← Каваид фикха

Каваид фикха · id 17811

الفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السلام

سراج الدين البلقيني

Полный текст (515 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بدقة. وهذا ما يجعل أهميةً لـ (التعقيبة) بحيث يُستدل بوجودها لدى أي ناسخ من نساخ المخطوطات، على دقة المنهج العلمي لديه في فن النسخ. وقد اتّبع ناسخ (الفوائد الجسام) هذه الطريقة، فأَثبت التعقيبة في أسفل لوحات المخطوط، في نهاية الوجه (أ) من كل لوحة، فكان يُثبت هناك الكلمة التي يبتدئ بها الوجه (ب) من نفس اللوحة. وهكذا مَشَى في جميع لوحات المخطوط. د- ومن مظاهر دقة الناسخ: ما يتعلق بتصحيح الكلمات التي كُتبت خطأً، وتحتاج إلى تصحيح. فمن ذلك ما هو معروف من طريقة الضرب على الكلمة التي كُتبت خطأً في المتن، ثم كتابتها مرة أخرى صحيحة في الهامش. وهذا ما فعله الناسخ في بعض الكلمات كما في النص رقم ٢٠ الذي جاء فيه قول الشيخ ابن عبد السلام: (وكذلك قراءة حمدلة الفاتحة في الصلاة، مساوية لقراءتها في غير الصلاة، مع أنها أفضل منها إذا قُرئت خارج الصلاة). فكلمة (مساوية) كانت كُتبت في داخل المتن: (مستوية) فضَرَب عليها الناسخ، ووَضَع عندها علامة لحق إلى جهة الهامش، ثم كتب الكلمة في الهامش صحيحة (مساوية) مع التصحيح عليها. وقد يكتفي بالضرب فقط على موضع الخطأ في الكتابة -دون إعادة كتابة الصواب في الهامش- إن كان ذلك كافيًا في إشعار القارئ، وتنبيهه لموضع الخطأ. ومن براعة الناسخ في هذا الصدد: ما فعله في قول البلقيني في النص رقم ١١٩: (نعم يُعطَى اليقينَ فيما إذا خلّف زوجة حاملًا وأبوين، فإن للزوجة ثُمُنًا عائلًا، وللأبوين سُدسين عائلين، لأن لكلٍّ منهما ها هنا مقدارًا يرجع به على التركة، فأُعطِيَه عائلًا، لأنه لا يمكن أن يأخذ أقل منه على كل تقدير).

стр. 107

ففي هذه العبارة كان وقع خطأ في الكتابة في موضعين: - الخطأ الأول في كتابة كلمة (وأبوين)، حيث كُتبت بحرف (أو) هكذا: (أو أبوين). والصواب أنها بـ (الواو). فصحح الناسخ هذا الخطأ بتصرف قليل، بأنْ اكتفى بشطب همزة (أو) فقط، وتَرَك حرف (و) كما هو، بل زاد دقةً في التصحيح فوَضَع على هذه الواو - بعد أن شَطَب همزتها- فتحةً هكذا (وَ)؛ ليؤكد للقارئ بأن (الواو) هي الصواب، إذ إنها لو كانت (أوْ) لكانت (الواو) فيها ساكنة لا مفتوحة. فكون الناسخ يضع فتحةً هنا على الواو، هو تلميح ذكيٌّ منه للقارئ بأن الناسخ متنبه لما يفعله، وأن الهمزة في هذه الكلمة مشطوبة فعلًا، ولهذا صارت الواوُ بعدها مفتوحةً. وهكذا صارت كلمة (حاملًا أو أبوين) بعد هذا الشطب الدقيق، صحيحة هكذا: (حاملًا وأبوين). هذا ما يتعلق بالخطأ الأول في الكتابة في العبارة المذكورة. - أما الخطأ الثاني فيها في الكتابة، ففي كلمة (لأن لكلٍّ منهما)، حيث وقع خطأ في كتابتها هكذا (لأن لكلًا منهما) أي بنصب (كلًّا)، والصواب أنها مجرورة بحرف اللام الجارّة. فكان من فطنة الناسخ في تصحيح هذه الكلمة أنه لم يشطب عليها كلها، ولم يُعِدْ كتابتَها مرة أخرى في الهامش، بل شطب على الألِف (١) فقط من كلمة (كلا) ثم وضع كسرتين تحت اللام، فصارت هكذا (لكلٍا) (في الرسم) ولكنها تُقرأ: (لكلٍّ) (لأن الألف قد شُطبت). هـ - ومما يتعلق بتصحيح الكلمات، أنه قد يَزِلّ قلم الناسخ بكتابة كلمةٍ واحدةٍ مرتين، فيضرب على واحدة منها ويُبقي الثانية. مثال ذلك: حديث (إذا مرض العبد أو سافر، كَتَب الله له ما كان يعمل

стр. 108

صحيحًا مقيمًا) (في النص رقم ٢٨)، فقد جاء نصه في داخل المتن مكتوبًا هكذا: (إذا مرض سافر العبد أو سافر، كَتَب الله له ... " فكُتبت كلمة (سافر) خطأً قبل كلمة (العبد)، والحال أنها موجودة في موضعها الصحيح بعد ذلك في السياق، فاكتفى الناسخ هنا بالضرب على الموضع الأول، وبذلك صار سياق الحديث صحيحًا. ويبدو من ملاحظة موضع هذه الكتابة في المخطوط: أن الناسخ كان سَبَق قلمه عند كتابة بداية الحديث، حيث كَتَبه خطأً هكذا: (إذا مرض سافر)، ثم تذكرّ مباشرةً أن كلمة (سافر) هنا خطأٌ، فضَرَب عليها فورًا، واستمرّ في إكمال كتابة باقي الحديث صحيحًا تامًّا. و- ومما لفت نظري من صنيع الناسخ في هذا الجانب المتعلق بتصحيح الكلمات: أنه في النص رقم ٤٨٨ (اللوحة ٥١ / أ) جاءت كلمة: (والبرّ والفجور أوصاف) فجاءت كلمة (الفجور) مكتوبة في داخل المتن بالضمة على الجيم هكذا (الفجُور)، وكأنه لذلك تنبه الناسخ فأعاد كتابتها في الهامش بوضع الضمة على الراء هكذا: (الفجورُ). ولم يتبين لي سبب هذه الإعادة، إلا أن يكون الناسخ أراد تصحيح الخطأ الذي وقع في تشكيل حرف الجيم، وأن الصواب فيه وضع ذلك التشكيل على الراء. والله أعلم. ٣ - ومن مظاهر دقة الناسخ في فن النسخ ومعرفته بقواعده العلمية: أنه في موضع من المخطوط، انتهى من كتابة فقرة، ثم بدأ بكتابة فقرة أخرى في السطر نفسه مع ترك فراغٍ بين الفقرتين. ولئلا يَظُن القارئ أن هذا الفراغ سَقَط فيه شيء من الكلام، جَعَل الناسخ فيه خطوطًا مائلة هكذا / / / / لسدّ ذلك الفراغ، وليُطَمْئِن القارئ أنه لا يوجد هنا سَقَطٌ، هانما الكلامُ متصلٌ بعضه ببعض. (ينظر لذلك في المخطوط: اللوحة ٤ / ب في بدايتها).

стр. 109

وفَعَل هذا الشيء نفسه في اللوحة ١٢ / ب (عند عبارة: (كما يشير إليه قوله وفضيلةُ المهريّة تفوتُ بذبحها ... ". فقد جاءت صورة العبارة كما هي أمامك، أي: بوجود فراغ بين كلمة (قوله) وبين كلمة (وفضيلة)، مع أن الكلام في الواقع متصلٌ بعضه ببعض، أي: أن كلمة (وفضيلة) هي مقول كلمة (قوله)، فهنا أيضًا وضع الناسخ خطوطًا مائلة / / / / في موضع الفراغ، للإشارة إلى أن الكلام متصلٌ، ولا يوجد شيء ساقط منه. ٤ - جرى الناسخ على عدم الاهتمام بتنقيط الكلمات الواضحة التي لا تُسبب صعوبة في القراءة. ٥ - توجد مواضع قليلة في المخطوط، فيها طمس أو بياض، وبسبب ذلك جاء كلام البلقيني في هذه المواضع مبتورًا وناقصًا، ولم يمكن تدارك ذلك بسبب كون هذه النسخة هي الوحيدة التي كان عليها المعوّل في إخراج الكتاب، فلا توجد نسخة أخرى -أو مصدر آخر- يمكن أن يُسعِف في مثل هذه المواضع لإكمال الطمس. ٦ - توجد للناسخ تعليقات علمية على هوامش المخطوط في بعض المواضع، وهي تشتمل على تعقيب من الناسخ مثلًا على كلام شيخه البلقيني، أو إبداء وجهة نظر تجاه ما قاله شيخه (١). ٧ - يضع الناسخ حرف (ظ) على بعض الكلمات في هامش المخطوط، ويبدو أنه اختصار لكلمة (انظر)، إشارة من الناسخ للقارئ بأن يتثب من تلك الكلمة.

стр. 110

[المبحث الرابع عملي في خدمة الكتاب] أولًا: ما يتعلق بخدمة النص في صلب المتن: ١ - لقد أخذتْ قراءةُ نصوص الكتاب وتقويمُها وإزالةُ ما يعتريها من غموض في الأسلوب أو تشويش في السياق، ثم وضعُ تلك النصوص في سياقها الصحيح، وربطُ بعضها ببعض (خصوصًا ربط تعليقات البلقيني بنصوص الشيخ ابن عبد السلام) بحيث يكون الكلام في جملته مفهومًا واضحًا مُريحًا للقارئ، كلُّ ذلك أخذ مني جهدًا ووقتًا لا بأس به. وإنه ليسرّني في هذا المقام أن أقول من دون أي غضاضة، تحدّثًا بنعمة الله تعالى، أنني بذلتُ جهدًا لا بأس به -بتوفيق الله تعالى وفضله- في إثبات نص الكتاب على أصح وأضبط وأقرب صورة أرادها المؤلف البلقيني ﵀ (١).

стр. 111

٢ - ومما تسبب في صعوبة قراءة نصوص الكتاب: ما ذُكر أكثر من مرة، من أن نسخة الكتاب، هي نسخة وحيدة، لا ثاني لها، فكان يتعسر أو يتعذر في كثير من المواضع قراءة النصوص. بل إن بعض تلك النصوص أو الكلمات، ما كنتُ أصل إلى فكّ غموضها وقراءتها على الصواب إلا بعد جهد جهيد، ووقت طويل، وأحيانًا بعد بحث ومراجعة في عدد كبير من مصادر الفقه الشافعي. ومما أدَّى إلى صعوبة قراءة أمثال تلك الكلمات، أنها جاءت ضمن كلام البلقيني، وليست ضمن كلام الشيخ ابن عبد السلام، إذ لو كانت ضمن كلام

стр. 112

الشيخ لكان سهُل حلّها بالرجوع إلى كتابه (قواعد الأحكام)، لكنها لما جاءت ضمن كلام البلقيني لم يكن هناك طريق لحلّها إلا بالتأمل فيها طويلًا، ثم بالبحث عن مظانها في جملة كبيرة من كتب الشافعية؛ وربما بقيتُ ساعاتٍ طويلة -وأحيانًا أكثر من يومين- مستغرقًا بالتفكير في حل مثل تلك الكلمات حتى أمكنني حلّ عدد منها، ومع ذلك فقد تعسّرت قراءة كلمات أخرى لم أتمكن من حلّها مع بذل ما أمكن من البحث والتفتيش والتأمل! وبقيتْ حسرةٌ عندي لعدم خدمة النص على وجهه في أمثال تلك المواضع!. • فمن أمثال تلك الكلمات الصعبة في القراءة: كلمة (هجما) (النص ١٣٣، وينظر في المخطوط: بداية اللوحة ١٨ / أ). • وفي النص ٣١٥ جاء قول البلقيني: (إذا أَخَّر السَّلِسُ والمستحاضةُ حتى جُنَّ، أو حاضت بعد مضي قدر الطهارة والصلاة، فإنه تلزم تلك الفريضة على المذهب ...) (نهاية اللوحة ٣٤ / أمن المخطوط). فكلمة (جُنّ) في هذه العبارة صعُبت قراءتها، ولم أصل إلى إدراكها على الوجه الصحيح إلا بعد جهدٍ جهيد، ووقتٍ طويلٍ. والسبب أنها جاءت أولًا مرسومةً بقلم الناسخ على شكل (ص) (وبدون أيّ نقطة لكلا حرفي الجيم والنون)، فكان هذا الرسم وحده كافيًا في صعوبة تفهمها وقراءتها على الوجه الصحيح. ثم ازدادت الصعوبة ثانيًا من جهة أن موضوع الجنون هنا لا ينسجم مع ظاهر سياق المسألة التي هي في تأخير السَّلِس والمستحاضة للطهارة! فهذا مثال لكلمةٍ تعبتُ في تصحيحها، حيث بقيتُ في محاولة فكّها وقراءتها على وجهها الصحيح -عن طريق جمع شواهد المسألة من مظانها في عددٍ لا بأس به من كتب الشافعية- مدة ثلاث ساعات تقريبًا، حتى أمكنني بفضل الله تعالى وتوفيقه الوصولُ إلى صحة قراءتها على الوجه المطلوب.

стр. 113

٣ - ثم من أسباب تلك الصعوبة في قراءة نصوص الكتاب: أن مضامين الكتاب عميقة، خصوصًا ما يتعلق بكلام البلقيني في مسائل الفقه الشافعي، وقد يكتفي البلقيني فيها بإشارات وإحالات سريعة على ما هو متقرر فيها في المذهب. ولهذا فعند ما كان يغمُض شيء من الكلام في أمثال هذه المواضع، كان الأمر يأخذ وقتًا لا بأس به في قراءة النص على الوجه المراد للبلقيني فيه. ٤ - وبالإضافة إلى ما تقدم، فمما يقال أيضًا في أسباب صعوبة قراءة النصوص: ما تقدم -غير مرة- من أن أسلوب الكتاب إملائي، فكان يصعب التعامل معه، وفهم المراد من الكلام فيه، بخلاف ما لو كان الأسلوب كتابيًّا. ٥ - وما سبق من الجهد المبذول في قراءة النص، ينضم إليه ما بذلتُه من جهد أيضًا في تنظيم مادة الكتاب وتنسيقها، والضبط والتشكيل، مع تقسيم النصوص إلى فقراتٍ وإثبات علامات الترقيم فيها بدقة وعناية، وغير ذلك من وجوه الخدمة الفنية، التي هي مطلوبة لتسهيل قراءة الكتاب وتمكين القارئ من فهمه فهمًا جيدًا حسب غرض مؤلفه، وإلا بقي الكتاب -بدون هذه الخدمات الفنية- مغلقًا في كثير من مواضعه. ٦ - ومما يتعلق بالصعوبات التي وجدتُها في جانب الخدمة الفنية للكتاب: أن كلام البلقيني في بعض التعليقات، يتضمن عدة مقاطع وكلها جاءت سردًا في أصل المخطوط، ولكن كل مقطع يحتاج إلى أن يُفصل على حدة ويُميّز عن غيره بفقرة جديدة، ليسهُل على القارئ فهمُ مضمونه ثم الانتقال إلى المقطع التالي بعده. ولهذا تَطَلَّبتْ بعض النصوص عنايةً بالغة متأنية في قراءتها، وفهم مضامينها، حتى يمكن تنظيمها ببدء كل مقطع بفقرة جديدة، ووضع علامات الترقيم فيها حسب ما يقتضيه المعنى. ٧ - عُنيت بالضبط والتشكيل، وخصوصًا فيما يتعلق بإبقاء الضبط الذي

стр. 114

جاء بقلم الناسخ في المخطوط، فقد حَرَصتُ على المحافظة عليه ونقله -أمام القارئ- كما هو في النسخة، مع التنبيه في الهامش أن الكلمة جاءت مشكولة هكذا في المخطوط، وذلك لتعريف القارئ بقيمة هذا الضبط، وأنه آتٍ من طرف الناسخ نفسه، مما يدل أنه رجلٌ عالمٌ لا مجردُ ناسخ؛ وأيضًا لأحافظ على أداء الأمانة كما هي بحيث يُنسب الفضل في ضبط تلك الكلمات للناسخ وليس لشخصي (١). ٨ - وقد تكون كلمةٌ يوجد في ضبطها أكثرُ من وجه، ولكن الناسخ ضَبَطها بأحد وجوه الضبط فيها، فأُبقي ضبط الناسخ كما جاء بقلمه مع التعليق عليه في الهامش أنه أحد الوجوه في ضبط تلك الكلمة (٢). ٩ - بل لو كانت كلمةٌ، يوجد في ضبطها أكثرُ من وجه، وبعضُ تلك الوجوه أشهرُ في ضبط هذه الكلمة من غيرها، وكان الناسخ ضَبَط تلك الكلمة بالضبط غير المشهور فيها، فإنني أُبقيها أيضًا على هذا الوجه غير المشهور، ولا أغيّرها إلى الوجه المشهور (وهو ما ينصح به خبراء علم تحقيق النصوص

стр. 115

ونشرها)، وإنما أعلّق في الهامش أن هذا الوجه هو أحد الوجوه في ضبط تلك الكلمة، كما وقع هذا مثلًا في ضبط كلمة (إنما لم يصلَّى على الشهداء) في النص رقم ٥٨١. ١٠ - المواضع التي وقع فيها طمس أو بياض في المخطوط، وُضع مكانها ثلاث نقاط بين قوسين هكذا (...) إشارة إلى أن هنا نقصًا في الكلام في أصل المخطوط، مع التنبيه في الهامش على ذلك. ١١ - وكذلك فعلتُ الشيء نفسه في الكلمات التي صعُبتْ قراءتُها، ولم يمكن الوصول إلى إثباتها على وجه يُطمأنّ إليه أن هذا هو أقرب وأصح شيء فيها، فوضعتُ أيضًا مكان مثل تلك الكلمات، ثلاث نقاط بين قوسين (...)، مع إثبات صورة الكلمة في الهامش حسب ما ظهرت في المخطوط، رجاء أن يهتدي أحد من القراء الكرام إلى قراءتها على الصواب، فيفيدني بها، جزاه الله خيرًا. ١٢ - الكلمات التي يشير الناسخ أمامها في هوامش المخطوط، إلى وقوع اختلاف فيها، أو تلك التي يضع عليها علامة (ظ)، أُثبتها كما جاءت في صلب المتن في المخطوط، إلا إذا ترجّح ما في هامش المخطوط على ما في المتن، فيتم حينئذ اختيار ما في الهامش، مع التعليق على كل ذلك. ١٣ - فيما يتعلق بما ينقله البلقيني من نصوص كلام الشيخ ابن عبد السلام: التزمتُ وحَرَصتُ على أن أُبقي تلك النصوص كما أوردها البلقيني، وإن كنتُ أجد فيها اختلافًا في بعض الكلمات بين ما نقله البلقيني من عبارة الشيخ ابن عبد السلام، وبين ما هو موجود منها في المطبوع من (قواعد الأحكام)، وذلك لأنه سبق بيان أن هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف نسخة البلقيني نفسها من (قواعد الأحكام) التي كان ينقل منها تلك النصوص، عن النسخة المطبوعة الموجودة بين أيدينا.

стр. 116

ولهذا فإني حافظتُ على نقل البلقيني لكلام الشيخ ابن عبد السلام كما جاء في المخطوط، تقديرًا لما أشرتُ إليه من اختلاف نسخة البلقيني من (قواعد الأحكام)، عن النسخة المطبوعة منه. ولم أعدِلْ عن ذلك إلا عند ما وجدتُ أن هناك خطأ واضحًا في شيء من الكلمات فيما نقله البلقيني، أو اضطرابًا واختلالًا بحيث لا يمكن أن يستقيم الكلام إذا ما تم إثباته بحرفيته الذي جاء في المخطوط، ففي مثل هذه المواضع أُصوِّب وأُعدِّل نص كلام الشيخ ابن عبد السلام حسب ما أجده في النسخة المطبوعة من (قواعد الأحكام) مع التعليق في الهامش إلى وجه هذا التصويب والتعديل (١). ١٤ - رقمتُ النصوص التي ينقلها البلقيني من كلام الشيخ ابن عبد السلام، ترقيمًا متسلسلًا من أول الكتاب إلى آخره، ليرتاح القارئ في الانتقال من نص إلى آخر، كما أن ذلك يفيد في الإحالة على النصوص بأرقامها. ١٥ - اقتضت بعض الأمور العلمية، إدخال بعض الزيادات بين حاصرتين [] على ما جاء في أصل المخطوط، فمن ذلك: أ- ما اقتضاه سياق الكلام في بعض المواضع من ضرورة زيادة كلمة، أو زيادة حرفٍ واحدٍ أحيانًا (٢)، ليُقرأ الكلام ويُفهم على الوجه الصحيح الذي

стр. 117

يريده البلقيني. ولو لم تُثبت هذه الزيادات لجاء الكلام مختلًا من حيث الأسلوب والتركيب، أو جاء مضطربًا غامضًا مشوشًا. ب- ومن ذلك إثبات (عناوين الفصول) بخط بارز غامق قبل بداية كل فصلٍ، وهي عناوين يذكرها البلقيني أصلًا عند ما ينقل نص كلام الشيخ ابن عبد السلام، حيث يقول مثلًا: (قوله في الفصل المعقود لكذا ...) فيذكر عنوان الفصل من عند الشيخ ابن عبد السلام، ثم ينقل نص كلامه. لكن هذه العناوين لم تأتِ في المخطوط قبل بداية كل فصل بصورة مستقلة، فأحببتُ أن أُبرزها بإثباتها بين حاصرتين [] لإراحة القارئ بأن يَعرف

стр. 118

من أول نظرة: موضوعَ الفصل، فيسهُل عليه فهمُ ما يريده البلقيني من التعليق عليه، وإلا فقد يتوه القارئ في ربط كلام البلقيني بموضوع الفصل، خصوصًا إذا طال (فصل من الفصول) وكثُرت النصوص التي نقلها البلقيني فيه. ١٦ - الكلمات والألفاظ التي كتبها الناسخ حسب الرسم القديم، غيّرتُها إلى الرسم الإملائي الحديث -وأكثرُ ما برز ذلك عند الناسخ، في طريقة كتابته للهمزات- دون الالتزام برسم الناسخ لها، لأن المقصود التسهيل على القارئ في قراءة الكتاب، وليس التعقيد والإغراب عليه (١). ١٧ - عزوتُ الآيات الكريمة في المتن نفسه مباشرة بين حاصرتين []. ١٨ - أثبتُّ أيضًا أرقام لوحات المخطوط، في أثناء النص المحقق، بين حاصرتين []. ثانيًا: ما يتعلق بخدمة النص في الهوامش: ١ - فيما يتعلق بعزو ما ينقله البلقيني من نصوص الشيخ ابن عبد السلام، اكتفيتُ بمجرد عزو كلام الشيخ ابن عبد السلام لمواضعه في أصل كتابه (قواعد الأحكام) (طبعة دار القلم، الصادرة بتحقيق الدكتور نزيه حماد والدكتور محمد عثمان ضميرية) دون التدقيق في مقابلته وإثبات الفروق بينه

стр. 119

وبين ما جاء في المخطوط، لأن ذلك أمرٌ لا طائل منه للقارئ الكريم، بل إنه قد يُتعب القارئ -من دون فائدة- في تقليب النظر بين المتن والهامش لمجرد أن يقف على فروق الألفاظ والكلمات. ووقتُ القارئ الذي يتّجه لمثل هذا الكتاب، أثمنُ وأكرمُ من أن يُضيَّع ويُهدَر في مثل هذه الأمور التي لا يترتب عليها زيادةُ علمٍ (١). وينبغي هنا من باب الاعتراف بالفضل لأهله وتقديره، التنويه بالجهد الممتاز المبذول في تحقيق كتاب (قواعد الأحكام) (الطبعة المشار إليها، التي جرى العزو إليها في الهوامش). فقد أجاد المحققان الفاضلان في الاهتمام بإثبات فروق النسخ بمنهجية علمية مختارة. وهي فروق علمية دقيقة لا يستهان بها، أفادتني في الجملة في أثناء التحقيق عند ما كنت أجد أن ما ينقله البلقيني من نص كلام الشيخ ابن عبد السلام، يختلف عما هو موجود في المطبوع من كتابه (قواعد الأحكام)، وكانت تلك الفروق تهديني وتُطَمْئنني في مثل هذه المواضع إلى أن هذا

стр. 120

الاختلاف هو بسبب اختلاف نُسخ كتاب (قواعد الأحكام)، وليس هو اختلاف صواب وخطأ. ولهذا اخترتُ في منهج العمل -كما سبق عرضه قبل قليل- أن لا أُثقل على القارئ وأَشغَله ببيان تلك الفروق، بل اكتفيتُ بعزو ما يورده البلقيني من نصوص الشيخ، إلى مواضعها في كتابه (قواعد الأحكام). ٢ - ثم إذا كان كلام الشيخ ابن عبد السلام الذي ينقله البلقيني، كافيًا لفهم ما يعلّق البلقيني عليه، ولا يحتاج إلى أي زيادة أو توضيح، فإنني أكتفي في الهامش بعزوه فقط إلى موضعه من (قواعد الأحكام). ٣ - أما إذا كان البلقيني نقل جزءًا من كلام الشيخ ابن عبد السلام وتَرَك باقيه، وأرى أن القارئ يحتاج إلى أن يقف على أصل كلام الشيخ ابن عبد السلام، لكي يسهل عليه فهمُ ما سيأتي في تعليق البلقيني عليه؛ فحينئذ أحرص على نقل كلام الشيخ بتمامه في الهامش، ليطّلع القارئ عليه أولًا كما هو، ثم ينتقل إلى قراءة تعليق البلقيني عليه؛ إذ لو لم يُفعل ذلك، لأدّى إلى تشويش القارئ، حيث إنه يجد أن البلقيني قد تطرّق إلى أمور تتعلق بكلام الشيخ ابن عبد السلام، مع أنها غير موجودة -أمام القارئ- فيما أَتى به البلقيني من كلام الشيخ ابن عبد السلام. ٤ - حَرَصتُ قدر الإمكان على توضيح كلام البلقيني، وتقريبه للقارئ، في المواضع التي رأيتُ أن كلامه يشتمل على غموضٍ يصعب معه فهم القارئ للمراد منه، فكنتُ أعلّق في الهامش في مثل هذه المواضع بتوضيحه وتقريب غرضه. وأحيانًا كنتُ أستعين لتحقيق هذا الغرض، بنقل مضمون كلام البلقيني، من بعض كتب الشافعية. ٥ - فيما يتعلق بتخريج الأحاديث: سلكتُ مسلك الاختصار الوافي بالغرض العلمي. واتّبعتُ في طريقة العزو -في الأغلب- ذكر اسم المصدر

стр. 121

الحديثي، ثم ذكر اسم الكتاب والباب (خصوصًا في الكتب الستة)، ثم رقم الجزء والصفحة ورقم الحديث. ٦ - لم ألتزم بعزو جميع المادة العلمية إلى مصادرها -خصوصًا فيما يتعلق بالمسائل الفقهية- إلا في حدود المتيسر من ذلك، وفيما إذا كان البلقيني نَصَّ على اسم المصدر؛ إذ إن البحث عن كل معلومة في مصادرها -خصوصًا بدون معرفة اسم المصدر الذي ينقل عنه البلقيني- كان سيأخذ جهدًا ووقتًا طويلًا كما لا يخفى. ٧ - التعليقات والفوائد التي كتبها ناسخ المخطوط (العالم تقي الدين يحيى ابن العلامة الشمس الكرماني) في هوامش المخطوط، نقلتُها أيضًا للقارئ في مواضعها (١). ٨ - وأخيرًا، فلا غضاضة من الإشارة إلى أنني بالإضافة إلى ما بذلته من جهد علمي في خدمة الكتاب، لم أتوانَ أيضًا عن بذل الجهد في تنميق التنضيد الطباعي للكتاب، بحيث يجعل ذلك قارئ الكتاب يرتاح للنظر فيه، والقراءة فيه، والاستفادةِ منه. سبَحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وكتبه محمد يحيى بلال منيار مكة المكرمة ١٠/ ١١ / ١٤٣١ هـ الموافق ١٨/ ١٠ / ٢٠١٠ م

стр. 122

نماذج من النسخة الوحيدة التي حُقِّق عليها الكتاب

стр. 123

لوحة ٢ عنوان الكتاب بقلم الناسخ مع تصريحه بأنه إملاء من البلقيني

стр. 124

لوحة ٣ بداية الكتاب وفيه تصريح البلقيني باسم الكتاب وأنه إملاء منه

стр. 125

لوحة ١٢ فيها بأسفل الزاوية اليمنى كتابة بقلم البلقيني بقراءة ناسخ هذا الكتاب عليه، وأن القراءة كانت من هذه النسخة التي هي للناسخ نفسه

стр. 126

لوحة ٢٨ فيها تعليق علمي من الناسخ في الهامش، يدل على مشاركته العلمية في الكتاب

стр. 127

لوحة ٤٧ فيها رجوع الناسخ لنسخة أخرى من قواعد الأحكام، لمقابلة نصوص الشيخ ابن عبد السلام التي ينقلها البلقيني

стр. 128

الاصطلاحات المعتمدة في النص المحقق - كلمة (الشيخ): يقولها البلقيني، ويريد بها الشيخ ابن عبد السلام. - كلمة (شيخنا): يقولها الناسخ في أثناء النص المحقق، ويريد بها شيخه البلقيني صاحب هذه الأمالي. - الإحالة في الهوامش إلى (قواعد الأحكام)؛ يراد بها دائمًا: طبعة دار القلم الصادرة بتحقيق الأستاذين الدكتور نزيه حماد والدكتور عثمان ضميرية.

стр. 129

النص المحقق لكتاب (الفوائد الجسام على قواعد الأحكام)

стр. 130

الفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السلام لشيخ الإسلام البلقيني سراج الدين عمر بن رسلان (٧٢٤ - ٨٠٥ هـ) وهي فوائد ونكات وتنبيهات، أملاها البلقيني على (قواعد الأحكام) للإمام العز بن عبد السلام ينشر لأول مرة، عن نسخة وحيدة نَسَخَها وقرأها على البلقيني تلميذه تقي الدين يحيى ابن شارح البخاري شمس الدين الكرماني ٧٦٢ - ٨٣٣ هـ حقَّقه وقَدَّم له بدراسة مفصلة د. محمد يحيى بلال منيار عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بجامعة الطائف باحث سابق بمعلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية تقديم د. علي أحمد الندوي الحائز على جائزة الملك فيصل العالمية خبير أول ورئيس قسم الضوابط الفقهية بمعلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية

стр. 131

[مقدمة البلقيني] [٣ / أ] بسم الله الرحمن الرحيم ربِّ يسِّر وأعِن قال شيخنا (١) الشيخ الإمام العلامة الحبر الخير الفهّامة، خاتم المجتهدين، مفسّر كلام رب العالمين، مبيّن أسرار حديث سيد الأولين والآخِرين، أبو محمد، شيخ الإسلام، مرشد الأنام، بركة الأيام، سراج الملّة والحق والدين، عمر البلقيني، أمتع الله الإسلام وأهله بوجوده: الحمد لله الذي ثَبَّت قواعد الشريعة، وشيَّد فوائدها الرفيعة، وسدَّد حصون فرائدها المنيعة، وأنار شُرُفات أسرارها بلمحات البروق السريعة، وجَعَل في ساقَة حفاظها من ينظر نظر رجال الطليعة (٢)، وأبان بها جَلْب

стр. 132

المصالح المطلوبة ودَرْء المفاسد الشنيعة، وفَتَح طرق الخيور النجيعة، وسَدَّ أبواب الشرور بسدّ الذريعة، وأقام في كل عصرٍ لهذه الأمة من يجدّد لها أمر الدين جميعَه، كما جاء في الخبر الحسن (١) عن الذي فَتَح الله به في كل مَضيقٍ وَسِيعَه، وأقامه في كل كربٍ شفيعَه، سيدَنا محمدًا الذي خصّه بالشرع العام ومَنَحه خِصْبَ المقام وربيعَه، ﷺ وعلى آله وصحبه ومَنْ غَدَا إلى آخر الزمان تَبِيعَه. أما بعد، فهذه (فوائد جسام)، أمليتُها على (قواعد الشيخ الإمام عبد العزيز بن عبد السلام)، لمّا قُرئت عليّ من أوّلها إلى آخرها، وأَبَنْتُ فيها التحقيق في مواردها ومصادرها. وسمّيتُها: (الفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السلام).

стр. 133

[مقدمة الشيخ ابن عبد السلام لكتابه (قواعد الأحكام) وتعليق البلقيني عليها] ١ - قال الشيخ الإمام أبو محمد ابن عبد السلام، سلطان علماء عصره، ووحيد دهره: (الحمد لله الذي خلق الإنس والجن، ليكلِّفهم أن يوحّدوه) (١). إنما لم يذكر الملائكة وإن كانوا من أشرف المكلّفين؛ لأنهم لا يعصون الله ما أَمَرهم ويَفعلون ما يأمرون، فلا يُتصور منهم مفسدةٌ أصلًا، والكتاب مبني على جلب المصالح ودرء المفاسد التي يمكن وقوعها. ٢ - قوله: (ونهاهم عن كل شرٍّ محرَّمٍ أو مكروهٍ، وتوعّدهم بالعقاب على كل محظورٍ جليلِه وحقيرِه بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] وبقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٢) [الأنبياء: ٤٧]. يقتضي أن (المكروه) يسمى: (شرًّا)، وأنه يُتوعد عليه بالعقاب، وأنه يوزَن. وفي كل من هذه الأمور كلامٌ: أما كونه يسمّى: (شرًّا)، فقد يُمنع من جهة أن الشرَّ وصفُ ذمٍّ، والمكروه لا ذمَّ فيه (٣)، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾

стр. 134

[الأنفال: ٥٥]، وقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ﴾ [الأنفال: ٢٢]، وقال : ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥]، وقال بعد ذلك في الحكاية عن أهل النار: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾ [ص: ٦٢]. وهذه الآيات دالة على ما قررناه، من أن الشرّ وصفُ ذمٍّ، والمكروه لا ذمّ فيه. وأما التوعد بالعقاب على المكروه، فهو خلاف الإجماع. وأما أنه يُوزَن، فممنوع، فإنه إنما يُوزَن السيئات، وفي (حديث البطاقة) (١)

стр. 135

وغيره، التصريحُ بذلك، وذلك (١) حديث: (أتدرون من المفلس؟). فإن قيل: يُحمل كلام الشيخ على (المحرّم) خاصة. قلنا: ظاهر كلامه خلاف ذلك، وكان ينبغي أن يصرِّح بما يقتضي تخصيص ذلك بـ (المحرّم). * * * [فصل في بناء جلب مصالح الدارين ودرء مفاسدهما على الظنون] ٣ - قوله: (والاعتماد في جلب مصالح الدارين ودرء مفاسدهما، على ما يظهر في الظنون) (٢). ينبّه فيه على أمور: أحدها: أن مرادَه: بالنسبة إلى الثواب والعقاب في حق بعض الأشخاص الذين لا يُقطع في حقهم بشيء. أما من قُطع له بشيء بخبر الصادق، فالاعتماد في ذلك بالنسبة إليه، على القطع. الثاني: أن مراده بذلك أيضًا: غيرُ العقائد. أما العقائد فالاعتماد فيها على القطع.

стр. 136

الثالث: مراده في غير العقائد: بالنسبة إلى المشخّصات. أما بالنسبة إلى الكلّيات، فالمعتمد: القطع. الرابع: أن الظنون في المشخصات، إنما هي في طريق الحكم عليها، لا في نفس الحكم. أما الحكم نفسه فقطعي كما هو مقرر في كتب الأصول. * * * [فصل فيما تُعرف به المصالح والمفاسد] ٤ - قوله في الفصل المعقود لِما تُعرف به المصالح والمفاسد: (معظم مصالح الدنيا ومفاسدها، معروف بالعقل، وكذلك معظم الشرائع، إذ لا يخفى على عاقل قبل ورود الشرع، أن تحصيل المصالح المحضة ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره، محمودٌ حسنٌ؛ وأن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمودٌ حسنٌ) إلى آخره (١). كلامٌ ظاهره ممنوع، لموافقته مذهب المعتزلة في التقبيح والتحسين العقليَّين. وتأويلُه على مذهب أهل السنة ممكن، ولكن تَرْك ذكر ذلك أولى. * * * [فصل في تقسيم أكساب العباد] ٥ - قوله في الفصل المعقود لتقسيم أكساب العباد: (ومن هذه الأكساب ما هو خير من الثواب، كالمعرفة والإيمان) (٢). يقال عليه: من ثواب المعرفة والإيمان: النظرُ إلى وجه الرحمن،

стр. 137

والحديث الصحيح دالٌّ على أن ذلك أفضلُ ما أُوتُوا (١) وقد صرَّح الشيخ بذلك في أواخر الكتاب (٢). وقياس ما ذكره هنا: أن يُجعل عقاب الكفر بالله وإن عظُم إلى ما لا نهاية له، قليلًا بالنسبة إلى خطر الكفر بالله. وهو كذلك (٣).

стр. 138

[فصل في بيان حقيقة المصالح والمفاسد] ٦ - قوله أول الفصل المعقود لبيان حقيقة المصالح والمفاسد: (المصالح أربعة أنواع: ١ - اللذّات. ٢ - وأسبابها. ٣ - والأفراح. ٤ - وأسبابها. والمفاسد أربعة أنواع: ١ - الآلام. ٢ - وأسبابها. ٣ - والعموم. ٤ - وأسبابها) (١). يقال فيه: الفرق بين (اللذّات) و (الأفراح): أن اللذّات تقع على الجوارح أولًا ثم تفيض على القلب، والأفراح تقع على القلب أولًا ثم تفيض على الظواهر. و (الآلام) تقع على الجوارح أولًا ثم تفيض على القلب، و (الغموم) تقع على القلب أولًا ثم تفيض على الظاهر. ٧ - قوله: (ومن أفضل لذّات الدنيا: لذّات المعارف) إلى آخره (٢). مراده بذلك: بيان الواقع في الدنيا من اللذّات، وإلا فالمعارف ونحوها: من لذّات الآخرة أيضًا.

стр. 139

[فصل في بيان ما رُتِّب على الطاعات والمخالفات] ٨ - قوله في الفصل المعقود عليه لبيان ما رُتِّب على الطاعات والمخالفات: (والطاعات ضربان: أحدهما: ما مصلحته في الآخرة، كالصوم والصلاة والنسك والاعتكاف. الضرب الثاني: ما مصلحته في الآخرة لباذلِيهِ، وفي الدنيا لآخِذيه، كالزكاة والصدقات والضحايا والهدايا والأوقاف) (١). هذا التقسيم الذي ذكره، إن كان المراد به: بيان ما رُتِّب على الطاعات مطلقا في الدنيا والآخرة، فلا يستقيم تمثيله في الضرب الأول بـ (الصوم والصلاة والنسك)، لأن هذه الطاعات مصلحة في الدنيا أيضًا في عصمة الدم، وقبول الرواية والشهادة، ونحو ذلك. وإن كان المراد: بيان ما رُتِّب على الطاعات والمخالفات بالنسبة إلى الثواب والمجازاة، ففيه نظر لِما ذكره في الضرب الثاني من تمثيله بـ (الزكاة) ونحوها، لِما مصلحتُه في الآخرة لباذليه، وفي الدنيا لآخذيه. ولو قال في التقسيم ضربان: أحدهما: بدني، والآخر: مالي؛ فالبدني تختص مصلحته بفاعليه غالبًا، وقد تتعدى لغيرهم كالإيمان، فإن مصلحته تتعدى للذرية بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَأتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢)

стр. 140

[الطور: ٢١]، وكالجهاد، فإن مصلحته تتعدى لغير فاعليه في صورة: ما إذا حصل بسببه غنيمة، أو مطلقًا: من جهة أن فاعله رفع المأثم عن الأمة مع الذبّ عنهم ونحو ذلك. والمالُ مصلحته في الدنيا والآخرة لباذليه، وفي الدنيا لآخذيه؛ لكان أولى (١). * * * [فصل فيما عُرفت حِكَمُه من المشروعات وما لم تُعرف حكمته] ٩ - قوله في الفصل المعقود عليه لِما عُرفت حِكَمُه من المشروعات، وما لم تُعرف حكمته: (وفي التعبد من الطواعية والإذعان فيما لا يُعلم حِكَمُه ولا تُعرف علته، ما ليس فيما ظهرت علته وفُهمت حكمته، فإن مُلابِسَه قد يفعله لتحصيل حكمته وفائدته، والمتعبِّد لا يفعل ما تُعبِّد به إلا إجلالًا لربه، وانقيادًا إلى طاعته. انتهى) (٢). لا شك أن معقول المعنى من حيث الجملة أفضل؛ لأن أكثر الشريعة معقول المعنى. وأما بالنظر إلى الجزئيات، فقد يكون التعبدي أفضلَ من معقول المعنى، كـ (الوضوء وغَسل النجاسة)، فإن الوضوء أفضل وإن كان تعبّدًا. وقد يكون معقول المعنى أفضلَ، كـ (الطواف والرمي)، فإن الطواف أفضل، وذلك باعتبار الأدلة والمتعلقات. فلا يُطلق القول بأفضلية أحدهما على الآخر (٣).

стр. 141

[فصل في تفاوت الأعمال بتفاوت المصالح والمفاسد] ١٠ - قوله في الفصل المعقود لتفاوت الأعمال بتفاوت المصالح والمفاسد: (طلبُ الشرع لتحصيل أعلى الطاعات كطلبه لتحصيل أدناها في الحد والحقيقة) إلى آخره (١). إنما قَيَّد بالحد والحقيقة، لأنه قد يقع التفاوت بين طلبٍ وطلبٍ باعتبار التأكيد والحث، والوعد والوعيد. * * * [فصل فيما تميَّز به الصغائر من الكبائر] ١١ - قوله في الفصل المعقود لِما تُميَّز به الصغائر من الكبائر: (وكذلك لو دلّ الكفارَ على عورة المسلمين مع علمه بأنهم يستأصلونهم بدلالته) إلى آخره (٢). في تقييد ذلك بـ (العلم): نظرٌ. ولو حُمل (العلم) على (الظن)، كان فيه نظرٌ أيضًا. والذي يظهر أن مجرد دلالة الكفار على عورة المسلمين كبيرةٌ ولو مع التردد على السواء في أنهم يستأصلونهم بدلالته، وَيسْبُون حُرَمَهم، إلى غير ذلك مما ذكر. ١٢ - قوله فيه أيضًا: (وقد نص الشرع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من الكبائر. فإن وقعا في مالٍ خطير، فهذا ظاهر؛ وإن وقعا في مالٍ حقير كزبيبة أو تمرة، فهذا مشكل، فيجوز أن يُجعل من الكبائر فطامًا عن

стр. 142

هذه المفاسد، كما جُعل شربُ قطرة من الخمر من جملة الكبائر وإن لم تتحقق المفسدة، ويجوز أن يُضبط ذلك المال بنصاب السرقة). انتهى (١). ينبغي أن يفرّق بين: (شهادةُ الزور كبيرةٌ وإن وقعت في مالٍ حقيرٍ)، (وأنّ أكل زبيبة أو تمرة من مالِ يتيمٍ، ليس كبيرةً). والفرقُ: عِظمُ الجرأة على شهادة الزور. ١٣ - قوله فيه أيضًا في تفاوت الكبائر: (وفي الوقوف على تساويها وتفاوتها عزةٌ (٢)، والوقوف على التساوي أعز من الوقوف على التفاوت، ولا يمكن ضبط المصالح والمفاسد إلا بالتقريب. ولا يلزم من النص على كون الذنب كبيرةً أن يكون مساويًا لغيره من الكبائر، فقد قال ﷺ : (إن من الكبائر أن يَشتم الرجلُ والدَيْه!)، الحديث (٣). انتهى ملخصًا (٤). كان الأولى أن يستدلّ لهذا الغرض بحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال

стр. 143

رجل: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: (أن تدعو لله ندًّا وهو خلقك). قال: ثم أيٌّ؟ قال: (أن تقتل ولدك مخافة أن يَطعَم معك). قال: ثم أيٌّ؟ قال: (أن تُزاني حليلة جارك)، فأنزل الله تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (١) [الفرقان: ٦٨]. ١٤ - قوله في الفصل: (ولم أقف في عقوق الوالدين ولا فيما يختصان به من الحقوق، على ضابطٍ أعتمد عليه، فإن ما يحرم في حق الأجانب فهو حرام في حقهما؛ وما يجب للأجانب فهو واجب لهما. ولا يجب على الولد طاعتُهما في كل ما يأمران به، ولا في كل ما ينهيان عنه باتفاق العلماء. وقد حرُم الجهاد بغير إذنهما فيما يشقّ عليهما من توقع قتله، أو قطع عضو من أعضائه، ولشدة تفجعهما على ذلك. وقد أُلحق بذلك كلُّ سفرٍ يخافان فيه على نفسه، أو على عضو من أعضائه. وقد ساوى الوالدان: الرقيقَ في النفقة والكسوة والسكنى) (٢). يقال على ما ذكره أولًا (٣): يُضبط ذلك بوجوه: أحدها: أن يقال: ما عُدّ في العرف عقوقًا لهما، فهو عقوق. الثاني: أن يقال: كل ما يؤذيهما مما يُتأذّى به عادةً وتعدَّى به الولد، فهو عقوق.

стр. 144

وأخرجتُ بقولي: (وتعدَّى به الولد): طلبَه حَبسَهما في دَينٍ له! فإن من يحبسه الله، لا يعدّه به عاقًّا لعدم تعدّيه (١).

стр. 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →