ثبوت شرب المدعى عليه المعين لهذا الشراب المعين، وأَنَّه مسكر، مع تحقق شروط إقامة الحدَّ على المدعى عليه وانتفاء الموانع، وهذه هي المقدمة الصغرى، وقد تحقق ذلك باعترافه.
(ج) ينتقل القاضي بعد ذلك إلى التحقق من اشتراك المقدمتين في الأوصاف المؤثرة في الحكم، وذلك باجتماع الواقعة ومُعَرِّفَات الحُكْم الكلي في الأوصاف المؤثرة، وهذا هو الحد الأوسط، وقد تحقق ذلك بتطابق الأوصاف المؤثرة في الواقعة ومُعَرِّفَات الحُكْم الكلي، فكانت النتيجة هي: تَوْصِيف الواقعة القضائية بالحكم الكلي من أن ما شربه المدعى عليه من هذا الشراب المعين موجب للحد، ثم بعد ذلك يصدر الحكم بإيقاع الحد عليه.
* * *
стр. 842
المطلب الثاني الاجتهاد المباشر
والمراد به: تقرير القاضي تَوْصِيف الواقعة المؤثرة المنقحة بالحكم الكلي من غير التزام بشكل القياس المارّ ذكره سابقًا.
وهذه كانت طريقة الصدر الأول من الصَّحَابة؛ إذ كان أحدهم يقرر تَوْصِيف الواقعة والحكم فيها بناءً على الأدلة والبراهين والحجج من غير التزام بشكل القياس، ولا قصدٍ لموافقته أَوْ مخالفته.
وهذه الطريقة وإن ساغ للقاضي سلوكها إذا ساق من الأدلة ما يؤيد توصيفه وحكمه إلَّا أَنَّ الالتزام بالطريقة الأولى (القياس القضائي) مما يساعد على تنظيم التفكير القضائي، ويسهَّل على القاضي عمله ويسدد اجتهاده، ويكون أقرب لصوابه، وأسرع لاجتهاده (١).
* * *
стр. 843
المبحث الثالث وحدة التَّوْصِيف القضائي وتجزئته وتَعَدُّده واتفاقه وتضاده
وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: التَّوْصِيف الواحد.
المطلب الثاني: التَّوْصِيف المجزأ.
المطلب الثالث: التَّوْصِيف المُتَعَدِّد.
المطلب الرابع: التَّوْصِيف المتفق.
المطلب الخامس: التَّوْصِيف المضاد.
المطلب السادس: الفرق بين التَّوْصِيف المجزأ والمُتَعَدِّد والمتفق والمضاد.
стр. 844
المطلب الأول التَّوْصِيف الواحد
والمراد به: ما كان التَّوْصِيف فيه واحدًا غير مجزأ، وسواء كانت واقعة مفردةً أَم مركبةً.
فالمفردة كتَوْصِيف واقعة مبادلة مال بمال بأَنَّها بيع بعد تحقق الأوصاف المقتضية لذلك.
وكتَوْصِيف اعتداء رجل على آخر وقتله بسكين عمدًا عدوانًا بأنَّه قتل عمد بعد تحقق الأوصاف المقتضية لذلك.
والمُرَكَّبَة مثل تَوْصِيف التزام زيد بتسلم المال عن عمرو بأنَّه ضمان، فإنَّها مركبة من كون عمرو مدينًا للمدعى وأن زيدًا التزم بتسليم المال عنه (١).
ففي هذه الصور كلها يكون التَّوْصِيف واحدًا غير مجزأ.
* * *
стр. 845
المطلب الثاني التَّوْصِيف المُجَزَّأ
والمراد به: إعطاء الواقعة القضائية الواحدة وصفين مختلفين في آن واحد، وإعمال كلٍّ منهما على حدة.
مثاله: أَنْ يدعي رجل على زوجته بأنَّه طلقها على عوض قدره مائة ألف ريال، وتنكر الزوجة المعاوضة على هذا الطلاق، وليس لديه بينة على ما يدعيه، فَتُوَصَّف دعواه الطلاق على أَنّه إقرار وينفذ طلاقه، كما تُوَصَّف دعواه كون هذا الطلاق على عوض بأنَّها دعوى مجردة عن بينة، فلا يثبت له العوض، فينفذ طلاقه من غير عوض (١).
وأصل ذلك ما قرره العلماء: أنَّه إذا اجتمعت الأسباب فإن قَبِلَ الحُكْم التجزئةَ توزعت الأحكام على الأسباب؛ لأَنَّ الأسباب الشرعية يجب صيانتها عن التعطيل ما أمكن (٢).
стр. 846
ودليله: عن عائشة- ﵂ أَنّها قالت: "اختصم سعد بن أبي وقاص وعَبْدُ بن زمعة في غلام، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة ابن أبي وقاص عهد إليَّ أَنَّه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي، فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه، فرأى شَبَهًا بَيِّنًا بعتبة، فقال: هو لك يا عَبْدُ، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة" (١).
فقد أثبت النبي ﷺ نسبه لعتبة بن زمعة، فيثبت بذلك ميراثه والتحريم بين محارمه، وأمر سودة بالاحتجاب منه، فلا ينظر إليها، ولا يخلو بها، فجعل لهذه الواقعة توصيفين من جهتين، فجزأ التَّوْصِيف، وأعطى كل تَوْصِيف أثره.
قال ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "وأَمَّا أمره سودة وهي أخته بالاحتجاب منه فهذا يَدُلُّ على أصل، وهو تبعيض أحكام النسب، فيكون أخاها في التحريم والميراث وغيره، ولا يكون أخاها في المحرمية والخلوة والنظر إليها؛ لمعارضة الشبه للفراش، فأعطى الفراش حكمه من ثبوت الحرمة وغيرها، وأعطى الشبه حكمه من ثبوت المحرمية لسودة، وهذا باب من دقيق العلم وسره لا يلحظه إلَّا الأئمة المطلعون على أغواره، المَغنِيُّون بالنظر في مآخذ الشرع
стр. 847
وأسراره ... وبالجملة فهذا من أسرار الفقه، ومراعاة الأوصاف التي تترتب عليها الأحكام، وترتيب مقتضى كل وصف عليه، ومن تأمل الشريعة أطلعته من ذلك على أسرار وحكم تبهر الناظر فيها" (١).
ولا يختص تجزئة الأحكام وتبعيضها بالنسب، بل يشمل صورًا غيرها؛ قال ابن سعدى (ت: ١٣٧٦ هـ): "قد تتبعض الأحكام بحسب تفاوت أسبابها، وهذه قاعدة لطيفة تستدعي معرفة مآخذ المسائل، ومعرفة عللها وحكمها، فتترتب آثارها عليها بحسب ذلك" (٢)، وذكر لذلك أمثلة منها:
في الشهادات: إذا شهد رجل وامرأتان، أَوْ رجل عدل وحلف معه صاحب الحق ثبت المال؛ لتمام نِصَابه، دون القطع؛ لأَنَّه لا يثبت إلَّا برجلين.
ومنها: إذا أَقَرَّ السارق بالسرقة مرة واحدة فقد ثبت المال دون القطع؛ لأَنَّه لا بُدَّ فيه من إقرار مرتين.
ومنها: مسائل تفريق الصفقة في البيوع، والإجارات والشركات، والتبرعات وغيرها إذا جمع في العقد بين مباح ومحرم، أَوْ بين ما يملك العقد عليه وما لا يملك صَحَّ في المباح وما يملك
стр. 848
العقد عليه بملك أَوْ ولاية، وبطل ولغى الآخر (١).
ومن ذلك: أَنَّه إذا استاجر أجيرٌ مشتركٌ أجيرًا خاصًّا فلكل واحد منهما حكم نفسه في الضمان، فلو تقبل الأجير المشترك خياطة ثوب ودفعه إلى أجيره الخاص فأتلفه بلا تعدٍّ ولا تفريط ضمنه المشترك، ولا ضمان على الخاص (٢).
ومن ذلك: الحق يكون لجماعة يقيمون عليه شاهدًا واحدًا، فمن حلف استحق (٣).
ومن ذلك: إذا توجهت يمين على قوم في مال مشترك، فحلف بعضهم، ونكل آخرون قضي لمن حلف بِنَصِيبه، وقضي على من نكل في نَصِيبه.
ومن ذلك: أنَّ من قامت له بينة بحق معين من دين أَوْ عين وهو مدين، فأنكر ولم يقرَّ به لأحد أَوْ أقرَّ به لزيد مثلًا، فكذبه- قضي منه دينه، ولا يثبت الملك للمدين؛ لأَنَّه لم يَدَّعْه (٤).
ومنه: ما ذكره العلماء أن من أقرّ بِحُرِّيَّة عبد ثم اشتراه صَحَّ العقد، ولزمه الثمن، وعتق عليه العبد، ويكون هذا التصرف في
стр. 849
المبادلة بيعًا في حق البائع، واستنقاذًا في حق المشتري، كافتداء الأسير (١).
وعلى هذا يكون للواقعة الواحدة توصيفان، ولكل تَوْصِيف حكمه على أَنّه قد يقضى في التَّوْصِيفين بدعوى واحدة، وقد تجزأ الدعوى حسب الطلب فيها وما تقتضيه الأصول من جمع الطلبات وتجزئتها.
* * *
стр. 850
المطلب الثالث التّوْصِيف المتَعَدّد
والمراد به: تَعدُّد التَّوْصِيف لِتَعَدُّد الوقائع إذا صَحَّ جمع الطلبات في دعوى واحدة.
فالمدعي وهو يعرض دعواه على القاضي قد يكون فيها ما يوجب تَعَدُّد التَوْصِيف لِتَعَدُّد الوقائع وانتظامها في دعوى واحدة، وذلك إذا ساغ جمع الطلبات في دعوى واحدة.
مثال ذلك: أَنْ يرفع شخص دعوى على آخر بدين قدره مائة ألف ريال، منه خمسون ألف ريال ثمن سيارة، وخمسون ألف ريال أجرة منزل، فهنا الفصل في القضية يلزم له توصيفان؛ أحدهما: في دعوى ثمن السيارة، والثانية: في دعوى الأجرة، ومتى ساغ جمع الطلبات فصل فيها بحكم واحد مبنى على التوصيفين، وهكذا قد يكون التَّوْصِيف أكثر من اثنين حسبما يعرض من الدعاوى.
* * *
стр. 851
المطلب الرابع التَّوْصِيف المتفق
والمراد به: أَنْ يكون للواقعة توصيفان أَوْ أكثر يختلف بعضها عن بعض، ولكنها متفقة في الحكم القضائي، ولو انفرد أحدهما لكفى في الحكم.
فالمدعي وهو يعرض دعواه يورد من الوقائع بها يمكن توصيفه بتوصيفين أَوْ أكثر كلٌّ منها يختلف عن الآخر، ولكنها تتفق في الحكم ولو انفرد أحدها أغنى عن الآخر.
مثاله: ما حكم به القاضي أبو المطرف ابن بشر المالكي
(ت: ٤٢٢ هـ) من الحط من أجرة مزارع موقوفة في قرطبة بالأندلس أصابتها حشرات ضارّة بالزرع؛ لغلبة رطوبة الماء عليها، وبسبب امتناع السقاية عنها للمخافة اللاحقة بسبب الحروب شرقي المدينة، وإتلاف بعض الحيوانات البرّيّة للمزارع وغراسها، وقد جعل القاضي ذلك من قِبَل نظر القاضي لِحظَّ الأوقاف ومصلحتها باستئلاف مستأجريها، كما جعله من قِبَل الحط من الأجرة
стр. 852
لأجل الجائفة (١)، فوصف الواقعة بتوصيفين مختلفين، لكنهما متفقان في النتيجة.
ومن أمثلة ذلك- أيضًا-: أَنْ يدّعي رجل على ولي امرأة بأنَّه قد غرر به، وزوَّجه موليته المعيبة من دون إخباره بعيبها- وهو برص في جسمها-، وأَنَّه لما دخل بها علم بهذا العيب، لكنه مكث معها بعد ذلك ثلاثة أشهر كان خلالها يواقعها، ثم وجد نفسه تعافها لهذا العيب وطلقها، وقد خرجت من عدتها، ويطلب إلزام المدعى عليه - ولي المرأة- بإعادة المهر الذي سلمه للمرأة، وقدره خمسون ألف ريال؛ لأَنَّه غرَّر به، فهنا المدعي لا يستحق استعادة المهر الذي يطالب به، ولا شيئًا منه، وتوصَّف الواقعة بتوصيفين:
أحدهما: أن ذلك من قِبَل مطالبة المدعي باستعادة المهر مع أنَّه علم بالعيب وسكت عنه، بل مكث مع المرأة مع علمه بعيبها مدة ثلاثة أشهر كان يواقعها، وهذا دليل على رضاه بالعيب، ويسقط حقه في الفسخ، فقد قرر أهل العلم: أن من علم بعيب نكاح، وصدر منه ما يَدُلُّ على الرضا به من وطء بعده سقط خياره (٢).
الثاني: أَنَّ المدعي قد طلق المرأة بعد علمه بالعيب، ولا يستحق استعادة المهر للتغرير بعد الطلاق؛ لأن سببه الفسخ ولم يوجد، فقد قرر أهل العلم: أن من طلق ثم طالب الولي بمهر موليته
стр. 853
لأَنَّه غيره بعيبها فليس له ذلك؛ لأن سبب استعادة المهر الفسخ للعيب، ولم يوجد (١).
ومن أمثلة ذلك- أيضًا-: لو ادعى شخص على آخر بأن بينهما مزرعة بها غراس، وهي مملوكة لهما على وجه الشيوع، وقد أجَّر المدعي نَصِيبه على شخص ثالث، وامتنع المدعى عليه من التأجير، ويطلب إلزامه بتأجير نَصِيبه حفاظًا على الغراس حتى لا يهلك، فإذا أجاب المدعي بالمصادقة على الدعوى، وامتنع من التأجير فهنا يتوجه إلزام المدعى عليه بتأجير نَصِيبه بأجرة المثل، وتوصف الواقعة بتوصيفين، هما:
التوْصِيف الأول: أَنَّها من قبيل صِحَّة تأجير المشاع، وإلزامِ الشريك بالتأجير بأجرة المثل على الراجح؛ فقد ذكر أهل العلم: أَنَّ الشريكين في عقار مشاع ونحوه إذا أجر أحدهما، وامتنع الآخر عن التاجير أُجْبِر عليه، وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد (٢).
والتوصيف الثاني: أنها من قبيل إجبار الشريك بإعمار الملك المشترك بينهما، وتأجير المزرعة وجه من وجوه الإعمار، وقد ذكر أهل العلم: أن مَنْ بينهما ملك مشترك، واحتاج للإعمار، وطلب أحدهما من صاحبه أَنْ يعمره معه أُجْبِر على ذلك إذا امتنع (٣).
стр. 854
فتَوْصِيف الواقعة بتوصيفين متفقين في الحكم القضائي سائغ؛ لأَنَّ اجتماع الأدلة على المدلول الواحد مما يزيدها قوة.
يقول ابن تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨ هـ): " ... وهكذا يقال في اجتماع الأدلة على المدلول الواحد: أنها توجب علمًا مؤكدًا أَوْ علومًا متماثلة، ومن هنا يحصل بها من الإيضاح والقوة ما لا يحصل بالواحد" (١).
وثَمَّ سؤال يرد على ذلك، وهو إذا كان أحد التوصيفين ثبت حالًا، والآخر يحتاج إلى عقد جلسات للنظو فيه وإثباته، فهل يسوغ متابعته؟
والجواب؛ أَنَّه لا يسوغ تتبع ما لا يَتَوَقَّفُ الحكم عليه، ويقوم غيره مما ثبت مقامه؛ لما في ذلك من تأخير الحكم في القضية، وإتعاب الخصوم فيما لا يَتوَقَّفُ الحكم عليه، والقاضي مطلوب منه حذف التطويل، ورفع التشتيت؛ يقول ابن العربي (ت: ٥٤٣ هـ): "وقد يكون الرجل يأتي القضاء من وجهه باختصار من لفظه، وإيجاز في طريقه بحذف التطويل، ورفع التشتيت، وإصابة المقصود" (٢).
ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم (ت: ١٣٨٩ هـ): " ... فعلى القاضي أَنْ يسلك أقرب الطرق التي تُنهِي القضية، ولا يطيل على
стр. 855
الخصوم الأخذ والرد، أَوْ يتركهم يتخبطون في وجهة غير مجدية، وهو يجد لهم طريقًا شرعية أقرب منها" (١).
ويقول ابن تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨ هـ): "ومعلوم أَنه من قامت عليه حجة ببينة في مسألة علم، أَوْ حق من حقوق العباد التي يتخاصمون فيها لو قال: أنا لا أقبل حتى تقوم عليه الحجة ثانية وثالثة كان ظالمًا متعديًا، ولم تجب إجابته إلى ذلك، ولا يُمَكَن الحكامُ الخصومَ من ذلك، بل إذا قامت البينة بحق المدعي حُكِمَ له بذلك، ولو قال: أريد بينة ثانية وثالثة ورابعة لم يُجَب إلى ذلك" (٢)، لكن إذا كان فيه زيادة فائدة ساغ للقاضي الأخذ به.
* * *
стр. 856
المطلب الخامس التَّوْصِيف المُضَادّ
والمراد به: تَوْصِيف دفع المدعى عليه بما يقطع ويسقط دعوى المدعى، فالمدعي وهو يدعي ويثبت دعواه ينتهي فيها القاضي إلى تَوْصِيف، ولكن ما يدفع به المدعي الدعوى هو الآخر يحتاج إلى تَوْصِيف على ضوء ما يثبت من وقائع، وقد ينتهي تَوْصِيف دفوع المدعى عليه بما يسقط تَوْصيف دعوى المدعي، فهو المراد بالتَّوْصيف المضاد.
وذلك مثل: أَنْ يدعي المدعي بأَنَّه باع سيارة على المدعى عليه، فيقر المدعى عليه بذلك، ولكنه يدفع بأَنَّ المدعي أقاله من هذا العقد، فهنا على القاضي التحقق مما دفع به المدعى عليه، فإذا توصل إلى توصيفه بالإقالة كان ذلك رافعًا لحكم ما وصف به دعوى المدعي.
وهكذا لو ادعى رجل دينًا على المدعى عليه، كقرض، ثم أقر
стр. 857
المدعى عليه بالقرض، ودفع بأنَّه قد باع على المدعي سيارة بمثل الدَّين، وطلب المقاصة، فإذا تحقق ما دفع به المدعى عليه، ووصف بأَنَّه بيع صَحِيح له آثاره، وتحقق صِحَّة المقاصة كان ذلك مضادًّا لتَوْصِيف تصرف المدعي وهو القرض، ورافعًا لحكم ما وصف به دعوى المدعي، وتساقط الدَّيْنان.
ومثال ثالث وهو لو أن رجلًا ادعى بشفعة في عقار على آخر لاشتراكهما في طريق غير نافذ، ودفع المدعى عليه بأَنَّه لا حقَّ للمدعي في الشفعة؛ لأنني شريك في الأصل مع البائع في العقار مشاعًا (١)، كما أنني شريك مع البائع والشافع في الطريق المذكور بملك آخر لي، وأنا أقرب جوارًا للمبيع (٢)، فإذا تحقق ما دفع به المدعى عليه كان ذلك مضادًّا لما يثبت للمدعي من شفعة ودافعًا له؛ ذلك أَنَّ الدعوى لا تستقر على حال، بل تنتقل من حال إلى حال حسب إجابة المدعى عليه ودفوع الطرفين فيها، فيكون المدعى عليه مدعيًا في حال، كما يكون المدعي مدعى عليه في
стр. 858
حال والدعوى واحدة (١)، ومن هنا كان مسوغ وجود التَّوْصِيف المضاد.
لكن التَّوْصِيف النهائي الذي يبنى عليه الحكم تنتفي فيه المضادة، ويثبت فيه تَوْصِيف واحد؛ فإذا ثبت الدفع وُصِّفَ جواب المدعي، وصير إلى أثره بما يسقط الدعوى، وإن لم يثبت وُصِّفَت الدعوى، وألزم المدعى عليه بأثرها.
* * *
стр. 859
المطلب السادس الفرق بين التَّوْصِيف المُجَزَّأ والمُتَعَدِّد والمتَّفق والمُضَادّ
تتَّفق جميعها بأَنَّ الواقعة المراد الحكم فيها لها توصيفات مُتَعَدِّدَة؛ اثنان أَوْ أكثر، لكنها تختلف في جهة النظر إليها.
فالتَّوْصِيف المجزأ: تكون الواقعة فيه واحدة اشتملت على أوصاف، ولكن نظر إليها حسب أوصافها وأسبابها من جهتين، وأعطيت كل جهة توصيفها، فمن ادعى خُلْع زوجته على عوض ولم يثبت العوض أخذناه بإقراره في الخلع، فَفُرِّق بينه وبين زوجته، ولم يحكم له بالعوض لعدم ثبوته.
أَمَّا التَّوْصِيف المُتَعَدِّد: فإنَّ الوقائع في الدعوى الواحدة مُتَعَدِّدة، وأثرها مُتَعَدِّد، ولا يعارض بعضها بعضًا، ولا يدخل بعضها في بعض، فجمعناها في حكم واحد، فمن ادعى بخمسين ألف ريال؛ نِصْفها ثمن مبيع، ونِصْفها الآخر قرض أعطينا كل عقد توصيفه، وجمعنا أثرها بالحكم فيها بحكم واحد جامع للتوصيفين؛ لأَنَّه لا تعارض بينها.
стр. 860
أَمَّا التَّوْصِيف المتفق: فإنَّ الوقائع مُتَعَدِّدة؛ وكل واقعة لها تَوْصِيف مستقل، وقد أوردها المدعي في دعوى واحدة، وأثرها واحد لا يَتَعَدَّدُ، وكلها تتفق مع طلبه في الدعوى، وحكمها واحد، وأي واقعة منها تثبت وتوصف تغني عن الأخرى، وإذا اجتمعت أمكن بناء الحكم عليها معًا، ولا يعارض بعضها بعضًا، فمن ادعى بمهر على ولي امرأة تزوجها وطلقها بأَنَّه غَرَّه بعيب فيها، وكان قد مكث معها، وواقعها بعد علمه بعيبها - فلا يستحق عليه شيئًا من ذلك؛ لأَنَّه طلقها، والمطالبة بالفسخ للعيب تكون قبل الطلاق لا بعده، ولأَنَّه واقعها بعد علمه بعيبها، وهذا يسقط خياره الموجب لرد المهر.
أَمَّا التَّوْصِيف المضاد: فإنَّ الواقعة المدعاة ذات تَوْصِيف واحد، ولكن عارضها تَوْصِيف دفع المدعى عليه بما يسقط الدعوى، فانتهت الواقعة إلى الأخذ بتَوْصِيف واحد هو تَوْصِيف الدفع المسقط للدعوى، فمن ادعى بثمن مبيع، ودفع المدعي بالإِقالة وثبتت فإنَّه يؤخذ بها، فقد كان للدعوى تَوْصِيف وللدفع تَوْصِيف، ولكن التَّوْصِيف الذي أنتج أثره في الحكم القضائي هو التَّوْصِيف بالإِقالة.
* * *
стр. 861
الفصل الثاني وظيفة الخصم والشاهد والقاضي في التَّوْصِيف القضائي
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: وظيفة الخصم في التَّوْصِيف القضائي.
المبحث الثاني: وظيفة الشاهد في التَّوْصِيف القضائي.
المبحث الثالث: وظيفة القاضي في التَّوْصِيف القضائي.
стр. 862
المبحث الأول وظيفة الخصم في التَّوْصِيف القضائي
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تقديم الخصم الوقائع وتحديده الطلبات تحديد لاتجاه التَّوْصِيف.
المطلب الثاني: تقرير الخصم في دعواه الأوصاف المؤثرة في التَّوْصِيف يُعَدُّ عملًا مهمًّا فيه.
стр. 863
مدخل
إنَّ الخصم - مدَّعيًا أَوْ مدَّعى عليه - له أثرٌ مُهِمٌّ في تَوْصِيف الواقعة القضائية، فهو يقدم وقائعها، ويحدد طلباتها، ويذكر أوصافها الشرعية المؤثرة في الحكم، ونبين ذلك مفصلًا في المطلبين التاليين:
* * *
стр. 864
المطلب الأول تقديم الخصم الوقائع وتحديده الطلبات تحديد لاتجاه التَّوْصِيف
فالخصم هو الذي يحدد اتجاه التَّوْصِيف، وذلك بما يقدمه من دعوى، وإجابة، ودفوع، وطلبات في الدعوى، والقاضي ملزم بتَوْصِيف ما يقدمه الخصوم في نطاق الدعوى، والإِجابة، والدفوع، والطلباتِ، ليس له إهمالها ولا تجاوزها، فلا يحكم القاضي للخصم بما لم يطلبه، ولا يتجاوز ما طلبه إلى غيره، قال الفقهاء: القاضي لا يقضي بما لم يطلبه الخصوم، وإذا كانت الدعوى في شيء فلا يقضي في غيره (١).
فسبق الدعوى والطلب شرط لِصِحَّة الحكم في الحقوق الخاصة.
стр. 865
أَمَّا في حق الله كطلاق وتعزير وحدٍّ فيكفي في التَّوْصِيف ملاقاته للبينات ولو لم يطابق الطلبات (١).
فمراعاة الدعوى والإِجابة والدفوع والطلبات أمرٌ لا يمكن للقاضي تجاوزه وهو يقرر تَوْصِيف الواقعة القضائية في الحقوق الخاصة.
* * *
стр. 866
المطلب الثاني تقرير الخصم في دعواه الأوصاف المؤثرة في التَّوْصِيف يُعَدُّ عملًا مُهِمًّا فيه
إنَّ ذكر الأوصاف الشرعية المؤثرة في الحكم للواقعة المدعاة من واجب الخصم، فالخصم هو صاحب الدعوى، ويلزمه كل ما يؤدي إلى صِحَّتِها واتضاحها للقاضي، فعلى الخصم تحريرها، ومن ذلك في الجملة: ذكرُ الأوصاف الشرعية المؤثرة في الحكم للواقعة المدعاة، فمثلًا: من ادَّعى القصاص في النفس من قاتل مورثه عَيَّن القاتلَ، وذَكَرَ القتل، وأَنَّه عمد، وَوَصَفَ العمدية؛ هل هي عدوان أَوْ بحق؟ وَوَصَفَ الجناية، وأَنَّ القاتل انفرد بقتله أَوْ شاركه غيره؟ ووصف المشاركة إن كانت (١).
ومن ادعى على ورثة متوفى بدين عليه لزمه أَنْ يذكر بأَنَّ
стр. 867
المتوفى مدين له، وأَنَّه مات قبل وفاء دينه، وأَنَّه يوجد تحت يد الورثة ما يكفي لقضاء دينه (١).
ومن ادعى نكاح امرأة ابتداءً لزمه ذكر شروط صِحَّة النكاح من تعيين الزوجة، ورضاها، وأَنَّه تَمَّ بولي وشاهدين (٢).
فذكر الأوصاف الشرعية المؤثرة في الحكم يُعَدُّ عملًا مُهِمًّا للخصم في تهيئة الواقعة للتَوْصِيف، فالادعاء والجواب والدفوع وما يلزم لصحتها يقع على كاهل الخصم وعلى القاضي تحديد الحكم الكلي الفقهي الذي تُوَصَّف به الواقعة (٣).
ولو سكت الخصم عن بيان شيء من أوصاف الواقعة المؤثرة في التَّوْصِيف من نحو ما ذكرنا وجب على القاضي سؤاله عن ذلك.
ولا يلزم الخصم تَوْصِيف الدعوى، بل يكفي منه وصفها على نحو ما ذكرنا.
стр. 868
ولو وَصَّف الخصم الواقعة، فذكر أَنَّها من قبيل الجعالة أَوْ الإِجارة فتوصيفه لا يلزم القاضي، بل القاضي يقرر التَّوْصِيف الملاقي للواقعة طبقًا لأوصافها الشرعية المستفادة من دعوى الطرفين وبيناتهما وطلباتهما.
* * *
стр. 869
المبحث الثاني وظيفة الشاهد في التَّوْصِيف القضائي
وفيه تمهيد، وأربعة مطالب:
التمهيد: وظيفة البينة إجمالًا في التوصيف.
المطلب الأول: تحرير الشاهد شهادته بذكر الأوصاف المؤثرة في الحكم تحديد لمعالم التوصيف.
المطلب الثاني: الشاهد سفير الوقائع ينقلها للقاضي ولا يُوَصِّفها.
المطلب الثالث: شهادة الشاهد بناءً على النظر والاستدلال لا تُعَدُّ توصيفًا.
المطلب الرابع: حقيقة طرق الحكم (أدلة الإِثبات) وأثرها في التَّوْصِيف.
стр. 870
التمهيد وظيفة البينة إجمالًا في التَّوْصِيف
لا شكّ أنَّ للبينة - شهادة أَوْ قرينة أَوْ غيرها - عَمَلًا مهمًّا في تَوْصِيف الواقعة القضائية، فهي تعين على تهيئة الواقعة للتَّوْصِيف؛ لأَنَّها تحدد أوصاف الواقعة التي ينكرها الخصم، ومنها يقرر أَوْ يستنبط القاضي الأوصاف المؤثرة للواقعة، ويحدد التَّوْصِيف الملائم لها على ضوء ما يقرره من حكم كلي.
فالبينة تحدد معالم التَّوْصِيف للقاضي، وترسم طريقه بحيث لا يعدل القاضي عن هذا الطريق من غير مسوغ، ولقد قرر الشيخ عبد العزيز بن عبد السلام (ت: ٦٦٠ هـ) هذه المكانة المهمة للبينة بقوله: "المفتي أسير المستفتي، والحاكم أسير الحجج الشرعية والظواهر" (١).
وقال - أيضًا -: " ... فالأسباب مثبتة، والأدلة مظهرة" (٢).
стр. 871
فالحق تظهره البينات، وتحدد وتبين أوصافه، فالشاهد - مثلًا - يظهر على لسانه الحق؛ لإِخباره بالسبب الذي يثبت به حكم الشرع (١)، وإقرار الخصم بالواقعة على صفة معينة يعين على تهيئتها للتَّوْصِيف، ولا يكون توصيفًا بنفسه؛ لأَنَّ التَّوْصِيف يراعى فيه عدة أحكام وأصول، منها: صفة ثبوت الحق، وأصول التَوْصِيف، وغير ذلك مما سلف ذكره.
ومما تجدر الإِشارة إليه أَنَّ الواقعة التي تهيأ للتَّوْصِيف قد تبنى على طريق واحد من طرق الحكم من الإِقرار، أَوْ الشهادة، أَوْ القرينة، كما قد تبنى على طريقين أَوْ أكثر من طرق الحكم يثبت كل واحد منها وصفًا مؤثرًا في الحكم، ويكمل به صورة الواقعة المهيئة للتَّوْصِيف، ومن هنا جاء تركيب البينة وإفرادها (٢).
* * *
стр. 872
المطلب الأول تحرير الشاهد شهادته بذكر الأوصاف المؤثرة في الحكم تحديد لمعالم التوصيف
إن على الشاهد عند أداء شهادته أَنْ يذكرها مفصلة محررة، كما يحرر المدعي دعواه ببيان ما يرفع الجهالة عنها، مثل ذكر حدود العقار، ومقدار النقود، وجنسها، ونحو ذلك، وعليه أَنْ يذكر جميع الأوصاف المؤثرة في الحكم والمتعلقة به، فإن شهد برضاع ذكر عدد الرضعات، وهل هي في الحولين؟ وهل اللبن قد ثاب عن حمل أَوْ لا؟ وإن شهد بقذف ذكر اللفظة الصادرة من القاذف.
وَذِكْر الشاهد شهادته مفصلة مبينة الصفات المؤثرة في الحكم في الصور آنفة الذكر إذا أحاط بها علم الشاهد هو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وهو قول للشافعية.
وفي قول للشافعية هو ظاهر المذهب عندهم: لا يلزم التفصيل، بل تَصِحُّ الشهادة مجملة؛ حملًا على أصل الصِّحَّة.
стр. 873
والأول أظهر؛ لأَنَّ الشاهد مخبر بما يراه ويسمعه، مؤدٍ لما نقله وتحمله.
ولأَنَّ الشهادة لا تثمر إلَّا إذا بينت الأوصاف المؤثرة في الحكم (١).
ومن أمثلة ذلك: أَنَّ الشاهد إذا شهد بابتداء نكاح فعليه أَنْ يذكر شروطه، ولا يلزم ذلك في الشهادة على استدامة النكاح ولا في البيع؛ حملًا على الغالب في تصرفات الناس، وهو جريانها على الصِّحَّة دون البطلان (٢).
وإذا شهد بدين ذكر سببه عند الاقتضاء (٣)، جاء في الاختيارات: "ويتوجه أَنَّ الشهادة بالدَّيْن لا تقبل إلَّا مفسرة للسبب، ولو شهد شاهدان أن زيدًا استحق من ميراث مورثه قدرًا معينًا، أَوْ من وقف كذا وكذا جزءً معينًا، أَوْ أَنَّه يستحق منه نَصِيب فلان ونحو ذلك فكل هذا لا تقبل فيه الشهادة إلَّا مع بيان السبب. . . وحينئذ فإذا رأى
стр. 874
الحاكم أن ذلك السبب يفيد الانتقال حَكَم به، وإلَّا رُدَّت الشهادة" (١).
لكن إذا شهد الشاهد بإقرار ونحوه مطلقًا، فيكفي نقل الإِقرار على الصفة التي تمَّ عليها ويعمل به ولو لم يتضمن ذكر السبب (٢) ما لم يظهر ما يستوجب رده من وجه آخر.
فالشاهد إذا حرر شهادته على صفة ما ذكرنا يكون قد حدد معالم التَّوْصِيف، ولا يكون ذلك منه توصيفًا للواقعة.
* * *
стр. 875
المطلب الثاني الشاهد سفير الوقائع ينقلها للقاضي ولا يُوَصِّفها
إنَّ على الشاهد أَنْ ينقل للقاضي صورة ما سمعه، أَوْ رآه، أَوْ علمه من إقرار، أَوْ عقد بيع، أَوْ غصب، أَوْ إتلاف، أَوْ قتل، أَوْ غير ذلك من الوقائع المؤثرة، وذلك على صورة ما تحمله، والقاضي بعد ذلك هو الذي يوصف الوقائع، ويرتب عليها الأحكام، فالشاهد سفير، والقاضي مُوَصِّفٌ لها (١).
يقول ابن أبي الدم (ت: ٦٤٢ هـ): "فهو - يعني الشاهد - سفير الحاكم فيما ينقله من قول أَوْ فعل على ما رآه أَوْ سمعه، ثم الحاكم ينظر فيما نقله الشاهد إليه، فإذا كان سببًا صالحًا عنده إمَّا مُجْمعًا عليه أَوْ مجتهدًا فيه ورآه مذهبًا له رَتَّبَ عليه موجبه، وإن لم يره سببًا صالحًا وهو مجتهد فيه لم يعمل به.
стр. 876
فإذًا وظيفة الشاهد نقل ما رآه أَوْ سمعه، ووظيفة الحاكم ترتيب المسببات على أسبابها متى ساغ ذلك شرعًا" (١).
ومن ذلك: لو ادعى رجل بعيب في دار اشتراها، وطلب رد المبيع فإنَّ شاهد الخبرة لا يشهد بأَنَّ العيب قديم موجب للرد، بل يشهد بأَنَّ العيب قديم، ثمَّ يشهد أهل البَصَر بقِيَم العقارات إذا لم يعرفه الشاهد الأول بأَنَّه ينقص من قيمة المبيع عادة، ثم القاضي بعد ذلك يوصف العيب بأَنَّه موجب للرد أَوْ لا.
فلا يقبل من الشاهد حكاية وجوب الحق، بل يؤديه على وجه الشهادة، ووظيفة القاضي توصيفه، وترتيب الأحكام عليه (٢).
ولا يعارض هذا أَنَّه لا بُدَّ للقاضي عند تَوْصِيف الواقعة من سماع رأي أهل الخبرة عند الاقتضاء في بيان كون الشيء المختلف فيه بين الخصمين تعديًا أَوْ تفريطًا ليرتب عليه التَّوْصِيف الملائم للواقعة؛ لأن بيان أهل الخبرة لذلك معدود من أدلة وقوع الحكم المتعلقة بإثبات الواقعة أَوْ شيء من أوصافها أَوْ نفيها، وفرق بين الأمرين، وسيأتي لذلك مزيد بيان في المطلب التالي.
* * *
стр. 877
المطلب الثالث شهادة الشاهد بناء على النظر والاستدلال لا تُعَدُّ توصيفًا
هناك صور يشهد فيها الشاهد بناءً على النظر، والاستدلال، ومعرفته بكُنْهِ الشيء المشهود عليه وحقيقته، فشهادته بذلك لا تُعَدُّ منه توصيفًا للمشهود به، بل شهادة بدليل وقوع الحكم.
وذلك مثل: شهادة الطبيب البيطري بقِدَم عيب الحيوان أَوْ حدوثه، وشهادة أهل الخبرة بالضرر وحدوثه، أَوْ بأَنَّ العمل الذي قام به زيد في العقار يُعَدُّ إحياءً، أَوْ بأن ما قام به الأمين من أجير خاص ونحوه تجاه حفظ العين يُعَدُّ حفظًا لأمثالها أَوْ تعديًا أَوْ تفريطًا، أَوْ بأن صفة الشيء المباع وهيئته يُعَدُّ غررًا وجهالة، ونحو ذلك مما يعرف بالنظر والاستدلال.
وإذا أدى الشاهد الشهادة على الوجه السالف ذكره فتأتي وظيفة القاضي بتقدير قبول البينة وردها، والنظر في بقية الأوصاف المؤثرة في الحكم، والتحقق من شروطها وانتفاء موانعها، ومراعاة أصول التَّوْصِيف، ثم تقرير التَّوْصِيف من قبل القاضي.
стр. 878
فالشاهد يقرر كُنْهَ الشيء المشهود به حسب الخبرة، وأن ما فعله الأمين كالراعي يُعَدُّ تعديًا أَوْ تفريطًا، وأن هذا الشراب مسكر.
وأَنَّ الصفة الفلانية في العين المستأجرة تُعَدُّ عيبًا، والقاضي هو الذي يقوم بتوصيفه بكونه تعديًا أَوْ تفريطًا موجبًا للضمان، وأن هذا الشراب موجب للحدِّ، وذلك بعد تحققه من الأسباب الموجبة لذلك واستيفاء شروطها وانتفاء موانعها، وهكذا في جميع الصور والأمثلة المشابهة (١).
فإذا وقع حادثُ سيرٍ بين سيارتين، وحصل بها أَوْ برُكَّابِها تلف فإن أهل الخبرة هم الذين يقومون بالتحقيق في الحادث، والنظرِ فيمن كان متعديًا أَوْ مفرطًا أَوْ مشاركًا في ذلك من طرفي الجناية بمباشرة أَوْ تسبب، وعليهم في سبيل ذلك تحديد نسبة الضمان في هذه الجناية ربعًا، أَوْ ثلثًا، أَوْ نِصْفًا، أَوْ كاملةً، أَوْ غير ذلك بناءً على النظر في أدلة الحادث وما يُعَدُّ تعديًا أَوْ تفريطًا أدى إلى وقوع الحادث أَوْ شارك في وقوعه، وإذا لم يكن في التقرير طعن بمخالفته لأمر شرعي فإن القاضي هو الذي ينزل الحكم الكلي على الواقعة ويوصِّفها به، ومن ثَمَّ يلزم بالضمان؛ ذلك أن عمل أهل الخبرة هو من قَبِيل دليل وقوع الحكم، وإيجاب الضمان من قبيل دليل شرعية الحكم، والأول عمل أهل الخبرة، والثاني هو عمل القاضي.
стр. 879
المطلب الرابع حقيقة طرق الحكم (أدلة الإِثبات) وأثرُها في التوصيف
لقد ذكر الفقهاء حقيقة طرق الإِثبات والحكم كلًّا على حدةٍ، ولما لها من أهمية في إعانة القاضي على التَّوْصِيف فإنَّني أبينها فيما يلي:
أولًا: الإِقرار:
ذهب الجمهور من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وأكثر الحنفية (٤) إلى أن حقيقة الإِقرار إخبارٌ وإظهارٌ للحق المقر به، لا إنشاء له، ولا تمليك للمقر له؛ لأَنَّه حجة قاصرة على المقر لا يتعداه إلى غيره.
стр. 880
وخالف بعض الحنفية فقالوا: إنَّ الإِقرار إخبار من وجه، وتمليك وإنشاء من وجه آخر، فهو إخبار ظاهرًا، وإنشاء معنى (١).
ومذهب الجمهور هو الراجح؛ لما عللوا به.
ولذا فإنَّ القاضي يلحظ عند تَوْصِيف الواقعة المبنية على الإِقرار والحكم المرتب عليها أَنَّ الإِقرار إخبار وإظهار، وليس إنشاءً للحق، ولا تمليكًا للمقر به.
ثانيًا: الشهادة:
يقرر الفقهاء: أَنَّ الشهادة عند اجتماع شروطها تُعَدُّ مظهرة للحق لا منشئة له ولا ملزمة به، بل القاضي هو الذي يلزم بموجبها (٢).
ولا يعارض هذا ما ذكره ابن تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨ هـ): من أَنَّ الشهادة سبب موجب للحق (٣)؛ لأَنَّها لا توجب الحق بنفسها، بل بقضاء القاضي عند استجماع شروطها، فهي سبب موجب للحق بقضاء القاضي، لا موجبة له بنفسها مطلقًا.
وقد سبق بيان وظيفة الشاهد، وأَنَّه سفير الوقائع للقاضي،