرورة في عناوين متتالية: المراد بالضرورة ومعنى مراعاتها عند التَّوْصِيف: المراد بالضرورة: ما يطرأ على الإنسان مما في ترك مراعاته هلاك أَوْ ضرر شديد يلحق الضروريات الخمس من الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال (١). وسواء كانت الضرورة في الغذاء، أَمْ الدواء، أَمْ الانتفاع بمال

стр. 817

الغير، أَمْ القيام بالفعل تحت تأثير الإكراه، أَمْ الدفاع عن النفس ونحوها، أَمْ ترك الواجبات الشرعية المفروضة (١). فكل ذلك حالات استثنائية تُسَوِّغ للمكلف ترك الأحكام الجزئية المقررة لعموم المكلفين نَصًّا، أَوْ استنباطًا، ليدخل بحسب ما طرأ عليه في العمل بالأحكام الجزئية المقررة للضرورة. فالمكلف ينتقل من الوجوب أَوْ الحرمة إلى الإباحة، أَوْ من الإباحة إلى الوجوب أَوْ الحرمة، أَوْ من الحرمة إلى الإباحة أَوْ الوجوب، أَوْ إلى تأخير الواجب من أمر ونهي عن وقته دفعًا للضرورة في غالب ظنه (٢). والمكلف عند مراعاة الضرورة انتقل من مناط إلى مناط آخر، ولا يُعَدُّ ذلك خرقًا للتشريع، ولا خروجًا عن أحكام الشرع؛ لأَنَّ أصول الشريعة اقتضت له حكمًا قبل الضرورة، كما اقتضت له حكمًا آخر بعد الضرورة، وإنما معنى مراعاة الضرورة: أَنَّه إذا طرأت الضرورة انفردت من كليات جنسها, ولحقت بحكم جزئي خاص بها وما ماثلها، فالأحكام ثابتة قارّة تتبع أسبابها حيث كانت، والمكلف ينتقل من مناط إلى مناط، ولا غير في تبعية الأحكام للأحوال؛ لأَنَّ الحظر والإباحة صفات أحكام لا صفات أعيان (٣).

стр. 818

ويَدُلُّ على أصل مشروعية مراعاة الضرورة قوله -تعالى-: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] , فقد استثنى الله ما اضطر إليه الإنسان من طعام فأجاز أكله وإن كان لا يحل له حال الاختيار (١). ضوابط الضرورة: يعمل بالضرورة إذا توفرت فيها الضوابط التالية (٢): ١ - أَن يشهد الشرع لجنسها بالمراعاة: فلا بُدَّ أَنْ تكون الضرورة داخلة ضمن المقاصد التي جاء الشرع لتحقيقها وحفظها، أَوْ دفعها. ولا يستحل بالضرورة الكفر، ولا القتل، لكن لمن اضطر لطعامٍ مغالبةُ من معه فضل طعام لا ضرورة به إليه بعد التدرج باستيهابه أَوْ نهبه ونحو ذلك، فإن قُتِل المضطر في هذه المغالبة فهو شهيد، وإن قتل الآخر فهدر.

стр. 819

كما أَنَّ الضرورات إذا تزاحمت رُوعِي الترتيب في الحفاظ عليها، فتقدم في الجملة مراعاة ضرورة الدين، ثم النفس، ثم العقل، ثم النسل، ثم المال. ٢ - أَنْ تكون محققة لا متوهمة: فلا بُدَّ أَنْ يجزم أَوْ يغلب على الظن وقوع هذه الضرورة، وألَّا يمكن الخلاص منها بوجه سائغ. ٣ - ألَّا تؤدي إزالتها إلى ضرر مثلها أَوْ أكبر منها: فإذا كانت إزالة الضرورة تؤدي إلى ضرر مثلها أَوْ أعظم منها على نفسه أَوْ غيره امتنع تحقيقها. والاضطرار لا يسقط حق الغير، فمن اضطر لمال غيره فأكله أَوْ انتفع به ضَمِنَ مثله إن كان مثليًا أَوْ قيمته إن كان قِيمِيًّا. ٤ - أَنْ تقدر بقدرها: فإذا وقعت الضرورة فإنَّ مقاربتها وفعلها حسب القدر اللازم منها استدامةً وتأقيتًا وقلةً وكثرةً، فمن احتاج إلى شرب خمر لدفع لقمة غصّ بها فلا يزيد عن القدر اللازم لدفع الغصة، ومن احتاج لدواء محرّم أَخَذَ منه بالقدر اللازم لدفع المرض أَوْ تخفيفه مرةً إن أغنى، أَوْ تكرارًا على أوقات متفرقة، أَوْ مستمرًا عند قيام الضرورة إليه واستمرارها. الحاجة تراعى كالضرورة: المراد بالحاجة: ما يطرأ على الإنسان مما في ترك مراعاته

стр. 820

مشقة وحرج شديد خارج عن المعتاد في الضروريات الخمس وإن لم يبلغ درجة الضرورة (١). وفَرَّق بعض العلماء بين الحاجة والضرورة، فقال: إنَّ الضرورة لا يستغنى عنها، والحاجة يمكن الاستغناء عنها (٢). والحاجة تراعى سواء كان ذلك في العبادات، أَم في المعاملات، أَم في الجنايات، فما كان على تلك الصفة فهو ملحق بالضرورة؛ ولذا قال العلماء: الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامةً كانت أَوْ خاصةً (٣)، وستأتي أمثلة لذلك في عنوانٍ تالٍ إن شاء الله. ومما يجدر التنبيه عليه أَنَّ أغلب الفقهاء يستعملون كثيرًا مصطلح (الضرورة) مكان مصطلح (الحاجة)، ولا مشاحة في الاصطلاح إذا ظهر المراد (٤).

стр. 821

شروط مراعاة الضرورة والحاجة عند التَّوْصِيف: لقد اهتم الفقهاء بالضرورة والحاجة عند تنزيل الأحكام الكلية على الوقائع الجزئية فتويةً أَوْ قضائيةً، فذكروا أن على القاضي والمفتي مراعاة ما يطرأ من الضرورات والحاجات عند التنزيل الفتوي أَوْ القضائي، وأجازوا لمراعاتها العدول عن القول الراجح إلى القول المرجوح؛ لأَنَّه هو الراجح في مواجهة الضرورة أَوْ الحاجة (١)، واشترطوا لذلك شروطًا سبق بيانها (٢)، ولكن ثَمَّ شروط لمراعاة الضرورة والحاجة عند تَوْصِيف الوقائع القضائية، وقد استفدتها مما ذكره الفقهاء في شروط العمل بالقول المرجوح عند الضرورة والحاجة، وهي كما يلي: ١ - أَنْ يدُلَّ على مراعاة جنسها دليل من الكتاب، أَوْ السنة. ٢ - وجوب تحقق ضوابط الضرورة، وقد سبقت، ومثلها يقال في الحاجة، فلا بُدَّ أَنْ تكون محققة غير متوهمة، وأَنْ تقدر بقدرها، وأَلَّا تؤدي مراعاتها إلى إهدار مثلها أَوْ أكبر منها. ٣ - أَنْ يكون القاضي والمفتي متمكنًا من النظر في اعتبار

стр. 822

الضرورات والحاجات، ويذكر في أسباب حكمه مستنده الشرعي في ذلك، والمسوغات التي حملته على الاعتداد بذلك الأمر من الضرورات أَوْ الحاجات التي تجب مراعاتها. ٤ - أَنْ يكون مراعاة الضرورة والحاجة مقتصرًا على الواقعة القضائية الحالية، ويتجدد الاجتهاد فيها بتجدد وقوعها في منازلة بحسب ما يحتف به من أمور دافعة، وعوارض مانعة، وأحوال ومقتضيات مؤثرة، ومن المقرر في الأحكام القضائية أَنّها جزئية خاصة بالمتنازع فيه حالًا لا تتعداه إلى غيره من الوقائع. تطبيقات على مراعاة الضرورة والحاجة عند التَّوْصِيف: إنَّ صور الضرورة والحاجة التي تجب مراعاتها عند التَّوْصِيف لا تنحصر، وسوف أذكر بعض التطبيقات على ذلك فيما يلي: (أ) الإغضاء عن خلل يسير في العقد ترجيحًا لمصلحة تقرير العقود الذي يحتاجه المتعاملون، وذلك كالبيوع الفاسدة التي يطرأ عليها بعض المفوتات المقررة فقهًا إذا كانت قد وافقت قولًا للفقهاء ولو مرجوحًا، ذكره بعض المالكية (١). (ب) عند المالكية: من هرب بامرأة حتى يحمل أهلها على تزويجها له لم تحرم عليه بذلك، وفي قول لهم: تحرم عليه بذلك تحريمًا مؤبدًا.

стр. 823

ولما كثر هذا الأمر بين الناس أفتى بعض محققي المالكية بالتحريم المؤبد؛ للحاجة إلى قطع هذا الأمر، وحسمِ ما يترتب عليه من الفساد (١). (ج) يقرر الحنابلة أَنَّ الطلاق ثلاثًا بلفظ واحد يقع ثلاثًا، وخالف ابن تَيْمِيَّة (ت: ٧٢٨ هـ)، وقال: يقع واحدة فقط، وبعض الحنابلة مثل المجد (ت: ٦٥٢ هـ) يفتون بلزوم الثلاث في حال دون حال؛ إمَّا لكونهم رأوه من باب التعزير الذي يجوز فعله بحسب الحاجة، وإمَّا لاختلاف اجتهادهم؛ قال بعض الحنابلة: يجوز العمل بمقتضى قول الشيخ- أي: بجعل طلاق الثلاث واحدة- بخاصة إذا دعت الضرورة إليه (٢). (د) المذهب عند الحنابلة: أَنَّه يَصِحُّ عفو النساء عن القصاص من زوجة ونحوها. والقول الآخر في المذهب: أَنَّ القصاص مُورَّث للعصبات من الرجال خاصة، وليس للنساء عفو، اختاره شيخ الإسلام ابن تَيميَّةَ (ت: ٧٢٨ هـ) (٣). والعمل على الأول، ويجوز الأخذ بالقول الآخر إذا اقتضاه

стр. 824

الحال من ضرورة أَوْ حاجة؛ قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت: ١٣٨٩ هـ): "لكن إذا كثر التحيل لإسقاط القصاص فلعل في مثل هذه الحالة إذا تسلط العتاة وخيف اختلال الأمن بكثرة العفو، وصار سُلَّمًا لسفك الدماء، وإسقاط موجبها، ففي مثل هذه الحالة يجوز ضرورةً العملُ بالقول الآخر الذي اختاره الشيخ تَقِيّ الدين" (١). (هـ) ظاهر مذهب الحنابلة: أَنَّ الورثة إذا كان فيهم صغير، ووجب لهم القصاص من قاتل مورثهم فإنَّ القصاص يؤجل حتى يبلغ الصغير. وفي رواية للِإمام: أَنَّ القصاص يُستَوفى بناءً على طلب الكبار العقلاء، ولا ينتظر بلوغ الصغار وطلبهم (٢). والقول الأول هو الذي عليه العمل، ويجوز الأخذ بالقول الآخر عند الاقتضاء من ضرورة أَوْ حاجة، كأَنْ يكون القتل قد تمَّ بطريقة فيها مغالبة أَوْ مخادعة لا تصل إلى حد الحرابة أَوْ الغيلة، وفي تعجيله تحقيق لمصلحة الزجر، واستتباب الأمن الذي تحتاجه الأمة جميعًا. * * *

стр. 825

المطلب الخامس الأصل الخامس مراعاة درء الحدود والقصاصِ بالشبهات عند التَّوْصِيف هذا أصل عظيم في تَوْصِيف الأَقْضِيَة الجنائية من الحدود والقصاص، ونبين هنا المراد بدرء الحدودِ والقصاصِ بالشبهات ، و الشبهةَ المؤثرة في درء الحدود والقصاص ، وأقسامَ الشبهة الدارئة للحد، وأَنَّ القصاص كالحد يدرأ بالشبهة، وذلك في عناوين متتالية: المراد بدرء الحدود والقصاص بالشبهات: هو دفع وإسقاط العقوبة الحدية أَوْ القصاص لقيام الشبهة القوية. الشبهة المؤثرة في درء الحدود والقصاص: الشبهة المؤثرة في الدرء: هي الشبهة القوية المحتملة لا مطلق الشبهة.

стр. 826

فالشبهة المؤثرة: هي التي تشبه الثابت وليس بثابت (١)، أي: تشبه الحقيقة الثابتة بأَنْ تكون قوية. أَوْ: هي وجود المبيح صورة مع انعدام حكمه أَوْ حقيقته (٢)، وذلك كمن وطئ امرأة أجنبية يظنها زوجته. فقد وجد المبيح صورة في ظن الواطئ، وهو عقد الزوجية الذي هو سبب النكاح، فإذا لم يثبت حكمه وهو الإباحة بقيت صورته شبهة دارئة للحد. ودرء الحدود بالشبهات مجمع عليه بين الفقهاء (٣). أقسام الشبهة الدارئة للحد: بيَّن المالكية والشافعية والحنفية أقسام الشبهة الدارئة للحد، وأشار إليها الحنابلة في صور الشبهة التي يوردونها. وقد قسم المالكية والشافعية الشبهة إلى ثلاثة أقسام، هي (٤):

стр. 827

القسم الأول: شبهة قوة المدرك عند الخلاف: فإذا كان الحكم الكلي الموجب للحد مختلفًا فيه، وأدلة الأقوال المختلفة قوية قُدِّم دارئ الحد على موجبه (١)؛ يقول العز بن عبد السلام (ت: ٦٦٠ هـ): "فليس اختلاف العلماء هو الشبهة ... وإنما الشبهة التعارض بين أدلة التحريم والتحليل، فإنَّ الحلال ما قام دليل تحليله، والحرام ما قام دليل تحريمه، وليس أحدهما أولى من الآخر ... وإنما غُلِّب درء الحدود مع تحقق الشبهة؛ لأَنَّ المصلحة العظمى في استيفاء الإنسان لعبادة الديان، والحدودُ أسباب محظرة، فلا تثبت إلَّا عند كمال المفسدة وتمحضها" (٢)، ومثَّل له بالنكاح المختلف فيه، فإنَّه لا يجب فيه الحدّ، بل يدرأ للشبهة، ولذلك فإنَّه إذا كان الخلاف في المسألة بهذه الصفة، أَوْ اختلف في تفسير الحكم الكلي أَوْ الواقعة على مثل هذا الوجه المشار إليه سابقًا كان ذلك موجبًا لترجيح جانب الدرء في الحدود على جانب إقامتها.

стр. 828

القسم الثاني: شبهة في المحل: وذلك كإتيان الزوجة في دبرها، فالشبهة قائمة في محل الفعل المحرم؛ لأَن الزوجة محل لاستمتاع الزوج، وهو وإن لم يكن له أَنْ يأتيها في ذلك المأتي لحرمة ذلك عليه إلَّا أن حِلَّ الاستمتاع بالزوجة يورث شبهة توجب درء حد الزنى عنه، سواء اعتقد الفاعل حلَّ الفعل أَم تحريمه؛ لأَنَّ أساس الشبهة ليس الاعتقاد والظن، وإنما أساسها محل الفعل، وتسلط الفاعل شرعًا عليه (١)، لكن يعزر إن علم التحريم. القسم الثالث: شبهة في الفاعل: وذلك كمن وطئ امرأة أجنبية يظنها زوجته، فأساس الشبهة ظنُّ الفاعل واعتقاده بحيث يأتي الفعل وهو يعتقد حله، فقيام هذا الظن عند الفاعل يورث شبهة يترتب عليها درء الحد، فإذا أتى الفاعل الفعل وهو عالم بأَنَّه محرم فلا شبهة (٢). أَمَّا الحنفية: فقد ذكروا أنواع الشبهة، وأنَّها قسمان (٣): القسم الأول: الشبهة في الفعل وتسمى شبهة اشتباه وشبهة مشابهة:

стр. 829

وهي تكون في حق من اشتبه عليه الفعل، كمن اشتبه عليه الحل والحرمة، مثل من يطأ زوجته المطلقة ثلاثًا في عدتها، ويشترط ألَّا يكون هناك دليل على التحريم أصلًا، وأنْ يعتقد الجاني الحل. القسم الثاني: شبهة في المحل وتسمى الشبهة الحكمية أَوْ شبهة المِلك: وذلك كسرقة الأب من مال ابنه، ويشترط في هذه الشبهة أَنْ تكون ناشئة عن حكم شرعي، فالشبهة في المحل تتحقق بقيام دليل شرعي ينفي الحرمة، فالحرمة مشكوك فيها بقيام دليل الحل، فالسرقة محرمة والأب له أَنْ يتملك من مال ابنه؛ لقوله ﷺ فيما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده-: "أنت ومالك لأبيك" (١). ويضيف أبو حنيفة قسمًا ثالثًا من الشبهات، وهي شبهة العقد ولو كان متفقًا على تحريمه، لكن أَصْحَابه والأئمة الأربعة يخالفونه في هذا، ولا يرون العقد شبهة إلَّا إذا كان الجاني يظن الحلَّ ويعتقده. وإذا دُرِئ الحدُّ عن الجاني فإنَّه يعزر بما يناسب حاله، ويسقط عنه التعزير في مثل من وطئ أجنبية يظنها زوجته؛ لأَنَّه لم يقصد الفعل المحرم، كما يسقط عنه التعزير في مثل من وطء امرأة

стр. 830

تزوجها بلا شهود أَوْ بلا ولي؛ لأَنَّ النكاح مختلف فيه، كما يسقط عنه التعزير في مثل من شهد عليه شاهدان بشرب المسكر ثم رجعا ولا قرينة على الشرب (١). ومما تجدر الإشارة إليه أَنَّ التعزير لا يسقط بالشبهة، بل يثبت معها (٢)، لكن ثم مبدأ آخر يطبق على عقوبة التعزير، وهو أَنَّ العفو عن العقوبة مقدَّم على إثباتها، وذلك إذا قام مقتضيه، كأَنْ تكون البينات غير كافية في إيجاب التعزير ونحو ذلك فإنّه لا عقوبة إلَّا بحجة (٣)؛ يقول ابن تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨ هـ): "فإذا دار الأمر بين أَنْ يخطئ فيعاقب بريئًا، أَوْ يخطئ فيعفو عن مذنب كان هذا الخطأ خير الخطأين، أَمَّا إذا حصل عنده علم أَنّه لم يعاقب إلَّا مذنبًا فإنَّه لا يندم، ولا يكون فيه خطأ" (٤). القصاص يُدرأُ بالشبهة كالحدود: القصاص يدرأ بالشبهة كالحدود، سواء كانت الشبهة في الفاعل، كمن قتل قاتل مورثه وقد عفا أحد الورثة وهو لا يعلم بالعفو، فلا قصاص عليه، أَمْ كانت الشبهة في المحل، وذلك كأَنْ

стр. 831

يشهد الشهود على رجل بالقتل، ثم يرجعوا عن ذلك فلا يقتص من المشهود عليه، أَم كانت الشبهة باختلاف العلماء، وذلك كأَنْ يقتل ولي الدم ممسك وليه حتى قتل فإنَّ الولي الذي قتل القاتل لا يقاد؛ لأن له شبهة في مثله، وهي اختلاف العلماء، فقد قال بعضهم بقتل الممسك (١). فعلى القاضي عند تَوْصِيف الواقعة في الحدود والقصاص مراعاة الشبهة المؤثرة في ذلك، سواء كانت في الفاعل، أَم المحل، أَم المدرك باختلاف العلماء، أَم في تفسير إقرار المكلف ونحوه. ومما تجدر الإشارة إليه أَنَّ القصاص يثبت باللَّوْث- وهي القرينة الدالة على القتل- كما في القسامة. ولا تعارض بين هذه القاعدة- درءِ القصاص بالشبهة- وبين ثبوته بالقرينة في القسامة؛ لأَنَّ اندراءه يكون بالشبهة القوية التي ترجح عدم ثبوته، أَوْ التردد في قصده، أَوْ صفته. أَمَّا ثبوته في القسامة باللَّوْث- وهي القرينة الدالة على القتل- فلأَنَّ القرينة رجحت ثبوته، وفرق بين الأمرين؛ قرينة قوية دالة على موجب درئه، وقرينةٌ قوية دالة على موجب إقامته. * * *

стр. 832

المبحث الثاني وسائل التَّوْصِيف القضائي وفيه تمهيد، ومطلبان: التمهيد: المراد بوسائل التَّوْصِيف القضائي وبيانها إجمالًا. المطلب الأول: القياس القضائي. المطلب الثاني: الاجتهاد المباشر.

стр. 833

التمهيد المراد بوسائل التَّوْصِيف القضائي وبيانها إجمالًا المراد بوسائل التَّوْصِيف: هي الطرق التي يستعين بها القاضي في تنزيل الأوصاف الكائنة في الحكم الكلي على الواقعة القضائية. وسائل التَّوْصِيف القضائي إجمالًا: إنَّ الوسائل التي يستعين بها القاضي في تنزيل الأوصاف الكائنة في الأحكام الكلية على الوقائع الجزئية وسيلتان، هما: - القياس القضائي. - والاجتهاد المباشر. وبيان كل واحدة منهما في مطلب مستقل مما يلي. * * *

стр. 834

المطلب الأول القياس القضائي مدخل القياس القضائي عملية ذهنية يستعين بها القاضي في تنزيل الحكم الكلي الفقهي على الواقعة القضائية لاشتراكهما في الأوصاف المؤثرة. وهو يعود إلى قياس الشمول المنطقي (١). وعُرِّف قياس الشمول المنطقي بأَنَّه: قولٌ مؤلَّفٌ من قضيتين فأكثر متى سلم لزم عنه لذاته قول آخر. فالقياس المنطقي الشمولي يتركب من جملتين فأكثر إذا استوفى أصوله حدث منه نتيجة مفيدة، ويتضح ذلك فيما سنذكره من حدود هذا القياس.

стр. 835

وسُمِّيَ شموليًا لاندراج حده الأصغر في حده الأوسط، واندراج حده الأوسط في حده الأكبر، ونتيجة ذلك دخول الحد الأصغر تحت الأكبر وشموله له. كما يسمى اقترانيًّا؛ لاقتران حدوده الثلاثة- الأصغر والأوسط والأكبر- من غير أَنْ يتخللها حرف الاستثناء (١). حدود القياس الشمولي المنطقي: لهذا القياس ثلاثةُ حدودٍ، ونتيجة (٢)، وهي: - الحد الأكبر، ويسمى المقدمة الكبرى. - الحد الأصغر، ويسمى المقدمة الصغرى. - الحد الأوسط، وهو الأوصاف المؤثرة المشتركة بين الحدَّين. - النتيجة، وهي ثمرة إنتاج المقدمة الكبرى للمقدمة الصغرى لاشتراكهما في الحد الأوسط، ولذلك فإنَّه عند الإنتاج يُلْغى الحد الأوسط، وتكون النتيجة متآلفة من الحد الأصغر والأكبر، قال ابن قدامة (ت: ٦٢٠ هـ): "اعلم أن كل واحدة من المقدمتين تشتمل على جزئين: مبتدأ، وخبر، فتصير أجزاء البرهان أربعة أمور؛ منها

стр. 836

واحد مكرر في المقدمتين، فتعود إلى ثلاثة؛ إذ لو بقيت أربعة لم تشترك المقدمتان في شيء واحد" (١). قال ابن تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨ هـ): "ولا نزاع أَنَّ المقدمتين إذا كانتا معلومتين وأُلْقِيَتَا على الوجه المعتدل أَنّه يفيد العلم بالنتيجة" (٢). وقال- أيضًا-: "إن سورة القياس المذكورة لا تحتاج إلى تعلم، بل هي عند الناس بمنزلة الحساب" (٣). قال أهل الفن: النتيجة دائمًا تتبع أضعف المقدمتين وأدناهما، إلَّا إذا كانت المقدمتان معلومتين فإنَّ النتيجة تكون معلومة (٤). وقد تهمل إحدى المقدمتين لوضوحها واشتهارها، وهو الغالب في الفقهيات، وقد يكون الإهمال للمقدمة الأولى، كما قد يكون للمقدمة الثانية (٥). وطريقة نُظَّار المسلمين: أَنْ يذكروا من الأدلة والمقدمات ما يحتاجون إليه من دون الالتزام بمقدمتين، بل ربما أوردوا من المقدمات واحدة أَوْ ثلاثًا أَوْ أربعًا أَوْ أكثر، وربما أوردوا سلسلة من

стр. 837

المقدمات بحسب القضية وحاجة المستدل له (١). المراد بالقياس القضائي: القياس القضائي: هو الاجتهاد في إدخال الواقعة الجزئية القضائية في الحكم الكلي الفقهي بواسطة القياس المنطقي لاشتراكهما في الأوصاف المؤثرة (٢). حدود القياس القضائي: هذا القياس القضائي كالقياس المنطقي، له ثلاثة حدود ونتيجة، هي: المقدمة الكبرى، والمقدمة الصغرى، والحد الأوسط، والنتيجة. فمقدمته الكبرى: هي الحكم الكلي الفقهي المفسر، سواء كان مقررًا، أم اجتهد القاضي في تقريره. ومقدمته الصغرى: هي الواقعة القضائية المؤثرة المنقحة الثابتة المفسرة، الخالية من موانع الحكم. وحدُّه الأوسط: هو الأوصاف المؤثرة المشتركة في الواقعة القضائية، والحكم الكلي. والنتيجة: هو التَّوْصِيف القضائي الذي تبينه وتوضحه أسباب الحكم.

стр. 838

وقد أشار ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ) إلى هذا، فهو يقول: "الحاكم محتاج إلى ثلاثة أشياء لا يَصِحُّ له الحكم إلَّا بها: معرفة الأدلة، والأسباب، والبينات" (١). فالأدلة تبين الحكم الكلي الفقهي، والبينات تثبت الوقائع القضائية، والأسباب هي الأوصاف المؤثرة التي تعرف القاضي انطباق الحكم الكلي على الواقعة القضائية، أَوْ انتفاءه عنها (٢). طريقة استعمال القياس القضائي في التَّوْصِيف: إذا أراد القاضي تنزيل الحكم الكلي الفقهي على الواقعة القضائية فعليه تهيئة المقدمتين في ذهنه: الحكم الكلي الفقهي المفسر، والواقعة القضائية المقررة المفسرة، ثم التحقق من اشتراكهما في الأوصاف المؤثرة، وهي الأسباب والشروط مع انتفاء الموانع، فإذا تحقق من ذلك حصلت المطابقة وهو التوصيف (٣). والقاضي وهو بصدد تَوْصِيف الواقعة قد يحتاج إلى إجراء أقيسة مُتَعَدِّدَةٍ متسلسلةٍ أَوْ مركبةٍ. والمركبة: ما استدعت أكثر من واقعة يتركب بعضها مع بعض. والمتسلسلة: ما استدعت معنى لا يتوصل إليه إلَّا بعد إجراء

стр. 839

عدد من الأقيسة المتسلسلة، فَتكُون من مقدمة أَوْ مقدمتين أَوْ ثلاث أَوْ أكثر (١)، وذلك لتقرير الحكم الكلي الفقهي، ولإثبات الواقعة القضائية، ثم تطبيق أحدهما على الآخر (٢). ومن الجدير بالذكر أَنَّ القاضي قد يهتدي إلى هذا القياس من دون تعلم ولا قصد إليه، لكن معرفته له مما يسهل عمله ويسدد اجتهاده. أمثلة على استعمال القياس القضائي في التَّوْصِيف: نعرض بعض الأمثلة التي تبين طريقة توصيف القضية بواسطة القياس القضائي، وهي: المثال الأول: ادعى شخص على آخر بأن زيدًا مدين له بمائة ألف ريال ولم يسددها له، وأَنَّ المدعى عليه قد ضمنه في هذا الدَّيْن، وطلب المدعي إلزام المدعى عليه بتسلم الحق المدعى به وقدره مائة ألف ريال، وقد أجاب المدعى عليه بإنكار الحق والضمان، لكن ثبت عليه ذلك بسند كتابي. فلا بُدَّ لتَوْصِيف الواقعة من الآتي:

стр. 840

(أ) حكم كلي فقهي مقرر مفسر، وهو وجوب تسليم الحق على الضامن، وهي المقدمة الكبرى. (ب) واقعة ثابتة بطرق الحكم المقررة، ومفسرة، وهي ثبوت مديونية المدين الأصلي- وهو زيد- للمدعي بمائة ألف ريال، وأَنَّ المدعى عليه قد ضمنه فيها، وهي المقدمة الصغرى، وقد ثبت ذلك بموجب السند الكتابي. (ج) ثم بعد ذلك ينتقل القاضي إلى التحقق من اشتراكهما في الأوصاف المؤثرة في الحكم، وذلك باجتماع الواقعة مع مُعَرِّفَات الحُكْم الكلي في الأوصاف المؤثرة، وهذا هو الحد الأوسط، وقد تحقق ذلك بتطابق الأوصاف المؤثرة فكانت النتيجة، هي: تَوْصِيف الواقعة القضائية بالحكم الكلي من أَنَّه ضمان ملزم للمدعى عليه بتسليم الحق، ثم بعد ذلك يصدر الحكم القضائي عليه بذلك. المثال الثاني: ادُّعِيَ على شخص بأَنَّه قد شرب المسكر، وقد أجاب على الدعوى باعترافه بها. فلا بُدَّ لتَوْصِيف الواقعة من الآتي: (أ) حكم كلي فقهي مقرر مفسر، وهو حرمة شرب المسكر، ووجوب الحد فيه ثمانين جلدة، وهذه هي المقدمة الكبرى. (ب) واقعة ثابتة بطرق الحكم المقررة، ومفسرة، وهي:

стр. 841

ثبوت شرب المدعى عليه المعين لهذا الشراب المعين، وأَنَّه مسكر، مع تحقق شروط إقامة الحدَّ على المدعى عليه وانتفاء الموانع، وهذه هي المقدمة الصغرى، وقد تحقق ذلك باعترافه. (ج) ينتقل القاضي بعد ذلك إلى التحقق من اشتراك المقدمتين في الأوصاف المؤثرة في الحكم، وذلك باجتماع الواقعة ومُعَرِّفَات الحُكْم الكلي في الأوصاف المؤثرة، وهذا هو الحد الأوسط، وقد تحقق ذلك بتطابق الأوصاف المؤثرة في الواقعة ومُعَرِّفَات الحُكْم الكلي، فكانت النتيجة هي: تَوْصِيف الواقعة القضائية بالحكم الكلي من أن ما شربه المدعى عليه من هذا الشراب المعين موجب للحد، ثم بعد ذلك يصدر الحكم بإيقاع الحد عليه. * * *

стр. 842

المطلب الثاني الاجتهاد المباشر والمراد به: تقرير القاضي تَوْصِيف الواقعة المؤثرة المنقحة بالحكم الكلي من غير التزام بشكل القياس المارّ ذكره سابقًا. وهذه كانت طريقة الصدر الأول من الصَّحَابة؛ إذ كان أحدهم يقرر تَوْصِيف الواقعة والحكم فيها بناءً على الأدلة والبراهين والحجج من غير التزام بشكل القياس، ولا قصدٍ لموافقته أَوْ مخالفته. وهذه الطريقة وإن ساغ للقاضي سلوكها إذا ساق من الأدلة ما يؤيد توصيفه وحكمه إلَّا أَنَّ الالتزام بالطريقة الأولى (القياس القضائي) مما يساعد على تنظيم التفكير القضائي، ويسهَّل على القاضي عمله ويسدد اجتهاده، ويكون أقرب لصوابه، وأسرع لاجتهاده (١). * * *

стр. 843

المبحث الثالث وحدة التَّوْصِيف القضائي وتجزئته وتَعَدُّده واتفاقه وتضاده وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: التَّوْصِيف الواحد. المطلب الثاني: التَّوْصِيف المجزأ. المطلب الثالث: التَّوْصِيف المُتَعَدِّد. المطلب الرابع: التَّوْصِيف المتفق. المطلب الخامس: التَّوْصِيف المضاد. المطلب السادس: الفرق بين التَّوْصِيف المجزأ والمُتَعَدِّد والمتفق والمضاد.

стр. 844

المطلب الأول التَّوْصِيف الواحد والمراد به: ما كان التَّوْصِيف فيه واحدًا غير مجزأ، وسواء كانت واقعة مفردةً أَم مركبةً. فالمفردة كتَوْصِيف واقعة مبادلة مال بمال بأَنَّها بيع بعد تحقق الأوصاف المقتضية لذلك. وكتَوْصِيف اعتداء رجل على آخر وقتله بسكين عمدًا عدوانًا بأنَّه قتل عمد بعد تحقق الأوصاف المقتضية لذلك. والمُرَكَّبَة مثل تَوْصِيف التزام زيد بتسلم المال عن عمرو بأنَّه ضمان، فإنَّها مركبة من كون عمرو مدينًا للمدعى وأن زيدًا التزم بتسليم المال عنه (١). ففي هذه الصور كلها يكون التَّوْصِيف واحدًا غير مجزأ. * * *

стр. 845

المطلب الثاني التَّوْصِيف المُجَزَّأ والمراد به: إعطاء الواقعة القضائية الواحدة وصفين مختلفين في آن واحد، وإعمال كلٍّ منهما على حدة. مثاله: أَنْ يدعي رجل على زوجته بأنَّه طلقها على عوض قدره مائة ألف ريال، وتنكر الزوجة المعاوضة على هذا الطلاق، وليس لديه بينة على ما يدعيه، فَتُوَصَّف دعواه الطلاق على أَنّه إقرار وينفذ طلاقه، كما تُوَصَّف دعواه كون هذا الطلاق على عوض بأنَّها دعوى مجردة عن بينة، فلا يثبت له العوض، فينفذ طلاقه من غير عوض (١). وأصل ذلك ما قرره العلماء: أنَّه إذا اجتمعت الأسباب فإن قَبِلَ الحُكْم التجزئةَ توزعت الأحكام على الأسباب؛ لأَنَّ الأسباب الشرعية يجب صيانتها عن التعطيل ما أمكن (٢).
следующие страницы →