وهو مرحلة تالية لتقرير التَّوْصِيف، وهو الشطر الثاني من الحكم الكلي.
فإذا كان الحكم الكلي الفقهي ينقسم إلى شطرين، هما: معرفات، وحكم، وكان التَّوْصِيف يعمل في منطقة المُعَرِّفَات - فإنَّ تقرير الحكم القضائي يعمل في منطقة الحكم التكليفي من حِلٍّ، وحرمة، ووجوب، وصِحَّة أَوْ بطلان، وآثارها، فمتى وَصَّفْنَا الواقعة القضائية بأَنَّها: قتل عمد عدوان لتحقق شروطها، وانتفاء موانعها، وكانت طلبات المدعي القتل قصاصًا - كان الحكم الكلي الفقهي هو وجوب القتل قصاصًا، وكان تقرير القاضي لحكمه القضائي على المدعى عليه بالقتل قصاصًا.
تنبيه:
على القاضي إجراء التوصيفات الإِجرائية عند الاقتضاء أثناء السير في الدعوى سواء ما تعلق بالاختصاص أَوْ بتحديد نوع الدعوى من جهة موضوعها، أَوْ بالتحقق من شروط الواقعة الصالحة للإِثبات، أَوْ الأوامر القضائية، أَوْ عوارض المرافعة وغيرها؛ لأهميتها في سير الدعوى.
* * *
стр. 947
توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية
«دراسة شرعية لأصول وفروع تنزيل الأحكام الكلية على الوقائع القضائية والفتوية
مع تطبيقات قضائية من أقضية السلف ومحاكم المملكة العربية السعودية»
تأليف
عبد الله بن محمد بن سعد آل خنين
القاضي بالمحكمة الكبرى بالرياض
الأستاذ بالمعهد العالي للقضاء
[الجزء الثالث]
(ح) عبد الله بن مُحَمَّد آل خنين، ١٤٢٢ هـ
فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر
آل خنين، عبد الله بن مُحَمَّد
توصيف الْأَقْضِيَة فِي الشَّرِيعَة الإسلامية - الرياض
٣٥٦ ص؛ ١٧/ ٢٤ سم.
ردمك:
٠ - ٢٧ - ٨٣٧ - ٩٩٦٠ (مَجْمُوعَة)
٠ - ٣٠ - ٨٣٧ - ٩٩٦٠ (ج ٣)
١ - الْقَضَاء فِي الْإِسْلَام.
٢ - الْفِقْه الْحَنْبَلِيّ.
أ - العنوان
ديوي ٢٥٧.٥ ... ٠٠٧٦/ ٢٢
رقم الْإِيدَاع: ٠٠٧٦/ ٢٢
ردمك:
٠ - ٢٧ - ٨٣٧ - ٩٩٦٠ (مَجْمُوعَة)
٠ - ٣٠ - ٨٣٧ - ٩٩٦٠ (ج ٣)
جَميع الحُقوق محفُوظة للمؤلف
الطبعَة الأولى
١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م
стр. 951
الباب الرابع وقائع تطبيقية من الأقضية
وفيه مدخل، وثلاثة فصول:
المدخل.
الفصل الأول: وقائع تطبيقية من أقضية الصَّحَابَة والتابعين.
الفصل الثاني: وقائع تطبيقية من بعد التابعين إلى العصر الحاضر.
الفصل الثالث: وقائع تطبيقية في العصر الحاضر من محاكم المملكة العربية السعودية.
стр. 952
مدخل
إنَّ القضاء من ضرورات الاجتماع، فهو يحلّ مع الناس أينما حَلُّوا، وما ذاك إلَّا لأَنَّه يحصل من اجتماع الإِنسان مع غيره التعامل والتنازع بسبب شبهة تعرض لتقي، أَوْ شهوة تصدر من شقي، فكان بالناس حاجة للقضاء منذ بدء الخليقة حتى يومنا هذا.
والقواعد والأحكام موضوعيةً أَوْ إجرائيةً التي يقررها الفقهاء في مصنفاتهم مستمدةً من الكتاب والسنة أَوْ أدلة التشريع الأخرى - تبقى مصورة في الأذهان صورًا مثالية (١)، حتى إذا لامستها الوقائع والنوازل القضائية تنزلت من الأذهان صورًا مثالية إلى الأعيان والأشخاص وقائع حية.
وعرض الوقائع والنوازل القضائية السابقة مع أحكامها على القضاة والمفتين مما يصقل مواهبهم ويُحْكِمُ تجاربهم وخبراتهم، ويُكْسِبُهم مَلَكَةً تُهَيِّؤُهم لمعرفة تنزيل الأحكام الكلية على الوقائع
стр. 953
القضائية والفتوية، فلا يكفي لفنٍّ من الفنون التعرّفُ على الأحكام النظرية له، بل لا بُدَّ من الارتياض في مباشرته وتطبيقه حتى يكون لقاصده من ذلك ملكة قارَّة قادرة على الاهتداء لأصول هذا الفنِّ وإدراك الأحكام العارضة له، فيهتدي لمعاقده، ويَتَنَبَّه لفروقه؛ لكثرة نظره فيه، وإتقانِه لأصوله ومآخذه، وتردُّدِه في ممارسته حتى تكون مباشرته عنده سهلة ميسرة، وذلك من أنفس ما يحصله المتدرب في كل فنٍّ، وهو من أنفس صفات متلقي الأحكام الشرعية لتنزيلها على الوقائع في الفتيا والقضاء.
وقد نُقِلَتْ إلينا ثروة من الوقائع القضائية مما استَلجَّ فيه الخصوم، وتنازع وتنازل فيه المحتكمون.
وقد رأيت عرض عدد من هذه الوقائع التي قضى فيها سلف هذه الأمة ومَنْ بعدهم خلال مسيرة أمتنا الخَيِّرَة في تاريخها الطويل حتى يومنا هذا مع التعليق على هذه الوقائع بما يستفاد منها، أَوْ يتقرر من الأحكام والفوائد فيها.
وقد رتبت هذا الباب في ثلاثة فصول على نحو ما سلف، وأتناولها فصلًا ففصلًا فيما يلي:
* * *
стр. 954
الفصل الأول وقائع تطبيقية من أقضية الصَّحَابَة والتابعين
وفيه مدخل، وثلاثة مباحث:
مدخل.
المبحث الأول: قضية الزبية.
المبحث الثاني: قضاء شريح في الشرط الجزائي.
المبحث الثالث: قضاء إياس في كُبَّة الغزل.
стр. 955
مدخل
لقد نقل إلينا عن سلف أمتنا من الصَّحَابَة والتابعين بعض الوقائع مما كانوا يختصمون فيه، وكان القضاة من الصَّحَابَة والتابعين هم فرسان هذه الأقضية والمقدَّمون فيها، يقضون فيها بالحق، وبه كانوا يعدلون، ونقلت إلينا أخبار هذه الأقضية في مراجع شتى كموطأ الإِمام مالك (ت: ١٧٩ هـ)، ومصنف عبد الرزاق (ت: ٢١١ هـ)، ومصنف ابن أبي شيبة (ت: ٢٣٥ هـ)، وأخبار القضاة لمحمد بن خلف ابن حيان المعروف بوكيع (ت: ٣٠٦ هـ)، ومعاجم الطبراني (ت: ٣٦٠ هـ)، وسنن البيهقي (ت: ٤٥٨ هـ)، وإليك طرفًا من هذه الأقضية في المباحث التالية:
* * *
стр. 956
المبحث الأول قضية الزبية
وفيه:
* نَصُّ القضية.
* عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها.
* الأحكام والضوابط المستفادة من هذه القضية.
стр. 957
نَصُّ القضية:
عن سماك عن حنش عن علي ﵁ قال: "بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فانتهينا إلى قوم قد بنوا زُبْيَةً (١) للأسد، فبينما هم كذلك يتدافعون إذ سقط رجل، فتعلق بآخر، ثم تعلق رجل بآخر، حتى صار فيها أربعة، فجرحهم الأسد، فانتدب له رجلٌ بحربة فقتله، وماتوا من جراحتهم كلهم فقاموا (٢) أولياء الأول إلى أولياء الآخر، فأخرجوا السلاح ليقتتلوا، فأتاهم عليٌّ على تَفِيئَة (٣) ذلك، فقال: تريدون أن تَقَاتَلوا ورسول الله ﷺ حيٌّ؟ ! إنَّي أقضي بينكم قضاءً إن رضيتم فهو القضاء، وإلَّا حَجَزَ بعضَكم عن بعضٍ حتى تأتوا النبي ﷺ فيكون هو الذي يقضي بينكم، فمن عدا بعد ذلك فلا حق له، اجمعوا من قبائل الذين [حضروا] (٤) البئر ربع الدية، وثلث
стр. 958
الدية، ونِصْف الدية، والدية كاملة، فللأول الربع؛ لأَنَّه هَلَكَ مَنْ فوقه، وللثاني ثلث الدية، وللثالث نِصْف الدية، وللرابع الدية كاملة، فأبوا أن يرضوا، فأتوا النبي ﷺ وهو عند مقام إبراهيم، فَقَصُّوا عليه القصة، فقال: أنا أقضي بينكم، واحتبى، فقال رجل من القوم: إنَّ عليًّا قضى فينا، فَقَصُّوا عليه القصة، فأجازه رسول الله ﷺ " (١).
عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها:
الوقائع:
حاصل وقائع هذه الدعوى أن قومًا تدافعوا على حفرة فيها أسد فسقط رجل، فتعلق بآخر، وتعلق الآخر بثالث، وتعلق الثالث برابع، فصار الأربعة في حفرة الأسد، فجرحهم الأسد ثم ماتوا كلهم من جراحهم، وقد ادعى أولياء الثلاثة الآخرين على أولياء الأول
стр. 959
(السُّفْلِيّ) بديات متوفيهم، معللين مطالبتهم بأَنَّه لولا صاحبهم لما سقط الثلاثة الآخرون في البئر، وقد دفع أولياء الأول (السُّفْلِيّ) بأَنَّهم مستعدون بدفع ديةِ مَنْ تَعَلَّقَ به صاحبهم حين سقوطه فقط (١)، ويظهر أَنَّهم طالبوا بديات المتوفين من ذويهم؛ لأَنَّه قُضِي لهم فيما بعد، ولا يقضى من دون طلب.
طرق الحكم والإِثبات في هذه القضية:
يبدو أنَّ الواقعة لا تناكر فيها، فقد وقعت بمشهد جمع كبير ولم يتناكر المتحاكمون وقائعها.
تقرير الحكم القضائي:
إنَّ الواقعة من النوازل المستجدة فقهًا، ولذا نجد أن عليًّا ﵁ اجتهد في تقرير حكمها، ويظهر أَنَّه وَصَّف القتل بأَنَّه خطأ، وقرر لذلك توزيع ضمان الدية على عواقل الذين حضروا رأس البئر، كما قرر للمتوفين دياتهم حسب مشاركة كل واحد منهم في القتل حسب ما مَرَّ تفصليه في الخبر سالفًا، فالواقعة من قبيل قتل الخطأ، والدية يضمنها عواقل الذين حضروا رأس البئر، ويستحق ورثة كل قتيل من الدية ما يلي: للسُّفلِيّ ربع الدية، وللذي فوقه ثلث الدية، وللذي فوقهما نِصْف الدية، وللذي فوقهم الدية كاملة؛ لأنَّه لم يجذب أحدًا.
стр. 960
وبعد تحقق انطباق أوصاف الحكم الكلي الفقهي المقرر على الواقعة المنظورة باشتراكهما في الأوصاف أَلْزَم عليٌّ ﵁ عواقل الذين حضروا رأس البئر لورثة المتوفين بالديات حسب التفصل المارّ ذكره.
وبيان مأخذ ذلك ووجهه من هذه الواقعة: ما ذكره ابن العربي (ت: ٥٤٣ هـ)، فقد قال: "فأَمَّا قصةُ عليٍّ فلا يدركها الشادي (١)، ولا يلحقها بعد التمرن في الأحكام إلَّا العاكف المتمادي.
وتحقيقها: أن هؤلاء الأربعة مقتولون خطأً بالتدافع على الحفرة من الحاضرين عليها، فلهم الديات على من حضر (٢) على وجه الخطأ، بيد أَنَّ الأول مقتولٌ بالمدافعة قاتلٌ ثلاثةً بالمجاذبة، فله الدية بما قُتِل وعليه ثلاثة أرباع الدية للثلاثة الذين قَتَلَهم، أَمَّا الثاني فله ثلث الدية وعليه الثلثان للاثنين اللذين قتلهما بالمجاذبة، وأَمَّا الثالث فله نِصْف الدية وعليه النِّصْف؛ لأَنَّه قتل واحدًا بالمجاذبة، فوقعت المُحَاصَّة، وغَرِمَتْ العواقلُ هذا التقدير بعد القصاص الجاري فيه (٣)، وهذا من بديع الاستنباط" (٤).
стр. 961
ولم يقنع المحكوم عليهم بالحكم، وارتفعوا للرسول ﷺ فأجازه.
الأحكام والضوابط المستفادة من هذه القضية:
مما يستفاد منها ما يلي:
١ - مشروعية استئناف الحكم القضائي وتمييزه عند عدم قناعة المحكوم عليه به؛ لأن عليًّا ﵁ قال للمتخاصمين: "إنِّي أقضي بينكم، إن رضيتم فهو القضاء، وإلَّا حَجَزَ بعضَكم عن بعضٍ حتى تأتوا نبي الله ﷺ فيكون هو الذي يقضي بينكم"، لَمَّا عُرِض الحكم على النبي ﷺ أجازه.
٢ - أنَّ من شارك في قتل نفسه خطأً سقط من ديته بقدر مشاركته؛ قال ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "إنَّ الجناية إذا حصلت من فعل مضمون ومهدر سقط ما يقابل المهدر، واعتُبِرَ ما يقابل المضمون" (١).
٣ - أَنَّ القتل تَسَبُّبًا يوجب الدية كالقتل مباشرة، والأصل استقلال المباشرة بالضمان ما لم تكن المباشرة مبنية على السبب أَوْ ناشئة عنه، فإن كان كذلك وكانت المباشرة لا عدوان فيها استقل
стр. 962
المتسبب بالضمان وحده، وإلَّا اشتركا (١)، وهذه الواقعة دليل على ذلك.
٤ - توزيع ضمان الدية بين المباشر والمتسبب عند تحقق موجب الاشتراك بينهما، وهكذا بين المباشرين أَوْ المتسببين عند موجب اشتراكهما، وذلك حسب قدر المشاركة ربعًا أَوْ ثلثًا أَوْ نِصْفًا (٢).
قال المجد ابن تَيْمِيَّةَ (ت: ٦٥٢ هـ) - تعليقًا على حكم علي ﵁ في هذه الواقعة -: "وذهب إليه أحمد" (٣).
وهناك صور أخرى للسقوط في اليئر بالتجاذب يُرْجَعُ إليها في مظانِّها (٤).
٥ - وجوب تحمل العاقلة للدية في قتل الخطأ، فقد قضى علي ﵁ بالديات على عواقل الذين حضروا وتدافعوا على البئر حتى سقط فيها من سقط (٥).
стр. 963
٦ - القضاء للمدعى عليه بطلبه الذي يطلبه في الدعوى إذا كان متعلقًا بها على وجه لا يمكن فصلها بألَّا يُمْكِن البَتُّ في الدعوى إلَّا بالبَتِّ في طلب المدعى عليه، أَوْ كان فصلها يؤثر على مجريات الدعوى بتعرض بعض الحقوق للضياع، أَوْ التأخير في حصولها مع وحدة إجراءاتها.
فقد قضي علي ﵁ في طلب المدعين كما قضى في طلبات المدعى عليهم، وجَزَّأَ الدية، وأنهى النزاع.
* * *
стр. 964
المبحث الثاني قضاء شريح في الشرط الجزائي
وفيه:
* نَصُّ القضية.
* عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها.
* الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.
стр. 965
نَصُّ القضية:
قال الإمام البخاري: "وقال ابن عون عن ابن سيرين، قال الرجل لِكَرِيِّه: أدخلْ ركابَك، فإن لم أرحلْ معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج، فقال شريح (١): مَنْ شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه" (٢).
وفي رواية وكيع: فخاصمه إلى شريح، فقال: مَن شرط على نفسه شرطًا طائعًا غير مكره أجزناه (٣).
стр. 966
عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها:
الوقائع:
حاصل وقائع الدعوى: أَنَّ المدعي يدّعي تعاقده مع المدعى عليه بتأجير إبله على المدعى عليه، وأَنَّه شرط على المدعى عليه بأَنَّه إذا لم يخرج يوم كذا وكذا فله عليه مائة درهم، وقد أحضر المدعى عليه إبله المأجورة، ولكن المستأجر - وهو المدعى عليه - لم يخرج في اليوم المحدد، فطالبه بشرطه، فامتنع وطلب إلزامه بالشرط، ويظهر من الوقائع أَنَّ المدعي أجاب بالمصادقة على الشرط، ولكنه رفض الوفاء به.
طرق الحكم والإِثبات في هذه القضية:
يظهر مما سبق أَنَّ المدعي مصادق على واقعة الدعوى، ولكنه ممتنع عن الوفاء.
تقرير الحكم القضائي:
يذهب شريح - حاكم القضية - في تقرير الحكم الكلي الفقهي إلى صِحَّة هذا الشرط استنادًا إلى أصل لزوم الشروط وصِحَّتِها ما لم تخالف أصلًا شرعيًّا، وبمقابلته بأوصاف الواقعة المنظورة ظهر مطابقته لها، فاتصفت بأوصافها، ثم قرر شريح الحكم القضائي بإلزام المدعى عليه بهذا الشرط، وأَنَّه يلزمه ما شرطه على نفسه.
стр. 967
الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية:
مما تقرر في هذا الواقعة ما يلي:
١ - صِحَّة الشرط الجزائي ولزومه استنادًا إلى أصل لزوم وصِحَّة الشروط الجَعْلِية التي يشترطها المتعاملان أَوْ أحدهما مما له فيه منفعة أَوْ دفع ضرر ما لم تخالف أصلًا شرعيًّا، وهذا قضاء شريح، واختيار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية (١)، والجمهور على خلافه، وَعَدُّوه وَعْدًا لا يلزم الوفاء به (٢)، والعمل على الأول بضوابط شرعية (٣).
٢ - وجوب المبادرة إلى الحكم عند الاتضاح وعدم تأخير
стр. 968
الفصل في القضية من غير مسوغ شرعي؛ لما فيه من ضرر على المترافعين، ويتضح ذلك مما أجراه شريح في هذه الواقعة، فقد سارع للبَتِّ في القضية فورًا بعد سماع الدعوى والإِجابة لاتِّضاحها عنده.
* * *
стр. 969
المبحث الثالث قضاء إياس في كُبَّة الغَزْل
وفيه:
* نَصُّ القضية.
* عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها.
* الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.
стр. 970
نَصُّ القضية:
في أخبار القضاة لوكيع (١):
أنَّ إياس بن معاوية (٢) أتته امرأتان تختصمان في كُبَّة غزل وليس معهما بينة، فبَعَّد واحدة، وقَرَّب الأخرى، فقال: على أيِّ شيء كبيتِ غَزْلَكِ؟ قال: على خرقة، فأمر بالكبة، فنفضت، فإذا هي على كسرة خبز.
فَلَمَّا بَلَغَ ذلك محمد بن سيرين قال: ويحًا له ما أفهمه! ويحًا له ما أفهمه!
عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها:
الوقائع:
حاصل وقائع هذه الدعوى أنَّ امرأتين ادّعتا في كُبَّة غَزْل، كل منهما تدعيها لنفسها.
стр. 971
طرق الإِثبات والتحقيق في القضية:
بعد استجواب الخصمين لم يكن لأحد منهما بينة يحضرها، فقام القاضي إياس بعمل المحقق في الواقعة ليستخرج الحق، فبَعَّد إحدى المرأتين، وقَرَّب الأخرى فسألها: عَلامَ كَبَّتْ غزلها؟ فقالت: على كسرة خبز، فنَحَّاها وقَرَّب الأخرى، وسألها السؤال نفسه، فأجابت بأَنَّها قد كبته على خرقة، فأمر بالكبة، فنُفِضت، فإذا هي قد كبت على كسرة خبز.
تقرير الحكم القضائي:
يبدو هنا أن لا إشكال في تحديد الحكم الكلي بأن مستحق الشيء من المال يُسَلَّم له، ووصفت الواقعة باستحقاق من كبت الغزل على الخبز للكبة، فتُسَلَّم لها، ويظهر صدور حكم قضائي بإلزام المدعى عليها بتسليم الكبة لصاحبتها (١).
стр. 972
الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية:
مما تقرر في هذه الواقعة ما يلي:
١ - أَنَّ القرينة القوية طريق من طرق الحكم؛ لأَنَّه قضى للمدعية بما يوافق وصفها الذي طابق الواقع، وخالفت الأخرى ذلك الوصف (١).
٢ - إيجابية القاضي نحو إثبات الحقوق، وتحقيقه في الواقعة بما يكشف وجه الحق فيها، ولا يقتصر إثبات الوقائع على المدعي، بل إذا احتاجت البينة إلى كشف وتحقيق من القاضي قام به، ولا يُعَدُّ ذلك إخلالًا بالحياد المطلوب في القاضي (٢).
جاء في قرار لمجلس القضاء الأعلى بالمملكة العربية السعودية: "ومعلوم أَنَّ القاضي لا يجب عليه إحضار بينات لم يحضرها الخصم مع قدرته، لكن لا يسوغ له - أي للقاضي - ترك ما يمكن عمله مما يكشف الحق ويظهره عند قيام القرائن والدلائل التي تحتاج إلى تعزيزها بتمحيص القاضي" (٣).
* * *
стр. 973
الفصل الثاني وقائع تطبيقية من بعد التابعين إلى العصر الحاضر
وفيه مدخل، وثلاثة مباحث:
مدخل.
المبحث الأول: حكم القاضي شريك ضدّ من استولى على ضيعة الجريرية.
المبحث الثاني: حكم في وضع جائحة عن متقبلي أوقاف بقرطبة.
المبحث الثالث: حكم في تنازع شخصين لدار في الأندلس.
стр. 974
مدخل
حاجة الناس للقضاء ناجزة ومستمرة متواصلة لا تتوَقَّفُ في زمان، بل تسير مع الأجيال، وتستمر مع تواصلهم، وخلال مسيرة أمتنا القضائية كان قضاتها يفصلون في النوازل، ويعقدون لها الأحكام، وقد سطر يراع بعض الفقهاء صورًا من تلك الأقضية والنوازل في مُدَوَّنَاتٍ تناقلتها الأجيال، ومن ذلك أخبار القضاة لمحمد بن خلف ابن حيان المعروف بوكيع (ت: ٣٠٦ هـ)، والأحكام الكبرى لابن سهل وهو أبو الأصبغ عيسى بن سهل الأسدي (ت: ٤٨٦ هـ).
كما أن كتب الفتاوى والنوازل وتراجم القضاة لا تخلو من ذكر بعض الوقائع القضائية.
* * *
стр. 975
المبحث الأول حكم القاضي شريك على من استولى على ضيعة الجريرية
وفيه:
* عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها.
* الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.
стр. 976
عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها:
الوقائع:
تتلخص وقائع هذه الدعوى في أَنَّ امرأة من ولد جرير ابن عبد الله- ﵁ ورثت ضيعةً عن أبيها مع سائر ورثته، وأَنَّ المدعى عليه الأمير موسى بن عيسى (ت: ١٨٣ هـ) قد اشترى نَصِيب الورثة عداها، فلم تبعْ عليه مع مساومته لها وطلب الشراء منها، ونَصِيبها مقسوم معلوم وعليه حائط، فاعتدى المدعى عليه على الحائط وهدمه، وضمَّ ضيعتها وبستانها إلى ضيعته، ورفعت دعواها إلى شريك (١)، وطالبت بالحكم على المدعى عليه بِرَدِّ ضيعتها لها (٢).
طرق الحكم والإثبات في هذه القضية:
يظهر من هذه الواقعة اعتراف المدعى عليه بما ادعته المدعية، ولم يورد دفعًا لدعواها.
стр. 977
تقرير الحكم القضائي:
يظهر من الواقعة اتِّضاح الحكم الكلي الفقهي للقاضي، وأَنّه وجوب إعادة المغصوب لمالكه، وتَوْصِيف الواقعة بأَنَّها مغصوب يجب إعادته لمالكه، وصَدَرَ الحكم من القاضي بإلزام المدعى عليه برد المغصوب المدعى لمالكته المدعية.
الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية:
مما تقرر في هذه الواقعة ما يلي:
١ - الإلزام بأثر التَّوْصِيف ولو لم يعلنه القاضي إذا ظهر التوصيف من الأسباب، فقد ألزم القاضي بإعادة الضيعة لصاحبتها من المدعى عليه؛ لأَنَّه غصبها منها.
٢ - وجوب ردّ المغصوب إلى مالكه عند ثبوت ذلك بإقرار أَوْ غيره من طرق الحكم المقررة (١).
٣ - استقلال القضاء، وسريان أحكامه على الجميع من غير فرق بين ذي سلطان وغيره، وعدم تمكين أحد من التدخل فيه، وعلى القاضي إمضاؤه على من أَحبّ أَوْ كَرِه (٢).
* * *
стр. 978
المبحث الثاني حكم في وضع جائحة عن متقبلي أوقاف بقرطبة
وفيه:
* عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها.
* الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.
стр. 979
عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها (١):
الوقائع:
تتلخَّص وقائع الدعوى في شكاية متقبلي مزارع محبَّسة - أي موقوفة - معلومة تقع في قرطبة أصابها الخِشاش (٢) المتولد من الأرض لغلبة رطوبة الماء عليها في شهر مارس لعام ٤٠٧ هـ، وبسبب امتناع السقاية في شهر أغسطس للعام نفسه للمخافة اللاحقة بتكرار الجيش المعادي بشرقي مدينة قرطبة، وبسبب تكرار القنليات (٣) على الأوراق المزروعة فيها، وطلبوا الحطّ من قبالاتها.
طرق الحكم والإثبات في هذه القضية:
لقد قام القاضي ببعث شهود من أهل الخبرة للوقوف على موضع النزاع للتحقق من صِحَّة وقائع الدعوى بالامتحان والكشف،
стр. 980
ففعلوا وتحقق لهم ذلك، وارتأوا إسقاط ثلث ما على المستأجرين في بعض القبالات ويثبت الثلثان، كما ارتأوا أَنْ يسقط عن المتقبلين في بعض القبالات الربع ويثبت ثلاثة أرباع، وأن ذلك في مصلحة الأوقاف؛ لاستئلاف متقبليها ومراعاة حقوقهم.
تقرير الحكم القضائي:
لقد قرر القاضي الحكم بإسقاط الحصة المقررة في شهادة الخبرة، ويظهر مما أجاب به على معترضيه أَنّه جعل للواقعة توصيفين:
أحدهما: أن ذلك من باب نظر القاضي لِحَظِّ الأوقاف ومصلحتها، والصلح لأجل ذلك جائز كما هو مقرر فقهًا.
والثانية: جعلها من قبل الجائحة، والجائحة مراعاة في إسقاط ما يقابلها كما هو مقرر فقهًا.
الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية:
مما تقرر في هذه الواقعة ما يلي:
١ - اعتماد الخبرة في التوصل إلى التحقق من ثبوت المتنازع فيه وتقدير القَيِّمِ ونحوها (١).
стр. 981
٢ - جواز المصالحة عن حقوق الوقف إذا ظهرت مصلحة الوقف في ذلك (١)، وجعل القاضي هنا من المصلحة استئلاف مستأجره.
٣ - مراعاة الشريعة الإسلامية للظروف الطارئة والاستثنائية التي ترد على العقود والتصرفات، وذلك باستنزال ما يقابل الجائحة، وإنقاص الأجرة في المأجور إلى القدر المعتاد حسب الشروط المقررة لها، كما حصل في هذه الواقعة.
وتلك أحكام راسخة في شريعتنا الإسلامية وَرَدَ تقريرها منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان (٢)، وطبقها القضاة في مسيرتهم القضائية خلال عصور أمتنا الإسلامية السالفة، وهي تعرف باسم "وضع الجوائح"، وقد روى جابر ﵁: "أَنَّ النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح" (٣).
والجوائح: هي الآفات السماوية التي لا يمكن معها تضمين أحد (٤)، ومن ذلك: ما ذكره شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّهَ (ت: ٧٢٨ هـ)
стр. 982
فقد قال: "إذا استأجر ما تكون منفعة إجارته للناس، مثل الحَمَّام، والفندق، والقيسارية (١)، ونحو ذلك، فنقصت المنفعة المعروفة، مثل أَنْ ينتقل جيران الملك، ويقل الزبون لخوفٍ، أَوْ خرابٍ، أَوْ تحويل ذي سلطان لهم ونحو ذلك- فإنَّه يحط عن المستأجر من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة المعروفة، سواء رضي الناظر وأهل الوقف أَوْ سخطوا" (٢).
وقد سبق الفقهُ الإسلاميُّ بذلك القانونَ الوضعيَّ الفرنسيَّ، وسائرَ القوانين الوضعية التي سارت في ركابه، والتي لم تعرف ذلك إلَّا في القرن الثالث عشر الهجري، والتاسع عشر الميلادي (٣).
٤ - جواز تَوْصِيف الواقعة القضائية بتوصيفين متفقين في النتيجة والحكم كما في هذه الواقعة، فقد رَدَّ القاضي على معارضيه في الحكم بأن ذلك من باب نظر القاضي لِحَظِّ الأوقاف ومصلحتها، كما يُعَدُّ من باب وضع الجوائح.
* * *
стр. 983
المبحث الثالث حكم في تنازع شخصين لدار في الأندلس
وفيه:
* عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها.
* الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية.
стр. 984
عرض لأحداث القضية مع الحكم فيها (١):
الوقائع:
حاصل وقائع هذه القضية رفع المدعية (سعيدة) لدعواها لدى القاضي مدعية دارًا لنفسها، وأجابت المدعى عليها (ابنة رضوان) بأَنَّ الدار دار والدتها، وقد توفيت والدتها وكانت قد أوصت بثلثها وباقيها لورثتها.
طرق الحكم والإثبات في هذه القضية:
يظهر من إجراءات الدعوى أَنَّ المدعى عليها أثبتت دعواها بثلاثة شهود عدول، وقد أعذر القاضي المدعية في البينة بمطعن أَوْ مدفع، وضرب لها آجالًا واسعة لإحضار ما تدّعيه، ولم توافه بشيء.
تقرير الحكم القضائي:
قد أنهى القاضي الحكم في هذا النزاع بثبوت الدار لوالدة المدعى عليها (ابنة رضوان)، وحكم بثلث الدار لوصيتها، وباقيها لورثتها، وواضح من هذا الإجراء أَنَّ القاضي ثبت عنده انطباق
стр. 985
الأوصاف المقررة في الحكم الكلي الفقهي على الواقعة القضائية، وبالتالي قرر حكمها القضائي.
طلب إعادة النظر في الحكم:
بعد تقرير القاضي للحكم عادت المحكوم عليها (المدعية) طالبة إعادة النظر في الحكم، وقدمت بينة شهدت بأَنَّها تعرف الدار للمدعية (سعيدة)، ووصفوا حدودها، كما أَنَّ أحد شهود المحكوم لها رجع عن شهادته، لكن تقرر لدى القاضي أنْ ليس فيما قدمته المدعية ما يوجب نقض الحكم، أَمَّا رجوع أحد الشهود فإنَّ نِصَاب الشهادة تامّ بدونه، وأَمَّا شهود المحكوم عليها فلا تعارض الشهادة التي بُني عليها الحكم؛ لأن شهود المدعية لم يَعْرِفا الحدَّ الجوفي، وعرفه شهود المدعى عليها.
الأحكام والضوابط المقررة في هذه القضية:
مما تقرر في هذه الواقعة من ذلك ما يلي:
١ - الإعذار للخصم في الشهود بمدفع في الشهادة أَوْ طعن في الشهود، وهذا أمرٌ مقرر عند العلماء (١).
٢ - مشروعية إعادة النظر في الحكم بعد صدوره من قبل مُصَدِّره إذا جاء المحكوم عليه بدفع صَحِيح لم يورده قبل ذلك وكان