يقال عليه: الأمر في ذلك أسهل من أن يُجعل سؤالًا. وهذا من الواضحات. وقد مرّ في تفسيره (العدل) بـ (التسوية)، كلامٌ، فليراجع (١).
٦٠ - قوله في الفصل المذكور في (المثال السادس عشر): (من تقديم الفاضل على المفضول): (وقد قال الأصحاب: إذا اشترى عبدًا للإعتاق، فليشتر العبدَ الكَدُود (٢) المجهود، فإن إعتاقه أفضل من إعتاق المرفَّه) إلى آخره (٣).
стр. 177
يقال عليه: هذا لا يناسب تقديم الفاضل على المفضول، ولا يصح الاستشهاد به لذلك. وقد يكون المرفَّه أفضلَ من المجهود بأن يكون وليًّا أو قريبًا ونحو ذلك.
٦١ - قوله في (المثال السابع عشر): (إذا وَجَد من يصول على بُضعٍ محرّمٍ، ومن يصول على عضوٍ محرّمٍ أو نفسٍ محرّمةٍ أو مالٍ محرّمٍ، فإن أمكن الجمع) إلى أن قال: وإن تعذر الجمع بينهما، قَدَّم الدفع عن النفس على الدفع عن العضو، وقَدَّم الدفع عن العضو على الدفع عن البُضع) (١).
يقال عليه: إنما يتوجّه تقديم الدفع عن النفس على الدفع عن البُضع، إذا قلنا بوجوب الدفع عن النفس، وإلا فالدفع عن البضع مقدّم على الدفع عن النفس، لأنه واجب قطعًا. ويدخل في ذلك: نفسُ الدافع ونفسُ غيره. وفي نفسه قولان، وفي نفس غيره طريقان: أحدهما: كنفسه، والثاني: يجب الدفع قطعًا.
٦٢ - قوله في المثال (٢): (وقَدَّم الدفع عن المال الخطير على الدفع عن المال الحقير، إلا أن يكون صاحب الخطير غنيًّا، وصاحب الحقير فقيرًا لا مال له سواه، ففي هذا نظر وتأمل) (٣).
يقال عليه: الأرجح أنه يقدّم الدفع عن الحقير الذي للفقير، على الخطير الذي للغني. وقد مرّت الإشارة إليه في (فصل تساوي العقوبات العاجلة مع تفاوت المفاسد) فراجعه.
٦٣ - قوله: (المثال الثامن عشر: يقدّم الدفع عن الإنسان، على الدفع
стр. 178
عن الحيوان المحترم. ولك أن تجعل هذا كله من باب تحمل أخف المفسدتين دفعًا لأعظمهما) (١).
يقال عليه: الأولى أن يقال: من باب تقديم أهم المصلحتين، لأن العبارة الأُولى إنما تقال في مفسدتين تتعلقان بذات المتحمل، كقطع السلعة إذا كان الخطر في تركها أو في قطعها أكثر، فذلك من باب تحمل أخف المفسدتين.
٦٤ - قوله في الفصل المذكور في أثناء (المثال الثالث والعشرين): (وإذا استوى النساء في درجات الحضانة، فقد يُقرَع بينهن، وقد يُتخيَّر (٢)، والقرعة أولى) (٣).
يقال عليه: الإقراع هو المجزوم به في التصانيف.
وقوله: (وقد يُتخيَّر) بالبناء للمفعول: إن كان المراد: القاضي يَتخيَّر، فلا معنى له. وإن كان المراد أن الطفل يَتخيّر إذا كان مميزًا، فله وجهٌ وإن لم يذكروه.
وضابط التخيير في (المميّز): أن يكون بين ذَكَرٍ مؤخّر، وأنثى مقدّمة؛ كما جاءت به السنة (٤) فافهمه صاغيًا له.
стр. 179
وقد وقع وهم في بعض نسخ (الروضة) وفي (المنهاج) (١).
قال شيخ الإسلام (٢) فائدة: الذي وقع في بعض نسخ (الروضة) هو: (أنه أَثبَت التخيير بين الأب مع الأخت أو مع الخالة، إذا قدّمناه عليهما). وهذا وهم. وصوابه: (إذا قدّمناهما عليه). وكذا وقع في بعض نسخ (الروضة) (٣).
والذي في (المنهاج): (أنه أَثبَت التخيير بين أب وأختٍ أو خالةٍ في الأصح) (٤). وليس هذا بالأصح. ولا يثبت التخيير بين الأب والأخت، ولا
стр. 180
بين الأب والخالة، لأنه مقدّم عليهما قبل التمييز، وإنما يُقطع ببقاء حق الأب في التقديم (١). انتهت. نقلتُه (٢) من خطه، أبقى الله حياته للمسلمين.
فتأمل هذا الضابط، وراجع الكتب، تَعرف الخطأ من الصواب.
٦٥ - قوله في المثال المذكور (٣): (وكذلك يقدّم الأب على سائر العصبات في ولاية المال والنكاح) (٤).
يقال عليه: لا مدخل للعصوبة في ولاية المال، خلافًا لما يُفهِمه كلامه.
وقوله: (والنكاح): قد تقدم قبل هذا بأسطر (٥)، فلا حاجة إلى إعادته.
٦٦ - قوله في المثال (٦): (ويقدّم الجدّ على الأوصياء) (٧).
يقال عليه: هذا غير صحيح، لأن الصحيح أنه لا يجوز نصبُ وصيٍّ -والجدُّ حيٌّ- بصفة الولاية. فإن أُوِّل في كلامه على معنى: (أنه يقدَّم الجدّ
стр. 181
على نصب وصيٍّ)، فالعبارة لا تعطيه، لأن ذلك لا يقال إلا في متصف بأنه وصيٌّ، فيقدّم الجدّ عليه.
٦٧ - قوله في المثال (١): (والوصي تُشترط فيه العدالة) (٢).
ثم قال: (وأما الإمامة العظمى ففي اشتراط العدالة فيها اختلافٌ) إلى أن قال:
(ولما كان تصرف القضاة أعمّ من تصرف الأوصياء، وأخصّ من تصرف الأئمة: اختُلف في إلحاقهم بالأئمة) إلى آخره (٣).
يقال عليه: ما ذكره في القضاة: مراده إذا طرأ الفسق على القاضي.
وإن كان مراده: الفسقَ المقارن، ففيه كلام الغزالي المعروف، والردُّ عليه، وذلك إذا ولّاه سلطانٌ له شوكة. فتأمله.
* * *
[فصل في بيان تنفيذ تصرف البغاة وأئمة الجور لِما وافق الحقَّ، للضرورة العامة]
٦٨ - قوله في الفصل المعقود لبيان تنفيذ تصرف البغاة وأئمة الجور لِما وافق الحقَّ، للضرورة العامة:
(وإنما نفذت تصرفاتهم وتوليتهم لضرورة الرعايا. وإذا نفذ ذلك مع ندرة البغي، فأولى أن ينفذ تصرف الولاة مع غلبة الفجور)، إلى أن قال:
стр. 182
(وأما أخذُهم الزكوات، فإن صرفوها في مصرفها أجزأت، لِما ذكرناه. وإن صرفوها في غير مصارفها لم يبرأ الأغنياء منها على المختار) إلى آخره (١).
يقال عليه: الأحسن في التعليل أن يقال: (أجزأت لأنها وقعت الموقع).
والمختار فيما إذا لم يصرفوها في مصارفها، تفصيل، وهو أنه إن قلنا بوجوب دفعها إلى الإمام الجائر، فإنه يَبرأ الغني قطعًا، لأنه فَعَل الواجب؛ وإلا فإن أُجبر على دفعها، فالتردد. والأرجح عدم الإجزاء. وإن لم يُجبَر على دفعها إلى الإمام الجائر، فدَفَعها إليه وصَرَفها في غير مصارفها، فلا يبرأ قطعًا.
* * *
[فصل في تقيّد العزل بالأصلح للمسلمين فالأصلح]
٦٩ - قوله في الفصل المعقود لتقيّد العزل بالأصلح للمسلمين فالأصلح: (إذا أراد الإمام عَزْل الحاكم، فإن رابَه منه شيء، عَزَله، لِما في إبقاء المُريب من المفسدة إذ لا نُصحَ (٢) في تقرير المُريب على ولاية عامة ولا خاصة) (٣).
يقال عليه: المختار في العزل بالريبة، تفصيل، وهو: أنه لا يخلو: إما أن يكون الإمام الذي يَعزل بالريبة، هو الذي باشر ولايتَه بعد استيفاء شروطها، فلا يجوز له عزله لمجرد الريبة، وإلا جاز.
стр. 183
لا يقال: عمر ﵁ كان يعزل بمجرد الشكوى ونحو ذلك. لأنا نقول: إن ذلك كان معروفًا من مذهبه ﵁، وخولف فيه. وسيأتي (١) في قصة خالد ﵁ ما يشهد له (٢).
стр. 184
٧٠ - قوله فيه أيضًا: (الحال الثانية: أن يَعزله بمن هو أفضل منه، فينفذ عزله تقديمًا للأصلح على الصالح، لِما فيه من تحصيل المصلحة الراجحة للمسلمين.
الحال الثالثة: أن يَعزله بمن يساويه. فقد أجاز بعضهم ذلك) إلى أن قال: (وقال آخرون: لا يجوز) (١).
يقال عليه: ما ذكره في الحالتين معًا من الجواز، مقيد بما إذا كان في العزل مصلحةٌ لتسكين فتنة ونحو ذلك، وإلا فلا يجوز. لكن لو وقع العزل، نَفَذ في الأصح.
стр. 185
[فصل في تصرف الآحاد في الأموال العامة عند جور الأئمة]
٧١ - قوله في الفصل المعقود لتصرف الآحاد في الأموال العامة عند جور الأئمة:
(وإن وَجَد (١) أموالًا مغصوبة، فإن عَرَف مالكيها فلْيَرُدّها). إلى أن قال: (فإن يَئس من معرفتهم، صرفها في المصالح العامة، أَولاها فأَولاها. وإنما قلنا ذلك، لأن الله تعالى قال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وهذا برٌّ وتقوى. وقال ﷺ : (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) (٢). وقال ﵇: (كل معروف صدقة) (٣). وإذا جَوَّز ﷺ لهندٍ أن تأخذ من مال زوجها أبي سفيان، صخر بن حرب، ﵄ يكفيها وولدها بالمعروف (٤)، مع كون المصلحة خاصة؛ فلأن يجوز ذلك في المصالح العامة أولى) إلى آخره (٥).
يقال فيه: كان الأولى أن يَستدل الشيخ على مدّعاه بأن رسول الله ﷺ جَعَل للملتقط: التملكَ، بعد مدة التعريف، لغلبة الظن بعدم ظهور
стр. 186
المالك (١)؛ إلا أنه قد يُفرَّق بين اللقطة وبين هذا، بأنه يجوز، بخلاف اللقطة.
стр. 187
ويُستدل لذلك أيضًا، بأنه جَعَل مالَ من لا وارث له، للمسلمين من أهل بلده. وفي ابن ماجه وغيره، أن رسول الله ﷺ أَعطَى مالَ رجلٍ مات ولا وارث له، رجلًا من أهل بلده (١) مع أنه لا يخلو عن ابن عم وإن بعُد. فما نحن فيه أولى.
وما ذكره الشيخ من الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وبقوله ﷺ : (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، لا يتم. فتأمله.
ولا حجة في حديث هندٍ؛ لأن ذلك من باب الظفر، وليس ذلك نظير ما نحن فيه.
* * *
[قاعدة في تعذر العدالة في الولاية العامة والخاصة]
٧٢ - قوله في (القاعدة المقعّدة في تعذر العدالة في الولاية العامة والخاصة): (المثال الثاني: الحكام إذا تفاوتوا في الفسوق، قدَّمنا أقلّهم فسوقًا) (٢).
стр. 188
يقال عليه: لا توقّف في منع ذلك. ولا ينعقد الحكم بقول الفساق.
* * *
[فصل في تقديم المفضول، على الفاضل بالزمان، عند اتساع وقت الفاضل]
٧٣ - قوله في الفصل المعقود لتقديم المفضول، على الفاضل بالزمان، عند اتساع وقت الفاضل:
(كتقديم الأذان والإقامة والسنن الرواتب على الفرائض في أوائل الأوقات] (١).
يقال عليه: ما مَثَّل به من الأوَّلَيْن وما بعده، لتقديم الفاضل على المفضول، لا يصح، وإنما ذلك من باب السنن المتقدمة لا من باب تقديم المفضول.
والمثال الصحيح لذلك: تقديم صلاة الكسوفين على صاحبة الوقت، إذا خيف الفوتُ، واتسع وقتُ الحاضرة، ونحو ذلك.
٧٤ - قوله فيه أيضًا: (ومثلُ ذلك: تقديم المفضول الذي يخاف فوته، على الفاضل الذي لا يخشى فوته، كتقديم حمدلة العاطس وتَسْميته (٢)
стр. 189
في أثناء الأذان، وفي أثناء قراءة القرآن) إلى آخره (١).
يقال عليه: تمثيله المفضول الذي يخاف فوته، بحمدلة العاطس وتسميته، فيه نظر. والظاهر أنه إنما يُشرع تسميت العاطس ونحوه في أثناء الأذان والقراءة، لأنه كلام يسير فلا يضرّ تخلّله.
٧٥ - قوله فيه أيضًا: (وإن وقع الأذان في الصلاة، فإن كان المصلي في الفاتحة، لم يُجبه؛ لئلا ينقطع ولاء الفاتحة؛ وإن كان في غير الفاتحة ففي إجابته قولان) إلى آخره (٢).
يقال عليه: محلّهما (٣) في غير الحيعلتين. أما إذا تلفظ بالحيعلتين فتبطل قطعًا؛ لأنه نداء.
* * *
[فصل في تساوي المصالح مع تعذر جمعها]
٧٦ - قوله في الفصل المعقود لتساوي المصالح مع تعذر جمعها:
(وقد نُقرع بين المتساويين، ولذلك أمثلة: أحدها: إذا رأينا صائلًا يصول على نَفْسَيْ مسلمين متساويين، وعجزنا عن دفعه عنهما، فإنا نتخير) (٤).
يقال عليه: مراده بقوله: (صائلًا): الجنس، إذ لا يُتصور ما ذكره إلا في
стр. 190
صائلين؛ لأنه إذا كان الصائل واحدًا وأمكن دفعه، اندفع عنهما معًا. وإمكانُ دفعه عن أحدهما دون الآخر مُحالٌ. وفي المثال الثاني ما يوضح ما قلناه (١)، لأنه قال: (ولو وجدنا من يَقصد غلامًا باللواط، وامرأةً بالزنى، ففي هذا نظر وتأمل؛ فيجوز أن يُبدأ بدفع الزاني) إلى أن قال: (ويجوز أن يُبدأ بدفع اللائط). فظهر من ذلك أن مراده: تعدد الصائل.
والأرجح تقديم دفع قاصد الزنى لِما يترتب على الزنى من اختلاط الأنساب، بخلاف اللواط، وستأتي الإشارة إلى ذلك.
٧٧ - وقوله في المثال الثاني (٢): (فيجوز أن يُبدأ بدفع الزاني لأن مفسدة الزنى لا يتحقق مثلُها في اللواط، ولأن العلماء اتفقوا على حد الزنى واختلفوا في حد اللائط. ويجوز أن يُبدأ بدفع اللواط (٣) لأن جنسه لم يُحلّل قط، ولما فيه من إذلال الذكور) إلى آخره (٤).
يقال فيه: الأرجح: الأول، لأن مفسدة الزنى أعظم من مفسدة اللواط (٥).
فإن قيل: بل مفسدة اللواط أعظم، ومن ثَمّ ذهب جمعٌ من العلماء إلى
стр. 191
أنه يُرجم الفاعل والمفعول به، أُحصِنا أو لم يُحصَنا. قلنا: معارَضٌ بما ذهب إليه جمعٌ من أنه لا حدَّ فيه، وأنه يُعزّر فاعلُه.
٧٨ - قوله فيه أيضًا (١): (المثال الثالث: إذا رأينا من يصول على مالَيْن متساويين لمسلمَيْن معصومين متساويين، تخيّرنا) (٢).
يقال عليه: ما ذكره مقيد بما إذا كان المسلمان متساويين في الغِنى والفقر؛ فإن كان أحدهما فقيرًا، والآخر غنيًّا، قُدم دفع من يصول على مال الفقير. وقد مرّ ما يوضحه. وهو أيضًا داخل في قول الشيخ: (متساويين)، يعني من جميع الوجوه، لكن لا بأس بالتنبيه عليه.
٧٩ - قوله فيه أيضًا: (المثال الرابع: إذا حجر الحاكمٍ على المفلس، وجبت التسوية بين الديون بالمحاصّة؛ فإن كان الدين مئةً، ومالُه عشرةً، سُوِّي بين الغرماء بإيصال كل منهم إلى عُشر دينه) (٣).
يقال عليه: ما ذكره، إن كان المراد به: التساوي الصوري، فمسلّم؛ وإن كان مراده: التساوي الشرعي، فلا حاجة لقوله: (سُوِّي بين الغرماء بإيصال كل واحدٍ إلى عُشر دينه)، بل لو تفاوتت الديون، وُزِّع عليهم بحسب ذلك، فكان الأولى أن يقول (٤): (سُوِّي بين الغرماء بإيصال كل منهم إلى ما يخصه بحسب دَيْنه).
стр. 192
٨٠ - قوله فيه أيضًا: (المثال السادس: إذا حضر فقيران متساويان، تخيّر في الدفع إلى أيهما شاء وفي الفضّ عليهما) (١).
يقال عليه: صورة ذلك أن يكون في صدقة التطوع أو في الزكاة، والفقراء غير محصورين.
٨١ - قوله فيه أيضًا: (المثال السابع: ووقع في الفتاوى: فيمن كانت عنده مَهْريّة (٢) تساوي ألفًا، وعشرةُ أينُق تساوي ألفًا، فالتضحية بأيهما أفضل؟ فكان الجواب: أن التضحية بالأينق أولى لِما فيها من تعميم الإقاتة (٣) والنفع. وفضيلةُ المَهْريّة تفوت بذبحها) (٤).
يقال عليه: غُلُوّ (٥) المَهْريّة، إن كان لطِيب لحمها، فهي أولى قطعًا،
стр. 193
نص عليه الشافعي ﵁، وفرّق بينه وبين العتق (١) بأن النظر هنا إلى طيب اللحم، وهناك إلى التعدد.
وإن كان غُلُوّها لصفة أخرى، كشدة الجري وما أشبهها، وهو المراد كما يشير إليه قوله: (وفضيلةُ المَهريّة تفوت بذبحها)، فالأينق أفضل.
٨٢ - قوله في المثال المذكور: (وكذلك لو أراد أن يشتري حصانًا يساوي ألفًا، بألفٍ، ويذبحه ويتصدق بلحمه؛ وأن يشتري بألفٍ: ألفَ شاة، ويتصدق بلحمها؛ فلا شك أن التصدق بلحوم الشياه أفضل لكثرة ما يحصّله من المقاصد) إلى آخره (٢).
يقال عليه: قد ينازَع في هذا من قوله ﷺ : (دمُ عفراء أحب إلى الله من دم سوداوين) (٣)، فلم ينظر إلى التعدد (٤).
стр. 194
٨٣ - قوله: (المثال الثامن: إذا ملك نفقة زوجةٍ، وله زوجتان متساويتان، سوَّى بينهما. ويجوز أن يُقرع بينهما دفعا لمفسدة انكسار المحرومة منهما) (١).
يقال عليه: لعله سقط بعد قوله: (سوَّى بينهما) شيءٌ، وصوابه: (أو يُخيّر. ويجوز أن يُقرع) إلى آخره (٢). على أن ذلك ثابت في بعض النسخ (٣).
* * *
[فصل في الإقراع عند تساوي الحقوق]
٨٤ - قوله في الفصل المعقود للإقراع عند تساوي الحقوق:
(فمن ذلك: الإقراع بين الخلفاء عند تساويهم في مقاصد الخلافة. ومن ذلك: الإقراع بين الأئمة) إلى آخره (٤).
يقال عليه: كان الأولى أن يقول: (فمن ذلك الإقراع بين الصالحين للخلافة أو الصالحين للإمامة)، لأنهم قبل الإقراع، لم يقم بواحدٍ منهم وصفُ الخلافة والإمامة.
стр. 195
وأما قوله بعد ذلك في الفصل المذكور: (ولو تساوى اثنان يصلحان للإمامة أو للولاية أو للأحكام، احتمل أن يقرع بينهما، واحتمل أن يخيّر بينهما من يفوّض إليهما) (١):
فمراده: إذا أريد استنابة واحدٍ منهما.
والمسألة السابقة، مراده: الإقراع عند التزاحم ابتداء.
٨٥ - قوله في الفصل أيضًا: (فإن من يتولى الأمر في ذلك، إذا قُدِّم بغير قرعة، أدّى ذلك إلى مقته وبغضه، وإلى أن يحسُد المتأخرُ المتقدمَ، فشُرعت القرعة دفعا لهذا الفساد والعناد) (٢).
يقال عليه: يشير بالفساد إلى ما قدَّمه (٣)، ويدخل فيه الحسد، والحسد لا يندفع بالقرعة.
٨٦ - قوله فيه أيضًا: (ولا يمكن مثل ذلك في تعارض البينتين، فإن القرعة لا ترجّح الثقة بإحدى الشهادتين) (٤).
يقال عليه: إلا أنها قاطعة للنزاع.
стр. 196
[فصل فيما لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساده أو بإفساد بعضه]
٨٧ - قوله في الفصل المعقود لِما لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساده، أو بإفساد بعضه، أو بإفساد صفة من صفاته:
(فأما ما لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساده، فكإفساد الأطعمة والأشربة والأدوية لأجل الشفاء والاغتذاء لإبقاء (١) المكلفين لعبادة رب العالمين) (٢).
يقال عليه: قيد (المكلفين) لا حاجة إليه، فغيرُهم كذلك.
٨٨ - قوله فيه أيضًا: (وأما ما لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساد بعضه، فكقطع اليد المتأكّلة، حفظًا للروح) (٣).
يزاد عليه: (أو حفظًا لبقية العضو أن يُتأكّل لو تُرك).
* * *
[فصل في اجتماع المفاسد المجردة عن المصالح]
٨٩ - قوله في الفصل المعقود لاجتماع المفاسد المجردة عن المصالح:
(ولاجتماع المفاسد أمثلة: أحدها: أن يُكرَهَ على القتل (٤) بحيث إنه لو امتَنَع منه، قُتل؛ فيلزمه أن يدرأ مفسدة القتل، بالصبر على القتل؛ لأن صبره
стр. 197
على القتل أقل مفسدة من إقدامه عليه. وإن قدر على دفع المُكرِه بسبب من الأسباب، لزمه ذلك لقدرته على درء المفسدتين) (١).
يقال عليه: إنما يتوجّه اللزوم إذا قلنا: إنه يجب الدفع عن النفس، وقد تقدّم ما فيه، فراجعه (٢).
٩٠ - قوله فيه أيضًا: (وكذلك لو أُكرِه بالقتل، على شهادة زورٍ أو على حكمٍ بباطل؛ فإن كان المُكرَه على الشهادة به أو على الحكم به قتلًا أو قطعَ عضوٍ أو إحلالَ بُضع محرّم، لم تجز الشهادة ولا الحكم) إلى آخره (٣).
يقال عليه: التعبير بـ (إحلال البُضع) لا يستقيم. وصوابه: (أو الاستيلاء على بُضعٍ محرّم) لأن البُضع لا يحلّ بشهادة الزور.
٩١ - قوله فيه أيضًا: (المثال الثالث: لو وَجَد المضطر إنسانًا ميتًا، أَكَل لحمه) (٤).
يقال عليه: محل ذلك ما إذا لم يكن نبيًّا، فإن كان الإنسان الميتُ نبيًّا، فلا يجوز أكلُ لحمه (٥).
٩٢ - قوله فيه أيضًا في (المثال الرابع): (ولا يجوز التداوي
стр. 198
بالخمر على الأصح إلا إذا علم أن الشفاء يحصل بها ولم يجدوا (١) دواءً غيرها) (٢).
يقال فيه: المختار أن الله تعالى سَلَب الخمرَ منفعتَها حين حرّمها (٣).
стр. 199
٩٣ - قوله في المثال أيضًا (١): فإن قيل: لِم التُزم في صلح الحديبية إدخال الضيم على المسلمين، وإعطاء الدنيّة في الدين؟ قلنا: التُزم ذلك دفعًا لمفسدة عظيمة، وهي قتل المؤمنين) إلى آخره (٢).
يقال عليه: لم يكن في صلح الحديبية إدخال ضيم ولا إعطاء دنيّة في نفس الأمر، ومن ثَمّ قال النبي ﷺ وأبو بكر، لعمر ﵄ ما قالا، حين قال: (فعلامَ نُعطي الدنيّة في ديننا) (٣) وأيضًا فقوله ﷺ : (لا تكون خُطّةٌ
стр. 200
يعظّمون فيها حُرُمات الله، إلا أجبتُهم إليها) (١) يقتضي أن كل ما أجابهم إليه، فيه تعظيم حُرُمات الله وإن كانوا مخطئين في اعتقادهم. فتأمله! والله الموفق.
٩٤ - قوله فيه أيضًا (٢): (ولتساوي المفاسد أمثلة: أحدها: إذا وقع رجلٌ
стр. 201
على طفل بين الأطفال، إن أقام على أحدهم، قَتَله؛ وان انتقل إلى آخر من جيرانه، قتَله. فقد قيل: ليس في هذه المسألة حكم شرعي) إلى آخره (١).
يقال عليه: هذا يردّه قول الشافعي ﵁ في آخر خطبة (الرسالة): (فليست تَنزل بأحدٍ من أهل دين الله نازلةٌ، إلا وفي كتاب الله تعالى الدليلُ على سبيل الهدى فيها) (٢).
٩٥ - وأما قول الشيخ بعد ذلك (٣): (فلو كان بعضهم (٤) مسلمًا، وبعضهم كافرًا، فهل يلزمه (٥) الانتقال إلى الكافر لأن قتله أخف مفسدة من قتل الطفل المحكوم بإسلامه؟ فالأظهر عندي أنه يلزمه ذلك، لأنا نجوّز قتل أولاد الكفار عند التترس) إلى آخره (٦).
فيقال عليه: المختار تعيّن الإقامة على الذي وقع عليه؛ لأن ابتداء المفسدة -وهو الوقوع- كان بغير اختياره.
٩٦ - قوله فيه أيضًا: (المثال السابع: لو وَجَد كافرين قويَّيْن أَيِّدَيْن في حال المبارزة، تخيّر في قتل أيهما شاء، إلا أن يكون أحدهما أعرفَ بمكايد الحروب والقتال وأضرَّ على أهل الإسلام، فإنه يقدّم قتله) إلى أن قال: (بل لو كان ضعيفًا وهو أعرف بمكايد الحروب والقتال، قدّم قتله على قتل القويّ) (٧).
стр. 202
يقال عليه: المختار أن قتل القوي أولى من قتل الضعيف العارف بمكايد الحروب، مختلف في جواز قتله (١)، بخلاف القوي فإنه لا خلاف في جواز قتله.
* * *
[فصل في اجتماع المصالح مع المفاسد]
٩٧ - قوله في الفصل المعقود لاجتماع المصالح مع المفاسد:
(إذا اجتمعت مصالح ومفاسد؛ فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد، فَعَلْنا)، إلى أن قال: (فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة، دَرَأْنا المفسدة وإن فوّتْنا المصلحة (٢)، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، حرَّمهما لأن مفسدتهما أكبر) إلى آخره (٣).
يقال عليه: ظاهر ما أورده من الأمثلة بعد ذلك من التلفظ بكلمة الكفر، والأفعال المُكَفِّرة (٤)، والماء المشمّس، وغيرها: أن كلامه في (المركّب)، يعني: الشيء الواحد يكون فيه مصلحة من وجه ومفسدة من وجه.
стр. 203
فإن كان كلامه في الأعم منه ومن غيره، (كما إذا أمكن تحصيلُ مصلحة الصلاة مثلًا، ودفعُ من يصول على بُضعٍ محرّم)، فلا يتم له الاستدلال بالآية، أعني قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾، لأن الأخص لا دلالة له على الأعم، إذ المدّعَى عامٌ، والدليل خاصٌ.
٩٨ - قوله فيه أيضًا: (المثال الأول: التلفظ بكلمة الكفر مَفسدة محرّمة، لكنه جائز بالحكاية والإكراه) (١).
يقال عليه: إنما يُتصور وجود المصلحة في الحكاية إذا اقتَرَن بها غرضٌ شرعي من شهادةٍ أو تجديدٍ، ونحوهما.
٩٩ - قوله فيه في أثناء (المثال الثالث): (إذ لا يجوز للإنسان قتلُ نفسه بالإكراه) (٢).
يقال عليه: يستثنى من ذلك ما إذا أكرهه على قتل نفسه بشيءٍ أعظم في التعذيب من قتله هو نفسَه، فإن الأصح جواز قتل نفسه بالإكراه. وفي (مسألة ركّاب السفينة) الآتية بعد ذلك، ما يشير إليه.
١٠٠ - قوله: (ولو وقع بركبان السفينة نارٌ لا يرجى الخلاص منها، فعجزوا عن الصبر على تحملها مع العلم بأنه لا نجاة لهم من آلامها إلا بإلقاء أنفسهم في الماء المُغرق؛ فالأصح أنه لا يلزمهم الصبر على ألم النار إذا استوت مدتا الحياة في الإحراق والإغراق) (٣).
стр. 204
يقال عليه: قوله: (بركبان السفينة): تمثيل، وإلا فلو وقع لهم ذلك في بيتٍ ونحوه، كان الأمر كذلك.
١٠١ - قوله فيه أيضًا: (القسم الثالث (١): ما لا يترتب مسبّبه إلا نادرًا) (٢)، إلى أن قال: (وهذا كـ (الماء المشمّس في الأواني المعدنية في البلاد الحارة)، فإنه يكره استعماله) ثم قال: (ومن وَقَف الكراهةَ فيه على قصد استعماله، فقد غلط، لأن ما يؤثر بطبعه الذي جبله الله عليه، لا يقف تأثيره على قصد القاصدين) (٣).
يقال عليه: المراد بقوله: (على قصد استعماله): (على قصد تشميسه).
والمعنى: على قصد استعماله مشمَّسًا.
وقوله: (فقد غلط)؛ يقال عليه: من أورد هذا من العراقيين، أراد به: ما شأنه أن يُقصد بالتشميس، ليخرج (متشمَّس البِرَك والأنهار) إلا أنه اعتبر القصد.
على أنه لو اعتبر القصد، لم يكن غلطًا؛ لأن المجازاة لا تقع إلا على المقصود، ويجوز أن الله تعالى رَتَّب المحذور في ذلك على القصد.
١٠٢ - قوله فيه أيضًا (المثال السابع: الصلاة إلى غير القبلة مَفسدة محرَّمة، فإن تعذر استقبال القبلة بصَلبٍ أو عجز أو إكراه، وجبت الصلاة
стр. 205
على الأصح إلى الجهة التي حُول وجهُه إليها لئلا تفُوت مقاصد الصلاة وسائرُ شرائطها لفوات شرطٍ) إلى آخره (١).
يقال عليه: ظاهر كلامه أن (حُوِّل) مبني لما لم يسمّ فاعله، وحينئذ فالصواب: أنه إذا حُول المصلوب عن القبلة إلى جهة المشرق مثلًا، وقدر على التوجه إلى جهة المغرب، جاز له ذلك. وليس هذا كالمتنفل يصلي إلى جهة مقصده لا يجوز له التوجه إلى غيره؛ لأن ذلك بدلٌ عن القبلة في حقه بوضع الشرع، بخلاف المصلوب الموجّه لغير القبلة، فليست الجهة التي وُجِّه إليها بدلًا عن القبلة في حقه. وحينئذ فينبغي أن نقرأ (حَوَّل) على البناء للفاعل. وهذا فرع حسن، فتأمله.
واعلم أنه لو قدر المصلوب الموجَّه إلى غير القبلة، على الالتفات بوجهه إلى القبلة أو ببعض بدنه، وجب عليه ذلك؛ لقوله ﷺ : (إذا أَمرتُكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم) (٢).
١٠٣ - قوله فيه أيضًا في (المثال التاسع): (نبش الأموات (٣). ولو ابتلعوا جواهر مغصوبة، شُقّت أجوافهم؛ فإن كانت الجواهر لمستقلٍّ، فأولى أن لا يستخرجها إلى أن تتجرد عظامهم عن لحومهم حفظًا لحرمتهم. وإن كانت
стр. 206
لغير مستقلٍّ كالمحجور عليه وأموالِ المصالح والأوقاف العامة، وجب استخراجها حفظًا على المحجور عليه) إلى آخره (١).
يقال عليه: ينبغي أن يكون محل الوجوب فيما إذا كانت لغير مستقلٍّ، كما (٢) إذا خيف الضياع أو النقص بالتعييب ونحوه، وإلا فكالمستقل. وفي نص الشافعي ﵁ ما يشهد له.
ووقع استفتاء في امرأة أَبرَأَت زوجَها من صداقها في مرض موتها، ولها أولاد صغار لا تُتصور منهم الإجازة، فكان الجواب: أنه لا يجب على الحاكم نزع حصة الأولاد من الصَّداق إذا لم يَخش الضياع؛ لأن الزوج إما وليّ للأولاد إن كانوا منه وهو بصفة الولاية، وإما لا ولاية له عليهم ولكن المال محفوظ في ذمته، فيُترك إلى بلوغ الأولاد ليجيزوا أو يردّوا.
١٠٤ - قوله في المثال المذكور: (وإذا اختلطت قتلى الكافرين بقتلى المسلمين، وجب تغسيل الجميع)، إلى أن قال: (ولا يصلّي على الجميع، بل ينوي الصلاة على المسلمين خاصة) (٣).
يزاد عليه: أو يصلّي على الجميع واحدًا بعد واحدٍ ناويًا الصلاة عليه إن كان مسلمًا ويقول: اللهم اغفر له إن كان مسلمًا.
١٠٥ - قوله في الفصل المذكور: (المثال الحادي عشر: قتل الصيد الوحشي المأكول بغير الذبح، مَفسدة محرّمة) إلى آخره (٤).
يقال عليه: مراده بذلك في غير حالة الصيد.
١٠٦ - قوله: (المثال الثاني عشر: ذبحُ صيد الحرم، أو الصيدُ
стр. 207
في الإحرام، مَفسدة محرّمة، لكنه جائز في حال الضرورة تقديما لحرمة الإنسان على حرمة الحيوان. وهذا من باب تقديم حق العبد على حق الربّ) (١).
يقال عليه: صوابه: تقديمًا لحرمة الإنسان على حرمة الحرم والإحرام، لأن الحيوان المأكول لا حُرمة له في غير الحرم وحالة الإحرام.
وقوله: (وهذا من باب تقديم حق العبد على حق الربّ):
يقال عليه: إبقاء مهجة العبد في حالة الاضطرار بذبح هذا الحيوان في الحرم أو الإحرام، من حق الربّ أيضًا، فليس هذا المثال من هذا الباب.
١٠٧ - قوله: (المثال الثالث عشر: ترك الصلوات وصوم رمضان، وتأخير الزكوات وحقوق الناس الواجبات، من غير عذر شرعي، مَفسدة محرّمة، لكنه جائز بالإكراه) إلى آخره (٢).
يقال عليه: المراد بالإكراه: الإكراه على ترك الأفعال الظاهرة، وإلا فلا يتصور الإكراه على ترك إجراء الأركان على القلب. وما ذكره في الإكراه على الصوم، بناء على ما رجحه الرافعي ﵀، من أنه لو أُكره حتى أَكَل، أَفطَر (٣).
أما إذا قلنا بأنه لا يُفطر -وهو الذي صححه النواوي (٤) - فلا يأتي ما ذكره الشيخ.
١٠٨ - قوله: (المثال السابع عشر: الحَجر على المرء المستقل في
стр. 208
تصرفه في منافع نفسه، مَفسدة، لكنه ثبت على النساء في النكاح دفعا لمشقة مباشرته عنهن، فإن المرأة تستحي ويشتد خجلها من العقد على نفسها أو على غيرها) إلى آخره (١).
يقال عليه: المشهور في تعليل عدم مباشرة المرأة لعقد النكاح: كثرة انخداعها. ويجوز أن تكون العلة مركبة من ذلك ومما ذكره الشيخ.
١٠٩ - قوله في (المثال التاسع عشر): (وكذلك الحجر على السفيه ثابت لمصلحته) إلى أن قال: (لكنه تجوز وصيته لأنها مصلحة في حقه لا تعارضها مَفسدة. وكذلك وصيةُ الصبي المميز، على القول المختار) (٢).
يقال عليه: ما اختاره الشيخ، خلاف ما رجّحوه. والأصح عدم الصحة.
١١٠ - قوله: (المثال العشرون: الحجر على العبيد مَفسدةٌ في حقهم، مصلحةٌ في حق السادة، لشرف الحرية) (٣).
يقال عليه: الأولى أن يقال: مصلحةٌ في حق السادة، لحقهم في الرقبة.
١١١ - قوله: (المثال الحادي والعشرون: بيع العبد في جنايته، مَفسدة في حق السيد؛ مصلحةٌ في حق المجنيّ عليه. وقد خالف فيها بعض أهل الظاهر. وخلافهم ظاهر) (٤).
يقال عليه: قوله: (وخلافهم ظاهر) يُشعر بميله لما قالوه أن حق السيد في الملك، كيف يقدَّم عليه حق المجني عليه، ولم تكن من السيد جناية ولا إعانة عليها؟
ويقال لهم في الجواب: أجمعنا نحن وأنتم على أن العبد إذا قَتَل عمدًا
стр. 209
من يُقتَل به، فإنه يجب القصاص تقديمًا لحق المجني عليه، فلذلك يقدَّم في جناية الخطأ، إذ العبدُ لا تَعقل عنه عاقلة، على ما هو مقرر في بابه.
١١٢ - قوله في (المثال الثاني والعشرون): (ويجوز التقاط الأموال لمصالح أربابها) إلى أن قال: (وهذا من المصالح المباحة إلا في حق المجانين والأيتام والأموال العامة لأهل الإسلام) (١).
يقال فيه: المراد: فإن كان ذلك في حق المجانين والأيتام والأموال العامة، وجب. ومحله: إذا خشي الضياع، وإلا فلا يجب.
١١٣ - قوله: (المثال الثالث والعشرون: إتلاف مال الغير مَفسدة في حقه، مضمون ببدله، إلا في مال البغاة والصوّال) إلى آخره (٢).
يقال عليه: كلامه في البغاة شامل لما يُتلفه الباغي على العادل، وعكسه. وهو كذلك.
وأما الصوّال فمراده أن ما يُتلفه المَصُول عليه، على الصائل، لا يضمنه. ولا يصح إرادة عكسه. وحينئذ فيقال على عبارته: إن كان المراد: عدم الضمان من الطرفين، وَرَدَ: ما يتلفه الصائل على المصول عليه. وإن أراد: من طرف واحد، وَرَدَ: أن الحكم في البغاة سواء في الطرفين. ولكن الشيخ أحال ذلك على ما هو مقرر في أبوابه.
١١٤ - قوله: (المثال الخامس والعشرون: قتل المسلم مَفسدة محرّمة، لكنه يجوز بالزنى بعد الإحصان، وبقطع الطريق والبغي والصِّيال) (٣).
يقال عليه: قتل المسلم يجوز بأمور أخرى غير الأربع التي ذكرها، فلا معنى لتخصيصه بها. فيجوز قتله قصاصًا أيضًا، وبترك الصلاة، وبتترس
стр. 210
الكفار به إذا خيف الاصطلام، ونحو ذلك. ولو اقتصر على الثلاثة المذكورة في الحديث، لكان أولى، وهي: (الثيّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارقُ للجماعة) (١). ويدخل فيه أشياء كثيرة، فتأمله.
١١٥ - قوله: (المثال السادس والعشرون: تغريم عاقلة الحاكم الديةَ فيما يخطئ به الحاكم في معرض الأحكام ومصالح الإسلام، مَضَرّةٌ على عاقلته، فتجب في بيت المال دون العاقلة، على قولٍ) إلى آخره (٢).
يقال فيه: هذا القول الذي ذكره، هو المختار الراجح دليلًا.
١١٦ - قوله: (المثال السابع والعشرون: تصحيح ولاية الفاسق مَفسدةٌ) إلى أن قال: (لكن صححناها في حق الإمام الفاسق والحاكم الفاسق) إلى آخره (٣).
يقال عليه: محل ذلك في (الحاكم)، ما إذا ولّاه ذو شوكة، أو طرأ الفسق وقلنا: لا ينعزل به. وقد مرّ فيه كلام أبسط من هذا، فراجعه (٤).
١١٧ - قوله: (المثال التاسع والعشرون: نكاح الأحرار، الإماءَ، مَفسدة محرّمة، لِما فيه من تعريض الأولاد للإرقاق، لكنه جاز عند خوف العَنَت وفقد الطَّول) (٥) إلى آخره (٦).
يقال فيه: ما ذكره من أن العلة: تعريض الأولاد للإرقاق، هو المشهور.
стр. 211
وعليه قيل: لو كان مجبوبًا جاز أن يتزوج الأمة، إذ لا يلحقه الولد، فالمعنى منتفٍ. والأرجح عدم الجواز في المجبوب، لظاهر القرآن. وقولُهم: إن العلة إرقاق الولد، ممنوع.
١١٨ - قوله في المثال المذكور: (فإن قيل: كيف يحرُم تحصيل مصلحة ناجزة محققة، لتوقع مَفسدة متوهمة؟ قلنا: لمّا غلب وقوع هذه المفسدة، جَعَل الشرع المتوقَّعَ كالمحقَّق، فإن العلوق غالبٌ كثيرٌ؛ والشرع قد يحتاط لِما يكثُر وقوعه، احتياطَه لِما تحقق وقوعه. ألا ترى أن من أثبت أن أباه مات، فإنه يلزمه حصر الورثة فيه) إلى آخره (١).
يقال عليه: التزامه حصرَ الوراثة فيه، ليس لِما ذكره من إنزال المتوقع منزلة المحقق، بل للشك في الاستحقاق.
١١٩ - قوله في المثال أيضًا (٢): (فإن قيل: لو طلَب هذا الابن من التركة درهمًا واحدًا، وهي عشرة آلاف، فهل يُدفع إليه شيء قبل إثبات الحصر أم لا؟ قلنا: نعم، يُدفع إليه ما يُقطع بأنه يستحقه إذا كان عدد الورثة لا ينتهي إلى مثل عدد التركة في العادة) إلى آخره (٣).
يقال عليه: ما جَزَم به من أنه يُدفع إليه ما يُقطع بأنه يستحقه، يردّه ما صححوه فيما إذا خلّف ابنًا وزوجةً حاملًا، من أنه لا يُعطَى شيئًا أصلًا. ولو كان كما ذكره الشيخ لأُعطِي اليقينَ، كما هو أحد الأوجه.
نعم يُعطَى اليقينَ، فيما إذا خلّف زوجةً حاملًا وأبوين، فإن للزوجة ثُمُنًا عائلًا، وللأبوين سُدسين عائلين، لأن لكلٍّ منهما ها هنا مقدارًا يرجع به على التركة، فأُعطِيَه عائلًا؛ لأنه لا يمكن أن يأخذ أقل منه على كل تقدير.
стр. 212
وقد يتيقن ما يُصرف لبعض الورثة دون بعض، كما إذا كان هناك زوجةٌ حاملٌ وبنتان أو أمٌّ معهن، فإنه تُعطَى الزوجةُ الثُمنَ كاملًا، لأنها تستحقه على كل تقدير. وكذلك تُعطَى الأمُّ السُدسَ كاملًا لأنها تستحقه على كل تقديره ولكن اليقين في جميع الورثة مخصوص بصورة العول.
١٢٠ - قوله: (المثال الثلاثون: تزوُّج الضرّات بعقد أو عقود، مَفسدةٌ، لِما فيه من الإضرار بالزوجات، لكنه جاز أن تُضَرّ كلُّ (١) واحدة منهن بثلاث، نظرًا لمصالح الرجال وتحصيلًا لمقاصد النكاح. وحرُمت الزيادة على الأربع، نظرًا للنساء ودفعًا لمضارّ جور الرجال على الأزواج. كما جاز كَسْر المرأة بثلاث طلقات ولم تجُز الزيادة عليها، نظرًا لمصالح النساء، وزجرًا للرجال عن تكثير مفسدة الطلاق) (٢).
يقال عليه: التمثيل بالضرّات على الوجه المذكور، فيه نظر؛ لأن هذا ليس من قبيل الأمثلة المركبة التي فيها مَفسدةٌ من وجه، ومصلحةٌ من وجه.
وما ذكره في الطلاق الثلاث، يقال عليه: قد يكون الطلاق مصلحةً للمرأة من جهة ما يحصل لها منه من الضرر، ومصلحةً للرجل وإراحته من شرها، ولهما إذا حصل الشِّقاق بينهما فعَيَّن الحاكمُ الحَكَمَيْن (٣).
стр. 213
وأما منعُ الزيادة على الثلاث، فقد يكون نظرًا لهما؛ أما للرجال: فلأنه يُوقِع عليها ما يحرّمها عليه بحيث تيأس من الرجعة.
ويكون نظرًا للمرأة على وجهٍ آخر، لأن ذلك الرجل الذي طَلَّق زوجته ئم راجع، ثم طَلَّق ثم راجع، ثم طَلَّق ثم راجع -قبل مشروعية الثلاث- وقال: لا أَدَعُكِ مطلَّقةً ولا معلَّقةً، شَرَع الله الطلاق من ذلك اليوم، وارتفعت الزيادة على الثلاث، واستأنف الناسُ الطلاق الئلاث من ذلك اليوم، مَن كان طَلَّق، ومن لم يطلِّق (١).
وهذا في حق الحُرّ. وأما من فيه رِقٌّ فلا يملك إلا طلقتين.
١٢١ - قوله: (المثال الحادي والثلاثون: التقرير على الأنكحة الفاسدة مَفسدةٌ إلا في تقرير الكفار على الأنكحة الفاسدة إذا أسلموا، فإنه واجب؛ لأنا لو أفسدناها لَزَهِد الكفار في الإسلام) (٢) إلى أن قال: (ولذلك لا يُقتص منهم بمن قَتَلوه من المسلمين، ولا يُغرّمون لِما أَتلفوه على المسلمين) إلى آخره (٣).
يقال عليه: عدم تضمين الأنفس والأموال بعد الإسلام، مختص بالحربيين. والحكمُ الأول لا فرق فيه بين الحربيين وغيرهم.
١٢٢ - قوله: (المثال الثاني والثلاثون: التقرير على الكفر مَفسدة كبيرة،
стр. 214
لأنه أعظم المفاسد. وفي تقرير المرتد ثلاثةَ أيام، قولان، أحدهما: أنه لا يقرَّر) (١) إلى أن قال: (والثاني: يقرَّر) (٢).
يقال عليه: لا يقال في مثل هذا: إنه تقرير، وإنما هو إمهال، فصواب العبارة: (وفي إمهال المرتد قولان: أحدهما: لا يمهَل، والثاني: يمهَل). فتأمله.
١٢٣ - قوله في المثال المذكور: (فإن قيل: لِمَ قرّرتم الكوافر على كفرهن على الدوام؟ قلنا: لأنهن قد صرن مالًا من أموال المسلمين، مع قرب رجوعهن إلى الإسلام) (٣).
يقال عليه: ما ذكره في علة تقرير الكوافر على كفرهن على الدوام، من أنهن قد صرن مالًا للمسلمين، لا يمشي في نساءٍ قُرِّرن بالجزية ابتداءً حيث جوّزناه، أو قُرِّرن تبعًا لمن قَرَّرْنا بالجزية.
فإن قيل: في قول الشيخ: (لأنهن قد صرن مالًا من أموال المسلمين) إرشاد إلى الكلام في المسبيّات خاصة. قلنا: فكان ينبغي أن يذكر الحكم في غيرهن.
والصواب في التعليل: أنهن إنما قُرِّرن إذا كنّ مسبيّات، لعدم قتالهن؛ فإن لم يكنّ مسبيّات فلبذلهنّ الجزية إن قُرِّرن بها أو تبعًا لمن قُرِّر بالجزية.
١٢٤ - قوله: (المثال الخامس والثلاثون: التقرير بالجزية. وهو مختص
стр. 215
بأهل الكتابين والمجوس) إلى أن قال: (ولا تؤخذ الجزية عوضًا عن تقريرهم على الكفر، إذ ليس من إجلال الربّ أن تؤخذ الأعواض على سبِّه وشتمِه ونسبتِه إلى ما لا يليق بعظمته. ومن ذهب إلى ذلك فقد أبعد) (١).
يقال عليه: هذا يقتضي أن من العلماء مَن ذهب إلى ذلك، ولا أعلم من قال به. وإنما تؤخذ الجزية عن حقن دمائهم، أو أجرة سكناهم في بلاد المسلمين، على الخلاف في ذلك. وأما على ما ذكره الشيخ، فلم يقل به أحد.
١٢٥ - قوله في الفصل المذكور: (الغيبة مَفسدةٌ محرّمة، لكنها جائزة إذا تضمنت مصلحةً واجبة التحصيل، أو جائزة التحصيل. ولها أحوال: أحدها: أن يشاوَر في مصاهرة إنسان، فيذكره بما يكره) (٢) إلى أن قال: (فهذا جائز. والذي يظهر لي أنه واجب لأمر رسول الله ﷺ بالنصح لكل مسلم) (٣).
يقال عليه: ما ذكره من الوجوب على ما ظهر له، جزم به النووي في (الأذكار) و (الرياض) وشرح مسلم (٤). والصواب خلافه؛ لأنه يؤدي إلى أن