← Сияса и кади

Сияса и кади · id 17810

توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية

عبد الله بن محمد الخنين

Полный текст (1 181 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

المطلب الأول المراد بفحص التَّوْصِيف القضائي المراد به: إعادة القاضي التأمل والنظر فيما يقرره من تَوْصِيف قبل إعلانه وترتيب الحكم القضائي عليه. وهذا يستدعي من القاضي بعد تقرير توصيفه للواقعة ذهنيًّا وقبل إعلانه وترتيب الحكم القضائي عليه أَنْ يعيد النظر والتأمل فيما قرره؛ للتأكد من سلامة مبناه، وصِحَّة معناه، فيطمئن على ما قرره، ويراجع ويصحح ما احتاج إلى ذلك. * * *

стр. 912

المطلب الثاني مشروعية فحص التَّوْصِيف القضائي إنَّ مراجعة التَّوْصِيف بعد تقريره وقبل إعلانه وترتيب الحكم القضائي عليه أمرٌ مشروع يَدُلُّ عليه ما يلي: ١ - عن أنس- ﵁ عن النبي ﷺ : "أَنَّه كان إذا سلَّم سَلَّمَ ثلاثًا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا" (١). فدَلَّ الحديث على أَنَّ إعادة الشيء ثلاثًا من كلام أَوْ سلام لغرض صَحِيح لأجل حفظه أَوْ درء خلل الفهم عنه أمرٌ مشروع، فهكذا إعادة تأمل التَّوْصِيف للتحقق من سلامة مبناه، وصِحَّة معناه، وتطابقه مع الشرع. ٢ - واستدَلَّ ابن خلدون (ت: ٨٠٧ هـ) على ذلك بمشروعية تكرار الطهارة ثلاثًا، فقال - وهو يؤكد على القاضي الاستشارة فيما يشكل عليه-: " ... ثم إذا رجع إليه الجواب كرر النظر فيه، وراجع الكتب المعتمدة حتى يتضح الحال جدًا ... متنبهًا من شرعية

стр. 913

الغسلة الثانية والثالثة، على أَنَّ الاستظهار بعد تحقق الطهارة مطلوب طلبًا مؤكدًا، وإنَّما ذكرت هذا دون غيره لتكرره في كل يوم، فيكون تذكره كلما فعل، ولاعتياد النفس له حتى صار من خفته عليها كالطبع لها فلا تنفر من نظيره" (١). وحدَّثَ جابر بن عبد الله- ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يفرغ على رأسه ثلاثًا" (٢)، وهي غسلات مكرر ثانيها وثالثها (٣). قال ابن خلدون في التأكيد على فحص التَّوْصِيف ومراجعته: "ثم يطبق الحكم العدل على ما ينقح له، فإذا وضح له أَنَّه طبقه سواءً كَرَّرَ التأمل والتفحص حتى يتبين ذلك كالشمس المضيئة ... فإذا لم تبق مرية البتة ... حكم وألزم، ثم التصميم بعد ذلك على الحق أهم مهم، وألزم لازم، وما الإحسان إلَّا بالتمام" (٤). * * *

стр. 914

المطلب الثالث طريقة فحص التوصيف القضائي إذا قرر القاضي التَّوْصِيف ذهنيًّا فعليه قبل إعلان التَّوْصِيف وتقرير الحكم القضائي أَنْ يراجع الخطوات التي سلكها في التَّوْصِيف من تعيين الواقعة المؤثرة، وتنقيحها، وطريقة إثباتها، وفحص أدلتها، واستنباطها، وتقريرها من طرق الحكم، وتحديد الحكم الكلي الفقهي الملاقي لها، وطريقة التَّوْصِيف مع مراعاة أصول تفسير الوقائع والأحكام وأصول التَّوْصِيف، وما ذلك إلَّا لاحتمال الخطأ أَوْ الذهول والنسيان فيما يقرره القاضي من تَوْصِيف سواء وقع الخطأ أَوْ الذهول أَوْ النسيان في الوقائع أَمْ في طرق إثباتها، أَمْ في تحديد الحكم الكلي الملاقي لها، أَمْ في إجراءات المرافعة وأحكامها (١). وعلى القاضي وهو يراجع ذلك تكرارُ النظر والتأمل والمشورة فيما أشكل وأعضل.

стр. 915

إنَّ القاضي- وهو يفحص التَّوْصِيف ويتأمله- عليه أَنْ يقوم بتقمص شخصية المخالف (١) في محاورة ذهنية هادئة، يفترض فيها الاعتراضات، ويجيب عليها، وَيَطْرَح الحلول البديلة للتَّوْصِيف المقرر، والاستنباطات المحتملة، ويراجع كل تَوْصِيف أَوْ استنباط بديل ومستنده، ومستند التَّوْصِيف والاستنباط المقرر، ويوازن بينها، ويرجح ما كان أقوى دليلًا، وأمضى حجة، فمن الخطأ السير في فرض واحد مع عدم افتراض ما يعارضه؛ حتى تتضح الحقيقة بذلك. * * *

стр. 916

الفصل الرابع التَّوْصِيف القضائي والحكم القضائي وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: التَّوْصِيف القضائي وتقرير الحكم القضائي. المبحث الثاني: التَّوْصِيف القضائي وتسبيب الحكم القضائي. المبحث الثالث: التَّوْصِيف القضائي ونقض الحكم القضائي.

стр. 917

المبحث الأول التَّوْصِيف القضائي وتقرير الحكم القضائي وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: المراد بالحكم القضائي وبتقريره والفرق بينهما. المطلب الثاني: تقرير الحكم القضائي وعلاقته بالتوصيف. المطلب الثالث: الجزم والاختيار في الحكم التكليفي وأثرهما على الحكم القضائي.

стр. 918

المطلب الأول المراد بالحكم القضائي وبتقريره و الفرق بينهما المراد بالحكم القضائي: هو ما صدر من القاضي دالًّا على فصل النزاع بين المتخاصمين على جهة الإلزام. المراد بتقرير الحكم القضائي: هو تبيين الأثر المترتب على الواقعة القضائية الموصفة والإلزام به. الفرق بينهما: والفرق بين الحكم القضائي وتقرير الحكم القضائي أَنَّ الأول نَصُّ الحكم الصادر في القضية. وأَمَّا الثاني فهو بيان للعمل القضائي الذي يقوم به القاضي في تقرير الحكم القضائي الملاقي للواقعة بعد توصيفها. * * *

стр. 919

المطلب الثاني تقرير الحكم القضائي وعلاقته بالتوصيف إنَّ القاضي بعد أن يُوَصِّف الواقعة القضائية بتطبيق الأوصاف المقررة في مُعَرِّفَات الحُكْم الكلي عليها يكون قد فرغ من التَّوْصِيف، ويتلو ذلك تبيين الأثر المترتب على هذه الواقعة الموصفة، وهو الحكم التكليفي والإلزام به في حكم قضائي ظاهر، يقول ابن خلدون بعد أن ذكر تحديد الحكم الكلي الملاقي للواقعة وتنقيحها: "ثم يطبق الحكم العدل على ما ينقح له (١) ... فإذا لم تبق مرية البتة حكم وألزم" (٢). ويقول علي حيدر (كان حيًّا عام ١٣٢٧ هـ): "إذا تمت المحاكمة ووجد سبب وشروط الحكم فالقاضي مجبور بإصدار الحكم فورًا" (٣).

стр. 920

إنَّ الحكم الكلي الفقهي الموصِّف للواقعة متضمن لحكمها التكليفي ومستلزم للحكم القضائي؛ ذلك أَنَّ الحكم الكلي الفقهي الموصِّف للواقعة مكون من شطرين، هما: معرفات، وحكم. فالشطر الأول هو المُعَرِّفَات، وهي التي تُوَصِّف الواقعة، وهي الجزء أَوْ الشطر المؤثر. والشطر الثاني هو الحكم التكليفي، وهو الأثر المرتب على المعرفات من حرمة، وإباحة، ووجوب، وصِحَّة، وبطلان، وشطرا الحكم قرينان لا يفترقان، فإذا وجدت المُعَرِّفَات، وتوفرت شروطها، وانتفت موانعها وجد الحكم التكليفي، فلا تكليف إلَّا له سبب، وشرط، وخلو من مانع (١)، يقول القرافي (ت: ٦٨٤ هـ): "لا يتصور انفراد التكليف؛ إذ لا تكليف إلَّا وله سبب، أَوْ شرط، أَوْ مانع" (٢)، فإذا وَصَّفنا الواقعة القضائية بمُعَرِّفَات الحُكْم - وهي المؤثر- استلزم ذلك حصول الأثر- وهو الحكم التكليفي أحد شطري الحكم الكلي-. مثال ذلك: من المقرر فقهًا أَنَّ القاتل عمدًا عدوانًا إذا طالب الورثةُ بقتله يجب القصاص منه إذا توفرت شروط القصاص، وانتفت موانعه.

стр. 921

وهذا حكم كلي فقهي، مكون من شطرين: الأول: المؤثر، وهو مُعَرِّفَات الحُكْم من الأوصاف المؤثرة المقررة فيه من كون القتل عمدًا عدوانًا، وطالب الورثة بالقصاص، وتوفر شروطه، وانتفت موانعه. والشطر الثاني: الأثر، وهو الحكم التكليفي، وجوب القصاص من الجاني. فإذا تحققنا أَنَّ الواقعة المنظورة لدينا قد انطبقت عليها تلك الأوصاف المذكورة في مُعَرِّفَات الحُكْم من وجود السبب والشرط وعدم المانع، ووَصَّفْنَاها به فصارت من قبيل القتل العمد العدوان- فإنَّ أثر هذا التَّوْصِيف- وهو الحكم التكليفي من وجوب القصاص على المدعى عليه - ينطبق عليها، ويحكم به القاضي. * * *

стр. 922

المطلب الثالث الجزم والاختيار في الحكم التكليفي وأثرهما على الحكم القضائي ونتناول في هذا المطلب أحوالَ الجزم والاختيار في الحكم التكليفي، وأثرَهما على الحكم القضائي ، كما نتناول فيه إجبار من له الخيار من الخصوم على الاختيار عند الاقتضاء، وذلك في عنوانين متتاليين: أحوال الجزم والاختيار في الحكم التكليفي وأثرهما على الحكم القضائي: إنَّ للحكم التكليفي المستلزم لمُعَرِّفَاتِ الحُكْم حالاتٍ من جهة كونه يأتي مجزومًا فيه بوجه واحد، أَوْ مخيرًا فيه بين أوجه، وقد يكون الخيار للقاضي، وقد يكون للخصم. فالحالات ثلاث حسب التتبع والاستقراء، وهي: الجزم بوجه

стр. 923

واحد، وثبوت الخيار للقاضي، وثبوت الخيار للخصم، وتفصيل هذه الأحوال الثلاثة مع التمثيل لها فيما يلي: الحال الأولى: الجزم بوجه واحد: إنَّ الحكم التكليفي من الحكم الكلي الذي تُوَصَّف به الوقائع يأتي كثيرًا مجزومًا فيه بوجه واحد، وذلك كمن يرفع دعوى يطالب فيها بثمن مبيع نقدًا معلومًا، فبعد تَوْصِيف الواقعة على تلك الصفة يلزم بتسليم الثمن المعلوم. الحال الثانية: ثبوت الخيار للقاضي: إنَّ الحكم التكليفي من الحكم الكلي الذي تُوَصَّف به الوقائع قد يأتي فيه خيار للقاضي باختيار أحد الوجوه عند الحكم القضائي في الواقعة. وذلك مثل: التخيير بين عقوبات الحِرَابة الواردة في قوله - تعالى-: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣]. فللقاضي الأخذُ بأيٍّ من العقوبات المَنْصُوص عليها في الآية حملًا لـ (أَوْ) في الآية على التخيير لا على التنويع على الراجح ما لم

стр. 924

يكن المحارب قد قتل فيُقْتَل (١)، وبذلك صدر قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية ذي الرقم ٨٥ والتاريخ ١١/ ١١/ ١٤٠١ هـ. فهنا إذا وَصَّفَ القاضي الواقعة المعينة بأَنَّها من قبيل الحرابة فإنَّه يوقع على الجاني إحدى العقوبات المَنْصُوص عليها في الآية بما يتلاءم مع جريمته، وحالِ المجرم، وحاجةِ المجتمع إلى الردع، فيكون الخيار في هذه العقوبات للِإمام أَوْ نائبه، وهو اختيار مصلحة لا تَشَهٍّ ما لم يكن الجاني قد قتل فيُقْتَل. الحال الثالثة: ثبوت الخيار للخصم: إنَّ الحكم التكليفي من الحكم الكلي الذي تُوَصَّف به الوقائع قد يأتي فيه خيار للخصم باختيار أحد الوجوه عند الحكم القضائي في الواقعة. مثال ذلك: من المقرر فقهًا أنَّ من بنى أَوْ غرس في أرض غيره خطأً لم يُهْدَر غرسه ولا بناؤه، وإنَّما يُقَوَّم البناء مستقلًّا، كما تُقَوَّم

стр. 925

الأرض مستقلة، ويُخَيَّر مالك الأرض بين تملّك البناء بقيمته، أَوْ إبقاء البناء على الأرض وأخذِ قيمتها (١)، فهنا إذا وَصَّف القاضي الواقعة بأَنَّها من قبيل البناء على أرض الغير خطأً خُيِّر المالك بما ذكر. وهكذا تخيير المشترى في خيار العيب بين الرد وأخذ الثمن أَوْ الإمساك وله الأرش (٢). وهكذا تخيير المؤجر إذا بنى المستأجر في الأرض المؤجرة أَوْ غرس ولم يشترط عليه المؤجر القلع عند انقضاء المدة، فإذا انقضت المدة فالمؤجر مُخيَّر بين ثلاثة أمور، هي (٣): (أ) تملّك البناء أَوْ الغراس بقيمته. (ب) قلع الغراس أَوْ البناء جبرًا مع ضمان نقصه بالقلع. (ج) ترك الغراس أَوْ البناء بأجرة المثل. إجبار من له الخيار من الخصوم على الاختيار عند الاقتضاء: إذا امتنع مَنْ له الخيار من الخصوم عن الاختيار، وكان في ترك الاختيار ضرر على الطرف الآخر أُجْبر عليه، جاء في الاختيارات

стр. 926

حول خيار العيب للمشتري بين الرد وأخذ الأرش قولُه: "فعليه يُجْبَر المشتري على الرد أَوْ أخذ الأرش" (١). وفَصَّل ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) طريقة إنفاذ الاختيار بين حقين فقال: "من ثبت له أحد أمرين، فإن اختار أحدَهما سَقَطَ الآخر، وإن أُسْقِط أحدُهما أُثْبِت الآخرُ، وإن امتنع منهما فإن كان امتناعه ضررًا على غيره استوفي له الحق الأصلي الثابت له إذا كان ماليًا ... وإن كان حقًّا عليه وأمكن استيفاؤه منه استوفي، وإن كان عليه حقان - أصليٌّ وبدلٌ - فامتنع من البدل حكم عليه بالأصل" (٢). * * *

стр. 927

المبحث الثاني التَّوْصِيف القضائي وتسبيب الحكم القضائي

стр. 928

تسبيب الحكم القضائي يعني: ذكرَ القاضي ما بنى عليه حكمه القضائي من الحكم الكلي ودليله، والوقائعِ القضائية المؤثرة في الحكم، وصفةِ ثبوتها بطرق الحكم (١). فهو ترجمة لاجتهاد القاضي في تَوْصِيفِ الواقعة، وتقريرِ الحكم القضائي. إنَّه بيان للعمل القضائي الذي قام به القاضي في تنزيل الحكم الكلي الفقهي على الواقعة القضائية، وتبيين لمنهجه وخطته التي سلكها في ذلك. فهو يبدأ بذكر ملخص الوقائع من الدعوى، والإجابة، والطلبات وتنقيحها ببيان المؤثر، واستبعاد الطرديّ، وملخص الأدلة القضائية لثبوت الواقعة، وصفةِ استنباط الوقائع المؤثرة منها، ووجه استبعاد الوقائع الطرديّة بالردّ على الدفوع غير المؤثرة عند الاقتضاء، والأدلة المهدرة والجمع والترجيح بين الأقوال المتناقضة والبينات المتعارضة، ونحو ذلك من تحليف

стр. 929

الأيمان، وذكر المُهَل (١)، والتَّلَوُّمَات (٢)، والإعذار (٣) في الحجج والبينات، والتعجيز (٤)، والحكم الكلي الفقهي ودليله، ووجه انطباقه على الواقعة (٥). فالتَّوْصِيف إذن يتقدم التسبب فعلًا وإن تأخر عنه ذكرًا، وهو المادة الأساس للتسبيب، فلا تسبيب إلَّا بالتَّوْصِيف وبعده. وكما أَنَّ التسبيب يبين طريق القاضي ومنهجه وخطته عند

стр. 930

الحكم في القضية فإنَّه يعصم اجتهاد القاضي من الزلل - بإذن الله- ويحمله على بذل الوسع في تَوْصِيف الواقعة وتقرير حكمها. ينضاف ذلك إلى ما في التسبيب من تمكين المحكوم عليه من دراسة مستند الحكم الواقعي والشرعي للتأكد من سلامةِ التَّوْصِيف والحكمِ القضائي للاقتناع به أَوْ الطعن فيه، وتمكين المحكمة المختصة من مراجعة التَّوْصِيف والحكم وتدقيقهما، والقيام بوظيفتها على أتمِّ وجه وأحسنه (١). * * *

стр. 931

المبحث الثالث التَّوْصِيف القضائي ونقض الحكم القضائي

стр. 932

مدخل للتَّوْصِيف أهمية كبيرة في العمل القضائي، فهو حلقة الوصل بين الوقائع القضائية والأحكام الكلية الفقهية، فبه تصير الأحكام الكلية الفقهية من عمومات مجردة مفترضة في الأذهان إلى حقائق مُنَزَّلة على الأشخاص والأعيان؛ لأَنَّ القاضي قد حدد صفات الوقائع القضائية المؤثرة بواسطة الحكم الكلي الفقهي، ولهذا فإنَّ القاضي لا يستغني عن تَوْصِيف الواقعة؛ لأَنَّها الطريق الصَّحِيح للوصول إلى الحكم القضائي. غير أَنَّ القاضي قد يعرض له خطأ عند تقرير التَّوْصِيف أَوْ تقرير الحكم القضائي إمَّا للخطأ في الواقعة أَوْ دليل ثبوتها، أَوْ الحكم الكلي الفقهي، أَوْ للخطأ في إجراءات المرافعة وأحكامها. ويكون الخطأ في الحكم الكلي الفقهي بالخطأ في تقريره أَوْ تحديد الحكم الكلي الملاقي للواقعة، أَوْ للخطأ في فهمه وتفسيره. كما يكون الخطأ في الواقعة باعتبار تأثير واقعة مع طرديتها، أَوْ وجود مانع من تأثيرها، أَوْ فقد شرط تأثيرها، وللخطأ في فهمها وتفسيرها، أَوْ استنباطها من دليل ثبوتها.

стр. 933

كما يكون الخطأ في دليل - طريق- ثبوت الواقعة باعتباره مع إهداره، أَوْ لقصوره في الدلالة، أَوْ للخطأ في فهمه وتفسيره. كما يكون للخطأ في إجراءات المرافعة وأحكامها (١). ونبين فيما يلي الخطأ في التَّوْصِيف وعلاقته بنقض الحكم القضائي. الخطأ في التَّوْصِيف وأثره في نقض الحكم القضائي: إنَّ العلاقة بين الحكم القضائي والتَّوْصِيف القضائي للواقعة المتنازع فيها صِحَّةً وخطأً تبدو من خلال أحوال أربع، هي: الحال الأولى: صِحَّة التَّوْصِيف مع صِحَّة الحكم . وهذه الحال لا شك في وجوب إمضاء الحكم فيها؛ لمطابقة التَّوْصِيف مع الحكم القضائي. الحال الثانية: خطأ في التَّوْصِيف وخطأ في الحكم . ففي هذه الحال تطابق الخطأ في التَّوْصِيف مع الخطأ في الحكم، وهذه أغلب الأحوال التي يكون الحكم فيها خطأ، ولذا فإنَّه يجب نقضه. وقد وَصَّف قاض قضية بأَنَّها إجارة، ورتب على ذلك إلزام

стр. 934

المدعى عليه بتسليم الأجرة، ونُقِضَ الحكمُ من محكمة التمييز، وأَيَّدَ الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (١) النقض مقررًا: بأَنَّ الواقعة المدعاة من باب الجعالة، وليس للمدعي إلَّا أجرة المثل؛ لأَنَّ الجاعل قد فسخها بعد العمل وقبل تمامه، ونفى الشيخ أَنْ تكون الواقعة من قبيل الإجارة؛ لفقد الإجارة شرطها وهو العلم بقدر العمل (٢). الحال الثالثة: صِحَّة التَّوْصِيف والخطأ في الحكم . ففي هذه الحال الحكم خطأ في نتيجته، ولكن التَّوْصِيف صَحِيح، ولذا فإنَّ الحكم يجب نقضه للخطأ فيه، ولا ينفعه صِحَّة التَّوْصِيف؛ لأن ثمرة التَّوْصِيف هو الحكم القضائي، فإذا تخلفت الثمرة وجب نقض الحكم. مثال ذلك: أَنْ يقرر القاضي في واقعة أخذ مال بقوة السلاح وقُتِل فيها المعتدى عليه أَنْ يقرر فيها بأَنَّها حرابة (٣)، ويقضي على الجاني بنفيه، فهنا ينقض الحكم للخطأ فيه مع صِحَّة التَّوْصِيف؛ لأَنَّ الواقعة ما دامت من الحرابة وفيها قتل للمجني عليه فإنَّ عقوبة الجاني هي القتل.

стр. 935

الحال الرابعة: الخطأ في التَّوْصِيف وصِحَّة الحكم . هذه الحال مقررة على صِحَّة الحكم القضائي في نتيجته بأن وافق الصواب، لكن توصيفه كان خطأً، فإذا أصاب القاضي في حكمه ولكن توصيفه للواقعة كان خطأ فإنَّ الحكم يكون مستوجبًا للنقض؛ لأَنَّ إصابة القاضي في حكمه ظهر بناؤها على تَوْصِيف غير صَحِيح إمَّا لكون الواقعة غير صَحِيحة، أَوْ لكون تقرير الحكم الملاقي لها لم يقع موقعه، لكن يسوغ لمتعقب الحكم - كمحكمة التمييز أَوْ القاضي مُصَدِّرِ الحكم عند إعادة النظر في حكمه - إجازةُ الحكم وإمضاؤه بعد تَصْحِيح التَّوْصِيف، وتكون هذه الإجازة والإمضاء استئنافًا وإنشاءً، أَوْ تَصْحِيحًا للحكم الأول من متعقبه (١)، ويؤيد ذلك ما ذكره السبكي (ت: ٧٥٦ هـ)، فقد قال: " ... وإن بيَّن - يعني القاضي- المستندَ، ورأيناه غير صالح ولا تشهد قواعد الشريعة بصحته فينبغي أَنْ ينقض ونحكم حكمًا مستندًا إلى دليل صَحِيح، لكن أرى من باب المصلحة ألَّا ينقض، بل يَنْفُذُ؛ لئلا يجسر الناس على نقض أحكام الحُكَّام، ويجعل التنفيذ كأَنَّه حكم مبتدأٌ مستقلٌ، ولو حكم الحاكم المنفذ (٢) بحكم مستند إلى الحكم الأول

стр. 936

وبقي الأول على حاله كان أولى وأجمع للمصالح" (١). ومن أمثلة حمل الحكم الصَّحِيح على الصِّحَّة مع الخطأ في التَّوْصِيف- إذا صُحِّح - بسبب الخطأ في الواقعة: أَنْ يحكم قاض بالشفعة للمدعي على المشتري، ويُلزمَه بتسليم العين المشفوع فيها بناءً على شهادة الشهود بوجود طريق مشترك بينهما، لكن ثبت طعن في الشهود فلم يثبت الطريق المشترك فوجب نقض الحكم، فدفع المدعي بوجود شراكة في أصل العقار على الشيوع بينه وبين البائع، وأثبت ذلك ببينة مقبولة، فهنا يُصَحَّح التَّوْصِيف ويجاز الحكم الأول، وتكون إجازته وإمضاؤه استئنافًا وإنشاءً لحكم آخر موافق للأول من قبل مُتَعَقِّب الحكم. ويؤيده ما ذكره العلماء: من أَنَّه إذا زالت العلة التي استند إليها الحكم وخلفتها علة أخرى استند الحكم إلى الثانية (٢)، لكن لا بُدَّ من مراعاة جواز تعديل سبب المطالبة عند الاقتضاء. وفي هذا التَّصْحِيح حفظ للجهد والوقت المبذول من قِبَل القاضي والخصوم في إنهاء النزاع. ولا يعارض هذا ما يقرره العلماء من أَنَّ القاضي إذا حكم بغير علم فإنَّ الحكم ينقض وإن صادف الحق (٣)؛ ذلك أن تَصْحِيح متعقب

стр. 937

الحكم - من حاكمه أَوْ محكمة التمييز- للتَّوْصِيف وإجازة الحكم يُعَدُّ إنشاءً للحكم. وقد قرر الفقهاء من الشافعية والحنابلة: أن حكم قاضي الضرورة (١) المستوجب للنقض إذا وافق الصواب يُجَاز ولا يُنْقَض (٢). كما قرر المالكية مثل ذلك في أحكام القاضي غير العدل (٣)، يقول ابن العربي (ت: ٥٤٣ هـ) - في تَصْحِيح أحكام غير العدل إذا وافقت الصواب-: " ... فينفذ منها ما وافق الحق، ويُرَدّ ما خالفه ولا ينقض حكمه الذي أمضاه بحال، ولا تلتفتوا إلى غير هذا القول من رواية تُؤْثَر أَوْ قول يُحْكَى؛ فإنَّ الكلام كثير والحق ظاهر" (٤). * * *

стр. 938

الفصل الخامس مراحل التَّوْصِيف القضائي وفيه المراحل الآتية: المرحلة الأولى: سماع الوقائع وتحديد الطلبات. المرحلة الثانية: تنقيح الوقائع وتوصيفها ابتداءً. المرحلة الثالثة: إثبات الوقائع المنقحة ابتداءً. المرحلة الرابعة: دراسة الوقائع والبينات وتنقيحها وتقرير التَّوْصِيف النهائي للواقعة. المرحلة الخامسة: فحص التوصيف. المرحلة السادسة: تقرير الحكم القضائي الملاقي للواقعة.

стр. 939

مدخل إنَّ القاضي وهو يوصف الواقعة يخطو بالتَّوْصِيف خطوات متوالية من مرحلة إلى أخرى حتى ينتهي إلى تَوْصِيف الواقعة وتقرير حكمها القضائي، كما يفعل الطبيب في فحص مريضه ووصف الدواء له، فهو يبدأ بفحص المريض، فيقوم بفحصه فحصًا ابتدائيًا بالاستماع إلى شكواه، والاستفسار عن أعراض مرضه، ثم فحصًا سريريًّا بالفحص الحسيّ على المريض، وذلك بإرشاده إلى الجلوس على السرير ووضع الطبيب يده أَوْ أصابعه على موضع الشكوى، أَوْ أيّ مكان آخر من جسم الإِنسان يساعد على تشخيصه، ونحو ذلك مما يساعد على كشف المرض سريريًّا، ثم إذا لم تُجْدِ هذه الطريقة في الكشف عن أعراض المرض، أَوْ احتاج الطبيب إلى زيادة التثبت من الأعراض انتقل إلى الفحص التكميلي بواسطة الأجهزة والآلات الحديثة المتطورة، كالأشعة والمناظير الطبية بأنواعها، والتحاليل للدم وغيره. ثم ينتقل بعد ذلك إلى تشخيص المرض، فيقوم بدراسة الفحوص التي أجراها، والتقارير التي أعدها المحلّلون ليحدد ويقرر من خلالها تَوْصِيف الداء مستعينًا في ذلك بالمشاورة الطبية عند الاقتضاء. ثم بعد ذلك ينتقل إلى تقرير العلاج سواء كان دواءً، أَمْ عملية جراحية، وهي مرحلة تبنى على ما سبقها، فإن كان التشخيص صَحِيحًا

стр. 940

صار العلاج ناجعًا؛ لأن من عرف الداء سهل عليه معرفة الدواء (١). وهكذا العمل القضائي في تَوْصِيف الوقائع يمرُّ بمراحل، واحدةً بعد الأخرى حتى الحكم في القضية، وقد أشار ابن خلدون (ت: ٨٠٨ هـ) إلى مراحل تَوْصِيف الواقعة القضائية، فهو يقول: "يتأنى- يعني القاضي - على المدعي حتى يذكر ما عنده كله، ويتفهمه حتى يعلم قطعًا مراده ... ثم يسأل المدعى عليه رافقًا به متأنيًا عليه حتى يذكر جميع ما عنده، ويتفهمه جهدَه، ثم يستجلي الحال منهما ومن العالم بواقعتهما بأحسن استجلاء، وبأشد إيضاح ... إذا تصور الواقعة، كالشمس ليس دونها سحاب، فليميز بين ما اتفقا عليها وما اختلفا فيه، فإذا وضحت القصة جيدًا ... فليستحضر حكم تلك الواقعة لا برأي واستحسان ... بل بالنقل الصريح، أَوْ بذل الجهد في درك الحق من أهل الاجتهاد وبطرقه المعتبرة ... ثم ينقح الواقعة، بأخذ ما يتعين اعتباره وإلغاء ما لا مدخل له في الحكم بحذف، ثم يطبق الحكم العدل على ما ينقح له، فإذا وضح أَنَّه طبقه سواء كرر النظر والتأمل والتفحص حتى يتبين ذلك كالشمس المضيئة ... فإذا لم تبق مرية البتة ... حكم وألزم" (٢). فتَوْصِيف الواقعة القضائية يمرّ بست مراحل، هي: ١ - سماع الوقائع وتحديد الطلبات.

стр. 941

٢ - تنقيح الوقائع وتوصيفها ابتداءً. ٣ - إثبات الوقائع المنقحة ابتداء. ٤ - دراسة الوقائع من دعاوى وبينات، وتنقحيها، وتقرير التَّوْصِيف النهائي للواقعة. ٥ - فحص التَّوْصِيف. ٦ - تقرير الحكم القضائي الملاقي للواقعة الموصفة. وإذا كنا بحثنا فيما سبق صفة تقرير الحكم الكلي وتفسيره، وصفة تنقيح الوقائع المؤثرة وإثباتها وتفسيرها، وأصولَ التَّوْصِيف ووسائلَه، وتقريرَه - فإنَّ ما نذكره هنا فيه شيء من الإعادة إلَّا أَنَّه أمر لا بُدَّ منه؛ لأَنَّه يبين للقاضي منهج السير في التَّوْصِيف، ويسهل عليه عملية التفكير القضائي في تَوْصِيف الأَقْضِيَة، فإلى بيان هذه المراحل بإيجاز. المرحلة الأولى: سماع الوقائع وتحديد الطلبات: والمراد بالوقائع هنا: الدعوى والإِجابة ودفوع الخصمين. وهي أولى خطوات التَّوْصِيف؛ لأَنَّها مادته الأولى ومجاله الذي يعمل فيه، وهي التي توجب تحرك الحكم الكلي الفقهي لملاقاتها وتوصيفها، ولا يمكن للقاضي تحقيق التَّوْصِيف إذا تجاوز هذه المرحلة؛ لأَنَ التَّوْصِيف لا يستنبت في فراغ، بل في وقائع مقدمة للقاضي.

стр. 942

وتقديم الوقائع يقع على عاتق الخصوم، وإذا سكتوا عن شيء من الأوصاف المؤثرة استفسر القاضي منهم عنها. وعلى الخصم في هذه المرحلة أَنْ يلحظ تحديد طلبه في الدعوى؛ لأَنَّه لا تَصِحُّ الدعوى إلَّا به، وهو يعين على توصيفها. إنَّ الخصوم يقدمون للقاضي الوقائع، ويحددون الطلبات، وهو يقدم لهم الحكم الكلي الفقهي الذي يجري تَوْصِيف الوقائع به. المرحلة الثانية: تنقيح الوقائع وتوصيفها ابتداءً: إنَّ الخصوم بعد أَنْ يفرغوا من تقديم الوقائع من الدعوى، والإِجابة، والدفوع، والطلبات - يقوم القاضي بتنقيحها، وتوصيفها إجرائيًا من ناحية الاختصاصِ، وصِحَّةِ الدعوى، وإكمالِ نقصها، وصِحَّةِ الجواب، ودفع الخصومة، فإذا تحقق من صِحَّة السير في الدعوى بدأ في تنقيحها وتوصيفها توصيفًا موضوعيًّا، فاستبعد الوقائع الطردية، وأبقى الوقائع المؤثرة، وحدد وصف المتنازع فيه على ضوء الدعوى والدفوع والطلبات: هل هو خيار عيب، أَوْ خيار شرط؟ أَوْ جعالة، أَوْ إجارة؟ ونحو ذلك ليهيِّء الواقعة بذلك لمرحلة الإِثبات وما يتلوها (١)، يقول علي حيدر (كان حيًّا عام ١٣٢٧ هـ): "والقاضي يستمع أولًا دعوى المدعي ... ويوفق هذه الدعوى على

стр. 943

إحدى المسائل الشرعية؛ فيستوضح القيود والشروط المقتضية" (١)، فعلى القاضي تحديد الحكم الكلي الفقهي الملاقي للواقعة ابتداءً قبل النظر في ثبوتها، ثم يوصف الواقعة به، وهذا يستدعي مقابلة الواقعة بالحكم الكلي وصفًا وصفًا، فما قابل الوصف المؤثر فهو الذي يُعْتَدُّ به، وما عداه فهو الطردي، فيُثْبَت مؤثرها، ويستبعد طرديها سواء كان طرديًّا مطلقًا أَمْ طرديًّا في موضع النزاع، وذلك تهيئة للمرحلة التالية. المرحلة الثالثة: إثبات الوقائع المنقحة ابتداءً: بعد تنقيح الوقائع وإبقاء مؤثرها ينتقل القاضي إلى إثباتها، وعليه قبل التوجه إلى النظر في إثبات الوقائع المؤثرة أَنْ يحدد إجرائيًّا مَنْ المدعي الذي يتوجه عليه الإِثبات، ومَنْ المدعى عليه الذي تتوجه عليه اليمين، ثم بعد ذلك على القاضي أن يُمَيِّز ما اتفق عليه الخصمان من الوقائع المؤثرة المنقحة وما اختلفا فيه، ويوجه الإِثبات إلى ما اختلفا فيه من الوقائع الأصلية أَوْ التبعية الجائز إثباتها، وبعد الفراغ من إثبات الوقائع بطرق الحكم المقررة، وإجراء ما يلزم لذلك من الإِعذار، والتزكية والتعجيز، ثم ينتقل القاضي إلى المرحلة التالية. المرحلة الرابعة: دراسة الوقائع والبينات وتنقيحها وتقرير التَّوْصِيف النهائي للواقعة: بعد فراغ القاضي من المرحلة السابقة عليه أَنْ يدرس بعناية

стр. 944

وتأمّل ما قدمه الخصوم من دعوى، وإجابة، ودفوع، وطلبات، وبينات، وأَنْ يتامل ذلك ويفهمه جيدًا، ويستخلص من الوقائع من دعوى، وإجابة، ودفوع، ومن البينات، وطرق الحكم - ثبوتَ الوقائع المؤثرة في الحكم، وينقحها، ويهيئها للتَوْصِيف النهائي مهذبة مرتبة كأَنَّه لم يذكر معها سواها مستعينًا في ذلك بتحديد الحكم الكلي الفقهي، وطرق تفسير الوقائع والأحكام الكلية، وأصول التَّوْصِيف، مراعيًا الطلبات في الدعوى وانعدام الموانع، حتى إذا تنقحت له الواقعة وهيأها للتَوْصِيف وحدد حكمها الكلي الفقهي أجرى المطابقة بينهما بواسطة القياس القضائي، فإذا تحقق عنده اجتماع الوقائع مع الحكم الكلي الفقهي في حدهما الأوسط - وهي الأوصاف المشتركة المؤثرة في الحكم - قَرَّرَ مطابقة الوقائع القضائية للحكم الكلي الفقهي، وهي النتيجة المطلوبة، فيقرر مثلًا أن هذه الواقعة جعالة، أَوْ قتل عمد، أَوْ خيار عيب، ونحو ذلك. إِنَّ مناط التَّوْصِيف الابتدائي هو الدعوى، والإِجابة، وطلبات الخصوم، أَمَّا في التَّوْصِيف النهائي فمناط التَّوْصِيف فيه: ما يثبت لدى القاضي من الوقائع والأوصاف المؤثرة، وما يستنبطه من الدعوى والإجابة ودفوع الخصمين وبيناتهم مراعٍ فيه طلبات الخصوم وأصول التَّوْصِيف على ضوء ما يتقرر له من الحكم الكلي الفقهي.

стр. 945

المرحلة الخامسة: فحص التَّوْصِيف: وقد سبق بيان المراد به، ومشروعيته، وما يقوم به القاضي في هذه المرحلة، وحاصله: أَنَّ القاضي متى تحرر له التَّوْصِيف فعليه قبل إعلانه وترتيب الحكم عليه بتقرير الحكم القضائي أَنْ يراجعه، وذلك بمراجعة الخطوات التي سلكها لتقرير التَّوْصِيف من تنقيح الوقائع، وتعيين الواقعة المؤثرة، وطرق إثباتها، وفحص أدلتها، واستنباطها، وتقريرها بطرق الحكم، وتحديد الحكم الفقهي الكلي الملاقي لها، وطريقة التَّوْصِيف مع مراعاة أصول تقرير التَّوْصِيف وتفسير الوقائع والأحكام الكلية مستعينًا في ذلك بتقمّص شخصية المخالف، وفرض الاعتراضات والإِجابة عليها، فإن رأى ما يستوجب العُدُول أَوْ التَّعْدِيل قرره، أَوْ تأكد عنده بعد ذلك سلامة توصيفه قَرَّرَه وأظهره (١). المرحلة السادسة: تقرير الحكم القضائي الملاقي للواقعة الموصفة: وقد سبق بيان المراد به، وأَنَّه تبيين الأثر المترتب على الواقعة الموصفة والإِلزام به (٢).

стр. 946

وهو مرحلة تالية لتقرير التَّوْصِيف، وهو الشطر الثاني من الحكم الكلي. فإذا كان الحكم الكلي الفقهي ينقسم إلى شطرين، هما: معرفات، وحكم، وكان التَّوْصِيف يعمل في منطقة المُعَرِّفَات - فإنَّ تقرير الحكم القضائي يعمل في منطقة الحكم التكليفي من حِلٍّ، وحرمة، ووجوب، وصِحَّة أَوْ بطلان، وآثارها، فمتى وَصَّفْنَا الواقعة القضائية بأَنَّها: قتل عمد عدوان لتحقق شروطها، وانتفاء موانعها، وكانت طلبات المدعي القتل قصاصًا - كان الحكم الكلي الفقهي هو وجوب القتل قصاصًا، وكان تقرير القاضي لحكمه القضائي على المدعى عليه بالقتل قصاصًا. تنبيه: على القاضي إجراء التوصيفات الإِجرائية عند الاقتضاء أثناء السير في الدعوى سواء ما تعلق بالاختصاص أَوْ بتحديد نوع الدعوى من جهة موضوعها، أَوْ بالتحقق من شروط الواقعة الصالحة للإِثبات، أَوْ الأوامر القضائية، أَوْ عوارض المرافعة وغيرها؛ لأهميتها في سير الدعوى. * * *

стр. 947

توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية «دراسة شرعية لأصول وفروع تنزيل الأحكام الكلية على الوقائع القضائية والفتوية مع تطبيقات قضائية من أقضية السلف ومحاكم المملكة العربية السعودية» تأليف عبد الله بن محمد بن سعد آل خنين القاضي بالمحكمة الكبرى بالرياض الأستاذ بالمعهد العالي للقضاء [الجزء الثالث]

стр. 948

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 949

تَوْصِيْفُ الأَقضِيَةِ فِي الشَّريعَةِ الإِسلاَمِيَّةِ [٣]

стр. 950

(ح) عبد الله بن مُحَمَّد آل خنين، ١٤٢٢ هـ فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر آل خنين، عبد الله بن مُحَمَّد توصيف الْأَقْضِيَة فِي الشَّرِيعَة الإسلامية - الرياض ٣٥٦ ص؛ ١٧/ ٢٤ سم. ردمك: ٠ - ٢٧ - ٨٣٧ - ٩٩٦٠ (مَجْمُوعَة) ٠ - ٣٠ - ٨٣٧ - ٩٩٦٠ (ج ٣) ١ - الْقَضَاء فِي الْإِسْلَام. ٢ - الْفِقْه الْحَنْبَلِيّ. أ - العنوان ديوي ٢٥٧.٥ ... ٠٠٧٦/ ٢٢ رقم الْإِيدَاع: ٠٠٧٦/ ٢٢ ردمك: ٠ - ٢٧ - ٨٣٧ - ٩٩٦٠ (مَجْمُوعَة) ٠ - ٣٠ - ٨٣٧ - ٩٩٦٠ (ج ٣) جَميع الحُقوق محفُوظة للمؤلف الطبعَة الأولى ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م
следующие страницы →