ثم يذكر حق الرسول ﵊ (١). وقد مرّ أن تصديقه حق له في كل ما جاء به.
١٧٤ - قوله في أثناء (القسم الثاني) (٢): (ولحقوق بعض المكلفين على بعضٍ، أمثلة كثيرة)، ثم ذكر خطبة عمر بن الخطاب ﵁، وفيها: إن الله قد كلّفني أن أصرف عنه الدعاء) إلى أن قال: (ومعنى صرف الدعاء عن الله تعالى أن يُنصِف (يعني: الإمام الأعظم) المظلومين من الظالمين، ولا يُحوِجهم أن يَسألوا الله ذلك. وكذلك أن يدفع حاجات الناس وضروراتهم بحيث لا يُحوجهم أن يطلبوا ذلك من رب العالمين) (٣).
يقال عليه: هذا غير ممكن، لأنه لا يمكن الإمام أن يستوعب
стр. 247
حوائج الخلق أجمعين، أعني: الدنيوية، بحيث لا يحتاجون أن يطلبوها من الله تعالى، فلا قدرة لأحد على ذلك.
١٧٥ - قوله بعد ذلك: (ومن أمثلة حقوق بعض المكلفين على بعض: أن يُنظَر الموسِر) (١).
يقال عليه: معنى إنظار الموسِر: أن لا يكون عنده نقدٌ، وعنده عُرُوضٌ، فيُسعِفُه بالنظِرة إلى بيعها، ولا يَعْسِفُه ببيعها عاجلًا بحيث ينقص قيمتها ونحو ذلك. وعلى هذا حُمل قوله في الحديث: (كنتُ أُنظِر الموسِر وأتجاوز عن المعسر) (٢).
١٧٦ - قوله في (القسم المذكور): (ولا يؤخِّر حقوق الناس إلا لعذر شرعي أو طبعي. مثال ذلك: أن تُؤخَّر الزكاة) إلى أن قال: (وكذلك الشهادةُ على الشهادة) (٣).
يقال عليه: (الشهادةُ على الشهادة) لا تُناظِر مسائل الفصل؛ لأن مسائل الفصل: (واجبٌ يجوز تأخيره بعذر شرعي أو طبعي؛ ولو فُعل من غير
стр. 248
تأخير، وقع الموقعَ)، ولا كذلك: (الشهادةُ على الشهادة)، لأنها لا تجب بل لا تُقبل إلا عند تعذر أو تعسر الأصل بموتٍ أو عمى أو مرضٍ يشق معه حضورُه، أو غيبة لمسافة العدوى على الأصح (١). فلا يناظِر ذلك تأخير الزكاة، والدَّينِ، ونحو ذلك.
١٧٧ - قوله بعد ذلك: (وكذلك (يعني: ما يجوز تأخيره من الحقوق): دفع الأمانات إلى أربابها مع الاشتغال بالأكل أو الشرب أو صلاة النافلة أو الاستحمام) (٢).
стр. 249
يقال عليه: ينبغي أن يقيّده في الأكل، بأكل لُقَمٍ يكسر بها سَورة (١) الجوع. وفي صلاة النافلة، أن لا يزيد على ركعتين إذا نوى نفلًا مطلقًا. ولو قيل: بشرط أن لا يزيد على ركعةٍ، لكان حسنًا.
وقوله: (مع الاشتغال بكذا وكذا)، يُخرج ابتداءَ فعلِه للنافلة ونحوها.
ولا توقّف في منع ذلك. أما في الأكل والشرب المحتاج إليهما، فلا يُمنع الابتداء كالدوام.
١٧٨ - قوله بعد ذلك: (وقد يظن بعض الجهلة الأغبياء أن الإيجاز والاختصار أولى من الإسهاب والإكثار، وهو مخطئ في ظنه) (٢) إلى أن قال: (وقد نظرتُ في القرآن فوجدتُه ينقسم إلى أقسام)، فذَكَر: (الثناء،
стр. 250
والأحكام ومواقعها، ومَدْح فاعلي الطاعات ترغيبًا، وذمّ فاعلي المخالفات تنفيرًا، والوعد والوعيد الآجلان، والوعيد والوعد العاجلان، والأمثال المرغّبة في الخير، والأمثال المنفّرة عن الشر، والقصص، والمنّة علينا بما خلقه لأجلنا) (١).
وقد أَهمَل نوعًا حسنًا، وهو: (الوعد بثواب عاجل وثواب آجل معها)، كـ (الجهاد)، فثوابه العاجل: الغنيمة والسَّلَب بشرطه؛ وثوابه الآجل: ما أعدّه الله تعالى للمجاهد في الدار الآخرة مما نطق به الكتاب العزيز والسنة. وكـ (الإسلام)، فثوابه الآجل: ما وعد الله على الإسلام من الثواب الجزيل؛ وثوابه العاجل: أن العبد بالإسلام يدخل في عِداد من يجوز أن تُصرف إليه الزكوات والكفارات والضحايا والهدايا، وغير ذلك مما شُرط فيه الإسلام.
١٧٩ - قوله في (المثال الثالث) من الامتنان مما خلقه لأجلنا، وهو النوع العاشر (٢): (وكل شيء ذَكَره (٣) تمنّنًا علينا، كان مقتضيًا لأمرين: أحدهما: شكرُه على ذلك. والثاني: إباحته لنا) (٤).
стр. 251
يزاد عليه: (وقد يخلقه للاعتبار فقط (١)، وهو من أجلنا أيضًا).
١٨٠ - قوله في (المثال المذكور) (٢): (ومِن مدْح الإله نفسَه ما لا يخرج مخرج المدح، بل يخرج مخرج تأكيد الأحكام، كقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحجرات: ١٨]، ذَكَر ذلك ترغيبًا في الطاعات، وتنفيرًا من المعاصي والمخالفات) إلى أن قال: (وإنما يتحقق الترغيب والترهيب بصفة السمع، والبصر، والعلم، والقدرة، والإرادة، دون الحياة والكلام؛ فإنهما لا يُذكران إلا تمدحًا. أما الحياة ففي مثل قوله: ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ [غافر: ٦٥])، إلى أن قال: (وأما الكلام ففي مثل قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٧٦]، يريد بمن يأمر بالعدل: نفسَه (٣).
يقال عليه: ما ذكره من أن الترغيب والترهيب لا يتحققان في الكلام والحياة، فيه نظر.
فقد ذُكرت (صفة الحياة) في معرض الترغيب، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، ذُكر ترغيبًا في التوكل على الله، وتنفيرًا من التوكل على مخلوقٍ لا ثقةَ بحياته يومًا واحدًا.
وذُكر (الكلام) أيضًا، في معرض الترهيب، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤]، ونحو ذلك. فتأمله. والله أعلم.
стр. 252
١٨١ - وقوله بعد ذلك في آخر المثال: (فمعظم حقوق العباد ترجع إلى الدماء والأموال والأعراض) (١).
يقال عليه: إن كان المراد: (الحقوق المحرّمة)، فكلها لا تخرج عن هذه الثلاثة. فقوله: (معظم الحقوق) لا مفهوم له.
١٨٢ - قوله بعد ذلك قبيل الفصل المعقود لانقسام الحقوق إلى التفاوت والتساوي: (والحقوق كلها ضربان: أحدهما: مقاصد. والثاني: وسائل، ووسائلُ وسائل. وهذه الحقوق منقسمة إلى ما له سبب، وإلى ما ليس له سبب. فأما ما لا سبب له: فكالمعارف، والحج والاعتكاف، والطواف) إلى قوله: (فإن قيل: هلّا كان دخول أشهر الحج سببًا لوجوبه، كما كان دخول وقت الصلاة سببًا لوجوبها؟ قلنا: قد يجب الحج قبل دخول وقته على من بعُدت داره. وفي هذا بحثٌ) (٢).
يقال عليه: الجمعة كالحج فيما ذكره: قد تجب قبل دخول وقتها على من بعُدت داره.
وفي إخراج الحج عن ما له سبب، نظر. وقد أشار إليه بقوله: (فيه بحثٌ).
وقوله: (والطواف): إن كان أراد به: (الواجب)، فكالحج.
وما ذكره في (المعارف)، يقال عليه: بل سببها الموجِب، هو البلوغ. وكلام الشيخ ﵀ يحتاج إلى نظر وتأمل.
* * *
стр. 253
[فصل في انقسام الحقوق إلى المتفاوت والمتساوي]
١٨٣ - قوله في الفصل المعقود لانقسام الحقوق إلى المتفاوت والمتساوي:
(الفصل الأول: في تقديم حقوق الله تعالى بعضها على بعض عند تعذر جمعها، وعند تيسّره لتفاوت مصالحها. وله أمثلة، منها: تقديم الصلوات المفروضات على الصلوات المنذورات) (١).
يقال عليه: قوله: (في تقديم حقوق الله): مراده به: الأعم من التقديم الفَضلي والتقديم الفِعلي.
ولو أراد التقديم الفَضلي فقط، لم يكن لقوله: (عند تعذر جمعها) معنى.
ولو أراد التقديم الفِعلي فقط، لم يناسب تمثيلُه بعد ذلك بتقديم النوافل المؤقتة التي شُرعت فيها الجماعة، على الرواتب، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى من الأمثلة التي ذكرها، كتقديم الوتر وركعتي الفجر على غيرهما، وتقديمِ الوتر على ركعتي الفجر، والإفرادِ على القِرَان، ونحو ذلك.
فأما المثال الذي بَدَأ به من تقديم الصلوات المفروضات على المندوبات، فهو من التقديم الفضلي، وإلا ففائتة الظهر التي قبلها مثلًا: مقدّمةٌ عليها في الفعل.
١٨٤ - قوله: (ومنها: تأخير الظهر للإبراد) (٢).
стр. 254
يقال عليه: في التمثيل بتأخير الظهر للإبراد، غموض. ومراده أن تأخير الظهر للإبراد مقدّمٌ في الفضل على تقديم الصلاة أول الوقت.
ويحتمل أن يكون مراده أن مصلحة المتعبِّد في التأخير للإبراد، قُدِّمت على مصلحة العبادة في التقديم أول الوقت.
وأما تمثيله بعد ذلك بـ (تقديم الزكوات على صدقة النافلة، والصوم الواجب على المندوب، وفرض الحج والعمرة على مندوبَيْهما) (١) فكلها من التقديم الفضلي.
١٨٥ - قوله: (ومنها: رمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس) (٢):
فمعناه أن تأخيره إلى هذا الوقت أفضل وإن كان يدخل وقته بانتصاف ليلة النحر.
١٨٦ - قوله: (ومنها: تأخير العشاء، على قول) (٣).
يعني: أنه مقدم على التقديم أول الوقت.
١٨٧ - وقوله: (وفي تقديم ترتيب أركان الصلاة على الاقتداء في حق المزحوم، قولان) (٤).
يعني: بشرطه المعروف في باب المزحوم (٥). والمراد بـ (الاقتداء): متابعة الإمام.
١٨٨ - ومنها قوله بعد ذلك: (ومنها: أن من أراد التبرع بماء الطهارة
стр. 255
على أفضل القُرُبات) إلى أن قال: (وفي تقديم غَسل الميت على غَسل النجاسة (١).
فإن أصح الوجهين اللذين ذَكَرهما: تقديم غَسل الميت.
١٨٩ - قوله: (وفي غُسل الحيض والجنابة أوجه (٢)، ثالثها: التسوية بينهما. فإن طَلَب أحدهما القسمة، والآخرُ القرعة، ففي مَنْ يُجاب: وجهان) (٣).
يقال فيه: الأصح من الأوجه الثلاثة: تقديم غُسل الحيض. ومعنى التسوية بين الحيض والجنابة: أن يُقسم الماء بينهما، إذا أوجبنا استعمال الناقص، وهو المذهب. ويحتمل أن يكون معنى التسوية: أن يُقرَع بينهما.
والأصح فيما إذا طَلَب أحدهما: القسمة، والآخرُ: الإقراع، أنه يُقرَع إن لم نوجب استعمال الناقص. فإن فرَّعْنا على المذهب، أجيب طالب القسمة.
١٩٠ - قوله في الفصل المذكور أيضًا:
(الفصل الثاني: فيما يتساوى من حقوق الرب فيتخير فيه العبد، وله أمثلة، منها: أنه إذا كان عليه صوم أيام من رمضانين فأكثر، فإنه يتخير بينهما) (٤).
стр. 256
يقال فيه: الظاهر في هذه الصورة أنه يقدّم الأسبق فالأسبق. ويشهد له ما صححوه فيما إذا أخّر قضاء رمضان حتى دخل رمضانُ آخَرُ، من تكرر المُدّ بتكرير السنين (١).
والظاهر أيضًا فيما إذا كان عليه صلاتان منذورتان أو صومان منذوران وترتّبا في النذر، أنه يقدّم الأول بسبقه واشتغال الذمة به أولًا (٢).
وما ذكره من التخيير فيما لو اجتمع عليه زكاةُ إبلٍ وبقر وغنم وذهب وفضة (٣)، محلّه ما لم يدْعُ ضرورة الفقر إلى النقد حالًا، فإن دعت إلى النقد حالًا فهو المقدّم.
وما ذكره فيما إذا لزمه (٤) حِججٌ أو عُمَر بنذرٍ واحدٍ، لا يظهر تصويره (٥).
стр. 257
فإن كانت الصورة أن يقول: (لله عليّ أحجُّ ثلاث حِجج، أو أعتمرُ ثلاث عُمَرٍ)، فما وجه التخيير؟ لأن كل سنة لا تسع إلا حجة. وفي (العُمَر) (١) لا يظهر وجه التخيير أيضًا.
وأما إذا كانت بنذور مختلفة كأن يقول: (إن قدم زيد فلله علي أن أحج حجة، وإن قدم عمرو فالله عليّ أن أحج حجة، وإن شفى الله مريضي فلله عليّ أن أحج حجة)، فالظاهر عدم التخيير، وإنه يقدّم الحج أو العمرة على النذر الأول لسبقه، واشتغال الذمة به أولًا.
١٩١ - قوله في الفصل المذكور أيضًا:
(الفصل الثالث: فيما اختُلف في تفاوته وتساويه من حقوق الإله، للاختلاف في تساوي مصلحته وتفاوتها. وله أمثلة، منها: أن العاري هل يصلي قاعدا موميًا بالركوع والسجود محافظةً على ستر العورة، أو يصلي قائما مُتِمًّا لركوعه وسجوده) إلى قوله: (أو يتخير بينهما لاستوائهما. فيه خلاف، والمختار إتمام الركوع والسجود والقيام) (٢).
يقال فيه: ما ذكر من أنه المختار، هو الأصح.
١٩٢ - وقوله بعد ذلك: (ومنها إذا كان معه ثوبٌ طاهرٌ وهو في مكان نجس، فهل يبسط ثوبه ويصلي عليه توقيًا للنجاسة، أو يصلي بثوبه على النجاسة توقيا للعُري، أو يتخير. فيه الأوجه الثلاثة) (٣).
يقال فيه: الأصح: الأول، وهو أن يبسط ثوبه ويصلي عليه توقيًا للنجاسة.
стр. 258
١٩٣ - قوله في الفصل المذكور:
(الفصل الخامس: فيما يتساوى من حقوق العباد، فيتخير المكلف فيه جمعًا بين المصلحتين ودفعًا للضرورتين. وله أمثلة)، إلى قوله: (ومنها التسوية بين الزوجات في القَسْم والنفقات) (١).
يقال فيه: ما ذكره من التسوية بين الزوجات في النفقات، مرادُه أنه لا يَنقُص واحدةً (٢) عن النفقة اللائقة بحاله وبحال كل واحدة منهن، وإلا يُمنع من أن يخُصّ واحدةً بأكثر من النفقة اللائقة، ويقتصرَ في واحدة على النفقة اللائقة.
١٩٤ - وقوله بعد ذلك: (وكذلك التسوية بين البائع والمشتري في الإجبار على قبض العوضين) (٣).
محلُّه أن يكون الثمن معيّنًا.
١٩٥ - قوله في الفصل المذكور أيضًا:
(الفصل السابع: فيما يُقدّم من حقوق العباد على حق الرب رفقًا بهم في دنياهم. وله أمثلة)، إلى قوله: (ومنها: ترك الصلاة والصيام وكلِّ حق يجب لله على الفور، بالإلجاء والإكراه) (٤).
стр. 259
يقال عليه: ما ذكره من ترك الصلاة بالإكراه، مرادُه ترك الأفعال الظاهرة، وإلا فالإكراه على إجراء الأركان على قلبه غير ممكن.
وما ذكره من ترك الصوم بالإكراه، جارٍ على أحد القولين الصائر إلى أنه لا يُفطر بالإكراه، وهو الذي صححه النواوي (١) وهو المذهب.
١٩٦ - قوله في الفصل المذكور:
(الفصل الثامن: فيما اختُلف فيه من تقديم حقوق الله على حقوق عباده. وله أمثلة، أحدها: إذا مات وعليه ديون وزكوات، فإن كانت نُصُب الزكوات باقية قُدّمت الزكوات؛ لأن تعلقها بالنُصُب يُشبه تعلق الديون بالرهون) (٢).
يقال عليه: هذا أحد الأقوال. والأصح أنها تتعلق بالمال تعلق الشركة.
١٩٧ - وقوله: (وإن كانت تالفة (٣)، فمن العلماء من قَدَّم الديون)، إلى قوله: (ومنهم من قَدَّم الزكوات نظرًا إلى رجحان المصلحة في حقوق الله، وهذا هو المختار لوجهين: أحدهما: قوله ﵊: (فدَيْن الله أحق بالقضاء) (٤).
يقال عليه: ما استدل به لِما اختاره من الحديث المذكور، ذكره
стр. 260
للاستدلال جمعٌ من الأصحاب وغيرهم. ومن نَصَر غير ما اختاره، أجاب بأن معنى الحديث. . . (١).
١٩٨ - قوله في الفصل الثامن أيضًا: (المثال الثاني: اجتماع الحج والديون على الميت، فمنهم من يقدِّم الحج)، إلى أن قال: (ومنهم من يقدِّم الدَّين، ومنهم من يسوِّي بينهما إن وجد من يحج بالحِصّة) (٢).
يقال فيه: الأصح: الأول، تقديم الحج.
١٩٩ - وقوله: (المثال الثالث: إذا اجتمع عليه سراية العتق مع الديون، ففيه الأقوال (٣). والمختار تقديم سراية العتق لِما ذكرناه في اجتماع الديون والزكوات) (٤).
يقال عليه: ما ذكره من جريان الأقوال في الصورة المذكورة، لا يصح، بناءً على أن السراية تحصل بنفس الإعتاق؛ لأن محل الأقوال: أن يجتمع ذلك في الشركة. وإذا كانت السراية بنفس الإعتاق، صار الكلُّ دَينَ آدمي، فلا معنى لجريان الأقوال.
نعم إذا قلنا: إن السراية لا تحصل إلا بأداء القيمة، فإذا أَعتَق أحد الشريكين نصيبه ثم مات، واجتمع ذلك مع الديون، فلا يبعد جريان الأقوال.
* * *
стр. 261
[فصل فيما يثاب عليه من الطاعات]
٢٠٠ - قوله في الفصل المعقود لِما يثاب عليه من الطاعات:
(الواجبات أقسام، أحدها: ما تميّز لله بصورته، فهذا يثاب عليه مهما قَصَد إليه وإن لم يَنْوِ به القربة) (١).
يقال فيه: قصدُ الفعل فيما تميَّز إلى الله بصورته دون قصد القربة، تغيير الصور (٢). والظاهر أنه يلزم من قصد فعله نيةُ القربة، ومن ثَمَّ كان الأصح أنه لا يُشترط الإضافة إلى الله تعالى؛ لأن العبادات لا تكون إلا لله تعالى، فليُتأمل.
٢٠١ - قوله في القسم الثالث من الفصل المذكور: (وكذلك لا يثاب على ترك العصيان إلا إذا قَصَد بذلك طاعة الدّيّان، فحينئذ يثاب عليه. بل لو قَصَد الإنسانُ القربةَ بوسيلة ليست بقربة، لا يثاب على قصده دون فعله (٣)، كمن قَصَد نوم بعض الليل ليتقوّى به على قيام بقيته) (٤).
يقال عليه: ظاهر هذا أنه لا يثاب على النوم المذكور، وهذا قد يُنارع فيه قولُ معاذ ﵁: (إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي (٥).
* * *
[قاعدة في الجوابر والزواجر]
٢٠٢ - قوله في القاعدة التي في الجوابر والزواجر:
(وقد اختُلف في بعض الكفارات: هل هي جوابر أو زواجر، فمنهم من
стр. 262
جعلها زواجرَ عن العصيان؛ لأن تفويت الأموال وتحميل المشاق رادعٌ زاجرٌ عن الإثم والعدوان. والظاهر أنها جوابر؛ لأنها عبادات وقُرُبات لا تصح إلا بالنيات، وليس التقرب إلى الله تعالى زاجرًا) (١).
وما ذكره من أن الكفارات جوابر لا زواجر، معلّلًا له بأنها عبادات، قد يردّه ظاهرُ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وهذا زجرٌ.
ومن جملة ما تقدّم: الصيام.
فإن قيل: إنما حكى الشيخ الخلاف في بعض الكفارات، وهذا يقتضي أن بعضها زواجر، ومنه ما ذُكر في الآية.
قلنا: لكنه أَخَذ الدليل عامًّا، فاقتضى أن [هذه] الكفارة عنده من قبيل الجوابر لا من قبيل الزواجر.
٢٠٣ - قوله فيها أيضًا: (فأما الجوابر المتعلقة بالعبادات، فمنها جبير الطهارة بالماء، بالطهارة بالتراب) (٢).
يقال عليه في تسمية هذا (جابر) تطويل! هذا بدل.
وقد تكرر من الشيخ في هذه القاعدة أمثلة من الأبدال يسميها (جوابر)، فلعل هذا اصطلاح له. ولك أن تحمل كلامه هنا على ما إذا كان التراب معملًا (٣) كما في الجبيرة ونحوها.
٢٠٤ - قوله: (ومنها جبر ما فات بالسهو من ترتيب الصلاة) (٤).
قال شيخنا: هذا غير صحيح، فالترتيب الفائت لا يُجبر بسجود السهو
стр. 263
لأنه ركن، والأركان لا تُجبر وإنما يجب تداركها. وإنما الذي يُجبر، الزيادة الحاصلة بتدارك ركن، كما في ترك سجدة واثنتين وثلاث إلى سبع، على ما هو مقرر في موضعه.
وكان الأولى أن يقول: (ومنها جبر ما فات من الأبعاض، بالسهو).
٢٠٥ - قوله: (ومنها جبر القبلة بصوب السفر) (١).
هذا أيضًا بدل.
٢٠٦ - قوله: (ومنها جبر الصوم في حق الشيخ الكبير، بمُدّ من الطعام) (٢).
هذا بدل.
٢٠٧ - قوله: (وكذلك جبر الحامل والمُرضع، بالفدية لِما فاتهما من أداء الصيام) (٣).
ما ذكره في المُرضع والحامل، و (٤) محله إذا أوجبنا الفدية مع القضاء.
٢٠٨ - قوله فيه أيضًا: (كما يُجبر ربُّ الدَّين على أخذ مالِ اعترف (٥) بأنه حرام، وفي هذا أيضًا بُعد وإشكال) (٦).
стр. 264
صورته: أن لا يوافقه المديون على أنه حرام.
ومعنى (الجبر) أن يقال لربّ الدَّين: إما أن تأخذ وإما أن تُبرئ.
ولا بُعد ولا إشكال، لأنه لا يسري قولُ ربّ الدَّين: إنه حرام، في حق المديون.
٢٠٩ - قوله فيه أيضًا: (الحالة الثانية من (تعذُّر ردّ الأعيان): أن تكون العين من ذوات القِيم كالشاة والبعير) (١).
وهذا بعيد.
[وقوله]: (يُجبر (٢) كل واحد بما يماثله في القيمة (٣).
قال الشيح: فالأصح ردّ المثل من حيث الصورة.
٢١٠ - قوله: (وقال بعض العلماء: يُجبر كل شيء بمثله من حيث الخِلقة وإن تفاوتت أوصافه. وهذا إن شَرَط التساوي في المالية فقريب. كان
стр. 265
لم يَشترط ذلك فقد أَبعد عن الحق، فإنّ جَبْره بأكثر من قيمته ظلمٌ لغاصبه؛ وجَبْره بدون قيمته ظلمٌ لمالكه بما نقص من ماليّته) (١).
فيَقبل (٢) هذا القائل بما ذكره الشيخ، أن نقول: يُضمن كل بمثله من حيث الصورة بشرط التساوي في المالية، أو الزيادة على قيمة المُتلَف بدليل الغرض (٣).
٢١١ - قوله فيه أيضًا: (وقد ذَكَر بعض الأصحاب أن الشريك إذا هَدم الجدار، أُجبر على إعادته) (٤).
إذ [يتحقق] المثلُ من حيث الصورة. وشاهدُهُ الغرض (٥).
٢١٢ - قوله فيه أيضًا في المنافع المحرمة: (كمنافع الملاهي والفروج المحرَّمة واللمس والمسّ والقُبَل والضمّ المحرَّم، فلا جبير لهذه المنافع احتقارًا لها)، إلى أن قال: (فإن استوفاها بغير حق ولا مطاوعة من ذي المنفعة فلا يُجبر شيء منها، إلا مهر المَزْنيّ بها كُرهًا أو بشبهة. ولا يُجبر مثل ذلك في اللواط لأنه لم يَتقوَّم قطّ، فأشبه القُبَل) (٦).
стр. 266
ما ذكره: في لواط الغلام (١).
أما لو وَطِئ جارية في دُبُرها، فإن ذلك يُجبر بمثلٍ لمثلٍ.
ولك أن تقول: وفي الأنثى في دُبُرها، لا يسمى لواطًا. فلا حاجة لذلك، ولكن لا بأس بالتنبيه عليه.
٢١٣ - قوله في الضرب الثاني: أن تكون المنفعة مباحة متقومة: (وأما الأبضاع، فإنها تُجبر في العقود الفاسدة والصحيحة وفي وَطْيِ الشبهة ووَطْيِ (٢) الإكراه، بمهور الأمثال) (٣).
محله في الصحيحة: أن يكون المسمى فاسدًا، أما إذا كان صحيحًا فإنه يُضمن بالمسمّى.
٢١٤ - قوله فيه أيضًا: (ولا يُضمن الأبضاع إلا بعقد صحيح أو فاسد) (٤).
محله أن يكون عقد النكاح صحيحًا، وعقدُ الصداق فاسدًا. فإن كان عقد النكاح هو الفاسدَ فإنه لا ضمان قطعًا إلا أن يستوفي المنفعة فيَضمن.
٢١٥ - قوله فيه أيضًا: (والفرق بين منافع الأبضاع وسائر المنافع الفائتة تحت الأيدي العادِيَة (٥): أن القليل من المنافع تُضمن (٦) بقليل الأجر
стр. 267
وحقيرها، وضمانُ الأبضاع (١) بمهور الأمثال) (٢).
فائدة: يفرّق بين منافع الأبضاع وسائر المنافع الفائتة تحت الأيدي العادِيَة بفرقٍ آخر حسن، وهو أن الأنفس لا تَتَشوّف إلى جبير منافع الأبضاع الفائتة إلا بالعقد عليها، ولم تَجْرِ عادةٌ بخلاف ذلك، بخلاف سائر المنافع فإن العادة جارية بتشوّف ملّاكها إلى ما يحصل منها، فجُبِرت.
٢١٦ - قوله فيه أيضًا: (. . . (٣) (دية المسلم والمجوسية لنصفه) (٤).
٢١٧ - قوله في النوع الثاني: (ما يقع زاجرًا من الفصل المذكور كالكفارات الزاجرة عن إفساد الصوم وإفساد الحج وإفساد الاعتكاف؛ والظِّهار) (٥).
стр. 268
ما ذكره الشيخ من أن إفساد الاعتكاف يُزجَر عنه بالكفارة، سَبَق قلمُه (١)، وليس في إفساد الاعتكاف كفارة.
وقوله: (والظهار): عطفٌ على (إفساد). التقدير (٢): (وكالكفارات الزاجرة عن الظهار).
٢١٨ - وقوله فيه أيضًا: (الضرب الثاني: ما لا يجب (٣) زاجرها على فاعلها).
يوضح الشيخ مراده بقوله: يجب الحد على القاذف والقطع على السارق، وأنه مجاز (٤).
والتحقيق أنه حقيقة، والواجب على الأئمة إنما هو الاستيفاء، وسيأتي لذلك مزيد بيان (٥).
٢١٩ - قوله فيه أيضًا: (فإن كانت الجنايات على حقوق الناس، لم يجُز للأئمة إسقاطها إذا طلبها مستحقُّها) (٦).
стр. 269
ما ذكره فيما إذا كانت (. . . (١) لجناياتٍ على حقوق الناس من أنه لا يجوز للأئمة إسقاطها، فيه وجه مرجّح (٢).
٢٢٠ - قوله فيه أيضًا في المثال الثاني من الضرب الثالث: (فإن رجعوا، أي: البغاة، إلى الطاعة كَفَفْنا عن قتلهم وقتالهم، وهذا زجر عن مفسدة لا إثم فيها) (٣).
ما ذكره من أنه لا إثم في مفسدة البغي، محله إذا قَوِيتْ شبهتهم، فإن ضعُفت وهم معترفون بضعفها، فهم آثمون.
٢٢١ - قوله في المثال التاسع منه: (قتال أهل الكتاب إلى أن يُسلموا أو يؤدّوا الجزية) (٤).
مراده بذلك أن يعتقدوا عقد الجزية. وكأنه فَعَل ذلك وفاقًا لقوله تعالى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩].
٢٢٢ - قوله في المثال الرابع عشر منه أيضًا (٥): (وأما الزواجر عما
стр. 270
تصرّم من الجرائم التي لا تسقط عقوبتها إلا باستيفائها أو بعفو مستحقها، ويجب إعلام مستحقها بأسبابها (١)، فلها أمثلة) إلى أن قال: (المثال الثاني: القصاص في النفوس والأطراف، ويجب على الجاني إعلام مستحقه به ليستوفيه أو يعفو عنه، وإن وقع ذلك عند الحاكم فينبغي أن يخرّج على الخلاف في وجوب الإعلام) (٢).
يقال فيه: قد ذكروا من الأعذار المرخّصة في ترك الجماعة: عقوبةٌ (٣) يُرجى تركها إن تغيَّب زمانًا (٤)، وهذا قد ينافي وجوب الإعلام. ويُجمع بينهما وجوب أن يُعلمه لوكيله مع التغيب رجاء العفو. هذا ما يتعلق بالجاني. وأما الحاكم إذا وقع عنده ذلك؛ فالمختار أنه لا يجب الإعلام على الحاكم جزمًا، ولا يخرج عن الخلاف.
стр. 271
والفرق بينه وبين القذف، أن القذف انتُهك فيه عِرض المقذوف عند الحاكم، بخلاف الاعتراف بقبَل ونحوه.
٢٢٣ - قوله فيه أيضًا: (المثال الثالث: إذا سرَق مال إنسان سرقة موجبة للقطع، لم يجب عليه الإعلام بالسرقة) إلى قوله: (وإن كان المسروق باقيًا يردّه، أو وَكَّل من يردّه من غير اعتراف بسرقته، ولا يوكِّل مع القدرة على الردّ بنفسه، إذ ليس له دفع المغصوب إلى غير مالكه إلا إلى الحاكم وأمثاله) (١).
يقال عليه: له دفع المغصوب إلى عبده مع القدرة على الردّ ليسلّمه لمالكه؛ لأن يَدَ عبده كيده. وفي منع التوكيل مع القدرة نظر. انتهى.
٢٢٤ - قوله فيه أيضًا: (المثال الرابع: حد قطع الطريق، إن محّضناه حقًّا لله تعالى فهو كحد السرقة) إلى قوله: (وإن جعلنا فيه مع تحتمه حقًّا للآدمي، وجب إعلامه به) (٢).
يقال عليه: ما ذكره في حد قطع الطريق، محله أن يكون قتلًا.
وقوله: (وإن محّضناه حقا لله تعالى) هو طريقة. والطريقة المعتمدة في التغلب، ما هو قبل القصاص وقبل الحد (٣).
ولك أن تقول: يجب إعلامه وإن محّضناه حقًّا لله تعالى، لأن للآدمي
стр. 272
فيه حقًّا منتظَرًا من جهة أنه لو تاب قبل القدرة سقط ما يتعلق بحق الله تعالى، وبقي ما يتعلق بحق الآدمي.
٢٢٥ - قوله بعد ذلك: وأما الشهود على هذه الجرائم، فإنْ تعلق بها حقوق العباد لزمهم أن يشهدوا بها وأن يُعرِّفوا بها أربابها) (١).
يقال عليه: المختار أنه لا يجب على الشهود أن يُعرِّفوا بها أربابها.
٢٢٦ - قوله بعد ذلك: (فإن قيل: إذا علم الشهود أن الزاني قد تاب من الزنى وصلَحت حالُه بحيث يجوز تزكيته، فهل لهم أن يشهدوا عليه بالزنى بعد ذلك؟ قلنا: إن أسقطنا الحد بالتوبة لم تجُز الشهادة؛ وأن بَقَّينا الحد مع التوبة جازت الشهادة) (٢).
يقال عليه: ما أجاب به من أنا إذا أسقطنا الحد بالتوبة لم تجُز الشهادة، يُستثنى منه فرع حسن، وهو:
ما إذا قذفه قاذفٌ، وآل الأمر إلى أن يستوفى منه حد القذف، فإنه تجوز الشهادة بزناه وإن أسقطنا الحد بالتوبة؛ لأنه يُشترط في المقذوف أن يكون عفيفا عن وطء يُحدّ به، فلو لم يجُز للشهود ذلك والحالةُ هذه، أدّى ذلك إلى استيفاء حدٍّ لا يُستوفَى لفقد شرطه.
٢٢٧ - قوله بعد ذلك: (فإن قيل: ما معنى قول الفقهاء: وجب عليه التعزير والحد والقصاص؟ قلنا: هو مجاز عن وجوب تمكينه من استيفاء العقوبات) (٣).
يقال عليه: بل هو حقيقة، وفُرِّق بين الحد وبين استيفائه بما تقدم.
стр. 273
٢٢٨ - قوله بعد ذلك: (فأما أمانات الرب فكاستئمانه أمانات الآباء والأوصياء على أموال اليتامى) (١).
يقال عليه: أمانات الأوصياء، باستئمان الموصِي لا باستئمان الرب. انتهى.
٢٢٩ - قوله في الضرب الثاني من الحقوق بعد ضروب تقدمت في الفصل: (وقد يعذر الربُّ من اشتدّت شهوته وغلبتْه نفسُه على المعصية، ما لا يعذر من خفيت شهوته) (٢).
يقال عليه: لا يقال مثله إلا بتوقيف، ولكن شدة الشهوة تفيد تخفيفا. ولو عُدَّت، ما أقيم على موجب المعصية، فتأمله؛ ولكنْ مُرادُه (٣) أنه معذور من حيث الداعي لا من حيث المعصية، كما سنبينه بعد.
٢٣٠ - قوله بعد ذلك: (وفي الحديث الصحيح: (إن آخِر من يخرج من النار، يعاهد ربَّه إذا أعطاه سؤله، لا يسألُه) إلى أن قال: (وربُّه يعذِرُه) (٤).
يقال عليه: ما استدل به من قوله ﷺ (وربُّه يَعْذِرُه): لا يتوجّه، من حيث إنه لا يصح الاستدلال بأمور الآخرة على أمور الدنيا.
٢٣١ - قوله بعد ذلك: (فإن قيل: كيف زُجر الحنفي بالحد عن شرب النبيذ مع إباحته؟ قلنا: ليس بمباح له وإنما هو مخطئ بشربه) (٥).
стр. 274
يقال عليه: ما أجاب به من كون النبيذ ليس بمباح للحنفي، فيه نظر؛ لأن الحكم في حق كل مجتهد ما غَلَب على ظنه وإن كان خطأً في نفس الأمر. وإنما الجواب الصحيح: أنا زَجَرْنا بالحد لدفعه إلى حاكم يعتقد التحريم ويقيم الحد. أو: لمّا رُفع إليه صار بينه وبينه عُلقة توجب أن يحكم عليه بمقتضى اعتقاده. انتهى.
٢٣٢ - قوله بعد ذلك: (فإن قيل: كيف تُقطع يدٌ ديتُها خمسون من الإبل أو خمس مئة دينار، برُبع دينار أو بعشرة دراهم؟ قلنا: ليس الزجر عما أخذه، وإنما الزجر عن تكرير ما لا يتناهى من [السرقة] (١) المفوّتة للأموال الكثيرة التي لا ضابط لها. ولو شَرَط الشرع في نصاب السرقة مالًا خطيرًا، لضاعت أموال الفقراء) (٢).
يقال عليه: مما شرطه الشارع في نصاب السرقة، ربع دينار مفوِّتٍ لما دونه من أموال الفقراء كثمن دينار ونحوه.
وقد أجاب القاضي عبد الوهاب عن هذا السؤال بأن اليد لمّا كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت (٣). وللناس أجوبة عن هذا السؤال غير ما ذكره الشيخ، ليس هذا موضع بسطها. انتهى.
٢٣٣ - قوله بعد ذلك: (ولم أقف على المفسدة المقتضية لرجم الثيب الزاني، وقد قيل فيها ما لا أرتضيه) (٤).
стр. 275
يقال عليه: المفسدة المقتضية لرجم الثيب الزاني: مفسدة اختلاط الأنساب التي لو تُركت، أدّت إلى انتشار عظيم، فناسب إعدامَ نفسه، وجُعل بالرجم لأنه لما كان ضرر هذه المفسدة لا يختص بواحد بل تعمّ، ناسب أن يُقتل، أن يستفيد كل أحد (١)، وهو الرجم. ولم يُقتل البكر تخفيفا عليه لأنه لم يُجعل له رتبة الكمال. انتهى.
٢٣٤ - قوله بعد ذلك: (وكذلك المفسدة المقتضية لجعل الربا من الكبائر، لم أقف فيها على ما يُعتمد على مثله، فإن كونه مطعومًا أو قيمةً للأشياء أو مقدّرًا، لا يقتضي مفسدة عظيمة يكون من الكبائر لأجلها) (٢).
يقال عليه: بل المفسدة في الربا تعاطيه لمعصية تسري في أموال الناس غالبًا ويشق الاحتراز منها لو وقعت. فعلّيّةُ انتشارها وعمومها [جُعلت] (٣) سببًا لجعلها من الكبائر. وقد (لَعَن رسول الله ﷺ آكِلَ الربا ومُوكِلَه)، الحديث (٤).
واختار شيخنا أن الذي يكون من الربا كبيرةً، إنما هو (ربا الفضل) لقوله في الحديث: (فمن زاد أو استزاد فقد أَربَى) (٥)، إذ في الحديث أنواعٌ من
стр. 276
الربا، ولم يُخصّ بالذكر إلا (ربا الفضل). لكن ظاهر قوله: "لعن الله آكِلَ الربا ومُوكِلَه" (١) يقتضي التعميم. انتهى.
* * *
[فصل فيما تُشترط فيه المماثلة من الزواجر وما لا تُشترط]
٢٣٥ - قوله في الفصل المعقود: ما اشتُرط فيه التماثل، في (المثال الثالث):
(التساوي في العقول: إذا أوجبنا القصاص فيها لو اعتُبر فيها التساوي، لسقط القصاص، ولا وقوف لنا على تساوي العقول) (٢).
قال ﵁ (٣): نص الشافعي ﵁ على أنه لا قصاص في العقل، فتعذّر (٤) المماثلة فيه. انتهى.
* * *
[فصل في بيان متعلقات حقوق الله تعالى]
٢٣٦ - قوله في الفصل المعقود لبيان متعلقات حقوق الله تعالى: (وأول واجب بعد النظر: معرفةُ الله تعالى ومعرفة صفاته، وهي شرط في جميع عباداته وطاعاته) (٥).
стр. 277
قال ﵁: يستثنى منه المميّز، فإن عبادته صحيحة من غير أن يُشترط فيها المعرفة، بل غير المميّز يصح منه الحج، ولا يُتصور في حقه المعرفة.
٢٣٧ - قوله بعد ذلك: "وهي القلب) (١)، إذا صَلَحت بالمعارف ومحاسن الأقوال والأعمال، صَلَح الجسد كله بالطاعة والإذعان) (٢).
يقال عليه: الإذعان من الأفعال القلبية، ولعل الشيخ أراد الانقياد الظاهر.
٢٣٨ - قوله بعد ذلك: (والأعمال (٣) نافعة بجلبها لمصالح الدارين أو إحداهما، وبدرئها لمفاسد الدارين أو إحداهما).
يقال عليه: الطاعات نافعة لمصالح الدارين، أو لمصالح الدنيا فقط من المنافق ونحوه، ولا يُتصور كونها نافعة كلها لمصالح الآخرة دون الدنيا، فلا يناسب قولُه: (أو أحدهما) (٤).
٢٣٩ - قوله بعد ذلك: (والأحوال الناشئة عن المعارف) (٥).
стр. 278
المراد بالأحوال: ما ستعرفه في النوع الرابع والعشرين من الخوف والرجاء والتوكل والمحبة والمهابة إلى غير ذلك.
٢٤٠ - قوله (١) في النوع الرابع والعشرين منه: (فالخوف حاثّ على ترك المعاصي والمخالفات، والرجاء حاثّ على الإكثار من المندوبات وعلى كثير من الواجبات) (٢).
يقال عليه: بل هو حاثّ على كل الواجبات. انتهى.
٢٤١ - قوله في (النوع الخامس والعشرون) (٣): (القصود والنيات: يجب على المكلف أن يعزم على الطاعات قبل وجوبها، ووجود أسبابها) (٤).
يقال عليه: يكفي في ذلك عزمُه على امتثال أوامر الله تعالى في كل طائفة، ولا يجب على المكلف أن يُقدِم -قبل وجوب الظهر مثلًا- على فعلها إذا دخل وقتها ووُجدت شرائطها، وكذا القول في كل طاعة. إنما الواجب العزم على أن يكون ممتثلًا، كما قدّمناه.
стр. 279
٢٤٢ - قوله بعد ذلك: (فإذا حضرتْ العبادات، وجبتْ فيها المقصود إلى اكتسابها والنيةُ بالتقرب إلى الله تعالى) (١).
أراد بـ "التقرب": الإضافة إلى الله تعالى، والأصح أنها لا تُشترط.
٢٤٣ - قوله بعد ذلك: (الإيمان ينقسم إلى حقيقي وحكمي، فالإيمان الحكمي شرطٌ في العبادات من أولها إلى آخرها) (٢).
ما ذكره من شرطية الإيمان الحكمي من أول العبادات إلى آخرها، أراد به: بالنسبة إلى المستفيد به نفسه؛ وإلا فالصبي المسلم تبعًا لأحد أصوله، ليس الإيمان الحكمي في حق الأصل شرطًا في عبادات الصبي، ولا عدمُه مُخلًا بها.
٢٤٤ - قوله بعد ذلك: (وكذلك إخلاص العبادات شرط في أولها) (٣).
يقال فيه: قَلَّ من تعرّض لهذا، والظاهر خلافه. ومعنى إخلاص العبادة أن يمحّضها لله لا يُشركه غيرَه فيها.
٢٤٥ - قوله بعد ذلك: (والغرض من النيات تمييز العبادات عن العادات، أو تمييز رُتب العبادات) (٤).
يقال فيه: لو قال: (أو تمييز العبادات بعضها من [بعض] (٥)، لكان
стр. 280
أولى، اشتمل (الإحرامَ بالحج والإحرامَ بالعمرة) (١). وقد جَعَل الشيخ (الإحرامَ بالحج والعمرة)، من قبيل ما شُرعت فيه النية لتمييز رُتب العبادات. وفيه نظر، وسيأتي.
٢٤٦ - قوله في المثال الخامس من النوع (٢): (لأن تطهير الحيوان بالذكاة كتطهير الأعضاء بالمياه) (٣).
يقال على هذا: فيه تجوّز من جهة أن النجاسة لم تَرِد على الحيوان المأكول إلا بعد موته من غير ذكاة. ولعله أراد أن الحيوان يَحرُم حتى يُذكَّى، فكأنه قال: (لأن تحليل الحيوان بالذكاة كتطهير الأعضاء بالماء) (٤).
стр. 281
٢٤٧ - قوله في المثال السادس من النوع: (وإن نوى العيدَ أو الكسوفَ أو الاستسقاءَ، فلا بد من إضافتها إلى أسبابها لتمييز رُتبها عن رُتب الرواتب) (١).
يقال فيه: ما ذكره من أنه لا بد من إضافة العيد والكسوف والاستسقاء إلى أسبابها، إن كان مرادُه: أنه لا بد من تعيين (العيد) بـ: (الفطر والأضحى)، و (الكسوف): (كسوف الشمس والقمر) كما هو ظاهر كلامه، ففيه نظر، لأن كلًّا من العيدين مُمَيَّزين (٢) منه، وكلٌّ من الكسوفين مُمَيَّزين به كذلك (٣). وقد بيّن الشيخ ﵀ ذلك في العيدين كما سيأتي قريبًا، وإن ظهرت (٤).
وإذا أراد بإضافته الاستسقاء إلى سببه، فإن أراد بـ (السبب): (غورَ ماء العيون وانقطاع ماء السماء) فينوي: (صلاة الاستسقاء لانقطاع ماء السماء أو لغور ماء العيون)، فهو بعيد جدًّا، بل لا تُعيّن له.
٢٤٨ - قوله في المثال المذكور: (والإجلال والخوف والرجاء والتوكل والحياء والمحبة والمهابة، فهذه متعلقة بالله ، قربةٌ في أنفسها، متميزةٌ لله
стр. 282
بصورتها، لا تفتقر إلى قصد تميّزها ولجعلها قربة، فلا حاجة في هذا النوع إلى نيةٍ تصرفه إلى الله تعالى. وكذلك التسبيح والتقديس والتهليل والتكبير) (١).
يقال عليه: ما ذكره من (التسبيح)، فيه نظر، لاستعماله في غير الله كقوله (سبحان مِنْ علقمةَ الفاخرِ) (٢).
وينبغي في (التكبير) تفصيل، وهو أن يقال: إن قَدَّم اسم الجلالة كـ (الله أكبر)، فالأمر كما ذَكر الشيخ، وإلا كقوله: (الأكبرُ اللهُ) ولا بد من نية الذكر عند قوله (الأكبر) (٣).
وكذلك (التقديس) أيضًا ينبغي فيه تفصيل، وهو أنه بنحو اسمه:
стр. 283
(القدوس)، والأمر كما ذكر الشيخ. وإن كان بنحو (قدَّستُ الله) فلا بد من نية (١) لأنه يقال: (قَدَّس الله روح فلان) ونحو ذلك، فيُستعمل في غير الله تعالى (٢).
٢٤٩ - قوله في المثال أيضًا: (وكذلك نقول في المعاملات: إن امتاز المقصود عن غيره فلا حاجة فيه إلى ما يميزه، فمن استاجر عمامةً أو ثوبًا أو قدّومًا أو سيفًا أو بساطًا، لم يحتج إلى ذكر منفعته؛ لأن صورته منصرفة إلى منفعته، متميّزة لها) (٣).
يقال عليه: ما ذكره الشيخ في (العمامة)، من أنه لا يحتاج إلى ذكر منفعتها، فيه نظر. والأقرب أنه لا بد من ذكر منفعتها؛ لأنها تُستعمل في التعميم والشدّ والاتّزار.
وكذا ما ذكره في (البساط)، فإنه قد يُستعمل في غير الفرس بأن يوضع تحت إكاف دابة، أو سَرْجها، أو رَحْل بعير، فالأقرب تعيّن منفعته.
وما ذكره من القاعدة مسلّمٌ، ولكن في هذين المثالين نظر.
فإن قلتَ: و (القدّوم) يستعمل بحَدِّه وبرأسه للدّقّ ونحوه، فينبغي أن يعيّن منفعته أيضًا.
قلنا: الضابطة أن كل ما كانت منفعته المقصودة أكثر من غيرها وهو مميَّز
стр. 284
بصورته، فلا حاجة لذكر منفعته، كالقدّوم، فإن منفعته المقصودة: استعماله بحدّه، وهي أكثر من استعماله برأسه. أما استعماله برأسه أقل. . . (١) وأخفّ.
٢٥٠ - قوله بعد ذلك: (وكذلك كل من جاز له الشراء لنفسه ولغيره فإنه لا ينصرف لغيره إلا بنية تميّزه عن غيره لنفسه) (٢).
محلُّ ذلك أن يشتري في الذمة كما سيبينه. فإن اشترى بعين مال الموكل، وقع الشراء له وإن نوى نفسَه، نُصّ عليه. انتهى.
٢٥١ - قوله بعد ذلك: (كالوصيّ الوكيل، فإنه يملك الشراء لنفسه ولموكله ويتيمه) (٣).
يقال فيه: الأحسن أن يقال: (ومحجوره) (٤) ليشمل السفيه.
٢٥٢ - قوله بعد ذلك في الضرب الثاني: (وأما الصلاة فإنما وجبت النية فيها لوجوب ترتيبها، وإذا بطل أوّلها بطل ما ابتُني عليه، فلم تجب النية فيها لتميّزها عن العادة، وإنما وجبت لتميّز رُتب العبادة، فإن مرتبة التكبير في النافلة المطلقة دون مرتبته في النوافل الراتبة) (٥).
يقال عليه: (فإن مرتبة التكبير) إلى آخره، كلام لا يظهر، فإن كلامه في النية، والتكبيرُ غير النية، والمقصود نية الصلاة، لا نية التكبير.
* * *
стр. 285
[فصل في وقت النية المشروطة في العبادات]
٢٥٣ - قوله في فصل في وقت النية المشروطة في العبادات:
(وليس قول الشافعي: (مع التكبير لا قبله ولا بعده) نصًّا في بسطه النية على التكبير؛ لأن اسم الشيء يُطلق على ابتدائه وعلى انتهائه) (١).
يقال عليه: ما ذكره من أن اسم الشيء يُطلق [على] ابتدائه وانتهائه، ذلك في الفعل، بدليل ما لو حلف: لا يصلّي، فإنه يحنث بالتحريم. أما الاسم، أي تسمية الفعل (صلاة) فلا يُطلق بها على مجموع الأجزاء.
* * *
[فصل في قطع النية في أثناء العبادة]
٢٥٤ - قوله في فصل في قطع النية في أثناء العبادة:
(إذا قَطَع نية العبادة في أثناء الصلاة، بطلت صلاته لانقطاع النية المستصحبة) (٢).
يقال عليه: ما ذكره من بطلان الصلاة بنية قطع العبادة، يشمل نية القطع بطريق اللازم، كما إذا ارتدّ أو نوى الردّة في أثناء صلاته فإنها تبطل، لكن محلّه في البالغ. أما الصبي يرتدّ في أثناء صلاته فإنها لا تبطل كما حكاه الرُّوياني عن (. . . (٣) لعدم صحة ردّته، ثم قال (٤): وعندي تبطل وإن