← Сияса и кади

Сияса и кади · id 17810

توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية

عبد الله بن محمد الخنين

Полный текст (1 181 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فإذًا وظيفة الشاهد نقل ما رآه أَوْ سمعه، ووظيفة الحاكم ترتيب المسببات على أسبابها متى ساغ ذلك شرعًا" (١). ومن ذلك: لو ادعى رجل بعيب في دار اشتراها، وطلب رد المبيع فإنَّ شاهد الخبرة لا يشهد بأَنَّ العيب قديم موجب للرد، بل يشهد بأَنَّ العيب قديم، ثمَّ يشهد أهل البَصَر بقِيَم العقارات إذا لم يعرفه الشاهد الأول بأَنَّه ينقص من قيمة المبيع عادة، ثم القاضي بعد ذلك يوصف العيب بأَنَّه موجب للرد أَوْ لا. فلا يقبل من الشاهد حكاية وجوب الحق، بل يؤديه على وجه الشهادة، ووظيفة القاضي توصيفه، وترتيب الأحكام عليه (٢). ولا يعارض هذا أَنَّه لا بُدَّ للقاضي عند تَوْصِيف الواقعة من سماع رأي أهل الخبرة عند الاقتضاء في بيان كون الشيء المختلف فيه بين الخصمين تعديًا أَوْ تفريطًا ليرتب عليه التَّوْصِيف الملائم للواقعة؛ لأن بيان أهل الخبرة لذلك معدود من أدلة وقوع الحكم المتعلقة بإثبات الواقعة أَوْ شيء من أوصافها أَوْ نفيها، وفرق بين الأمرين، وسيأتي لذلك مزيد بيان في المطلب التالي. * * *

стр. 877

المطلب الثالث شهادة الشاهد بناء على النظر والاستدلال لا تُعَدُّ توصيفًا هناك صور يشهد فيها الشاهد بناءً على النظر، والاستدلال، ومعرفته بكُنْهِ الشيء المشهود عليه وحقيقته، فشهادته بذلك لا تُعَدُّ منه توصيفًا للمشهود به، بل شهادة بدليل وقوع الحكم. وذلك مثل: شهادة الطبيب البيطري بقِدَم عيب الحيوان أَوْ حدوثه، وشهادة أهل الخبرة بالضرر وحدوثه، أَوْ بأَنَّ العمل الذي قام به زيد في العقار يُعَدُّ إحياءً، أَوْ بأن ما قام به الأمين من أجير خاص ونحوه تجاه حفظ العين يُعَدُّ حفظًا لأمثالها أَوْ تعديًا أَوْ تفريطًا، أَوْ بأن صفة الشيء المباع وهيئته يُعَدُّ غررًا وجهالة، ونحو ذلك مما يعرف بالنظر والاستدلال. وإذا أدى الشاهد الشهادة على الوجه السالف ذكره فتأتي وظيفة القاضي بتقدير قبول البينة وردها، والنظر في بقية الأوصاف المؤثرة في الحكم، والتحقق من شروطها وانتفاء موانعها، ومراعاة أصول التَّوْصِيف، ثم تقرير التَّوْصِيف من قبل القاضي.

стр. 878

فالشاهد يقرر كُنْهَ الشيء المشهود به حسب الخبرة، وأن ما فعله الأمين كالراعي يُعَدُّ تعديًا أَوْ تفريطًا، وأن هذا الشراب مسكر. وأَنَّ الصفة الفلانية في العين المستأجرة تُعَدُّ عيبًا، والقاضي هو الذي يقوم بتوصيفه بكونه تعديًا أَوْ تفريطًا موجبًا للضمان، وأن هذا الشراب موجب للحدِّ، وذلك بعد تحققه من الأسباب الموجبة لذلك واستيفاء شروطها وانتفاء موانعها، وهكذا في جميع الصور والأمثلة المشابهة (١). فإذا وقع حادثُ سيرٍ بين سيارتين، وحصل بها أَوْ برُكَّابِها تلف فإن أهل الخبرة هم الذين يقومون بالتحقيق في الحادث، والنظرِ فيمن كان متعديًا أَوْ مفرطًا أَوْ مشاركًا في ذلك من طرفي الجناية بمباشرة أَوْ تسبب، وعليهم في سبيل ذلك تحديد نسبة الضمان في هذه الجناية ربعًا، أَوْ ثلثًا، أَوْ نِصْفًا، أَوْ كاملةً، أَوْ غير ذلك بناءً على النظر في أدلة الحادث وما يُعَدُّ تعديًا أَوْ تفريطًا أدى إلى وقوع الحادث أَوْ شارك في وقوعه، وإذا لم يكن في التقرير طعن بمخالفته لأمر شرعي فإن القاضي هو الذي ينزل الحكم الكلي على الواقعة ويوصِّفها به، ومن ثَمَّ يلزم بالضمان؛ ذلك أن عمل أهل الخبرة هو من قَبِيل دليل وقوع الحكم، وإيجاب الضمان من قبيل دليل شرعية الحكم، والأول عمل أهل الخبرة، والثاني هو عمل القاضي.

стр. 879

المطلب الرابع حقيقة طرق الحكم (أدلة الإِثبات) وأثرُها في التوصيف لقد ذكر الفقهاء حقيقة طرق الإِثبات والحكم كلًّا على حدةٍ، ولما لها من أهمية في إعانة القاضي على التَّوْصِيف فإنَّني أبينها فيما يلي: أولًا: الإِقرار: ذهب الجمهور من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وأكثر الحنفية (٤) إلى أن حقيقة الإِقرار إخبارٌ وإظهارٌ للحق المقر به، لا إنشاء له، ولا تمليك للمقر له؛ لأَنَّه حجة قاصرة على المقر لا يتعداه إلى غيره.

стр. 880

وخالف بعض الحنفية فقالوا: إنَّ الإِقرار إخبار من وجه، وتمليك وإنشاء من وجه آخر، فهو إخبار ظاهرًا، وإنشاء معنى (١). ومذهب الجمهور هو الراجح؛ لما عللوا به. ولذا فإنَّ القاضي يلحظ عند تَوْصِيف الواقعة المبنية على الإِقرار والحكم المرتب عليها أَنَّ الإِقرار إخبار وإظهار، وليس إنشاءً للحق، ولا تمليكًا للمقر به. ثانيًا: الشهادة: يقرر الفقهاء: أَنَّ الشهادة عند اجتماع شروطها تُعَدُّ مظهرة للحق لا منشئة له ولا ملزمة به، بل القاضي هو الذي يلزم بموجبها (٢). ولا يعارض هذا ما ذكره ابن تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨ هـ): من أَنَّ الشهادة سبب موجب للحق (٣)؛ لأَنَّها لا توجب الحق بنفسها، بل بقضاء القاضي عند استجماع شروطها، فهي سبب موجب للحق بقضاء القاضي، لا موجبة له بنفسها مطلقًا. وقد سبق بيان وظيفة الشاهد، وأَنَّه سفير الوقائع للقاضي،

стр. 881

والقاضي هو الذي يوصفها بعد ظهورها من الشاهد، ويلزم بهذا التَّوْصِيف وأثره. ثالثًا: الشاهد واليمين: الحكم بالشاهد واليمين مما اختلف في حقيقة الحكم به على ثلاثة أقوال، هي: (أ) أَنَّ الحكم يقع بالشاهد واليمين معًا. وهو الأَصَحّ عند الشافعية (١)، وقول للمالكية (٢). لأَنَّ الأحاديث الواردة في الحكم بها علقت القضاء عليهما معًا. (ب) أَنَّ الحكم يقع بالشاهد فقط، واليمينُ تقويةٌ. وبذلك قال الحنابلة (٣)، وهو أحد الأقوال للمالكية (٤)، والشافعية (٥). لأَنَّ الشاهد حجة الدعوى، وعليه يبنى الحكم، واليمين إنَّما هو قول الخصم مؤكد، فلا يكون معتمدًا للحكم، وإنَّما تقوية للشاهد.

стр. 882

(ج) أَنَّ الحكم يقع باليمين فقط، ولا يُعْتَدّ بالشاهد، وإنَّما هو لترجيح جانب المدعي. وهذا أحد الأقوال للمالكية اختاره أهل خراسان منهم (١)، وهو قول للشافعية (٢). ولم أقف على ما عللوا به. والراجح القول الأول، وهو أَنَّ القضاء يقع بالشاهد واليمين معًا؛ لما استدل به قائلوه، ولأَنَّ الخصم لو نكل عن أداء اليمين لم يُقْضَ له، واليمين إنَّما هي قول الخصم مؤكد، كما أَنَّه إذا لم يكن شاهد فلا يحكم له، ولا يعارض هذا أَنَّ الضمان يقع على الشاهد عند بعضهم لو رجع عن شهادته؛ لأَنَّ الأحكام تتجزَّأ. ومما تجدر الإِشارة إليه أَنَّ الواقعة توصف بشهادة الشاهد؛ لأَنَّه هو الأصل في البينة هنا. رابعًا: اليمين: يمين المدعى عليه عند عدم البينة رافعة للدعوى، لا مثبتة للحق أَوْ الملك، فمن ادُّعِيَ عليه بعين تحت يده كسيارة، ولم يثبت المدعي دعواه فيُحْكَم ببراءة المدعى عليه من الدعوى، ولا يقضى له

стр. 883

بثبوت العين (١). وهذا من التَّوْصِيف السلبي، لأَنَّه لم يثبت شيء من الأوصاف المدعاة حتى توصف بالحكم الكلي (٢). خامسًا: النكول: إذا وجبت اليمين على المدعى عليه لعدم البينة، ثم نكل عنها، فما هي حقيقة هذا النكول؟ اختلف فيه على ثلاثة أقوال، هي: (أ) أن نكول المدعى عليه إقرار منه بالمتنازع فيه. وهو قول الصاحبين من الحنفية (٣)، وقول للحنابلة (٤). لأَنَّه لو كان صادقًا في إنكاره لحلف، فلما نكل كان ذلك منه إقرارًا بالحق المتنازع فيه. (ب) أن نكول المدعى عليه بمنزلة البذل والإِباحة والترك وعدم المطالبة.

стр. 884

وهذا قول أبي حنيفة (١) (ت: ١٥٠ هـ)، والقول الثاني للحنابلة (٢). لأَنَّ النكول لا يَدُلُّ على الإِقرار؛ لأَنَّه ربما نكل تحرَّجًا من اليمين لا كذبًا في الدعوى، فكان بمثابة البذل للمدعى به. (ج) أن نكول المدعى عليه بمنزلة إقامة البينة بالحق. وهذا قول للحنابلة، اختاره ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ) (٣). لأَنَّه لا يتأتى جعله مقرًّا مع إنكاره، ولا باذلًا؛ لأَنَّ البذل تبرع، ولا تبرع هنا. قلت: لو قيل بأَنَّه طريق مستقل شُرِعَ الحكم به ولا يلزم كونه واحدًا من هذه الثلاثة لكان لذلك وجه. لأنَّ محصلةَ النكول في الجملة الحكمُ على المدعى عليه بالحق، ولا يلزم منه كونه إقرارًا، ولا بذلًا، ولا بينة (شهادة)، بل قرينة دالة على صدق المدعي في دعواه، ولكن يقال في الحكم بالنكول بأَنَّه حجة الدعوى فيقضى على المدعى عليه بتسليم العين للمدعي، ولا يكون ذلك قضاءً بثبوت العين له بهذا النكول. ومما تجدر الإِشارة إليه أَنَّ الدعوى توصف بالأوصاف المقررة في اليمين المنكول عنها.

стр. 885

سادسًا: اليمين المردودة: إذا امتنع المدعى عليه عن اليمين المتوجهة عليه لعدم البينة، ثم ردت اليمين على المدعي ليحلف ويستحق ما ادعاه، لكنه نكل فما حقيقة نكوله هذا عند القائلين به؟ على قولين، هما: (أ) أن ذلك كالإِقرار، وهو الصَّحِيح عند الشافعية (١)، والقائلين بردِّ اليمين من الحنابلة (٢)؛ لأَنَّه بنكوله يتوصل إلى الحق فأشبه إقراره. (ب) أن ذلك بمنزلة البينة، وهو قول للشافعية (٣)، والحنابلة (٤). ولم أقف على ما عللوا به. قلت: لو قيل بأن ذلك طريق مستقل ولا يلزم كونه واحدًا من القولين لكان له وجه. ويؤيده: ما ذكره بعض الحنابلة: أَنَّه إذا نكل المدعي عن هذه اليمين صرف الحاكم المترافعين ولم يقض بينهما، ولهما التحاكم في

стр. 886

مجلس آخر، ومن بذل منهما اليمين قُبِلَ منه (١). وعلى كل فالعمل بأيٍّ من القولين - صرف الخصمين أَوْ القضاء على المدعي بالنكول عن اليمين المردودة - حسب الاقتضاء باختلاف الحال في كل قضية؛ لأَنَّ القول الآخر - أَنَّه يقضى على المدعي بنكوله عن اليمين المردودة عند توجهها عليه - له قوة؛ لما في ذلك من فصل النزاع وقطعه، وهو أحد مقاصد القضاء، وعلى ذلك يُعَدُّ المدعي ناكلًا غير مستحق لما ادَّعاه، وإذا كان المدَّعي عينًا أبقيت في يد المدعى عليه، لكن لا يثبت له ملكها بذلك، ويقرر القاضي تَوْصِيف الواقعة برد الدعوى، وهذا من التَوْصِيف السلبي. سابعًا: اللعان: اختلف في أيمان اللعان على أربعة أقوال، هي: (أ) أَنَّه شهادة، وبذلك قال أبو حنيفة (٢) (ت: ١٥٠ هـ)، وهي إحدى الروايتين عند الحنابلة (٣)؛ لأَنَّ الله سماه شهادة. (ب) أَنَّه يمين، وهذا مذهب المالكية (٤)، وقول الشافعي (٥)

стр. 887

(ت: ٢٠٤ هـ)، وإحدى الروايتين عند الحنابلة (١)؛ لأَنَّ الفاسقين يلتعنان مع أَنَّه لا تقبل لهما شهادة. (ج) أَنَّه يمين في معنى الشهادة، وهذا قول أبي يوسف (ت: ١٨٣ هـ) من الحنفية. (د) أَنَّه حد فيه معنى اليمين، وهو قول محمَّد (ت: ١٨٩ هـ) من الحنفية. قلت: ولو قيل إنَّه طريق مستقل ثبت بالشرع ولا يلزم كونه واحدًا من هذه الأربعة لكان له وجه. ولذا فإنَّه متى تحققت في الواقعة أوصاف اللعان المقررة في الحكم الكلي وَصَفْنَا الواقعة بأَنَّها لعان ورتبنا عليها أحكامه. وقد بَيَّن الفقهاء آثار اللعان التي تترتب عليه، فلتراجع في مظانها (٢). ثامنًا: القرائن: وهي أمارة تَدُلُّ على أمر خفي مصاحب لها حاليةً أَوْ مقاليةً (٣). ويستعين القاضي بالقرينة القضائية القوية على استنباط حقيقة

стр. 888

ما وقع حتى يحيط به علمًا، فيقرر بها ثبوت الواقعة المؤثرة أَوْ شيء من أوصافها أَوْ انتفاءها، وتُقَوَّى القرينة بيمين من شهدت له، فاليمين تشرع في جانب أقوى المتداعيين (١). وتوصف الواقعة بما يستنبط بالقرائن من الأوصاف المؤثرة، واليمين تقوية. وقد يستفاد التَّوْصِيف من الأمرين معًا القرينةِ واليمينِ؛ وذلك بأَنْ تكون أوصاف الواقعة المؤثرة في التَّوْصِيف بعضُها مقرَّرًا بالقرينة، وباقيها مقررًا باليمين. * * *

стр. 889

المبحث الثالث وظيفة القاضي في التَّوْصِيف القضائي وفيه أربعة مطالب، هي: المطلب الأول: وظيفة القاضي في التوصيف. المطلب الثاني: الاعتداد بتَوْصِيف القاضي لا غيره. المطلب الثالث: اجتهاد القاضي في التَّوْصِيف وتكراره بتكرار النازلة القضائية. المطلب الرابع: آداب القاضي عند التوصيف.

стр. 890

المطلب الأول وظيفة القاضي عند التوصيف التَّوْصِيف لا بُدَّ له من أطراف ثلاثة: الحكم الكلي الفقهي الواضح ذو الصفات المؤثرة المحددة في الشرع نَصًّا أَوْ استنباطًا، وواقعة ثابتة، منقحة، مهذبة، مرتبة، تبدو للناظر وكأَنَّه لم يرد في الواقعة القضائية سواها، وقاضٍ يُجْرِي التَّوْصِيف، ويقرر أَنَّ الواقعة المعروضة عليه قد توفرت فيها الصفات المؤثرة، والتي يبينها الحكم الكلي الفقهي، وبين هذه الأطراف الثلاثة تلازم لا ينفك؛ لأن كل واقعة قضائية لا بُدَّ لها من حكم كلي فقهي، وقاضٍ يجرى التَّوْصِيف ويقرره عند تحققه. إنَّ علاقة القاضي بالواقعة تبدأ منذ خطواتها الأولى، فهو الذي يتلقى الدعوى والإِجابة ودفوع الطرفين، وينقح الوقائع، ويسعى في التحقق من وجود الوقائع المؤثرة بطرق الحكم، ويحدد الحكم الكلي الفقهي ويفسره، ويقوم بتفسير الوقائع وأدلة الإِثبات،

стр. 891

ويستنبط منها ما يتلاءم مع الواقعة، مع لحظ عدم ما يعارضها، ثم يقوم بمطابقة الحكم الكلي على الواقعة القضائية بواسطة القياس القضائي، فإذا اشتركا في الأوصاف المؤثرة اتفقا في النتيجة، وهي تَوْصِيف الواقعة بالحكم الكلي. فالخصوم يقدِّمون للقاضي الوقائع والبينات التي تمده بأسباب ثبوت الوقائع أَوْ انتفائها، وهو يقدم الحكم الكلي الملاقي للدعوى والذي يبين أوصافها ويطبق أحدهما على الآخر بعد تفسيرهما (١). يقول ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "الحاكم محتاج إلى ثلاثة أشياء لا يَصِحُّ الحكم إلَّا بها: معرفة الأدلة، والأسباب، والبينات؛ فالأدلة تُعَرِّفُه الحكم الشرعي الكلي، والأسباب تُعَرِّفُه ثبوته في هذا المحل المعين وانتفاءه عنه، والبينات تُعَرِّفُه طريق الحكم عند التنازع" (٢). فوظيفة القاضي التحقّقُ من ثبوت الوقائع المؤثرة وتفسيرُها، وتحديدُ الحكم الملاقي لها وتفسيرُه، وتَوْصِيفُ الواقعة بالحكم الكلي ملتزمًا في ذلك بالدعوى، والإِجابة، والدفوع، والطلبات،

стр. 892

والبينات، وأحكام المرافعات من الاختصاص وغيره، ومراعاة أصول التوصيف (١). إنَّ التَّوْصِيف عمل لازم للقاضي يفعله ولو لم يطلبه منه أحد؛ لأَنَّه لا يمكنه الوصول إلى الحكم إلَّا به، وفي ذلك يقول ابن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ): "لا بُدَّ للحاكم من الاجتهاد، وهو نوعان: اجتهاد في إدخال القضية التي وقع فيها التحاكم بالأحكام الشرعية، واجتهاد في تنفيذ ذلك الحق" (٢). * * *

стр. 893

المطلب الثاني الاعتداد بتَوْصِيف القاضي لا غيره إنَّ على القاضي بعد تهيؤ الواقعة للتَّوْصِيف أَنْ يتخذ قراره بتَوْصِيف الواقعة، ويَعْتَدَّ بما يقرره القاضي من تَوْصِيف للواقعة، ولا يَعْتَدَّ بأيّ تَوْصِيف خالف توصيفه من خصم أَوْ شاهد. إنَّ الخصم المدعي غالبًا ما يبدي توصيفًا للواقعة، ويتمسك به، وقد يوافقه المدعى عليه أَوْ يعارضه بتَوْصِيف آخر. ولكن المعتدَّ به ما يقرره القاضي من تَوْصِيف للواقعة لا يعارضه تَوْصِيف الخصوم، بل لا يُعْتَدّ بتَوْصِيف الخصم المخالف لتَوْصِيف القاضي، فعلى القاضي إجراء التَّوْصِيف سواء وافق تَوْصِيف الخصم أَمْ خالفه؛ لأَنَّ الخصم ربما أخطأ في التَّوْصِيف، أَوْ صَرَفَه لصالحه فلا بُدَّ من هيمنة القاضي على ذلك جميعه، ولذا نجد أَنَّ الفقهاء يقولون: إنَّ العبرة بحكم الحاكم ولو خالف اجتهاد الخصم (١)، ويقولون: إنَّ ترتيب الحكم على أسبابه وشروطه عند

стр. 894

انتفاء الموانع مهمة القاضي لا الشاهد (١). بَقِيَ أَنْ نشير أَنَّ القاضي لو اعتمد توصيفًا للواقعة بناءً على البينات، وكان باطن ذلك عند الخصم بخلافه، فلا يحلّ الحق باطنًا للخصم بذلك، وهذا باتفاق الفقهاء في الأموال الظاهرة والأملاك المرسلة التي لم يذكر سبب تملكها، والغصوب والجنايات ونحوها (٢). وأَمَّا النكاح والطلاق وسائر ما للقاضي إنشاؤه من العقود والفسوخ فذهب الجمهور من العلماء ومنهم محمد من الحنفية (ت: ١٨٩ هـ)، ومالك (ت: ١٧٩ هـ)، والشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة، إلى أَنَّ الحكم ينفذ ظاهرًا لا باطنًا؛ فلا تصير المرأة في الباطن زوجة ولا مطلقة بشهادة الزور وإن حكم بذلك ظاهرًا (٣). ويَقْوَى عندي أَنْ يقال: ينفذ الحكم في هذه الصورة ظاهرًا وباطنًا في حق المقضي عليه؛ لأَنَّه لا اختيار له في نفوذه، ولا ينفذ باطنًا في حق المقضي له؛ لعلمه بحقيقة الحال، والقدرة على الامتناع عن التنفيذ؛ لأَنَّ الأحكام تتجزأ بحسب أسبابها كما سبق بيانه، والاستدلال له (٤).

стр. 895

المطلب الثالث اجتهاد القاضي في التَّوْصِيف وتكراره بتكرار النازلة القضائية التَّوْصِيف عمل قضائي ذهني، لا يتم على أكمل وجهه إلَّا ببذل غاية الجهد بحيث يشعر القاضي أن لا مزيد على ما بذله، ولا يكفي فيه اجتهاد ناقص يحسّ القاضي من نفسه القدرة على المزيد من الاجتهاد (١). فيجب على القاضي أَنْ يكون واقفًا على الأحكام الكلية الفقهية، مقتدرًا على تطبيقها، باذلًا قصارى جهده في التفطن لكلام الخصوم وحججهم، ودفوعهم وبيناتهم، والسعي في التثبت منها، وتوقي خداع الخصوم وشبهاتهم، وذلك يستدعي من القاضي أَنْ يكون واعيًا يملك القدرة على الجمع، والمقارنة، والقياس، والتقاط الأوصاف المؤثرة، وتمييز الفروق المقررة، وتحديد

стр. 896

الأوصاف المتفق عليها والمختلف فيها بين الخصمين، والمضي في إثباتها واستنباطها وتوصيفها (١). ومما يعينه في هذا الباب مطالعة كتب النوازل فتوىً وقضاءً، واطلاعه على أقضية من سبقه، والتعرّف على طريقة تنزيل الأحكام الكلية على الوقائع الجزئية (٢). إنَّ العمل القضائي يتطلب مهارة تستوعبه حتى لا يُفْسِد القاضي أكثر مما يصلح؛ يقول الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ) في المفتي: "المستفتي عليل، والمفتي طبيب، فإن لم يكن ماهرًا بالطب، وإلَّا قتله" (٣)، وهكذا القاضي. إنَّ الاجتهاد في تَوْصِيف الوقائع لا يُستغنى عنه بالتقليد، بل هو فريضة في كل نازلة؛ لأنَّ كل واقعة قضائية نازلة مستأنفة لم يسبق لها مثيل في التَّوْصِيف فتحقيق المناط فيها متجدد لا ينضبط بمناط واحد، فلا يمكن التقليد فيها؛ يقول الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "لا يمكن أن يُستغنى ههنا بالتقليد؛ لأَنَّ التقليد إنَّما يُتصور بعد تحقيق مناط الحكم المقلد فيه، والمناط هنا لم يتحقق بعد؛ لأن كل صورة من صور النازلة نازلة مستأنفة في نفسها لم يتقدم لها نظير، وإن تقدم

стр. 897

لها في نفس الأمر فلم يتقدم لنا، فلا بُدَّ من النظر فيها بالاجتهاد، وكذلك إن فرضنا أَنَّه تقدم لنا مثلها فلا بُدَّ من النظر في كونها مثلها أَوْ لا، وهو نظر اجتهاد أيضًا ... ويكفيك من ذلك أَنَّ الشريعة لم تَنُصَّ على حكم كل جزئية على حدتها، وإنَّما أتت بأمور كلية، وعبارات مطلقة تتناول أعدادًا لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست في غيره ولو في نفس التعيين" (١). وقد مَثَّل ﵀ بأمثلة منها: فرض نفقات الزوجات والقرابات من أَنَّه مفتقر إلى النظر في حال المنفَق عليه، والمنفِق، وحال الوقت، إلى غير ذلك من الأمور التي لا تنضبط بحصر، ولا يمكن استيفاء القول في آحادها، فلا يمكن أَنْ يستغنى بالتقليد فيها (٢). * * *

стр. 898

المطلب الرابع آداب القاضي عند التوصيف للقاضي آداب يتحلى بها عند التَّوْصيف، هي: ١ - استيفاء حجج الطرفين ودفوعهما وبيناتهما والإِعذار فيها: إنَّ القاضي لا يمكنه الوصول إلى التَّوْصِيف الصَّحِيح للواقعة إلَّا بعد استيفاء حجج الخصمين من دعوى، وإجابة، ودفوع، وبينات، وجميع ما يحتج به كل واحد منهما، والإِعذار في البينات، فيسأل الخصمَ المشهودَ عليه: هل عنده مطعن في الشاهد أَوْ مدفع في الشهادة؟ فإن ذكر شيئًا سمعه منه وأجرى ما يلزم نحوه (١). والقاضي إذا أَخَلَّ بشيء مما ذكرنا اختل توصيفه للواقعة، أَوْ وقع في غير موقعه.

стр. 899

٢ - استيفاء المهل والتأجيلات والتعجيز بعدها: إنَّ الخصم قد يعرض له ما يسوّغ التأجيل من إعداد إجابة، أَوْ دفع، أَوْ إحضار بينة، فيؤجله القاضي حسب طلبه المدة التي يقدرها القاضي؛ وذلك حتى يستوفي ما يدعيه، ويقطع شغبه، ولا يقدم القاضي على تَوْصِيف الواقعة قبل استيفاء الآجال المقررة، فإذا استوفاها ولم يقدم المدعي بينة عدَّه القاضي عاجزًا عنها، وَوَصَّف القضية، وقضى فيها (١). ٣ - التأني للتثبت من الواقعة وحكمها الكلي: القاضي لا يحكم إلَّا بعد التحقق من ثبوت الواقعة وحكمها الكلي، وربما استدعى ذلك وقتًا لتتبع الوقائع بطرق الإِثبات، وتتبع الحكم الكلي من مظانَّه ومصادره المقررة، ثم فهم ذلك جميعه فهمًا تامًّا، وعلى القاضي ألَّا تحمله العجلة على ترك استيفاء النظر في التحقق من ثبوت الوقائع وحكمها الكلي، فليس الإِسراع براعة، ولا الإِبطاء منقصة، فلا يصير القاضي إلى تَوْصِيف الواقعة إلَّا بعد التصور الواضح والفهم التام لما سمع وتلقى من الحجج والبينات ولما علم من الحكم الكلي، فعلى القاضي أَنْ يعلم، ثم يفهم، ثم يوصف (٢).

стр. 900

فيعلم الواقعة على حقيقتها بواسطة طرق الإثبات، ويعلم الحكم الكلي الملاقي لها ويفهمهما، ثم يوصف الواقعة بالحكم الكلي؛ يقول ابن فرحون (ت: ٧٩٩ هـ) - في النعي على من يتسرع في الحكم قبل استيفاء ما يلزم من النظر والفكر والفهم-: "والتساهل قد يكون بأَلَّا يتثبت ويسرع بالفتوى والحكم قبل استيفاء حقها من النظر والفكر، وربما يحمله على ذلك توهمه أَنَّ الإسراع براعة، والإبطاء عجز ومنقصة، وذلك جهل؛ فَلأَنْ يبطئ ولا يخطئ أجمل من أَنْ يعجل، فَيَضِلّ ويُضِلّ" (١). وإنَّما يجب على القاضي الإسراع بالفصل في الأقضية بعد استيفاء ما يجب لها (٢). وليحذر القاضي من تَوْصِيف يسبق الفهمَ والاستنباط اتِّباعًا لهوى أَوْ جهلًا منه، ولتكن قناعته وتوصيفه بعد تثبته وتأمله وفهمه واستنباطه.

стр. 901

٤ - اعتدال حال القاضي عند التَّوْصِيف: والمراد بذلك: أَنْ يكون القاضي عند تَوْصِيف الواقعة ونظر الدعوى على حال معتدلة، حاضر الذهن، صَحِيح الفهم. فاعتدال حال القاضي على وجه تسكن فيها طبيعته ويجتمع فيها عقله ويتوفر فيها فهمه مما دعا إليه الشرع، ونهى عن ضده، فعن عبد الرحمن بن أبي بكرة ﵁ أَنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان" (١)، وما ذلك إلَّا لأَنَّ الغضب مما يمنع حضور القلب واستيفاء الفكر، فلا يؤمن معه فساد الفهم والعدول عن الحق، ولا يقتصر الأمر باعتدال القاضي على النهي عن الغضب، بل الواجب أَنْ يكون حين نظر القضية وتوصيفها في حال معتدلة، لا يشغله شيء عما هو فيه، وإذا عرض له ما يُشَوِّش على فكره ويمنعه من الفهم واستيفاء النظر من شبع مفرط، أَوْ جوع شديد، أَوْ وهو يدافعه الأخبثان، وغير ذلك مما يشغل الفكر- فإنَّه يمتنع عن القضاء والتَّوْصِيف عند حدوثه (٢).

стр. 902

٥ - الاستشارة عند التَّوْصِيف: الاستشارة عند تَوْصِيف الواقعة والحكم فيها مشروعة، يقول ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ): "وأخرج يعقوب بن سفيان بسندٍ جيِّد عن الشعبي، قال: من سرَّه أَنْ يأخذ بالوثيقة من القضاء فليأخذ بقضاء عمر؛ فإنَّه كان يستشير" (١). وفي المغني: "لا خلاف في استحبابها" (٢). قال بعض الشافعية: "تجب مع الإشكال، وإلَّا فتستحب" (٣)، وهذا التفصيل ظاهر. يقول ابن خلدون (ت: ٨٠٧ هـ) - في حث القاضي على الاستشارة -: "إذا لم يتبين له القضاء، فإن كان لغبشٍ في الواقعة (٤) استوضحها واستجلاها بالبحث الشافي، وإن كان لعدم استحضار الحكم واعتياص تطبيقه على الواقعة أَوْ نحو ذلك راجع فيه من يثق بعلمه ودينه وعقله، ولو في مدينة أخرى ... وما من عجلة" (٥).

стр. 903

فبالاستشارة يعرف القاضي ما جهله، ويتذكر ما نسيه، ويتضح ما غمض وأشكل عليه، وتزيد ثقته بما عنده فيكون ذلك أقرب لصوابه، وأسرع لاجتهاده فكان من أدب التَّوْصِيف المتأكد لاستشارةُ (١). * * *

стр. 904

الفصل الثالث طريقة تقرير التّوْصِيف القضائي وفحصه وفيه مبحثان: المبحث الأول: طريقة تقرير التَّوْصِيف القضائي. المبحث الثاني: فحص التَّوْصِيف القضائي.

стр. 905

المبحث الأول طريقة تقرير التَّوْصِيف القضائي

стр. 906

مدخل إنَّ الغرض من الأحكام الكلية هو تنزيلها على أفعال المكلفين (تَوْصِيف أفعال المكلفين بها) لا لتبقى مفترضة في الأذهان. والواقعة القضائية والحكم الكلي الفقهي هما طرفا التَّوْصِيف، أَمَّا عقد واسطته فهي الأوصاف المشتركة بينهما والمؤثرة في الحكم القضائي. والواقعة القضائية هي التي تحرك الحكم الكلي، وتستدعيه لتوصيفها، فالحكم الكلي الفقهي يبدو ساكنًا؛ لأَنَّه عام مجرد (١)، منزل على الأذهان، فإذا قابلته الواقعة القضائية دَبَّتْ فيه الحياة، وتَحَرَّك من سكونه لملاقاتها، فإذا لاقاها وطابقت أوصافُه أوصافَها امتزج بها، وصارا كالشيء الواحد، فالواقعة القضائية تقابل في صفاتها المؤثرة مُعَرِّفَات الحُكْم الكلي من السبب والشرط وعدم المانع، والذي يبدو في صفته النهائية في هيئة نَصٍّ فقهيٍّ مهذّب

стр. 907

مرتّب، سواء كان مقررًا مكتوبًا سبق تقريره في كتاب الله أَوْ سنَّة رسوله ﷺ أَوْ إجماع أَوْ قول فقيه، أَوْ استنبطه القاضي من الأدلة الشرعية وأحكم صياغته بهذه الهيئة. والواقعة القضائية هي تلك الوقائع التي هي أوصاف مؤثرة في الحكم القضائي مقررة مستنبطة من كلام الخصوم، وطلباتهم، وبيناتهم منقحة مرتبة، تبدو وكأَنَّه لم يذكر معها سواها، وهي تقابل حقيقةً ومعنىً السببَ والشرطَ وعدمَ المانع في الحكم الكلي الفقهي. فلا تَوْصِيف إلَّا بالحكم الكلي والواقعة القضائية هي التي تحركه من سكونه، والتي هي معانٍ وأوصاف مقررة ومستنبطة من كلام الخصوم وطلباتهم وبيناتهم، مع انتفاء المانع من تأثير هذه الأوصاف، وبين هذا وذاك عمل القاضي الذي لا يتم التَّوْصِيف إلَّا به. * * *

стр. 908

طريقة تقرير التَّوْصِيف القضائي إنَّ القاضي بعد أَنْ يسمع الدعوى، والإجابة، ودفوع الطرفين، ويحدد الأوصاف المؤثرة ابتداءً، وينقحها باستبعاد طرديّها وإبقاء مؤثرها، ويوصف الواقعة توصيفًا أوليًا، ويحدد ما اتفق عليه الخصمان، وما اختلفا فيه، ويسمع البينة من شهادة ونكول وغيرها طبق الأصول المقررة - فإنَّه يقوم بدراسة ذلك جميعه، ويمحص البينة مُطّرحًا ما لا يوصل منها، ومبقيًا ما يوصل منها كدليل مستقل أَوْ قرينة قوية في جانب أحد الخصمين، ويقرر ويستنبط الأوصاف المؤثرة من الوقائع والبينات مراعيًا أصول تفسير الوقائع التي سلفت ومؤثر الأوصاف، ومستبعدًا وملغيًّا طرديّها، مستعينًا بتحليل الحكم الكلي إلى المُعَرِّفَات والحكم مقابلًا بين المُعَرِّفَات وبين الوقائع وصفًا وصفًا، وذلك بعد بيانهما وتفسيرهما بالطرق والأصول المقررة المارّ ذكرها، ومراعيًا لذلك أصول التَّوْصِيف السالفة، والقاضي بهذه الخطوات يُعِدُّ الواقعة ويُهَيِّئُها للتَوْصِيف. وبعد تهيئة الواقعة منقحة مفسَّرة في صياغة واضحة كأَنَّه لم يذكر فيها سوى الأوصاف والوقائع المؤثرة مهذبة مرتبة فإنَّ القاضي يُجْرِي التَّوْصِيف بواسطة القياس القضائي؛ مقدمته الكبرى: الحكم الكلي الفقهي مبينًا مفسرًا، ومقدمته الصغرى: الوقائع القضائية المنقحة

стр. 909

المفسرة مهذبة مرتبة مهيئة للتَوْصِيف، فإذا تطابقت المقدمتان في حدَّهما الأوسط، وهو الأوصاف المشتركة المؤثرة في الحكم، صارت النتيجة: اتصاف الوقائع بالحكم الكلي الفقهي، وهذا هو المطلوب (١). وقد سبقت عدة أمثلة لذلك في طرق التَّوْصِيف بالقياس القضائي (٢). ومما تجدر الإشارة إليه أَنَّه وإن كان لا بُدَّ للفصل في الواقعة من التَّوْصِيف القضائي على نحو ما شرحنا إلَّا أَنَّ القاضي أحيانًا يصرح بنتيجته، فيقول: هذه الواقعة من قبيل الجعالة أَوْ الإجارة، أَوْ يقول بأن حقيقة العقد بين الطرفين رهنٌ لا بيعٌ، أَوْ أَنَّ الضمان المتنازع فيه من قبيل ضمان ما لم يجب لا من قبيل ضمان الواجب، ولكن القاضي في الغالب يقرر انطباق النَّصّ الشرعي الذي حدده على الواقعة من غير تصريح بتَوْصِيف الواقعة ببيان حقيقة العقد أَوْ التعامل مكتفيًا بتسبيب الحكم؛ وسبب ذلك: ظهور التَّوْصِيف من النَّصّ المستدَلّ به من الكتاب والسنة، أَوْ كلام أهل العلم من غير تصريح بصفته. فيجب التصريح بالتَّوْصِيف عند الخفاء أَوْ اللبس، ولا يجب إذا انتفى ذلك وظهر التَّوْصِيف من تسبيب الحكم. * * *

стр. 910

المبحث الثاني فحص التَّوْصِيف القضائي وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: المراد بفحص التوصيف القضائي. المطلب الثاني: مشروعية فحص التوصيف القضائي. المطلب الثالث: طريقة فحص التَّوْصِيف القضائي.

стр. 911

المطلب الأول المراد بفحص التَّوْصِيف القضائي المراد به: إعادة القاضي التأمل والنظر فيما يقرره من تَوْصِيف قبل إعلانه وترتيب الحكم القضائي عليه. وهذا يستدعي من القاضي بعد تقرير توصيفه للواقعة ذهنيًّا وقبل إعلانه وترتيب الحكم القضائي عليه أَنْ يعيد النظر والتأمل فيما قرره؛ للتأكد من سلامة مبناه، وصِحَّة معناه، فيطمئن على ما قرره، ويراجع ويصحح ما احتاج إلى ذلك. * * *

стр. 912

المطلب الثاني مشروعية فحص التَّوْصِيف القضائي إنَّ مراجعة التَّوْصِيف بعد تقريره وقبل إعلانه وترتيب الحكم القضائي عليه أمرٌ مشروع يَدُلُّ عليه ما يلي: ١ - عن أنس- ﵁ عن النبي ﷺ : "أَنَّه كان إذا سلَّم سَلَّمَ ثلاثًا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا" (١). فدَلَّ الحديث على أَنَّ إعادة الشيء ثلاثًا من كلام أَوْ سلام لغرض صَحِيح لأجل حفظه أَوْ درء خلل الفهم عنه أمرٌ مشروع، فهكذا إعادة تأمل التَّوْصِيف للتحقق من سلامة مبناه، وصِحَّة معناه، وتطابقه مع الشرع. ٢ - واستدَلَّ ابن خلدون (ت: ٨٠٧ هـ) على ذلك بمشروعية تكرار الطهارة ثلاثًا، فقال - وهو يؤكد على القاضي الاستشارة فيما يشكل عليه-: " ... ثم إذا رجع إليه الجواب كرر النظر فيه، وراجع الكتب المعتمدة حتى يتضح الحال جدًا ... متنبهًا من شرعية

стр. 913

الغسلة الثانية والثالثة، على أَنَّ الاستظهار بعد تحقق الطهارة مطلوب طلبًا مؤكدًا، وإنَّما ذكرت هذا دون غيره لتكرره في كل يوم، فيكون تذكره كلما فعل، ولاعتياد النفس له حتى صار من خفته عليها كالطبع لها فلا تنفر من نظيره" (١). وحدَّثَ جابر بن عبد الله- ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يفرغ على رأسه ثلاثًا" (٢)، وهي غسلات مكرر ثانيها وثالثها (٣). قال ابن خلدون في التأكيد على فحص التَّوْصِيف ومراجعته: "ثم يطبق الحكم العدل على ما ينقح له، فإذا وضح له أَنَّه طبقه سواءً كَرَّرَ التأمل والتفحص حتى يتبين ذلك كالشمس المضيئة ... فإذا لم تبق مرية البتة ... حكم وألزم، ثم التصميم بعد ذلك على الحق أهم مهم، وألزم لازم، وما الإحسان إلَّا بالتمام" (٤). * * *

стр. 914

المطلب الثالث طريقة فحص التوصيف القضائي إذا قرر القاضي التَّوْصِيف ذهنيًّا فعليه قبل إعلان التَّوْصِيف وتقرير الحكم القضائي أَنْ يراجع الخطوات التي سلكها في التَّوْصِيف من تعيين الواقعة المؤثرة، وتنقيحها، وطريقة إثباتها، وفحص أدلتها، واستنباطها، وتقريرها من طرق الحكم، وتحديد الحكم الكلي الفقهي الملاقي لها، وطريقة التَّوْصِيف مع مراعاة أصول تفسير الوقائع والأحكام وأصول التَّوْصِيف، وما ذلك إلَّا لاحتمال الخطأ أَوْ الذهول والنسيان فيما يقرره القاضي من تَوْصِيف سواء وقع الخطأ أَوْ الذهول أَوْ النسيان في الوقائع أَمْ في طرق إثباتها، أَمْ في تحديد الحكم الكلي الملاقي لها، أَمْ في إجراءات المرافعة وأحكامها (١). وعلى القاضي وهو يراجع ذلك تكرارُ النظر والتأمل والمشورة فيما أشكل وأعضل.

стр. 915

إنَّ القاضي- وهو يفحص التَّوْصِيف ويتأمله- عليه أَنْ يقوم بتقمص شخصية المخالف (١) في محاورة ذهنية هادئة، يفترض فيها الاعتراضات، ويجيب عليها، وَيَطْرَح الحلول البديلة للتَّوْصِيف المقرر، والاستنباطات المحتملة، ويراجع كل تَوْصِيف أَوْ استنباط بديل ومستنده، ومستند التَّوْصِيف والاستنباط المقرر، ويوازن بينها، ويرجح ما كان أقوى دليلًا، وأمضى حجة، فمن الخطأ السير في فرض واحد مع عدم افتراض ما يعارضه؛ حتى تتضح الحقيقة بذلك. * * *
следующие страницы →