[فصل في تفاوت الأعمال بتفاوت المصالح والمفاسد]
١٠ - قوله في الفصل المعقود لتفاوت الأعمال بتفاوت المصالح والمفاسد:
(طلبُ الشرع لتحصيل أعلى الطاعات كطلبه لتحصيل أدناها في الحد والحقيقة) إلى آخره (١).
إنما قَيَّد بالحد والحقيقة، لأنه قد يقع التفاوت بين طلبٍ وطلبٍ باعتبار التأكيد والحث، والوعد والوعيد.
* * *
[فصل فيما تميَّز به الصغائر من الكبائر]
١١ - قوله في الفصل المعقود لِما تُميَّز به الصغائر من الكبائر:
(وكذلك لو دلّ الكفارَ على عورة المسلمين مع علمه بأنهم يستأصلونهم بدلالته) إلى آخره (٢).
في تقييد ذلك بـ (العلم): نظرٌ. ولو حُمل (العلم) على (الظن)، كان فيه نظرٌ أيضًا. والذي يظهر أن مجرد دلالة الكفار على عورة المسلمين كبيرةٌ ولو مع التردد على السواء في أنهم يستأصلونهم بدلالته، وَيسْبُون حُرَمَهم، إلى غير ذلك مما ذكر.
١٢ - قوله فيه أيضًا: (وقد نص الشرع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من الكبائر. فإن وقعا في مالٍ خطير، فهذا ظاهر؛ وإن وقعا في مالٍ حقير كزبيبة أو تمرة، فهذا مشكل، فيجوز أن يُجعل من الكبائر فطامًا عن
стр. 142
هذه المفاسد، كما جُعل شربُ قطرة من الخمر من جملة الكبائر وإن لم تتحقق المفسدة، ويجوز أن يُضبط ذلك المال بنصاب السرقة). انتهى (١).
ينبغي أن يفرّق بين: (شهادةُ الزور كبيرةٌ وإن وقعت في مالٍ حقيرٍ)، (وأنّ أكل زبيبة أو تمرة من مالِ يتيمٍ، ليس كبيرةً).
والفرقُ: عِظمُ الجرأة على شهادة الزور.
١٣ - قوله فيه أيضًا في تفاوت الكبائر: (وفي الوقوف على تساويها وتفاوتها عزةٌ (٢)، والوقوف على التساوي أعز من الوقوف على التفاوت، ولا يمكن ضبط المصالح والمفاسد إلا بالتقريب. ولا يلزم من النص على كون الذنب كبيرةً أن يكون مساويًا لغيره من الكبائر، فقد قال ﷺ : (إن من الكبائر أن يَشتم الرجلُ والدَيْه!)، الحديث (٣). انتهى ملخصًا (٤).
كان الأولى أن يستدلّ لهذا الغرض بحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال
стр. 143
رجل: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: (أن تدعو لله ندًّا وهو خلقك). قال: ثم أيٌّ؟ قال: (أن تقتل ولدك مخافة أن يَطعَم معك). قال: ثم أيٌّ؟ قال: (أن تُزاني حليلة جارك)، فأنزل الله تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (١) [الفرقان: ٦٨].
١٤ - قوله في الفصل: (ولم أقف في عقوق الوالدين ولا فيما يختصان به من الحقوق، على ضابطٍ أعتمد عليه، فإن ما يحرم في حق الأجانب فهو حرام في حقهما؛ وما يجب للأجانب فهو واجب لهما. ولا يجب على الولد طاعتُهما في كل ما يأمران به، ولا في كل ما ينهيان عنه باتفاق العلماء. وقد حرُم الجهاد بغير إذنهما فيما يشقّ عليهما من توقع قتله، أو قطع عضو من أعضائه، ولشدة تفجعهما على ذلك. وقد أُلحق بذلك كلُّ سفرٍ يخافان فيه على نفسه، أو على عضو من أعضائه. وقد ساوى الوالدان: الرقيقَ في النفقة والكسوة والسكنى) (٢).
يقال على ما ذكره أولًا (٣):
يُضبط ذلك بوجوه:
أحدها: أن يقال: ما عُدّ في العرف عقوقًا لهما، فهو عقوق.
الثاني: أن يقال: كل ما يؤذيهما مما يُتأذّى به عادةً وتعدَّى به الولد، فهو عقوق.
стр. 144
وأخرجتُ بقولي: (وتعدَّى به الولد): طلبَه حَبسَهما في دَينٍ له! فإن من يحبسه الله، لا يعدّه به عاقًّا لعدم تعدّيه (١).
стр. 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 146
وحيث منعْنا الولدَ السفرَ للجهاد ونحوه، فإنه مما تَعدَّى به.
الثالث: أن يقال: كل ما تلحقهما به مشقة ظاهرة مما يصدر من الولد باختياره لا يَحتمل مثلَهما الوالدان مما ليس حقًّا له، فإنه يكون عقوقًا.
وقوله: (ولا فيما يختصان به من الحقوق) إلى آخره:
غيرُ مسلّم. أما ما يختصان به من الحقوق، فضابطه أنهما يختصان بحق إجلالهما الإجلالَ اللائقَ لهما، وخفض جناح الذلّ لهما من الرحمة.
وقوله: (فإن ما يحرم في حق الأجانب فهو حرام في حقهما):
مسلّم، ولكن يكون في حقهما كبيرةٌ، بخلاف الأجانب فإنه قد لا يكون كذلك.
ولم يقل الشيخ: (فإن الذي يحرُم في حقهما، يحرم في حق الأجانب): فإنه يحرم في حقهما: (أُفّ)، ولا يحرم ذلك في حق الأجانب.
وقوله: (وما يجب للأجانب فهو واجب لهما):
هذا إن سُلِّم، لا يحصّل مقصودَه، وإنما يحصّل مقصودَه أن يقال: (وما يجب لهما يجب للأجانب).
وهذا الكلام ممنوع، فإنه يجب لهما من النفقات وغيرها ما لم يجب للأجانب (١).
стр. 147
وقول الشيخ: (ولا يجب على الولد طاعتُهما في كل ما يأمران به):
مسلّم. لكن فيما يتعلق بحقوقهما: يجب على الولد طاعتهما، فإذا أمراه بالإقامة -مع إسلامهما- عن سفر الجهاد، وجب عليه ذلك؛ وإذا نهياه عنه حرُم عليه ذلك. وإذا خالف في ذلك أَمْرَهما أو نَهْيَهما، كان عاقًّا.
وقوله: (وقد ساوى الوالدان: الرقيقَ في النفقة والسكنى):
كلامٌ عجيبٌ! لأن ذلك واجبٌ لهما إكرامًا وإجلالًا؛ وواجبٌ للرقيق: للمِلْك القائم المقتضي للاستخدام، وعدم الاستقلال بالكسب. فكيف يُذكر هذا مع هذا؟!
ولو سَمِع الوالدان بمثل هذا لأنكراه! وما كان يَرْضَى الشيخ الإمام من أولاده، أن يُذكر له ذلك! وذكرُ ذلك للوالد عقوقٌ له (١)(٢).
стр. 148
١٥ - تقوله فيه أيضًا: (وقد ضبط بعض العلماء، (الكبائر)، بأن قال: كل ذنب قُرن به وعيد أو لعن فهو من الكبائر. فتغييرُ منار الأرض كبيرة لاقتران اللعن به، وكذلك قتلُ المؤمن كبيرة لأنه اقترن به الوعيد واللعن) إلى آخره (١).
تقييده بـ (المؤمن) في قوله: (قتل المؤمن كبيرة) إنما هو لأنه الذي ثبت على قتله اللعنُ والوعيدُ (الغضبُ والعذاب) في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ إلى قوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، وإلا فقتلُ الذمي ونحوه كبيرةٌ بالإجماع.
١٦ - قوله فيه أيضًا: (فما تقولون فيمن قَذَف محصَنًا قذفًا لا يسمعه إلا الله والحفظةُ مع أنه لم يواجِه به المقذوفَ ولم يغتبه به عند الناس، هل يكون قذفه موجِبًا للحدّ مع خلوّه من مفسدة الأذى؟ قلنا: الظاهر أنه ليس بكبيرة موجبة للحد لانتفاء المفسدة، ولا يعاقَب في الآخرة عقاب المجاهِر بذلك في وجه المقذوف أو في ملأ من الناس، بل يعاقَب عقاب الكاذبين غير المصرّين. وقد قال الشاعر:
فإن الذي يؤذيك منه: سماعُه ... وإن الذي قالوا وراءك: لم يُقَلْ (٢)
стр. 149
شبّهه بالذي لم يُقَل، لانتفاء ضرره وأذيته). انتهى (١).
يقال عليه: بل الظاهر أن القذف بحيث لا يسمعه إلا الله والحفظة، كبيرةٌ موجبةٌ للحدّ، فطامًا عن جنس هذه المفسدة، ولظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية [النور: ٤]، فإن هذا رميٌ.
وما استَشهَد به من البيت، لا يطابق المدّعَى، لأن قوله: (وإن الذي قالوا وراءك: لم يُقَلْ): أعم من قوله: (حيث لا سامع)، لصدقه على القول وراءه وهناك سامعٌ.
* * *
[فصل في إتيان المفاسد ظنًّا أنها من المصالح]
١٧ - قوله في الفصل المعقود لإتيان المفاسد ظنًّا أنها من المصالح:
(فإن قيل: فما تقولون فيمن أَتَى بما هو مصلحة في ظنه، وهي مفسدة في نفس الأمر، كمن أَكل مالًا يعتقده لنفسه، أو وطيء جاريةً يظنها في ملكه، أو لبس ثوبًا يعتقده لنفسه، ثم بان أن وكيله أَخرج ذلك عن ملكه؟ قلنا: لا إثم عليه لظنّه. انتهى (٢).
المختار في صورة ما إذا وطئ جاريةً يظنها ملكه، أنه لا يجوز الإقدام على الوطْء إلا بالاجتهاد بأمارة تغلب على الظن أنها في ملكه، حتى لو وَكَّل في بيع أَمَته، وسلّمها للوكيل ليبيعها، ثم عادت إلى منزله، واحتُمل بيع الوكيل وعدمه، لا يجوز له الإقدام -بغير اجتهاد- على الوطْء.
١٨ - قوله فيه أيضًا (٣): (فإن قيل: فما تقولون فيمن فَعَل فعلًا يظنه
стр. 150
واجبًا وهو من المفاسد المحرّمة في نفس الأمر، كالحاكم إذا حَكَم بالحق بقاء على الحجة الشرعية، وكالمصلي يصلّي على ظن أنه متطهر، وكالشاهد يشهد بحقٍّ عَرَفه بناء على استصحاب بقائه، وظهر كذبُ الظن في ذلك كله؟ قلنا: فهذا خطأ معفو عنه، كالذي قبله، ولكن يثاب فاعلُه على قصده دون فعله، إلا من صلى محدِثًا فإنه يثاب على قصده وعلى كل فعلٍ أَتى به في صلاته مما لا يُشترط الطهارة فيه. انتهى) (١).
ظاهر الأدلة يقتضي أنه يثاب على قصده وعلى جميع الأفعال في الصلاة وغيرها، حتى لو قَتَل مسلمًا في صف الكفار على زيّهم فإنه يثاب على قتله، لأنه قاتَلَ لتكون كلمةُ الله هي العليا، وقد قال رسول الله ﷺ : (من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا فهو في سبيل الله) (٢).
* * *
[فصل في بيان تفاوت رتب المصالح والمفاسد]
١٩ - قوله في فصل في بيان تفاوت رتب المصالح والمفاسد:
(فإنه قد يؤجَر على أحد العملين المتماثلين، ما لا يؤجَر على نظيره، ولذلك أمثلة:
أحدها: حج الفرض وعمرتُه، مساويان لحج النفل وعمرتِه من كل وجه) إلى آخر الأمثلة (٣).
يقال عليه: ليس ذلك مما يخفى حتى يضرب له الأمثال، وذلك كثير.
стр. 151
ولعله إنما ذَكَر ذلك توطئة لِما سيَذكُره فيما إذا تفاوت العملان بالقلة والكثرة، مثل أن يزكّي بخمسة دراهم، ويتصدق بعشرة آلاف درهم، كما سيأتي (١).
وقوله: (العملان المتماثلان) (٢)، وكذا قوله في (صوم رمضان): (أنه مساوٍ لـ (صوم شعبان) (٣): مراده: التماثل الصوري، والتساوي الصوري.
٢٠ - قوله فيه أيضًا: (وكذلك قراءة حمدلة الفاتحة في الصلاة، مساويةٌ لقراءتها في غير الصلاة، مع أنها أفضل منها إذا قُرئت خارج الصلاة) (٤).
يقال عليه: الفاتحة كلها كذلك، فلا وجه لتخصيص ذلك بحمدلتها.
٢١ - قوله فيه أيضًا: (وكذلك الأذكار التي في القرآن، إذا قُصد بها القراءةُ: شُرطت فيها الطهارة من الجنابة، ولو قُصد بها الذكر كالبسملة على الطعام والشراب، والحمدلة عند الفراغ منهما، والتسبيحات المذكورة في القرآن، لم تُشترط فيها الطهارة من الجنابة مع تساوي هذه الأذكار من كل وجه). انتهى (٥).
يقال عليه: هذا ليس من الأمثلة السابقة في شيء، فإن كلامه في العملين المتماثلين، يُؤْجِر الله على أحدهما ما لا يُؤجِر على نظيره. واشتراط الطهارة من الجنابة في أحدهما دون الآخر، ليس من هذا القبيل.
стр. 152
٢٢ - قوله فيه أيضًا: (وكذلك ما فرضه الله تعالى من الزكوات، قد تساوي مصلحتُه مصلحةَ نظيره من الصدقات في سدّ الخلّات ودفع الحاجات، وله أمثلة: أحدها: إخراج درهمين متساويين، واحدُهما زكاةٌ، والآخر صدقة). انتهى (١).
يقال عليه: قد تقدم ذلك في أول الفصل فلا وجه لإعادته. ولعله ذكره توطئة للأمثلة التي ذكرها بعد ذلك من مئال الشاتَيْن، والعُشرَيْن (٢)، ونحوهما.
٢٣ - قوله فيه أيضًا: (وإذا كانت الحسنة في ليلة القدر أفضل من ثلاثين ألف حسنة في غيرها مع أن تسبيحها كتسبيح غيرها، وصلاتَها كصلاة غيرها، وقراءتَها كقراءة غيرها، عُلم أن الله يتفضل على عباده في بعض الزمان بما لا يتفضل به في غيره) إلى آخره (٣).
يقال عليه: ما ذكره من أن الحسنة في ليلة القدر أفضل من ثلاثين ألف حسنة في غيرها، قد يوجَّه بأن ليلة القدر تعدل جميع رمضان؛ لقوله ﷺ : (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدّم من ذنبه) (٤)، مع قوله
стр. 153
- ﷺ : (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدّم من ذنبه) (١)، وحسناتُ رمضان جميعه: بثلاثين ألفًا، لأن كل يوم بعشرة، وعشرة في عشرة بمئة، ومئة في ثلاثين بثلاثة آلاف ومن ثَمّ ذهب الأوزاعي إلى أنه يجب في قضاء رمضان: ثلاثة آلاف يوم، وثلاثةُ آلاف في عشرة بثلاثين ألفًا، ومن ثَمّ كان صوم رمضان مع ست من شوال، يعدل صيام الدهر.
٢٤ - قوله فيه أيضًا: (ومما يدل على أن الثواب ليس على قدر النَّصَب مطلقًا، قولُه ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله؛ وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) (٢)، وهو من المصالح العامة لكل مجتاز بالطريق بإزالة الشوك والأحجار والأقذار مع مشقة ذلك، وخفة النطق بكلمة الإيمان. انتهى (٣).
يقال عليه: لقائل أن يقول: بل (كلمة الإيمان) أثقل، لأن المراد: كلمة الإيمان بحقوقها ومقتضياتها.
٢٥ - قوله: فإن قيل: بل تتفاوت (٤) رُتب المعارف والأيمان كما تفاوتت
стр. 154
رُتب العبادات بالفرض والنفل. قلنا: نعم، فإن الإيمان والتعرف الأول مفروض بالإجماع، واستحضارهما بعد ذلك نفلٌ لا يلزم تعاطيه) الى آخره (١).
يقال عليه: لك أن تقول بأن الإيمان الثاني والتعرف الثاني يقعان واجبًا أيضًا، وذلك أن العبادات قسمان: أحدهما: ما نَدَب الشارع إلى إعادته، والثاني: ما لم يطلب إعادته. والثاني إذا وقع ثانيًا، فهو نفل.
والأول إما أن يَطلب الشارع دوامه حكمًا أو لا. فإنْ طلب دوامه حكمًا؛ فكلما وقع، وقع واجبًا. وإن لم يطلب الشارع دوامه حكمًا كالصلاة، ففي وقوعه ثانيًا، الخلاف في الصلاة.
٢٦ - قوله فيه أيضًا: (وكذلك رتبة المحبة الصادرة عن ملاحظة الإنعام والإفضال، منحطةٌ عن رتبة المحبة الصادرة عن ملاحظة الأغيار وصدورِ محبة الإجلال عن ملاحظة الكمال والجمال) إلى آخره (٢).
(٣) (والتعظيم والمهابة أفضل من المحبة الصادرة عن معرفة الكمال
стр. 155
والجمال، لِما في المحبة من اللذة بجمال المحبوب، بخلاف المعظِّم الهائب، فإن الهيبة والتعظيم يقتضيان التصاغر والإيحاش والانقباض، ولا حظَّ للنفس في ذلك) (١).
يقال (٢): لا ينبغي أن يُقصد بالمهابة والتعظيم، مطلقًا، بل يكون ذلك باعتبار المقامات، ففي مقام: (هل رضيتم) (٣) ونحوه، تكون المحبة أفضل، وفي نحو مقام (إن ربي قد غضب اليوم غضبًا) الحديث (٤)، تكون الهيبة والإجلال أفضل.
٢٧ - قوله فيه أيضًا: (فإن قيل: هل يستوي الحاج عن نفسه، والمحجوجُ عنه، في مقاصد الحج؟ قلنا: يستويان في براءة الذمة، ولا يستويان في الأجر) إلى آخره (٥).
стр. 156
يقال عليه: ما ذكره في الحاج عن نفسه، والمحجوجِ عنه، من أنهما لا يستويان في الأجر، قد ينازَع فيه من حيث إن (المستطيع) في الآية، يتناول: المستطيع بنفسه، والمستطيع بغيره، لقوله ﷺ : (حُجِّي عن أبيكِ) (١)، وظاهرُ ذلك تساويهما من كل وجه. وإخراجُ أحدهما من بعض الوجوه، يحتاج إلى دليل.
٢٨ - قوله فيه أيضًا: (وهكذا الأبدال كلُّها، لا تساوي مبدلاتِها، فليس التيمم كالوضوء والغسلِ) إلى آخره (٢).
يقال عليه: لا يصدُق على الشيء كونُه (بدلًا)، إلا بعد العجز عن (المبدَل)، وحينئذ فهو يساويه في الأجر، لقوله ﷺ : (إذا مرض العبد أو سافر، كَتَب الله له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا) (٣).
٢٩ - قوله فيه أيضًا: (فإن قيل: ما تقولون في من سَدَّ جَوْعَةَ مسكينٍ في عشرة أيام، هل يساوي أجرُه أجرَ من سَدَّ جَوْعَةَ عشرة مساكين، مع أن الغرض: سدُّ عشر جَوْعات، والكلُّ عباد الله، والغرضُ الإحسان إليهم. فأيُّ فرق بين تحصيل هذه المصالح في محل واحد أو في محالّ متعددة؟ قلنا: لا يستويان، لأن الجماعة يمكن أن يكون فيهم وليُّ الله أو أولياءُ له، فيكون إطعامهم أفضلَ من تكرير إطعامِ واحدٍ) إلى آخره (٤).
стр. 157
يقال عليه: ما ذكره من التعليل، غير مناسب. والتعليل الصحيح أن يقال: لِما في سدّ جوعة عشرة مساكين من التعجيل والمسارعة إلى مصالح متعددة، بخلاف سدّ جوعة مسكينٍ في عشرة أيام.
٣٠ - قوله بعد ذلك: (ولمثل هذا (١) أوجب الشافعي ﵁، صَرْفَ الزكاة إلى الأصناف، لِما فيه من دفع أنواع من المفاسد وجلبِ أنواعٍ من المصالح) إلى آخره (٢).
يقال عليه: لم يوجب الشافعي ﵁ ذلك، لِما ذكره، بل لأجل أن صيغة مطلق الجمع يقتضي انحصار الاستحقاق في المذكورين، فلا يجوز الاقتصار على بعضهم عند الإمكان.
* * *
[فصل فيما يتفاوت أجزه بتفاوت تحمل مشقته]
٣١ - قوله في الفصل المعقود لِما يتفاوت أجرُه بتفاوت تحمل مشقته:
(فإن قيل: ما ضابط الفعل الشاق الذي يؤجَر عليه أكثر مما يؤجر على الخفيف؟ قلت: إذا اتحد الفعلان في الشرف والشرائط والسنن والأركان، وكان أحدهما شاقًّا، فقد استويا في أجرَيْهما لتساويهما في جميع الوظائف،
стр. 158
وانفرد أحدهما في تحمل المشقة لأجل الله تعالى، فأُثيب على تحمل المشقة لا على عين المشاق) إلى آخر ما ذكره (١).
يقال عليه: ما ذكره الشيخ من أن الثواب على تحمل المشقة لا على عين المشاق، ورَتَّب عليه ما ذكره من المسائل (٢)، منازَعٌ فيه، ويردّه ظواهر الأدلة.
* * *
[فصل في تساوي العقوبات العاجلة مع تفاوت المفاسد]
٣٢ - قوله في الفصل المعقود لتساوي العقوبات العاجلة مع تفاوت المفاسد:
قد تتساوى العقوبات العاجلة مع تفاوت الزلات، مع أن الأغلب تفاوت العقوبات بتفاوت المخالفات، فإن من شرب قطرة من الخمر مقتصرا عليها يُحَدّ كما يُحَدّ من شرب ما أسكره وخَبَّل عقله، مع تفاوت المفسدتين.
ولم تُجعل الوسائل إلى الزنى والسرقة والقتل، مثلَ الزنى والسرقة
стр. 159
والقتل، في الزواجر. والفرق بينها وبين من شرب القطرة: خفةُ حد السُّكر، وثقل ما عداه من الحدود، مع أن التوسل إلى السرقة والقتل لا يحرِّك الداعية إليهما ولا يحث عليهما، بخلاف وسائل الزنى من النظر والمسّ وغيرها، فإنها تؤكد الحث عليه، والدعاء إليه) (١).
يقال عليه: ليس شربُ قطرة من الخمر وسيلةً حتى يُطلب الفرق بينها وبين الوسائل إلى الزنى والقتل والسرقة.
وما ذكره من الفرق لخفة حدّ السُّكر وثقل ما عداه، لا يتوجّه.
ونظير القطرة من الخمر: إيلاج الحشفة ونزعها في الحال، فإنه يجب فيه الحد، كمن أَولَج جميع ذَكَره وأَنزَل. وكذلك سرقة ربع دينار، فإنه يُقطع فيه كما يُقطع في سرقة ألف دينار. وجراحةٌ خفيفة مع جراحة أعظم منها أو جراحات، فإنه يجب القصاص على الجارحين سواءً.
٣٣ - قوله فيه أيضًا: (فإن قيل: هل يكون وزرُ من سَرَق ربع دينار كوزر من سَرَق ألف دينار، لاستوائهما في القطع؟ قلنا: بل يتفاوت وزرهما في الدار الآخرة بتفاوت مفسدتَيْ سرقتهما لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] إلى آخره (٢).
يقال فيه: ما ذكره من أن وزر مَن سَرَق ربع دينار، ووزر من سَرَق ألف دينار، يتفاوت بتفاوت مفسدتي سرقتهما، يتناول: أن وزر من سَرَق رُبع دينار لفقيرٍ، أعظمُ من وزر من سَرَق ألف دينار لغنيٍّ ذي مالٍ كثير لا يَعبأ بذلك، لاختلاف المفسدتين. وسيأتي في كلامه التصريح بما يوافق ذلك في المثال السابع عشر من الفصل المعقود للمصالح المجرّدة.
٣٤ - قوله فيه أيضًا: (والقطع الواجب في ألفٍ، متعلقٌ بربع دينار من
стр. 160
الألف) إلى أن قال: (فيكفِّر الحدّان ما يتعلق بربع الدينار من السرقتين، ويبقى الزائد إلى تمام الألف لا مقابلَ له ولا تكفيرَ) (١).
يقال على ما ذكره من بقاء الزائد إلى تمام الألف، لا مقابلَ له ولا تكفيرَ: مخالفٌ لظواهر الأحاديث لجعل الحدود كفارات (٢)، ونحو ذلك.
* * *
[فصل في تفاوت أجور الأعمال مع تساويها، باختلاف الأماكن والأزمان]
٣٥ - قوله في الفصل المعقود لتفاوت أجور الأعمال مع تساويها، باختلاف الأماكن والأزمان:
(فإن قيل: قد ذهب مالك إلى تفضيل المدينة على مكة، فما الدليل على تفضيل مكة عليها؟ قلنا: معنى ذلك أن الله تعالى يجُود على عباده في مكة بما لا يجُود بمثله في المدينة، وذلك من وجوه)، فذكرها (٣).
стр. 161
يقال عليه: ما ذكره من الجواب، لا يطابق السؤال؛ لأن السؤال في (إقامة الدليل على أفضلية مكة) لا في (معنى الأفضلية)، فكان الصواب أن يقول: (الدليل على ذلك كذا)، ويذكره، ثم يقول: (ومعنى الأفضلية كذا).
* * *
[فصل في انقسام جلب المصالح ودرء المفاسد إلى فروض كفايات وفروض أعيان]
٣٦ - قوله في الفصل المعقود لانقسام جلب المصالح ودرء المفاسد إلى فروض كفايات وفروض أعيان، وإلى الوسائل والمقاصد:
(فإن قيل: لو صلَّى على الجنازة ثانيًا من لم يصلِّ عليها أولًا بعد إسقاط فرضها في الحكم، لكانت الصلاة الثانية فرضا عند أصحاب الشافعي ﵁، فكيف يُحكم بأنها فرضٌ مع سقوط الفرض بصلاة السابقين؟ وليس هذا كاللاحقين في الصلاة، فإن مصلحة الفرض لا تحصل إلا بالتحلل من الصلاة.
فالجواب: أن جميع مصالح فروض الكفايات، إذا أُتِي بها، فقد دخلت في الوجود قطعًا. ومصلحةُ فرض الصلاة على الميت لم تدخل في الوجود قطعًا؛ لأن مقصودها الأعظم: إجابة الدعاء، وهو غيبٌ لا اطلاع لنا عليه، فمن الجائز أن لا يُقبل دعاء من تَقَدَّم بالصلاة، فتكون الصلاة الثانية محصلةً للمصلحة التي هي إجابة الدعاء) إلى آخره (١).
يقال عليه: ما ذكره من الجواب عن الصلاة على الميت، ينتقض بمن
стр. 162
صَلَّى على ميت بعد صلاة من يُقطع بإجابة دعائه، كمن (١) صَلَّى على ميت بعد صلاته - صلى الله وسلم عليه - عليه؛ وكمن صَلَّى بعد صلاة أربعين عليها، ورد في الحديث من إخباره ﷺ أنهم يُشفّعون فيه (٢).
والأولى أن يقال: إن صلاة الجنازة من فروض الكفايات، وفرض الكفاية إذا قام به بعض الأمة، أَسقَط الحرج عن الباقين، ولم يُمنع غيرهم من الفعل، فإذا فَعَل غيرهم كان ممن توجّه إليه الفرض أولًا وإن سقط الحرج عنه بفعل غيره، فأثيب على ذلك ثواب فرض الكفاية، لأنه إنما عَمِل بالخطاب الأول، لا بخطاب جديد.
* * *
[فصل في بيان رُتب المفاسد]
٣٧ - قوله في الفصل المعقود لبيان رُتب المفاسد:
(ثم لا تزال مفاسد الصغائر تتناقص إلى أن تنتهي إلى مفسدة لو فاتت لانتهينا إلى أعلى رُتب المكروهات، وهي الضرب الثاني من رتب المفاسد) (٣).
стр. 163
يقال عليه: في هذا نظر، لأنه قد تفُوت تلك المفسدة ولا كراهةَ، كالخلوة بالأجنبية مع امرأة أو نسوة.
٣٨ - قوله فيه أيضًا: (وجَعَل الزنى بحليلة الجار تِلْوًا لقتل الأولاد (١)، لما في ذلك من مفاسد الزنى، كاختلاط المياه، واشتباه الأنساب، وحصول العار، وأذية الجار) إلى آخره (٢).
يقال عليه: الصواب أن يقال: وجَعَل الزنى بحليلة الجار تِلو (القتل مطلقا)، لئلا يلزم عليه أن يكون قتلُ غير الولد أخف من الزنى بحليلة الجار، وليس كذلك.
وحينئذ، فقوله ﷺ : (ثم أن تَقتُل ولدك مخافة أن يَطعَم معك) يثبُت على (القتل المحرّم بأنواعه)، وخصّ (الولد) بالذكر لأنه أول رتبة من رُتب القتل المحرّم، يلي (الإشراك بالله).
* * *
[فصل في اجتماع المصالح المجرّدة عن المفاسد]
٣٩ - قوله: (فصل في اجتماع المصالح المجرّدة عن المفاسد) (٣).
يقال عليه: لا يظهر من كلامه، هل هذا الفصل معقود لاجتماع المصالح المجرّدة عند الاجتماع والتزاحم، أم لا. وأمثلته مختلطة. ولعل مراده: ما تقدّم من المصالح خطابًا أو عملًا.
стр. 164
٤٠ - قوله في الفصل المذكور: (ولبيان الأفضل، وتقديم الفاضل على المفضول أمثلة:
أحدها: تقديم العرفان بالله وصفاته، على الإيمان بذلك. ويقوم الاعتقاد في حق العامة مقام العرفان) إلى آخره (١).
يقال عليه: جعلُه (تقديم العرفان بالله وصفاته) من أمثلة تقديم الفاضل على المفضول، لا يتوجّه؛ لأن تقديم العرفان بالله وصفاته، على الإيمان بذلك، من باب تقديم الشرط على المشروط.
٤١ - قوله فيه أيضًا: (ولفضل الإيمان، تأخرت الواجبات عن ابتداء الإسلام، ترغيبًا فيه، فإنها لو وجبت في الابتداء لنَفَرُوا من الإيمان) (٢).
يقال عليه: المختار أن هذه التكاليف إنما ترتّبت هذا الترتيب لعدم مقتضياتها وأسبابها دفعة واحدة أولَ الإسلام، ففُرض كلٌّ منها عند وجود ما يقتضيه.
٤٢ - قوله فيه أيضًا: (الجهاد، لو وجب في الابتداء لأباد الكفرةُ أهلَ الإسلام لقلة المؤمنين وكثرة الكافرين) (٣).
يقال عليه: إنما تأخر لعدمِ مقتضيه، وهو بُدْأَة (٤) الكافرين بظلم المؤمنين كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]، وإلا فـ ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
стр. 165
٤٣ - قوله فيه أيضًا: (القصر على أربع نسوة لو ثبت في ابتداء الإسلام، لنَفَر الكفار من الدخول فيه) (١).
يقال عليه: هذا لا يتوجّه، لأنه يقتضي أنه أبيح في صدر الإسلام، أن يُقَرَّ الكافر إذا أسلم، على أكثر من أربع نسوة، وأن للمسلمين الزيادةَ على أربع. وذلك لا يُعرف.
٤٤ - قوله فيه أيضًا: (المثال الثاني من تقديم الفاضل على المفضول: تقديم بعض الفرائض على بعض، كتقديم الصلاة الوسطى على سائر الصلوات) (٢).
يقال عليه: ترجمة الفصل بـ (اجتماع المصالح المجرّدة)، لا يناسبها هذا المثال، بل هذا من التقديم المطلق.
٤٥ - قوله فيه أيضًا في أثناء المثال الرابع: (ويبعد أن تكون صلاةُ الصبح أفضلَ من حجة مبرورة، وركعتا الفجر أفضلَ من حجة التطوع، وقد جَعَل النبي ﷺ الجهاد تلو الإيمان، وجَعَل الحج في الرتبة الثالثة. فإن قُدِّمت الصلاة عليهما، كان ذلك مخالفًا لظاهر الحديث؛ وإن تأخرت عنهما، لم يستقم كون الصلاة أفضلَ الأعمال البدنية) (٣).
стр. 166
يقال عليه: لا بُعد في أن تكون صلاة الصبح أفضلَ من حجة مبرورة. وقد قَدَّم هو أنه لا بدعَ في أن الله تعالى يثيب على العمل اليسير أكثر مما يثيب على العمل الكثير، وأطال الكلام في ذلك في الفصول السابقة (١).
وأما قوله: (فإن قُدِّمت الصلاة عليهما، كان مخالفًا لظاهر الحديث):
стр. 167
يقال عليه: إنما حُوِّل ظاهر الحديث (١) بالدليل، وهو حديث ابن مسعود وغيره (٢)).
٤٦ - قوله فيه أيضًا: (المثال الخامس: تقديم المبدَلات على أبدالها، كتقديم الاستنجاء بالماء على الاستجمار بالأحجار) (٣).
يقال عليه: هذا عجيب! فإن كلًّا منهما أصلٌ في نفسه، وليس الاستجمار بدلًا عن الاستنجاء.
٤٧ - قوله فيه أيضًا: (المثال السابع: تقديم الرواتب على بعضٍ، كتقديم الوتر وسنة الفجر على سائر الرواتب) إلى آخره (٤).
يقال عليه: هذا المثال لا يناسب الزحمة (٥)، لأنه لا اجتماع ها هنا.
стр. 168
٤٨ - قوله فيه أيضًا: (المثال الثامن: تقديم إنقاذ الغرقى المعصومين على أداء الصلوات؛ لأن إنقاذ الغرقى المعصومين عند الله أفضل من أداء الصلوات. والجمع بين المصلحتين ممكن، بأن يُنقذ الغريق ثم يقضي الصلاة) (١).
يقال عليه: لا تقديم في هذا المثال على المختار، بل يصلّي صلاة شدة الخوف إلحاقًا له بالأنواع المعروفة التي يصلَّى فيها صلاةُ شدة الخوف، كما هو مقرر في موضعه.
٤٩ - قوله فيه أيضًا: (المثال الثاني عشر: إذا ضاق على المُحرِم وقتُ عشاء الآخرة بحيث لا يتسع إلا لأربع ركعاتٍ، فلو اشتغل بها لفاته إتيان عرفة للوقوف. فقد قيل: يَدَع الصلاة ويذهب إلى عرفة، لأن أداء فرض الحج أفضل من أداء فرض الصلاة) إلى آخره (٢).
يقال عليه: هذا التعليل لم نره في هذا الوجه لغير الشيخ.
وعلة هذا الوجه: أن الحج في حق المُحرِم، كالشيء الحاصل؛ والفواتُ طارئٌ (٣) عليه، فأشبه ما لو خاف هلاك مالٍ حاصلٍ لو لم يهرُب به. ولأن الضرر الذي يلحقه بفوات الحج لا ينقص عن ضرر الحبس أيامًا في حق المديون المعسر (٤).
стр. 169
٥٠ - قوله في (المثال المذكور) (١): (والأصح أنه يجمع بين المصلحتين، فيصلي صلاة الخوف وهو ذاهب إلى عرفة) إلى آخره (٢).
стр. 170
يقال عليه: ما صححه هو خلاف ما صححه الرافعي والنووي وغيرهما، من أنه يُتِمّ صلاتَه وإن فاته الوقوف بعرفة (١). ولكن ما ذكره، هو
٥١ - قوله في الفصل المذكور في (المثال الرابع عشر): (وإن مَلَك حيوانًا يؤكل، وحيوانًا لا يؤكل، ولم يجد إلا نفقة أحدهما، وتعذر بيعهما، احتمل أن يقدِّم نفقة ما لا يؤكل على نفقة ما يؤكل، ويذبح المأكول؛ واحتمل أن يسوّي بينهما. فإن كان المأكول يساوي ألفًا، وغيرُ المأكول يساوي درهمًا، ففي هذا نظر واحتمال) (١).
يقال عليه: الأرجح أو الصواب، تقديم نفقة المأكول الذي يساوي ألفًا، على غير المأكول الذي يساوي درهمًا.
٥٢ - قوله فيه أيضًا: (المثال الخامس عشر: إذا اجتمع مضطران)، إلى أن قال: (وَجَد ما يكفي ضرورة أحدهما، فإن تساويا في الضرورة أو القرابة والجوار والصلاح، احتمل أن يتخير بينهما؛ واحتمل أن يقسمه عليهما) (٢).
يقال عليه: احتمال التخيير متعين، واحتمال القسمة بعيد، لأن الصورة أنه لا يكفي إلا ضرورة أحدهما. وبقي احتمال ثالث لم يذكره، وهو: الإقراع، وهو قريب.
٥٣ - قوله في المثال (٣): (وإن كان أحدهما أولى، مثل أن كان والدًا، أو والدة، أو قريبًا، أو زوجة، أو وليًّا من أولياء الله تعالى، أو إمامًا مقسطًا، أو حَكَمًا عدلًا، قُدّم الفاضل على المفضول) (٤).
يقال عليه: ظاهره التقديم وجوبًا، وهو متوجّه فيما إذا كان والدًا أو ولدًا
стр. 173
أو قريبًا. ويليه: التقديم وجوبًا فيما إذا كان زوجة؛ لأن نفقتها وإن كانت واجبة إلا أنها ترتّبت في ذمته. وششحب تقديم الفاضل في البواقي، والوجوب بعيد.
٥٤ - قوله في المثال (١): (فإن قيل: لو وَجَد المكلف مضطرَّين متساويين ومعه رغيفٌ لو أَطعَمه لأحدهما لعاش يومًا، ولو أَطعَم كلَّ واحد منهما نصفَه لعاش نصف يوم، فهل يجوز أن يُطعمه لأحدهما أم يجب فضُّه عليهما؟ فالمختار أن تخصيص أحدهما غير جائز، لِما ذكرتُه من أن أحدهما قد يكون وليًّا لله، ولأن الله تعالى أمر بالعدل والإنصاف، والعدل: التسوية، فدفعُه لهما عدلٌ وإحسان مندرج في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٢) [النحل: ٩٠].
يقال عليه: قوله في التعليل: (لِما ذكرتُه من أن أحدهما قد يكون وليًّا لله)، أولى منه أن يقول: (لأن تخصيص أحدهما يؤدي إلى إزهاق روح الآخر). وفي استدلاله بالآية نظر. وما ذكره من تفسير (العدل) بـ (التسوية) لا يقتضي التسوية فيما نحن فيه.
٥٥ - قوله في المثال (٣): (فإن الراجل يأخذ سهمًا لحاجته، والفارس يأخذ أحد الأسهم لحاجته، والسهم الثاني لفرسه، والسهم الثالث لسايس فرسه) (٤).
يقال عليه: كون السهم الثالث لسايِسِ فَرَسِه، يردّه ظاهر قوله ﷺ : (للفرس سهمان) (٥)، فيدخل في ذلك سايسُ الفرس وعلفُ الفرس وغير ذلك
стр. 174
مما يحتاجه. على أن قوله في الحديث (سهمان لفرسه) (١): ظاهره غير مراد، والأسهم الثلاثة كلها للفارس، اثنان منها بسبب الفرس.
٥٦ - قوله في المثال (٢): (فإن قيل: هلا قدّر الشافعي نفقة الزوجات بالحاجات، كنفقة الآباء والأمهات والبنين والبنات! ولِم قدّرها بالأمداد؟ قلنا: لما كانت النفقة عوضًا عن البضع، قدّرها؛ لأن الأصل في الأعواض: التقدير) (٣).
يقال عليه: النفقة إنما هي عوضٌ عن الحبس، وعوضُ البضع إنما هو الصداق، وسيأتي في كلام الشيخ ما يوافق ذلك.
٥٧ - قوله: (ولا فائدة في تقدير الحَبّ) (٤) إلى أن قال: (والذي قاله
стр. 175
الشافعي (١) مؤدٍّ إلى أن يموت كلُّ أحد ونفقة زوجته في ذمته، لأن المعاوضة عن الحَبّ الذي أوجبه بما يُطعم الرجلُ زوجته من الحَبّ واللحم (٢) وغيرهما: ربا لا يصح في الشرع، فلا يجوز أن يكون عوضًا) إلى آخره (٣).
يقال عليه: ليس ما قاله الشافعي ﵁ مؤدّيًا إلى ذلك، لأن إتلاف الزوجة للخبز واللحم وغيرهما منزّل في نظر الشرع منزلة المُسقِط لما في ذمة الزوج.
٥٨ - قوله عقب ذلك: (وليس النفقة في مقابلة ملك البضع) (٤).
ظاهره أنه ردٌّ على ما تقدم. ولم يقل الشافعي ذلك ولا أحدٌ من أصحابه.
٥٩ - قوله في المثال (٥): (فإن قيل: إذا كان العدل في اللغة: التسوية، والقاضي يقبل قول المدَّعى عليه بيمينه، ولا يَقبل قول المدّعِي حتى ينكُل المدّعَى عليه، وكذلك وَظَّف البينة على المدّعِي. وهذا تفاوتٌ لا تسويةَ فيه؟ قلنا: معنى التسوية أن يسوِّي بين المدّعِيَين في العمل بالظاهر، كتوظيف البينة على المدّعين، والأيمانِ على المنكِرين، وردِّ الأيمان على المدّعين عند نكول المنكِرين). انتهى ملخصًا (٦).
стр. 176
يقال عليه: الأمر في ذلك أسهل من أن يُجعل سؤالًا. وهذا من الواضحات. وقد مرّ في تفسيره (العدل) بـ (التسوية)، كلامٌ، فليراجع (١).
٦٠ - قوله في الفصل المذكور في (المثال السادس عشر): (من تقديم الفاضل على المفضول): (وقد قال الأصحاب: إذا اشترى عبدًا للإعتاق، فليشتر العبدَ الكَدُود (٢) المجهود، فإن إعتاقه أفضل من إعتاق المرفَّه) إلى آخره (٣).
стр. 177
يقال عليه: هذا لا يناسب تقديم الفاضل على المفضول، ولا يصح الاستشهاد به لذلك. وقد يكون المرفَّه أفضلَ من المجهود بأن يكون وليًّا أو قريبًا ونحو ذلك.
٦١ - قوله في (المثال السابع عشر): (إذا وَجَد من يصول على بُضعٍ محرّمٍ، ومن يصول على عضوٍ محرّمٍ أو نفسٍ محرّمةٍ أو مالٍ محرّمٍ، فإن أمكن الجمع) إلى أن قال: وإن تعذر الجمع بينهما، قَدَّم الدفع عن النفس على الدفع عن العضو، وقَدَّم الدفع عن العضو على الدفع عن البُضع) (١).
يقال عليه: إنما يتوجّه تقديم الدفع عن النفس على الدفع عن البُضع، إذا قلنا بوجوب الدفع عن النفس، وإلا فالدفع عن البضع مقدّم على الدفع عن النفس، لأنه واجب قطعًا. ويدخل في ذلك: نفسُ الدافع ونفسُ غيره. وفي نفسه قولان، وفي نفس غيره طريقان: أحدهما: كنفسه، والثاني: يجب الدفع قطعًا.
٦٢ - قوله في المثال (٢): (وقَدَّم الدفع عن المال الخطير على الدفع عن المال الحقير، إلا أن يكون صاحب الخطير غنيًّا، وصاحب الحقير فقيرًا لا مال له سواه، ففي هذا نظر وتأمل) (٣).
يقال عليه: الأرجح أنه يقدّم الدفع عن الحقير الذي للفقير، على الخطير الذي للغني. وقد مرّت الإشارة إليه في (فصل تساوي العقوبات العاجلة مع تفاوت المفاسد) فراجعه.
٦٣ - قوله: (المثال الثامن عشر: يقدّم الدفع عن الإنسان، على الدفع
стр. 178
عن الحيوان المحترم. ولك أن تجعل هذا كله من باب تحمل أخف المفسدتين دفعًا لأعظمهما) (١).
يقال عليه: الأولى أن يقال: من باب تقديم أهم المصلحتين، لأن العبارة الأُولى إنما تقال في مفسدتين تتعلقان بذات المتحمل، كقطع السلعة إذا كان الخطر في تركها أو في قطعها أكثر، فذلك من باب تحمل أخف المفسدتين.
٦٤ - قوله في الفصل المذكور في أثناء (المثال الثالث والعشرين): (وإذا استوى النساء في درجات الحضانة، فقد يُقرَع بينهن، وقد يُتخيَّر (٢)، والقرعة أولى) (٣).
يقال عليه: الإقراع هو المجزوم به في التصانيف.
وقوله: (وقد يُتخيَّر) بالبناء للمفعول: إن كان المراد: القاضي يَتخيَّر، فلا معنى له. وإن كان المراد أن الطفل يَتخيّر إذا كان مميزًا، فله وجهٌ وإن لم يذكروه.
وضابط التخيير في (المميّز): أن يكون بين ذَكَرٍ مؤخّر، وأنثى مقدّمة؛ كما جاءت به السنة (٤) فافهمه صاغيًا له.
стр. 179
وقد وقع وهم في بعض نسخ (الروضة) وفي (المنهاج) (١).
قال شيخ الإسلام (٢) فائدة: الذي وقع في بعض نسخ (الروضة) هو: (أنه أَثبَت التخيير بين الأب مع الأخت أو مع الخالة، إذا قدّمناه عليهما). وهذا وهم. وصوابه: (إذا قدّمناهما عليه). وكذا وقع في بعض نسخ (الروضة) (٣).
والذي في (المنهاج): (أنه أَثبَت التخيير بين أب وأختٍ أو خالةٍ في الأصح) (٤). وليس هذا بالأصح. ولا يثبت التخيير بين الأب والأخت، ولا
стр. 180
بين الأب والخالة، لأنه مقدّم عليهما قبل التمييز، وإنما يُقطع ببقاء حق الأب في التقديم (١). انتهت. نقلتُه (٢) من خطه، أبقى الله حياته للمسلمين.
فتأمل هذا الضابط، وراجع الكتب، تَعرف الخطأ من الصواب.
٦٥ - قوله في المثال المذكور (٣): (وكذلك يقدّم الأب على سائر العصبات في ولاية المال والنكاح) (٤).
يقال عليه: لا مدخل للعصوبة في ولاية المال، خلافًا لما يُفهِمه كلامه.
وقوله: (والنكاح): قد تقدم قبل هذا بأسطر (٥)، فلا حاجة إلى إعادته.
٦٦ - قوله في المثال (٦): (ويقدّم الجدّ على الأوصياء) (٧).
يقال عليه: هذا غير صحيح، لأن الصحيح أنه لا يجوز نصبُ وصيٍّ -والجدُّ حيٌّ- بصفة الولاية. فإن أُوِّل في كلامه على معنى: (أنه يقدَّم الجدّ