وعليه قيل: لو كان مجبوبًا جاز أن يتزوج الأمة، إذ لا يلحقه الولد، فالمعنى منتفٍ. والأرجح عدم الجواز في المجبوب، لظاهر القرآن. وقولُهم: إن العلة إرقاق الولد، ممنوع.
١١٨ - قوله في المثال المذكور: (فإن قيل: كيف يحرُم تحصيل مصلحة ناجزة محققة، لتوقع مَفسدة متوهمة؟ قلنا: لمّا غلب وقوع هذه المفسدة، جَعَل الشرع المتوقَّعَ كالمحقَّق، فإن العلوق غالبٌ كثيرٌ؛ والشرع قد يحتاط لِما يكثُر وقوعه، احتياطَه لِما تحقق وقوعه. ألا ترى أن من أثبت أن أباه مات، فإنه يلزمه حصر الورثة فيه) إلى آخره (١).
يقال عليه: التزامه حصرَ الوراثة فيه، ليس لِما ذكره من إنزال المتوقع منزلة المحقق، بل للشك في الاستحقاق.
١١٩ - قوله في المثال أيضًا (٢): (فإن قيل: لو طلَب هذا الابن من التركة درهمًا واحدًا، وهي عشرة آلاف، فهل يُدفع إليه شيء قبل إثبات الحصر أم لا؟ قلنا: نعم، يُدفع إليه ما يُقطع بأنه يستحقه إذا كان عدد الورثة لا ينتهي إلى مثل عدد التركة في العادة) إلى آخره (٣).
يقال عليه: ما جَزَم به من أنه يُدفع إليه ما يُقطع بأنه يستحقه، يردّه ما صححوه فيما إذا خلّف ابنًا وزوجةً حاملًا، من أنه لا يُعطَى شيئًا أصلًا. ولو كان كما ذكره الشيخ لأُعطِي اليقينَ، كما هو أحد الأوجه.
نعم يُعطَى اليقينَ، فيما إذا خلّف زوجةً حاملًا وأبوين، فإن للزوجة ثُمُنًا عائلًا، وللأبوين سُدسين عائلين، لأن لكلٍّ منهما ها هنا مقدارًا يرجع به على التركة، فأُعطِيَه عائلًا؛ لأنه لا يمكن أن يأخذ أقل منه على كل تقدير.
стр. 212
وقد يتيقن ما يُصرف لبعض الورثة دون بعض، كما إذا كان هناك زوجةٌ حاملٌ وبنتان أو أمٌّ معهن، فإنه تُعطَى الزوجةُ الثُمنَ كاملًا، لأنها تستحقه على كل تقدير. وكذلك تُعطَى الأمُّ السُدسَ كاملًا لأنها تستحقه على كل تقديره ولكن اليقين في جميع الورثة مخصوص بصورة العول.
١٢٠ - قوله: (المثال الثلاثون: تزوُّج الضرّات بعقد أو عقود، مَفسدةٌ، لِما فيه من الإضرار بالزوجات، لكنه جاز أن تُضَرّ كلُّ (١) واحدة منهن بثلاث، نظرًا لمصالح الرجال وتحصيلًا لمقاصد النكاح. وحرُمت الزيادة على الأربع، نظرًا للنساء ودفعًا لمضارّ جور الرجال على الأزواج. كما جاز كَسْر المرأة بثلاث طلقات ولم تجُز الزيادة عليها، نظرًا لمصالح النساء، وزجرًا للرجال عن تكثير مفسدة الطلاق) (٢).
يقال عليه: التمثيل بالضرّات على الوجه المذكور، فيه نظر؛ لأن هذا ليس من قبيل الأمثلة المركبة التي فيها مَفسدةٌ من وجه، ومصلحةٌ من وجه.
وما ذكره في الطلاق الثلاث، يقال عليه: قد يكون الطلاق مصلحةً للمرأة من جهة ما يحصل لها منه من الضرر، ومصلحةً للرجل وإراحته من شرها، ولهما إذا حصل الشِّقاق بينهما فعَيَّن الحاكمُ الحَكَمَيْن (٣).
стр. 213
وأما منعُ الزيادة على الثلاث، فقد يكون نظرًا لهما؛ أما للرجال: فلأنه يُوقِع عليها ما يحرّمها عليه بحيث تيأس من الرجعة.
ويكون نظرًا للمرأة على وجهٍ آخر، لأن ذلك الرجل الذي طَلَّق زوجته ئم راجع، ثم طَلَّق ثم راجع، ثم طَلَّق ثم راجع -قبل مشروعية الثلاث- وقال: لا أَدَعُكِ مطلَّقةً ولا معلَّقةً، شَرَع الله الطلاق من ذلك اليوم، وارتفعت الزيادة على الثلاث، واستأنف الناسُ الطلاق الئلاث من ذلك اليوم، مَن كان طَلَّق، ومن لم يطلِّق (١).
وهذا في حق الحُرّ. وأما من فيه رِقٌّ فلا يملك إلا طلقتين.
١٢١ - قوله: (المثال الحادي والثلاثون: التقرير على الأنكحة الفاسدة مَفسدةٌ إلا في تقرير الكفار على الأنكحة الفاسدة إذا أسلموا، فإنه واجب؛ لأنا لو أفسدناها لَزَهِد الكفار في الإسلام) (٢) إلى أن قال: (ولذلك لا يُقتص منهم بمن قَتَلوه من المسلمين، ولا يُغرّمون لِما أَتلفوه على المسلمين) إلى آخره (٣).
يقال عليه: عدم تضمين الأنفس والأموال بعد الإسلام، مختص بالحربيين. والحكمُ الأول لا فرق فيه بين الحربيين وغيرهم.
١٢٢ - قوله: (المثال الثاني والثلاثون: التقرير على الكفر مَفسدة كبيرة،
стр. 214
لأنه أعظم المفاسد. وفي تقرير المرتد ثلاثةَ أيام، قولان، أحدهما: أنه لا يقرَّر) (١) إلى أن قال: (والثاني: يقرَّر) (٢).
يقال عليه: لا يقال في مثل هذا: إنه تقرير، وإنما هو إمهال، فصواب العبارة: (وفي إمهال المرتد قولان: أحدهما: لا يمهَل، والثاني: يمهَل). فتأمله.
١٢٣ - قوله في المثال المذكور: (فإن قيل: لِمَ قرّرتم الكوافر على كفرهن على الدوام؟ قلنا: لأنهن قد صرن مالًا من أموال المسلمين، مع قرب رجوعهن إلى الإسلام) (٣).
يقال عليه: ما ذكره في علة تقرير الكوافر على كفرهن على الدوام، من أنهن قد صرن مالًا للمسلمين، لا يمشي في نساءٍ قُرِّرن بالجزية ابتداءً حيث جوّزناه، أو قُرِّرن تبعًا لمن قَرَّرْنا بالجزية.
فإن قيل: في قول الشيخ: (لأنهن قد صرن مالًا من أموال المسلمين) إرشاد إلى الكلام في المسبيّات خاصة. قلنا: فكان ينبغي أن يذكر الحكم في غيرهن.
والصواب في التعليل: أنهن إنما قُرِّرن إذا كنّ مسبيّات، لعدم قتالهن؛ فإن لم يكنّ مسبيّات فلبذلهنّ الجزية إن قُرِّرن بها أو تبعًا لمن قُرِّر بالجزية.
١٢٤ - قوله: (المثال الخامس والثلاثون: التقرير بالجزية. وهو مختص
стр. 215
بأهل الكتابين والمجوس) إلى أن قال: (ولا تؤخذ الجزية عوضًا عن تقريرهم على الكفر، إذ ليس من إجلال الربّ أن تؤخذ الأعواض على سبِّه وشتمِه ونسبتِه إلى ما لا يليق بعظمته. ومن ذهب إلى ذلك فقد أبعد) (١).
يقال عليه: هذا يقتضي أن من العلماء مَن ذهب إلى ذلك، ولا أعلم من قال به. وإنما تؤخذ الجزية عن حقن دمائهم، أو أجرة سكناهم في بلاد المسلمين، على الخلاف في ذلك. وأما على ما ذكره الشيخ، فلم يقل به أحد.
١٢٥ - قوله في الفصل المذكور: (الغيبة مَفسدةٌ محرّمة، لكنها جائزة إذا تضمنت مصلحةً واجبة التحصيل، أو جائزة التحصيل. ولها أحوال: أحدها: أن يشاوَر في مصاهرة إنسان، فيذكره بما يكره) (٢) إلى أن قال: (فهذا جائز. والذي يظهر لي أنه واجب لأمر رسول الله ﷺ بالنصح لكل مسلم) (٣).
يقال عليه: ما ذكره من الوجوب على ما ظهر له، جزم به النووي في (الأذكار) و (الرياض) وشرح مسلم (٤). والصواب خلافه؛ لأنه يؤدي إلى أن
стр. 216
لا يَرغب أحدٌ في المستشار فيه، ويؤدي ذلك إلى مفسدة أعظم مما يحصل في مصاهرته، كوقوعٍ في زنا ونحو ذلك. فالصواب: الجواز.
١٢٦ - قوله: (المثال الحادي والخمسون: قطع أعضاء الجاني حفظًا لأعضاء الناس.
المثال الثاني والخمسون: جَرح الجاني حفظًا للسلامة من الجِراح.
المثال الثالث والخمسون: قتل الجاني مَفسدةٌ بتفويت حياته، لكنه جاز لِما فيه من حفظ حياة الناس على العموم) (١).
يقال عليه: ما ذكره في هذه الأمثلة، مراده به: أن هذا هو السبب في مشروعية ذلك قبل النظر إلى وقوع مقتضِيهِ من شخصٍ بعينه. فأما إذا وقع من خص، فالحكم في مشروعية ذلك في حقه، امتناعُ غيره من الإقدام على فعله، مع زيادة معاملته بمثل صنيعه بالاقتصاص منه. فليُتأمل.
١٢٧ - قوله: (المثال الثاني والستون: الحبس. وهو مَفسدةٌ في حق المحبوس، لكنه جاز لمصالح تَرجُحُ على مفسدته، وهي أنواع: منها حبس الجاني عند كَيبة المستحِق، حفظًا لمحل القصاص) (٢).
يزاد عليه: (وكذا عند صباه، وجنونه).
وكمحلّه في الغَيبة: ما إذا كان غير مفقود (٣). فإن كان المستحِق مفقودًا، فإنه لا يُحبس إلا إذا مضت مدة يغلب على الظن أنه لا يعيش فوقها، فينتقل القصاص إلى وارثه.
стр. 217
ومحلُّه في الغَيبة والصبا والجنون (١): ما إذا وقعت الجناية في غير قطع الطريق؛ فإن وقعت في قطع الطريق، كما إذا قَتَل (٢) في قطعٍ لطريقٍ (٣)، وكان المستحِق صبيًّا أو مجنونًا أو غائبا، فإنه يُقتل (٤) حالًا، ولا يُنتظَر به البلوغ والإفاقة والحضور (٥)، لأن قُصاراه أن يعفو المستحِق، وهو لا أثر لعفوه في دفع العقوبة، لتحتّمها. فليُتأمل.
١٢٨ - قوله في المثال المذكور: (فإن قيل: لِم تحبسون مدّعِي الإعسار بالحق مع أن الأصل عدم الغنى؟ قلنا: له أحوال: أحدها: أن يُعرف له مال (٦) بمقدار الحق أو أكثر منه، فنحبسه بناء على الأصل) (٧) إلى أن قال: (فإن قيل: إذا طالت المدة وكان ضعيفًا عن الكسب، فالظاهر أنه ينفق ما عهدناه على نفسه وعلى عياله، فإذا مضت مدةٌ يستوعب (٨) نفقتُها الغنى الذي
стр. 218
عهدناه، فينبغي أن لا يُحبس، لمعارضة هذا الظاهر لاستمرار غناه؟ قلتُ: جواب هذا السؤال مشكل جدًّا) إلى آخره (١).
يقال عليه: لا إشكال في الجواب الأول. فإن ادَّعَى الإنفاقَ، كان القولُ قولَه لأنه وافق الظاهرَ، فلا إشكال. وإن لم يدَّعِ الإنفاق بل ادّعى الإعسار فقط، ولم يدّعِ أنه أنفقه في مدة ضَعفه، فالقول قول خصمه لموافقة الظاهر بما عُرف له من المال. لا يقال: دعوى الإعسار مع ضَعفه وطولِ المدة، تكفي في أن بكون القولُ قولَه؛ لأن القاضي لا يحكم له بما لم يدَّعِه. فتأمله.
١٢٩ - قوله: (الحالة الثانية (٢): أن لا يُعرف له غنى ولا فقر. وفيه مذاهب: أحدها: لا يُحبس، لأن الأصل فقرُه) (٣) ثم قال: (والثاني: يُحبس، لأن الغالب في الناس أنهم يملكون ما فوق كفايتهم، والفقراء الذين لا يملكون ذلك: بالنسبة إلى هؤلاء، قليل. وهذا مشكل جدًّا إذا كان الحق غزيرًا كثيرًا كالألف والألفين، إذ ليست الغلبة متحققة في الغنى المتسع، فكيف يُحبس الغريم على عشرة آلاف، وليس الغالب في الناس من يملك عشرة آلاف) ثم قال: (ويحتمل أن يقال: إذا أَدَّى قدرًا يخرج به عن الغلبة، وجب إطلاقه. وهذا قريب. المذهب الثالث: إن لزمه الدين باختياره، فالقول قوله) (٤) إلى آخره (٥).
يقال عليه: ما ذكره من هذه المذاهب، هي أوجه في مذهب الشافعي ﵁، ولكن إنما أوردها الأصحاب في (مَن القولُ قولُه).
стр. 219
وهذا الوجه الثاني (١) صائر إلى أن القول قول غريم المفلس؛ لأنه يوافق الظاهر، وطردِ الباب طردًا واحدًا، فلا فرق بين اليسير والكثير. ولأن الأصل استحقاق المطالبة. والشيخ نَصَب الأوجه في حبسه معلِّلًا هذا الوجه، بأن الغالب في الناس أنهم يملكون ما فوق كفايتهم، فجاء الإشكال الذي ذكره.
١٣٠ - قوله: (الحالة الثالثة من أحوال مدعي الإعسار: أن يُعهد له مالٌ ناقصٌ عن مقدار الحق الذي يلزمه، فيُحبس عليه. وفي حبسه على ما وراءه: الخلاف المذكور في الحالة الثانية إن كان المدَّعَى به نزرًا يسيرًا. وإن كان كثيرا ففيه مذهبان: أحدهما: يُطلَق للأصل. والثاني: يُفرّق بين ما التزمه وبين ما لزمه بغير اختياره. ولا يجيء المذهب الثالث، إذ لا غلبة) (٢).
يقال عليه: إنما انتَفَى (٣) لأجل تعليله بالغلبة. وقد تقدم أن العلة الصحيحة في المذهب الثاني: إنما هي كون الظاهر أن الحرّ يَملِك (٤).
١٣١ - قوله في (المثال الثالث والستون): (وكذلك لا يُشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن يكون المأمور والمنهي عاصيين، بل يُشترط فيه أن يكون أحدهما ملابسًا لمفسدة واجبة الدفع، والآخرُ تاركًا لمصلحة واجبة التحصيل. ولذلك أمثلة: أحدها: أمر الجاهل بمعروف لا يَعرف (٥) إيجابه) (٦).
стр. 220
يقال عليه: في التمثيل بأمر الجاهل بمعروفٍ لا يَعرف إيجابه، نظر؛ لأنه لم يتلبس بمنكر، إلا أن يقال: إنه متلبس ولكنه معذور لجهله.
١٣٢ - قوله في (المثال الثالث والستون): (المثال الرابع: ضرب الصبيان على ترك الصلاة والصيام وغير ذلك من المصالح. فإن قيل: إذا كان الصبي لا يصلحه إلا الضرب المبرّح، فهل يجوز ضربه تحصيلًا لمصلحة تأديبِهِ؟ قلنا: لا يجوز ذلك، بل لا يجوز أن يضرب ضربًا غير مبرّح) إلى آخره (١).
يقال عليه: المختار أن يضرب ضربًا غير مبرّح وإن لم يَنجَع، كحد الخمر في العبد، فإنه يُضرب عشرين وإن لم يَنزجر مثلُه بذلك. وهذا ظاهر القرآن في الزوجات (٢)، خلافًا لمن ذهب إلى أنه لا يضرب إلا أن يَنجَع (٣).
стр. 221
١٣٣ - قوله فيه أيضًا: (المثال الثامن: لو وَكَّل وكيلًا في بيع جارية، فباعها، فأراد الموكِّل وَطْأها ظنًّا أن الوكيل لم يبعها، فأخبره المشتري أنه اشتراها، فلم يصدّقه؛ فللمشتري أن يدفعه عنها ولو بالقتل (١) -مع أنه لا إثم عليه- (٢) إلى آخره (٣).
يقال عليه: نفي الإثم عن المالك في الوَطي، صريح في أنه لا يحرُم عليه وَطْيُ الجارية إذا أخبره المشتري، ولم يصدّقه، وإنما للمشتري أن يَدفعه عنها.
والصواب: التحريم، لقوة هذه القرينة المقتضية لعدم الإقدام. وقد تقدم في أوائل الكتاب في (الفصل المعقود لإتيان المفاسد ظنًّا أنها من المصالح): التنبيهُ على صورةٍ أخف حالًا من هذه، وأن الاختيار فيها عدم جواز الإقدام على الوَطْي هَجْمًا، فليراجع (٤).
* * *
стр. 222
[فصل في الوسائل إلى المصالح]
١٣٤ - قوله في الفصل المعقود عليه للوسائل إلى المصالح (١):
(مثال الجمع بين الأمر بمعروفين فما زاد، أن تَرَى جماعةً قد تركوا الصلاة المفروضة حتى ضاق الوقت بغير عذر، فتقول لهم بكلمة واحدة: صلُّوا) إلى آخره (٢).
стр. 223
يقال عليه: لقائل أن يقول: بل قوله للجماعة: صلُّوا، (معروفٌ واحد)، فليُتأمل.
١٣٥ - قوله في الفصل المذكور في أثناء (القسم الثاني: ما هو وسيلة إلى وسيلة): (فالولاية العظمى أفضل) ثم قال: (وتليها ولاية القضاء) (١).
يقال عليه: إنما يلي الولاية العظمى ... (٢): العامة، ثم يليها: القضاء.
وقد يُفهم ذلك من قول الشيخ: (لعموم جلبها المنافع ودرئها المفاسد)، فهذه العلة تشمل الولاية العامة في الرتبة الأولى وفي الرتبة الثانية، ولكن في فهمه منه عُسرٌ، فمن ثَمَّ وقع التنبيه عليه.
١٣٦ - قوله في (القسم الثاني أيضًا): (فمن نسي صلاة من صلاتين مكتوبتين، لزمه قضاؤهما) (٣) إلى أن قال: (فإنْ ذَكَر في الثانية أن الأولى هي المفروضة، سقط وجوبها بسقوط المتوسَّل إليه. وهل تبطل أو تبقى نفلًا؟ فيه خلاف) (٤) إلى آخره (٥).
يقال عليه: الخلاف في بطلان الثانية، أو بقائها نفلًا، محله ما لم تكن الثانية مُعادةً؛ فإن كانت الثانية مُعادةً بوقوعها في جماعة، فإنها تبقى نفلًا بلا خلاف.
١٣٧ - قوله في (القسم المذكور): (وقد استثني من سقوط الوسائل سقوط المقاصد: أن الناسك الذي لا شعر على رأسه مأمور بإمرار الموسى
стр. 224
على رأسه، مع أن إمرار الموسى على رأسه وسيلة إلى إزالة الشعر، فيما ظهر لنا) (١).
يقال عليه: هذا الكلام فيه نظر، إذ لو كان الاستثناء الذي ذكره، على بابه، كان إمرار الموسى على من لا شعرَ على رأسه، واجبًا، والفرض أنه مستحب.
* * *
[فصل في الوسائل إلى المفاسد]
١٣٨ - قوله في الفصل المعقود للوسائل إلى المفاسد (٢):
(فمن أَتَى شيئًا مختلفًا في تحريمه معتقدا تحريمه، وجب الإنكار عليه لانتهاكه الحرمة) (٣).
يقال عليه: محل هذا أن يكون المنكِر معتقدًا تحريم ما يُنكره، فلا يجب على الشافعي أن ينكر على الحنفي أكلَ الضبّ ومتروكِ التسمية؛ ولا على الحنفي أن ينكر على الشافعي (٤) الوطءَ في نكاح بلا وليّ، وإن كان المنكَر عليه معتقِدًا تحريمه (٥).
стр. 225
فإن كان مختلفًا فيه، والمنكَر عليه يعتقد حِلَّه، والمنكِر يعتقد تحريمه؛ فإن كان دليل معتقِد الحِلّ قويًّا، فلا يُنكِر عليه معتقِد التحريم. وإن كان ضعيفًا، أَنكَر عليه معتقِد التحريم.
١٣٩ - قوله فيه أيضًا: (وذلك كمن يطأ جاريةً بالإباحة معتقدًا لمذهب عطاء (١)، فيجب الإنكار عليه) (٢).
يقال عليه: محل وجوب الإنكار، في غير المجتهد. أما إذا كان مجتهدًا كعطاء، فإنه لا يجب الإنكار (٣).
١٤٠ - قوله فيه أيضًا: (وقد تجوز المعاونة على الإثم والعدوان، لا من جهة كونها معصية، بل من جهة كونها وسيلة إلى مصلحة، وله أمثلة)، فذَكَر:
стр. 226
بَذْل المال في فك الأسرى، وأنه حرام على آخِذِيه، مباح بل مندوب لباذِلِيه.
وبَذْل المال للمُصادِر؛ دفعًا عن النفس (١).
وبَذْل المال من المرأة دفعًا للغاصب عن الزنى بها (٢).
ويقال فيه: كان ينبغي أن يذكر من أمثلة ذلك: التقرير بالجزية، فإن فيه إعانة على أعظم المعاصي الذي هو الكفر بالله .
وقوله في مثال (فك الأسرى): أنه (مباح بل مندوب لباذليه)، يزاد عليه: بل واجب إذا تعيّن طريقًا. وهو قد صَرَّح بالوجوب في المثالين الآخرين.
١٤١ - قوله في مثال (بذل المال للمُصادِر) (٣): (ومنها: أن يريد الظالم قتل إنسان مصادرةً على ماله، ويغلب على ظنه أنه يقتله إن لم يدفع إليه ماله، فإنه يجب عليه بذل ماله فكاكًا لنفسه) (٤).
يقال فيه: مراده: ما إذا تحقق قتلَ نفسه ما لم يَدفع المال، وإلا فقد قال رسول الله ﷺ : (من قُتل دون ماله فهو شهيد) (٥). والمختار عدم وجوب دفع المال في هذا المثال، لظاهر الحديث.
* * *
стр. 227
[فصل في اختلاف الآثام باختلاف المفاسد]
١٤٢ - قوله في الفصل المعقود لاختلاف الآثام باختلاف المفاسد:
(وليس من قَتَل فاسقًا ظالمًا من فساق المسلمين، بمثابة من قَتَل إمامًا عادلًا أو حاكمًا مقسطًا أو واليًا منصفًا، لِما فَوَّته على المسلمين من العدل والإقساط والإنصاف. وعلى هذا حَمَل بعضهم قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (١) [المائدة: ٣٢]).
يقال عليه: ما ذكره الشيخ من الحمل، ضعيف. وإنما كان الواحد كالجمع هنا، لأن كل إنسان يُدلي بما يُدلي به الآخر من الكرامة على الله ، وثبوتِ الحرمة. وذُكر ذلك تعظيمًا لقتل النفس، لأن المتعرِّض لقتل النفس، إذا تَصَوَّر قَتْلَها بصورة قتل الناس جميعًا، عظُم ذلك عليه. وتبيّن بذلك أنه إنما شَبَّه الواحد بالجمع، لأن جهة الجميع واحدة، فإذا انتَهَك حرمة واحد، فقد انتَهَك حرمة الجميع.
١٤٣ - قوله فيه أيضًا: (وكذلك جناية الإنسان على أعضاء نفسه، يتفاوت إثمها بتفاوت منافع ما جَنَى عليه) إلى أن قال: (وليس لأحد أن يُتلف ذلك من نفسه، لأن الحق في ذلك كله مشترك بين ربّه وبينه) (٢).
يقال عليه: بل الحق متمحض في ذلك لربّه، وأما حق نفسه فإنه ساقط بإقدامه على ذلك. وإنما يكون الحق مشتركًا بينه وبين ربّه، إذا فَعَل به ذلك غيرَه. فليُتأمل.
стр. 228
١٤٤ - قوله فيه أيضًا: (وكذلك قلع العين أشد إثمًا من صَلْم الأذنين (١). وكذلك قطع الرِّجلين أعظم وزرًا مَن قطع أصابعهما) إلى آخره (٢).
يقال فيه: قطع الرّجلين أعظم وزرًا من قطع اليدين؛ لأن المصالح الفائتة بقطع الرّجلين أعظم وأكثر.
١٤٥ - قوله فيه أيضًا (٣): (وكذلك تختلف الأجور باختلاف رتب المصالح. فإذا تحققت الأسباب والشرائط والأركان في الباطن؛ فإن ثبت في الظاهر ما يوافق الباطن) (٤) إلى أن قال: (وإن كذب الظن، بأن ثبت في الظاهر ما يخالف الباطن، أُثيب المكلف على قصد العمل بالحق، ولا يثاب على عمله لأنه خطأ) (٥).
يقال عليه: المختار أنه يثاب على عمله أيضًا، لظاهر قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] إلى غير ذلك من الأدلة. وحكمُ الخطأ مرفوع وإن بان أنه خطأ. ولكن يشهد لِما قَعَّده الشيخ، قولُ النبي ﷺ لعمرو بن
стр. 229
العاص: (اقضِ على أنك إن أَصَبتَ، كان لك عشرُ حسنات. وإن أخطأتَ، كان لك حسنةٌ واحدة)، الحديث. رواه الدارقطني وغيره. وله قصة (١).
١٤٦ - وقوله فيما قَعَّده (٢): (ولذلك أمثلة: أحدها: ما يَنتفع به الإنسان من المآكل والمشارب) إلى أن قال: (فإن صَدَق ظنُّه، فقد حصلت المصلحة المقصودة من إباحة ذلك. وإن كَذَب ظنُّه، لزمه ضمان ما انتَفَع به من ذلك أو تلِف عنده) (٣).
يقال عليه: هذا المثال لا يطابق ما قَعَّده من أنه يثاب على قصده، لا على عمله. فليُتأمل.
١٤٧ - قوله في الأمثلة المذكورة: (المثال الرابع: إذا اعتكف المكلف في مكان يظنه مسجدًا؛ فإن كان مسجدًا في الباطن أثيب على قصده واعتكافه لأنه هَمَّ بحسنةٍ وعَمِلَها. وإن لم يكن مسجدًا في الباطن، أثيب على قصده دون اعتكافه، لأن اعتكافه إفسادٌ لمنافع لا يستحقها وتلزمه أجرتها) (٤).
يقال فيه: ها هنا مسألة حسنة، وهي: ما لو اعتكف في المسجد على ظنّ
стр. 230
أنه متطهر ثم بان جُنُبًا، فالظاهر أنه يلزمه الأجرة إذا قلنا: يَلزَم فيما إذا شَغَل المسجدَ ونحوها فيما لم تُبْنَ له المساجد (١)، لأنه بَانَ أنه شَغَل بقعةً من المسجد بما لا يليق بها.
* * *
[فصل فيما يتعلق به الثواب والعقاب من الأفعال]
١٤٨ - قوله في الفصل المعقود لِما يتعلق به الثواب والعقاب من الأفعال:
(لا يثاب الإنسان ولا يعاقَب إلا على كسبه أو اكتسابه) إلى آخره (٢).
يقال فيه: قد يُستثنى منه: (الطفل، يحُجّ عنه وليُّه)؛ فإن المرأة لمّا رَفَعت الصبيَّ للنبي ﷺ وقالت: ألهذا حج؟ قال: (نعم، ولكِ أجرٌ) (٣) يقتضي أن الصبي يثاب (٤)، إلا أن (٥) يقال: فعلُ الوليّ قائم مقام فعله.
١٤٩ - قوله فيه أيضًا: (ولأن الغرض بالتكاليف تعظيمُ الإله بطاعته
стр. 231
واجتناب معصيته وذلك يختص بفاعِلِيه) إلى أن قال: (فلذلك لا تجوز الاستنابة في المعاصي والمخالفات) (١).
يقال عليه: يستثنى من الاستنابة في المعاصي: التوكيلُ في الظِّهار على رأي، والتوكيلُ في طلاق امرأته بدعيًّا حيث صححناه.
١٥٠ - قوله فيه أيضًا: (وقد ظَنّ بعض الجهلة أن المصاب مأجور على مصيبته. وهذا خطأ صريح، فإن المصائب ليست من كسبه) إلى آخره (٢).
يقال عليه: ما ذهب إليه من أن المصاب لا يُؤجر على المصيبة، يردّه نص الشافعي ﵁ (٣) في (الأم) في (باب طلاق السكران)، وهو قوله ﵁: (فإن قال قائل: فهذا (٤) مغلوب على عقله، والمريض والمجنون مغلوب على عقله؟ قيل: المريض مأجور ويكفَّر عنه بالمرض، مرفوعٌ عنه القلم إذا ذهب عقله؛ وهذا آثمٌ مضروب على السُّكر غيرُ مرفوع عنه القلم، فكيف يقاس من عليه العقاب بمن له الثواب؟). هذا نصُّه.
وأيضًا، فلا بُدّ من النظر إلى ثلاثة أمور:
стр. 232
أحدها: وهي التسليم لِما يصيبه قبل أن يصيبه، فهذا مأجور عليه.
والثاني: نفس المصيبة إذا نزلت به، فيؤجر عليها أيضًا لظواهر الأحاديث. لا يقال: ليست من كسبه؛ لأنا نقول: التسليم لها قبل ورودها، نُزلت منزلة كسبه، لتسليمه (١) لها ورضاه بها إذا وقعت.
والثالث: الصبر، وهو مأجور عليه باتفاق.
١٥١ - قوله فيه أيضًا: (ولو أَلقَى على إنسان حجرًا، ثم مات المُلقِي (٢) قبل وصول الحجر إلى المُلقَى عليه، فهلك بذلك الحجر بعد موت المُلقِي، فإنه يأثم إثم القاتلين العامدين ويجب عليه ما يجب عليهم) (٣).
يقال عليه: في هذا نظر من حيث إن القصاص لا يجب إلا بالزهوق، وإنما حصل بعد موت الجاني. وإذا كان الإلقاء خطأً فلا يجب على العاقلة، لأن الشرط: كونُها عاقلةً من الفعل إلى الزهوق؛ وحين الزهوق لم تكن عاقلةً، لموت الجاني قبله. فليُتأمل.
* * *
[فصل فيما يثاب عليه العالم والحاكم وما لا يثابان عليه]
١٥٢ - قوله في الفصل المعقود لِما يثاب عليه العالم والحاكم، وما لا يثابان عليه:
стр. 233
(فإن عزما على أن يعملا بما أُمرا به في الفتيا والحكم، أُثيبا على عزمهما. فإن أمضيا ما عزما عليه، أُثيبا على عزمهما وفعلهما؛ وإن رجعا عما عزما عليه، أُثيبا على عزمهما، وأَثِما برجوعهما) (١).
يقال عليه: الرجوع الذي ذكره؛ إن كان المراد به: العزم على عدم العمل، ففي التأثيم بالعزم خلافٌ، صرَّح به المتولي في (التتمة) (٢) في (باب زكاة التجارة). والأصح من الخلاف: أنه لا يأثم بالعزم ما لم يتلبس بالمعصية.
* * *
[فصل في تفضيل الحكام على المفتين]
١٥٣ - قوله في الفصل المعقود لتفضيل الحكام على المفتين:
(وتصدّي الحكام للحكم أفضل من تصدّي المفتي للفتيا) (٣).
يقال عليه: في هذا نظر، فإن متعلَّق الفتيا أعمّ.
١٥٤ - قوله فيه أيضًا: (فإذا أَمَر الإمام بالجهاد كان متسبِّبا إلى تحصيل
стр. 234
مصالحه، بأمره الأجناد بمباشرة القتال. ولمُباشِر القتال أجرٌ أفضل من أجر الإمام، لأن الإمام متوسِّل إلى مصالح الجهاد، والمُقاتل مباشِرٌ. لكن الظاهر أن أجر الإمام أفضل من أجر الواحد من المجاهدين؛ فإذا كانوا ألفًا كان لكل واحدٍ منهم أجرُ مباشرته على حسب ما باشر، وللإمام أجرُ تسبّبه إلى قتال الألف) إلى آخره (١).
يقال عليه: ما ذكره من أن أجر الإمام -والحالةُ هذه- أقل من أجور المباشرين للقتال: فيه نظر، لقوله ﷺ : (من دعا إلى هدى، كان له مثلُ أجر من عَمِل به، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا) (٢)، وهذا يقتضي أن يكون أجرُ الإمام للتسبب إلى جهادِ ألفٍ: كأجر الألف المباشرين للجهاد. وهذا هو الأرجح.
стр. 235
١٥٥ - قوله فيه أيضًا (١): (فإن قيل: إذا جار الأئمة والحكام وعَدَلُوا، فهل يقوم عدلُهم بجورهم؟ فالجواب: أن ما فوَّتوه من الأموال مضمون عليهم في الدنيا؛ فإن أدَّوه، برئت ذممهم وبقوا في عهدة إثم الحيلولة. وإن لم يؤدّوه، أُخذ في الآخرة من حسناتهم؛ فإن فَنِيت حسناتهم، طُرح عليهم من سيئات مَنْ ظلموه، ثم طُرحوا في الجحيم) (٢).
يقال عليه: هذا الجواب غير مطابق للسؤال. وينبغي أن يجاب بأنه إن رَبَا العدل على الجور، قام العدل بالجور حكمًا للأغلب، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وإن رَبَا الجور على العدل، فلا.
١٥٦ - قوله فيه أيضًا: (فإن قيل: لو مات المكلف وعليه دَيْنٌ لم يأثم بسببه ولا بمَطْله، فهل يؤخذ من حسناته في الآخرة بمقدار ما عليه من الدَّين؟ قلنا: نعم) إلى أن قال: (كما تؤخذ أمواله ومساكنه وعبيده وإماؤه في الدنيا) (٣).
يقال عليه: هذا الجواب ممنوع. والأرجح أنه لا يؤخذ في الآخرة من ثواب حسناته شيء، لعدم تعدّيه. وفي الحديث: (من أَخَذ أموال الناس يريد أداءها، أدَّى الله عنه) (٤).
стр. 236
وما ذكره الشيخ ﵀ من قياس الغائب على الشاهد، لا يصح؛ إذ لا يلزم من أخذ أمواله ومساكنه وعبيده في الدنيا، أن يؤخذ من ثواب حسناته في الآخرة، لأن الدنيا في ار تكليف، والآخرةُ دارُ أجر على الطاعة أو المعصية، ولم يوجد منه معصية.
* * *
[فصل فيما يُثاب عليه الشهود وما لا يثابون عليه]
١٥٧ - قوله في الفصل المعقود لِما يُثاب عليه الشهود وما لا يثابون عليه:
(فإن قيل: إذا جوّزتم أخذ الأجرة على تحمل الشهادة، فهل يجوز أخذها على تحمل الشهادات التي يبعُد تذكُّرُها ومعرفةُ الخصمين فيها؟ قلنا: لا يجوز ذلك، لأن باذل الأجرة إنما يبذلها على تقدير الانتفاع بها عند الحاجة إليها) (١).
يقال عليه: عدم جواز أخذ الأجرة في الصورة المذكورة، فيه نظر. والأرجح جواز الأخذ.
١٥٨ - قوله: (لأن باذل الأجرة إنما يبذلها) إلى آخره (٢).
يقال عليه: بل يبذلها على التحمل الذي يحتمل أن يَنتفع به عند الحاجة، واحتمال النفع ممكن، ولا نظرَ إلى ما يمنع النفع وإنْ غَلَب. وقد يَنتفع
стр. 237
بالتحمل في الحال ولو يكون الدَّين مؤجلًا على رأيٍ، أو لغرض التسجيل على رأي آخر.
١٥٩ - وقوله بعد ذلك: (فيصير -يعني: الشاهد- آخِذًا للأجرة على شهاد لا يحلّ له أداؤها) (١).
يقال عليه: هذا غير محقق. وليس ذلك من الاستئجار على المعاصي.
* * *
[فصل في بيان الإخلاص والرياء والتسميع]
١٦٠ - قوله في الفصل المعقود لبيان الإخلاص والرياء والتسميع، جوابًا عن حقيقة الإخلاص:
(أما الإخلاص فهو أن يفعل الطاعة خالصة لله وحده، لا يريد بها ثعظيما من الناس ولا توقيرًا ولا جلبَ نفعٍ ديني ولا دفعَ ضرّ دنيوي) (٢).
يقال عليه: الأولى أن يقال: الإخلاص هو أن يخصّ الله وحده بعبادته. ولا حاجة لقوله بعد ذلك: (ولا يريد تعظيمًا) إلى آخره، لأنه إذا أراد ذلك، لم يخص الله تعالى بعبادته.
١٦١ - قوله فيه أيضًا: (وله رُتب، منها: أن يفعلها -يعني: الطاعةَ- خوفًا) (٣) إلى أن قال: (ومنها: أن يفعلها تعظيمًا لله ومهابة وانقيادًا وإجابةً، ولا يخطر له غرض من الأغراض، بل يعبُد مولاه كأنه يراه) (٤).
стр. 238
يقال عليه: هذا مقام الإحسان. وهو غير مقام الإخلاص. فليُتأمل (١).
* * *
[فصل في بيان الإعانة علي الأديان]
١٦٢ - قوله: فصل في بيان الإعانة على الأديان:
وطاعةُ الربّ ليست شركًا في عبادة الديّان وطاعة الرحمن) (٢).
يقال فيه: دين الحق واحدٌ، وإنما جَمَع هنا (٣) باعتبار أنواعه، وفَعَل ذلك طلبًا للسجع بين (الأديان) و (الدّيّان). وكان الأولى غيرُ ذلك.
١٦٣ - قوله في الفصل المذكور: فإن قيل: هل يكون انتظارُ الإمام: المسبوقَ، ليدركه في الركوع، إشراكًا في العبادة أم لا؟ قلت: قد ظن بعض العلماء ذلك. وليس كما ظَنَّ. بل جمعٌ بين قُربتين، لِما فيه من الإعانة على إدراك الركوع، وهو قُربة أخرى) إلى آخره (٤).
يقال فيه: ما ذكره في مسألة المسبوق، من أن بعض العلماء ظَنّ أن ذلك إشراكٌ، مرادٌ بمن ذهب إلى ذلك من العلماء: أن فيه تشريكًا في العبادة ينافي
стр. 239
الإخلاص. والأولى: يُعلّل هذا الوجه بأن المصلي يُقبِل على ربه، فلا يناسب أن يَشغَل قلبه بانتظار أحد.
١٦٤ - وما ذكره بعد ذلك في الردّ على من ظَنّ أن ذلك إشراكًا، من قوله: (والإعانة على الطاعات والقُرُبات من أفضل الوسائل عند الله) إلى قوله: (فالإعانة على معرفة الله تعالى ومعرفةِ ذاته وصفاتِه، أفضلُ الطاعات. وكذلك الإعانةُ على معرفة شرعه. وكذلك المعونةُ بالفتاوى والتعليم والتفهيم) (١).
يقال عليه: هذه الأمثلة لا تُلاقي أمثلة المسبوق بوجهٍ؛ لأن هذه الإعانات، طَلَبها الشارع، وأجمع العلماء عليها.
وأيضًا فإن مسألة المسبوق، إنما قيل فيها بكراهة الانتظار، لتلبّسه بالعبادة. وليست الإعانة على التعليم والتفهيم والفرائض وغير ذلك، بهذه المثابة؛ لأن المُعين على ذلك ليس ملتبسًا بشيء من العبادات حال الإعانة على شيء من ذلك.
والإعانة في الأمثلة التي ذكرها الشيخ، لم يختلف المسلمون في شرعيتها واستحبابها. فليُتأمل ذلك.
١٦٥ - وأما قوله بعد ذلك: (ولو كانت الإعانة على الطاعة والخير رياءً وشركًا؛ لكان تبليغُ الرسالة وتعليمُ العلم والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، رياءً وشركًا. وهذا ما لا يقوله أحد) (٢).
فهذا كلام ساقط لا حاجة إلى إيراده.
١٦٦ - وقوله بعد ذلك: (ولا وجه لكراهة ذلك -يعني: الانتظار في
стр. 240
الصلاة-. ومن أبطل الصلاة به فقد أَبعد غاية الإبعاد. وليت شعري! ماذا يقول في الانتظار المشروع في صلاة الخوف بالنص من الشارع؟) (١).
والشيخ أعلى قدرًا وأدقّ فكرًا من كلامه الذي أورده في هذا الفصل.
١٦٧ - قوله: (فإن قيل: في الانتظار في الركوع تفويتٌ لقراءة الفاتحة وتطويلِ القيام، فكيف يكون إعانة على الطاعة وهو مسقطٌ لطاعتين: قراءةِ الفاتحة، وطولِ القيام؛ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن ترك بعض العبادة لا ينافي إخلاص باقيها، فإنّ (قاصِرَ الصلاة) مطيع لله مخلص مع تفويته شطر الصلاة) (٢).
يقال فيه: كان ينبغي أن يتمِّم كلامه قبل ذكر (قصر المسافر) بأن يقول: (وقد يترتب على بعضها من الثواب ما يترتب على كلها) حتى ينطبق عليه ذكرُ (قصر الصلاة في السفر).
* * *
[فصل في تفاوت فضائل الإسرار والإعلان بالطاعات]
١٦٨ - قوله في الفصل المعقود لتفاوت فضائل الإسرار والإعلان بالطاعات:
стр. 241
(الضرب الثاني: ما يكون إسراره خيرًا من إعلانه، كإسرار القراءة في الصلاة) (١).
يقال فيه: كان ينبغي أن يذكر (الإسرار بالصوم)، فإنه من قبيل ما شُرع إسراره.
١٦٩ - قوله فيه أيضًا: (الضرب الثالث: ما يُخفَى تارةً ويُظهَر أخرى، كالصدقات) إلى أن قال: (وإن كان ممن يُقتدَى به كان الإبداء أولى لِما فيه من سدّ خلّة الفقراء مع مصلحة الاقتداء) (٢).
يقال فيه: ويكون الإبداء أولى إذا حثّ الإمام على الصدقة، لِما فيه من إظهار الامتثال. وقد أَقبَل النبي ﷺ يوم عيدٍ على النساء، فقال: (يا معشر النساء، تَصَدَّقْن ولو من حليّكنّ)، فجعلن يُلقِين في ثوب بلالٍ من أقرطتهن وخواتيمهن (٣).
стр. 242
ومن ذلك حثه على الصدقة في غير ما موطنٍ، كما في قصة سُلَيك، ونحو ذلك، تم تمثيل الأمر بإظهارها (١).
стр. 243
فهذا، إظهار الصدقة فيه خيرٌ من إخفائها، لِما فيه من الامتثال.
* * *
[قاعدة في بيان الحقوق الخالصة والمركبة]
١٧٠ - قوله في (القاعدة التي لبيان الحقوق الخالصة والمركبة):
(وحقوق الله تعالى ثلاثة أقسام: أحدها: ما هو خالص له، كالمعارف والأحوال المبنيّة عليها، والإيمان بما يجب الإيمان به كالإيمان بإرسال الرسل) إلى آخره (١).
يقال عليه: الإيمان بإرسال الرسل، من قبيل المركّب، لِما فيه من حق الرسول بالتصديق له. وسيأتي ذلك في كلامه. ولعله لم يذكر تصديق الرسول؛ لأنه عامٌّ في كل ما جاء به الرسول ﷺ عن الله تعالى.
١٧١ - قوله في (التقسيم الثالث من القاعدة: ما يتركّب من حقوق الله، وحقوق رسوله، وحقوق المكلَّف): (فإن قيل: هل الأذان أفضل من الإمامة لاشتماله على هذه الفوائد؟ (يعني: حقّ الله وهو التكبير والتوحيد، وحقّ الرسول ﵊ وهو الشهادة، وحق المؤمنين وهو الإعلام). قلنا: ذهب بعضهم إلى أنه أفضل لهذه الفوائد). ثم قال: (ومنهم من فَضَّل الأمامة لتسبّب الإمام إلى إفادة فضل الجماعة لنفسه وللحاضرين. وصلاةُ الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بخمس وعشرين درجة، أو بسبع وعشرين درجة، على ما جاءت به السنة) (٢).
يقال عليه: لم يجئ في حديثٍ أن صلاة الجماعة تفضُل صلاة الفذّ بخمس وعشرين درجة (٣). والذي ورد في الحديث: إما فضلها بخمس
стр. 244
وعشرين ضِعفًا، وإما بسبع وعشرين درجة (١). والأجوبة عن ذلك معروفة، ومنها أن ذلك تفاوتُ ما بين (الدرجة) و (الضِّعف).
стр. 245
١٧٢ - قوله في (القسم المذكور): (المثال الثاني: الصلاة. وفيها الحقوق الأربعة: أما حق الله، فالنيات) إلى أن قال: (وأما حق المكلف على نفسه، فكدعائه في الفاتحة بالهداية والإعانة على العبادة، وكدعاء القنوت) إلى أن قال: (وأما حق العباد، فكالدعاء بالهداية والإعانة على العبادة في الفاتحة، وكذلك دعاء القنوت) (١).
يقال فيه: المراد أن الحق الأول (٢) خاص بالمكلف نفسه، والحقّ الثاني (٣) عامٌّ له ولغيره. وقوله: (والإعانة على العبادة) عطف على (الهداية)؛ وفيه شيء، لأنه ليس في الفاتحة دعاء بالإعانة على العبادة، وإنما فيها: الدعاء بالهداية، إلا أن يقال: إن قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] خبرٌ، معناه: الطلب.
١٧٣ - قوله فيه أيضًا: (المثال الثالث: الجهاد. وفيه الحقوق الثلاثة: أما حق الله فكمحو الكفر) ثم قال: (وأما حق المسلمين، فالذبّ عن أنفسهم وأموالهم) ثم قال: (وأما حقه على نفسه فكدفعهم (٤) عن نفسه ومالِهِ) (٥).
يقال عليه: في الجهاد أيضًا: حق الرسول ﷺ ، وذلك في السهم المختص به ﷺ من الغنيمة، فكان ينبغي أن يقول: (وفيه الحقوق الأربعة)،
стр. 246
ثم يذكر حق الرسول ﵊ (١). وقد مرّ أن تصديقه حق له في كل ما جاء به.
١٧٤ - قوله في أثناء (القسم الثاني) (٢): (ولحقوق بعض المكلفين على بعضٍ، أمثلة كثيرة)، ثم ذكر خطبة عمر بن الخطاب ﵁، وفيها: إن الله قد كلّفني أن أصرف عنه الدعاء) إلى أن قال: (ومعنى صرف الدعاء عن الله تعالى أن يُنصِف (يعني: الإمام الأعظم) المظلومين من الظالمين، ولا يُحوِجهم أن يَسألوا الله ذلك. وكذلك أن يدفع حاجات الناس وضروراتهم بحيث لا يُحوجهم أن يطلبوا ذلك من رب العالمين) (٣).
يقال عليه: هذا غير ممكن، لأنه لا يمكن الإمام أن يستوعب
стр. 247
حوائج الخلق أجمعين، أعني: الدنيوية، بحيث لا يحتاجون أن يطلبوها من الله تعالى، فلا قدرة لأحد على ذلك.
١٧٥ - قوله بعد ذلك: (ومن أمثلة حقوق بعض المكلفين على بعض: أن يُنظَر الموسِر) (١).
يقال عليه: معنى إنظار الموسِر: أن لا يكون عنده نقدٌ، وعنده عُرُوضٌ، فيُسعِفُه بالنظِرة إلى بيعها، ولا يَعْسِفُه ببيعها عاجلًا بحيث ينقص قيمتها ونحو ذلك. وعلى هذا حُمل قوله في الحديث: (كنتُ أُنظِر الموسِر وأتجاوز عن المعسر) (٢).
١٧٦ - قوله في (القسم المذكور): (ولا يؤخِّر حقوق الناس إلا لعذر شرعي أو طبعي. مثال ذلك: أن تُؤخَّر الزكاة) إلى أن قال: (وكذلك الشهادةُ على الشهادة) (٣).
يقال عليه: (الشهادةُ على الشهادة) لا تُناظِر مسائل الفصل؛ لأن مسائل الفصل: (واجبٌ يجوز تأخيره بعذر شرعي أو طبعي؛ ولو فُعل من غير
стр. 248
تأخير، وقع الموقعَ)، ولا كذلك: (الشهادةُ على الشهادة)، لأنها لا تجب بل لا تُقبل إلا عند تعذر أو تعسر الأصل بموتٍ أو عمى أو مرضٍ يشق معه حضورُه، أو غيبة لمسافة العدوى على الأصح (١). فلا يناظِر ذلك تأخير الزكاة، والدَّينِ، ونحو ذلك.
١٧٧ - قوله بعد ذلك: (وكذلك (يعني: ما يجوز تأخيره من الحقوق): دفع الأمانات إلى أربابها مع الاشتغال بالأكل أو الشرب أو صلاة النافلة أو الاستحمام) (٢).
стр. 249
يقال عليه: ينبغي أن يقيّده في الأكل، بأكل لُقَمٍ يكسر بها سَورة (١) الجوع. وفي صلاة النافلة، أن لا يزيد على ركعتين إذا نوى نفلًا مطلقًا. ولو قيل: بشرط أن لا يزيد على ركعةٍ، لكان حسنًا.
وقوله: (مع الاشتغال بكذا وكذا)، يُخرج ابتداءَ فعلِه للنافلة ونحوها.
ولا توقّف في منع ذلك. أما في الأكل والشرب المحتاج إليهما، فلا يُمنع الابتداء كالدوام.
١٧٨ - قوله بعد ذلك: (وقد يظن بعض الجهلة الأغبياء أن الإيجاز والاختصار أولى من الإسهاب والإكثار، وهو مخطئ في ظنه) (٢) إلى أن قال: (وقد نظرتُ في القرآن فوجدتُه ينقسم إلى أقسام)، فذَكَر: (الثناء،
стр. 250
والأحكام ومواقعها، ومَدْح فاعلي الطاعات ترغيبًا، وذمّ فاعلي المخالفات تنفيرًا، والوعد والوعيد الآجلان، والوعيد والوعد العاجلان، والأمثال المرغّبة في الخير، والأمثال المنفّرة عن الشر، والقصص، والمنّة علينا بما خلقه لأجلنا) (١).
وقد أَهمَل نوعًا حسنًا، وهو: (الوعد بثواب عاجل وثواب آجل معها)، كـ (الجهاد)، فثوابه العاجل: الغنيمة والسَّلَب بشرطه؛ وثوابه الآجل: ما أعدّه الله تعالى للمجاهد في الدار الآخرة مما نطق به الكتاب العزيز والسنة. وكـ (الإسلام)، فثوابه الآجل: ما وعد الله على الإسلام من الثواب الجزيل؛ وثوابه العاجل: أن العبد بالإسلام يدخل في عِداد من يجوز أن تُصرف إليه الزكوات والكفارات والضحايا والهدايا، وغير ذلك مما شُرط فيه الإسلام.
١٧٩ - قوله في (المثال الثالث) من الامتنان مما خلقه لأجلنا، وهو النوع العاشر (٢): (وكل شيء ذَكَره (٣) تمنّنًا علينا، كان مقتضيًا لأمرين: أحدهما: شكرُه على ذلك. والثاني: إباحته لنا) (٤).