٢٤٧ - قوله في المثال السادس من النوع: (وإن نوى العيدَ أو الكسوفَ أو الاستسقاءَ، فلا بد من إضافتها إلى أسبابها لتمييز رُتبها عن رُتب الرواتب) (١).
يقال فيه: ما ذكره من أنه لا بد من إضافة العيد والكسوف والاستسقاء إلى أسبابها، إن كان مرادُه: أنه لا بد من تعيين (العيد) بـ: (الفطر والأضحى)، و (الكسوف): (كسوف الشمس والقمر) كما هو ظاهر كلامه، ففيه نظر، لأن كلًّا من العيدين مُمَيَّزين (٢) منه، وكلٌّ من الكسوفين مُمَيَّزين به كذلك (٣). وقد بيّن الشيخ ﵀ ذلك في العيدين كما سيأتي قريبًا، وإن ظهرت (٤).
وإذا أراد بإضافته الاستسقاء إلى سببه، فإن أراد بـ (السبب): (غورَ ماء العيون وانقطاع ماء السماء) فينوي: (صلاة الاستسقاء لانقطاع ماء السماء أو لغور ماء العيون)، فهو بعيد جدًّا، بل لا تُعيّن له.
٢٤٨ - قوله في المثال المذكور: (والإجلال والخوف والرجاء والتوكل والحياء والمحبة والمهابة، فهذه متعلقة بالله ، قربةٌ في أنفسها، متميزةٌ لله
стр. 282
بصورتها، لا تفتقر إلى قصد تميّزها ولجعلها قربة، فلا حاجة في هذا النوع إلى نيةٍ تصرفه إلى الله تعالى. وكذلك التسبيح والتقديس والتهليل والتكبير) (١).
يقال عليه: ما ذكره من (التسبيح)، فيه نظر، لاستعماله في غير الله كقوله (سبحان مِنْ علقمةَ الفاخرِ) (٢).
وينبغي في (التكبير) تفصيل، وهو أن يقال: إن قَدَّم اسم الجلالة كـ (الله أكبر)، فالأمر كما ذَكر الشيخ، وإلا كقوله: (الأكبرُ اللهُ) ولا بد من نية الذكر عند قوله (الأكبر) (٣).
وكذلك (التقديس) أيضًا ينبغي فيه تفصيل، وهو أنه بنحو اسمه:
стр. 283
(القدوس)، والأمر كما ذكر الشيخ. وإن كان بنحو (قدَّستُ الله) فلا بد من نية (١) لأنه يقال: (قَدَّس الله روح فلان) ونحو ذلك، فيُستعمل في غير الله تعالى (٢).
٢٤٩ - قوله في المثال أيضًا: (وكذلك نقول في المعاملات: إن امتاز المقصود عن غيره فلا حاجة فيه إلى ما يميزه، فمن استاجر عمامةً أو ثوبًا أو قدّومًا أو سيفًا أو بساطًا، لم يحتج إلى ذكر منفعته؛ لأن صورته منصرفة إلى منفعته، متميّزة لها) (٣).
يقال عليه: ما ذكره الشيخ في (العمامة)، من أنه لا يحتاج إلى ذكر منفعتها، فيه نظر. والأقرب أنه لا بد من ذكر منفعتها؛ لأنها تُستعمل في التعميم والشدّ والاتّزار.
وكذا ما ذكره في (البساط)، فإنه قد يُستعمل في غير الفرس بأن يوضع تحت إكاف دابة، أو سَرْجها، أو رَحْل بعير، فالأقرب تعيّن منفعته.
وما ذكره من القاعدة مسلّمٌ، ولكن في هذين المثالين نظر.
فإن قلتَ: و (القدّوم) يستعمل بحَدِّه وبرأسه للدّقّ ونحوه، فينبغي أن يعيّن منفعته أيضًا.
قلنا: الضابطة أن كل ما كانت منفعته المقصودة أكثر من غيرها وهو مميَّز
стр. 284
بصورته، فلا حاجة لذكر منفعته، كالقدّوم، فإن منفعته المقصودة: استعماله بحدّه، وهي أكثر من استعماله برأسه. أما استعماله برأسه أقل. . . (١) وأخفّ.
٢٥٠ - قوله بعد ذلك: (وكذلك كل من جاز له الشراء لنفسه ولغيره فإنه لا ينصرف لغيره إلا بنية تميّزه عن غيره لنفسه) (٢).
محلُّ ذلك أن يشتري في الذمة كما سيبينه. فإن اشترى بعين مال الموكل، وقع الشراء له وإن نوى نفسَه، نُصّ عليه. انتهى.
٢٥١ - قوله بعد ذلك: (كالوصيّ الوكيل، فإنه يملك الشراء لنفسه ولموكله ويتيمه) (٣).
يقال فيه: الأحسن أن يقال: (ومحجوره) (٤) ليشمل السفيه.
٢٥٢ - قوله بعد ذلك في الضرب الثاني: (وأما الصلاة فإنما وجبت النية فيها لوجوب ترتيبها، وإذا بطل أوّلها بطل ما ابتُني عليه، فلم تجب النية فيها لتميّزها عن العادة، وإنما وجبت لتميّز رُتب العبادة، فإن مرتبة التكبير في النافلة المطلقة دون مرتبته في النوافل الراتبة) (٥).
يقال عليه: (فإن مرتبة التكبير) إلى آخره، كلام لا يظهر، فإن كلامه في النية، والتكبيرُ غير النية، والمقصود نية الصلاة، لا نية التكبير.
* * *
стр. 285
[فصل في وقت النية المشروطة في العبادات]
٢٥٣ - قوله في فصل في وقت النية المشروطة في العبادات:
(وليس قول الشافعي: (مع التكبير لا قبله ولا بعده) نصًّا في بسطه النية على التكبير؛ لأن اسم الشيء يُطلق على ابتدائه وعلى انتهائه) (١).
يقال عليه: ما ذكره من أن اسم الشيء يُطلق [على] ابتدائه وانتهائه، ذلك في الفعل، بدليل ما لو حلف: لا يصلّي، فإنه يحنث بالتحريم. أما الاسم، أي تسمية الفعل (صلاة) فلا يُطلق بها على مجموع الأجزاء.
* * *
[فصل في قطع النية في أثناء العبادة]
٢٥٤ - قوله في فصل في قطع النية في أثناء العبادة:
(إذا قَطَع نية العبادة في أثناء الصلاة، بطلت صلاته لانقطاع النية المستصحبة) (٢).
يقال عليه: ما ذكره من بطلان الصلاة بنية قطع العبادة، يشمل نية القطع بطريق اللازم، كما إذا ارتدّ أو نوى الردّة في أثناء صلاته فإنها تبطل، لكن محلّه في البالغ. أما الصبي يرتدّ في أثناء صلاته فإنها لا تبطل كما حكاه الرُّوياني عن (. . . (٣) لعدم صحة ردّته، ثم قال (٤): وعندي تبطل وإن
стр. 286
لم نصحِّح ردّته لِما في الردّة من نية قطع العبادة، وهو لو نوى قطع العبادة في أثناء صلاته بَطَل (١). يراجع الفرع من (البحر) (٢). انتهى.
٢٥٥ - قوله بعد ذلك: (فإن فعل في حال شكه ركنًا لا يزاد مثله في الصلاة، كالركوع والسجود، بطلت صلاته، لأنه زاد فيها متعمدًا ركنًا لا يُعتدّ به، لفوات النية الحكمية فيه، فصار كلما لو تَعمَّد زيادته من غير نسيان) (٣).
ما ذكره الشيخ من التعليل، هو طريقة الإمام ومن تبعه، وليس ذلك بمعتمد عند العراقيين. والمعتمد عندهم أنه يُعدّ متلاعبًا، وحقه التوقف إلى التذكر، وعلى هذا: فلا فرق بين الفعل والقول وهو الأصح، وردُّوه عن النص (٤).
٢٥٦ - قوله بعد ذلك: (فإن قصُر زمان الشك، لم تبطل صلاته، كما لا تبطل بالكلام القليل والفعل اليسير في حال النسيان) (٥).
ما ذكره من التشبيه، لا يناظر مثلُه (قِصَر زمان الشك)؛ لأن المأتيّ به في زمن الشك، فَعَله متعمدًا.
стр. 287
٢٥٧ - قوله بعد ذلك: (فإن قيل: هل تصح العبادة بنية تقع في أثنائها؟ قلنا: نعم، وله صور: إحداها: أن ينوي المتنفل ركعة واحدة، ثم ينوي أن يزيد عليها ركعة أو أكثر، فتصح الركعة الأَوَّلةُ (١) بالنية الأولى، وتصح الثانية بالنية الثانية) (٢).
خرّج شيخنا وجهين فيما إذا نوى المتنفل عددًا، ثم نوى أن يزيد عليه ركعة أو أكثر، هل يصح الزائد تنزيلًا لنيته منزلة النية المقارِنة لأول العبادة تقديرًا، أو هي نية مبتدأة في أثناء العبادة تحقيقًا وتقديرًا، وصحّت لاستمرار حكم العبادة.
ويظهر أثر الوجهين فيما لو نوى عددًا قبل وقت الكراهة، ثم زاد قبل فراغه ركعة أو أكثر بعد دخول وقت الكراهة. فإن نزّلنا هذه النية منزلة المقارِنة للنية الأولى، صحّحنا، وإلا أبطلنا نية الزائد لوقوعها في وقت الكراهة.
ويظهر أثرهما أيضًا فيما لو نوى ماسحُ الخُفّ عددًا يسع ما بقي من مدّته فقط، ثم نوى عددًا آخر لا يمكن فعله إلا بعد انقضاء مدته: إنْ نَزَّلْنا نية الزائد منزلة المقارِن، جاء فيه الوجهان فيما لو لم يبق من مدة الماسح إلا ما يسع ركعة، فافتتح ركعتين، وإلا بطلت نية الزائد قطعًا.
والوجهان خرّجهما شيخنا من الوجهين فيما لو أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج، ثم أراد إدخال الحج عليها في أشهره ليكون قارنًا: أحدهما: لا يجوز، تنزيلًا لنية الحج منزلة المقارنة للنية الأولى، أعني: نيةَ العمرة الواقعة في غير أشهر الحج. والثاني: يجوز، تنزيلًا لهذه النية منزلة المبتدأة، وهي واقعة في شهر الحج.
وللمسألة التفاتٌ إلى ما لو آجَر المالك العين المستأجرة من المستأجر
стр. 288
مدة أخرى قبل فراغ المدة الأولى. وفي ذلك كله بسطٌ ليس هذا موضعه. انتهى.
٢٥٨ - قوله بعد ذلك: (الصورة الثانية: إذا نوى الاقتصار في الصلاة على الأركان والشرائط، ثم نوى التطويل المشروع والسنن المشروعة. فإن ذلك يجزئه) (١).
قال شيخنا: لا يصح التمثيل بهذه الصورة لما قَعَّده؛ لأن نية الصلاة شاملة لِما يقع فيها من قِصَرٍ وطُولٍ، وليست نية الاقتصار على الأركان والشرائط نية مغيّرة حتى تؤثر في قطعها نيةُ التطويل، وليس التطويل عبادة مستقلة حتى يقال فيه مثل ذلك.
وكذلك قوله (٢) فيما (لو نوى التسليم بعد انقضاء التشهد، ثم بَدَا له أن يطوّل في الأدعية والأركان) (٣)؛ لأن العبادة واحدة، ونية الصلاة شاملة لذلك جميعه. انتهى.
٢٥٩ - قوله بعد ذلك: (الصورة الرابعة: إذا اقترن بصلاة القاصر، ما يوجب الإتمام، أو طرأ عليها ما يوجب إتمامها وهو لا يشعر بذلك، ثم شعر به في أثناء صلاته، فإنه يُتم الصلاة بالنية الثانية. وقد قال بعض أصحابنا: تُجزيه النية الأولى، وجَعَل القصر معلّقًا على شرط أن لا يطرأ ما يوجب الإتمام، وهذا لا يصح في حق من لا يشعر بهذا الحكم ولم يخطر بباله) (٤).
ما ذكره من قوله: (وهو لا يشعر بذلك)، إنما يصح كونه قيدًا فيما إذا اقترن بصلاة القاصر ما يوجب الإتمام وما لا يصح كونه قيدًا فيما إذا طرأ
стр. 289
عليها ما يوجب الإتمام، إذ لا فرق بين شعوره وعدمه، بخلاف الأُولى فإنه لا بدّ فيها من عدم شعوره، إذ لو شعر بما يوجب الإتمام مَنْ نَوَى القصر، فإنه لا يصح نيته (١).
وما ذكره من الخلاف أنه يُتم الصلاة بالنية الثانية أو تُجزيه بالنية الأولى، قال شيخنا (٢): لا أعرفه، والوجه أنه إذا لزم الإتمامُ، لا حاجة فيه إلى نية قطعًا.
ولعل الشيخ (٣) أخذ الخلاف مما لو لزم إتمام الجمعة ظهرًا، فإنه لا يحتاج إلى نية الظهر على الأصح.
ولا يصح الأخذ لقيام الفرق بين الجمعة ومسألتنا، وهو أن (الجمعة مع الظهر) جنسان بناء على استقلالهما، فأمكن مجيءُ وجهٍ بأنه لا بد من إحداث نية.
وقوله: (وهذا لا يصح في حق من لا يشعر بهذا الحكم، ولم يخطر بباله)، كلام لا يظهر منه المقصود.
٢٦٠ - قوله بعد ذلك: (فإن قيل: النية قصدٌ، ولا بدّ للقصد من مقصود مكتَسَب يتعلق به القصد، فأيّ كسبٍ مقصودٍ للإمام إذا نَوَى الإمامة، فإن صلاته مع القوم لا تزيد على صلاته وحده. وكذلك إذا أحرم الناسك بالعمرة والحج مع اتّحاد الفعل، بخلاف ما لو أَدخَل الحجَّ على العمرة، فإن أفعال الحج تزيد على أفعال العمرة، وقد قال الشافعي ﵁: لو أَدخَل العمرة على الحج [لم يصح] على قولٍ، إذ لا مَنْويّ. فهذه المسائل مشكلة) (٤).
стр. 290
فائدة: قال شيخنا: لا إشكال في شيء من هذه المسائل. والنيةُ إنما تعلقت بمقصودٍ مكتسبٍ حكمًا؛ لأن صيرورته (١) قارنًا نَزَّله الشارع منزلة المكتسَب لكونه إنما حصل بنيته.
وكذلك انعقاد الإحرام بمجرد النية من غير قولٍ ولا فعلٍ صيرورته مُحرِمًا، يُنزَّى منزلة المكتسَب لحصوله بنيته وسببه. وكذا القول فيما أَشبَه ذلك، ولا إشكال.
٢٦١ - قوله بعد ذلك: (ومن المشكل قول الشافعي رحمهما الله تعالى: إن الحج والعمرة ينعقدان بمجرد نية الإحرام من غير قولٍ ولا فعلٍ.
فإنْ أريد بالإحرام: أفعالُ الحج، لم يصح؛ لأنه لم يتلبّس بشيء منها في وقت النية، ولأن محضورات الحج (٢) لا تَتَقدَّم عليه، كما لا تَتَقدَّم محظورات (٣) العبادات عليها.
стр. 291
وإنْ أريد به الانكفاف عن محظورات الإحرام، لم يصح، لأنه لو نَوَى الإحرام مع ملابسته لمحضوراته (١) سوى الجماع، لَصحّ إحرامه. ولو كان الكفُّ عنها هو الإحرامَ، لَمَا صحّ مع ملابستها، كما لا يصح الصيام مع ملابسة الأكل والشرب. وإن كان الإحرامُ هو الكفَّ عن الجماع، لَمَا صحّ إحرام من يَجهل وجوب الكفّ عن الجماع)، إلى آخره (٢).
يقال عليه: قد مرّ جواب هذا (٣).
وقوله: (فإنْ أريد بالإحرام: أفعالُ الحج)، يُشعر أن أحدًا قال: إن ذلك هو الإحرام. وكذا قوله: (وإنْ أريد به الانكفاف عن محظورات الإحرام)، وكذا قوله: (وإن كان الإحرامُ هو الكفَّ عن الجماع)؛ لم يقل بشيء من هذا أحدٌ.
والإحرام صفةٌ حاصلة للداخل في حج أو عمرة بنية معتبرة، نُزِّلتْ منزلة الفعل المكتسَب لحصوله بنيته، إذ لولا النية لم يَصِر مُحرِمًا، فهو الذي حصَّل لنفسه هذه الصفة بنيته. فهذا واضح لا خفاء به.
وقوله عقب قوله: (وإنْ أريد بالإحرام: أفعالُ الحج):
(ولأن محضورات الحج (٤) لا تَتَقدَّم عليه) إلى آخره: لا تظهر مطابقته لِما قبله.
* * *
стр. 292
[فصل تردّد النية مع ترجّح أحد الطرفين]
٢٦٢ - قوله في فصل تردّد النية مع ترجّح أحد الطرفين:
(النية قصدٌ، فلا يُتصور توجّهُه إلا إلى معلوم أو مظنون، فلا تتعلق بمشكوكٍ فيه) (١).
يقال فيه: يُستثنى منه أن يكون الشك في الآلة، كما إذا اشتبه عليه ماءٌ بماءِ وَرْدٍ (٢)، وقلنا: يتوضأ بكل منهما.
ويُستثنى أيضًا، بما إذا توضأ للاحتياط.
* * *
[فصل في تفريق النيات على الطاعات]
٢٦٣ - قوله: (فصل في تفريق النيات على الطاعات:
فلو فَرَّق النية على أحد جُزأَيْ الجملة في القراءة، مثل أن قال: (بسم الله) (٣) أو قال: (الذين آمنوا)، فالذي أراه أنه لا يثاب على ذلك، ولا يثاب إلا إذا فَرَّق النية على الجُمل المفيدة) (٤).
يقال عليه: لا يجتمع هذا مع ما قدَّمه قبل ذلك بأوراقٍ، من أنّ قراءة القرآن لا تحتاج إلى نية، من أنها (٥) متميزة فيه بصورتها.
٢٦٤ - قوله بعد ذلك: (الضرب الثاني: ما يغلب عليه كونه ذكرًا ليس بقرآن، كقوله: (بسم الله والحمد لله ولا إله إلا الله ولا قوة إلا بالله)، فهذا
стр. 293
لا يحرُم على الجُنب قراءتُه إلا أن ينوي به القراءة، فيخرج عن الغلبة لغلبة الذكر عليه) (١).
يقال عليه: صوابه: (فيخرج عن الغلبة لنية القراءة). انتهى.
٢٦٥ - قوله: (النوع السادس والعشرون من أعمال القلوب: التوبة، ولها أركان: الندم، والعزم، والإقلاع) (٢).
قال شيخنا: الأقرب عندي أنه لا يعتبر في التوبة إلا الندم فقط، ويلزم منه الإقلاع والعزم أن لا يعود، وإلا فلا يكون ندمًا نافعًا، ومن ثَمَّ قال رسول الله ﷺ : (الندم توبة) (٣). ولا حاجة إلى تأويله بالـ (مُعْظَم) على حدّ قوله: (الحج عرفة) (٤). وهذا دقيق.
٢٦٦ - قوله بعد ذلك: (ويستحب للتائب إذا ذَكَر ذنبه الذي تاب عنه، أن يجدّد الندمَ على فعله والعزمَ على ترك العود إلى مثله، وعلى هذا يُحمل قوله ﷺ : (إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مئة مرة) (٥)، لا يعني بذلك أنه
стр. 294
يُذنب في كل يوم مِئة مرة، بل معناه تجديد التوبة وتكريرها عن ذنب واحد صغير) (١).
ما ذكره الشيخ في تقديره: (إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مِئة مرة)، لا يليق بمقام النبوة، لأن من جَوَّز عليهم الصغائر سهوًا، لا يقول: إنها وقعت!
والذي ينبغي في تقرير ذلك أن يقال: إنه ﷺ لا يزال في تَرَقٍّ، فكلما تَرَقَّى إلى مقامٍ، استغفَر الله تعالى من ذلك المقام الذي دونه.
٢٦٧ - وقوله بعد ذلك: (فشتان بين من لا ينسى الصغير الحقير، وبين من ينسى عظيمَ ذنوبه، فلا تمرّ على بالِهِ احتقارًا لذنوبه) (٢).
يقال عليه: صوابه: فشتان بين من يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم مئة مرة ولا ذنبَ له، إجلالًا لربه! وبين من ينسى عظائم ذنوبه فلا يُمرّ على باله، احتقارًا لذنوبه!.
٢٦٨ - قوله بعد ذلك: (فإن قيل: كيف يُتصور التوبة مع ملاحظة توحيد الله بإيجاد الأفعال خيرها وشرّها، مع أن الندم على فعل الأغيار لا يُتصور؟ قلنا: من رأى للآدمي كسبًا، خصَّص الندم والعزم بكسبه دون صنع ربه. ومن لا يرى بالكسب، خَصَّص التوبة بحال الغفلة عن التوحيد، وهذا مشكل من جهة أنه يتوب عما يظنه فعلًا له وليس بفعلِ له في نفس الأمر؟) (٣).
стр. 295
يقال عليه: ليس هذا بمشكل، وغايته أن يكون العبد. . . (١) فنقول: إنه مجبول على المعصية، ومع ذلك فالله تعالى أوجب التوبة منها عليه، وعِدَتُه عليها: أن يُثيب، لا يُسأل عما يفعل.
وقوله في السؤال: (مع أن الندم على فعل الأغيار (٢) لا يُتصور):
لا يليق بالمقام ذكرُ الأغيار. والأولى أن يقول: لأن الندم على فقره (٣) لا يُتصور.
٢٦٩ - قوله بعد ذلك في النوع التاسع والعشرين: (ومنها: الحب في الله والبغض في الله؛ كحب الأنبياء والأولياء، وبُغض العصاة والأشقياء) (٤).
يقال فيه: (وبغض العصاة): فيه تجوز، والمبغوض فعل العصاة لا ذواتهم.
٢٧٠ - قوله بعد ذلك: (ومنها أن يقدِّر إذا عَبَدَ اللهَ (٥)، كأنه يراه، لتقع العبادة على أكمل الأحوال، فإن عَجَز عن ذلك فلْيقدِّر أن الله ناظرٌ إليه (٦).
وقوله: (فإن عَجَز): يحتمل في قوله ﷺ : (الإحسان أن تعبد اللهَ كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) (٧). معناه: فإن عَجَزتَ عن رؤيته فإنه يراك.
стр. 296
ويحتمل أن يعلّق على الحقيقة، لأن ذلك لم يقع في الدنيا لغير النبي ﷺ (١).
فإن قيل: فكيف ساغ دخول (إنْ)، وهي لا تدخل إلا على المشكوك؟ قلنا: قد يستعملها العرب في المحقَّق (٢).
* * *
стр. 297
[فصل ما يتعلق به الأحكام من الجوارح]
٢٧١ - قوله في فصل ما يتعلق به الأحكام من الجوارح:
(فأما اللسان فيتعلق به من الواجبات والمندوبات والمحرّمات والمكروهات، ما لا يتعلق بغيره من الجوارح والأركان، بل يتعلق به من ذلك ما لا يتعلق بالجَنان) (١).
يقال عليه: كل عمل يتعلق بالجَنان، من حيث القصدُ إليه والعرض عليه، مما سيذكره الشيخ آخِر كلامه. ومراد الشيخ إثبات ما يختص بكل عضو من الأفعال الظاهرة.
٢٧٢ - وقوله عقب ذلك: (كالإكراه على الكبائر كلها، والصغائر بأسرها) (٢).
يقال فيه: الإكراه لا يختص باللسان، بل يكون بالكتابة والإشارة من القادر وغيره، ولكن هُما ناشئان عن اللسان قائمان مقام نطقه.
٢٧٣ - قوله بعد ذلك: (والكفر، وشهادة الزور) (٣).
يقال عليه: الكفر بالقول هو المختص باللسان، وبالفعل لا يختص به كإلقاء المصحف في القاذورات، والسجود للصنم، ونحو ذلك.
٢٧٤ - قوله بعد ذلك: (وكذلك يتعلق به الإيمان بالله) (٤).
مراده: إظهار الإيمان، وإلا فالإيمان الذي هو التصديق، لا يتعلق إلا بالجَنان.
стр. 298
وكذا قوله: (وتصديق من يجب تصديقه) (١).
مراده: إظهار تصديق من يجب تصديقه.
٢٧٥ - قوله بعد ذلك: (وتعلم العلوم الشرعية، والعبادات المَرضيّة، والفتاوى والأحكام، وزجر المفسدين، وإرشاد الضالّين) (٢).
يقال فيه: كلٌّ من هذه الأمور تكون بالكتابة أيضًا، ولا تختص باللسان.
٢٧٦ - قوله بعد ذلك: (وأما قوله ﵇: (نية المؤمن خيرٌ من عمله) (٣)، ففيه وجهان:
أحدهما: أن أجر النية المجردة عن العمل خير من العمل المجرد عن النية.
الوجه الثاني: ما رُوي أنه ﵇ وَعَد على حفر بئرٍ بأجر، فنَوى عثمان ﵁ أن يحفرها، فسَبَقه إلى حفرها يهودي، فقال ﷺ : (نية المؤمن خيرٌ من عمله)، أي: نيةُ عثمان خيرٌ من حفر اليهودي) (٤).
يقال عليه: هذا الحديث أخرجه صاحب (مسند الفردوس) بسند ضعيف (٥).
стр. 299
وفيه وجه آخر غير ما ذكره الشيخ، وهو أن جملة (نية المؤمن): الإيمان الذي نشأ عنه النطق باللسان، وحينئذ فمجموع نية المؤمن خيرٌ من مجموع فعل الكافر، لاشتمالها على الإيمان الذي هو التصديق.
٢٧٧ - قوله بعد ذلك: (وأما الأفواه والبطون لا يجوز أن يُلقَى فيها ما يحرُم أكلُه) (١).
يقال عليه: بل يجوز إذا لم يتحلل منه شيءٌ إلى الجوف كالزجاج ونحوه (٢).
стр. 300
٢٧٨ - قوله بعد ذلك: (وردّ المغصوبات واجب على الفور، ولا يتقاعد فساد الطعام عن عَفَن الساجة (١) المغصوبة في البناء، إذ لا يجب نزعها مع إمكانه بسبب عَفَنها) (٢).
قال شيخنا: فرقٌ بين (الساجة) و (الطعام)، وهو أنه يلزم من نزع الساجة، إفسادُ ما حولها من البناء، ولا كذلك الطعام.
٢٧٩ - قوله بعد ذلك: (ولم يقدِّم الشرع مسح يُمنى الأذنين على يُسراهما، إذ لا فضلَ) (٣).
يقال فيه: الأذنان والخدّان يطهُران دفعةً واحدةً، فإن كان أقطعَ، قَدَّم اليمين، كذا نقله الرافعي عن أبي المحاسن الرُّوياني (٤).
٢٨٠ - قوله بعد ذلك: (ولا شك أن مقابلة الشريف بالشريف حسنة في العقول، ولذلك يُبدأ بها في الانتعال لأنه إكرام لها) (٥).
стр. 301
يقال فيه: فإذا تعارض الخروج من المسجد والانتعال، قَدَّم اليسرى في الخروج ويضعها على ظهر نعله، ثم يُخرج اليمنى فيُنعلها، ثم يُنَعِّل (١) اليسرى).
٢٨١ - قوله بعد ذلك: (والطِّيرة: أن يرى أو يسمع ما يدل على الشر، فيخافه ويَرهبه، وذلك سوء ظنٍّ بالله) (٢).
يقال عليه: إنما نُهي عنه زجرًا عما كانوا يعتقدونه من تأثيرها من حيث النفع أو دفع الضر، لا أنها من باب سوء الظن بالله، وإلا فقد عَدَل رسول الله ﷺ عن سلوك وادٍ، ورأى به قبيلته بنو مُحرق (٣).
стр. 302
٢٨١ - قوله بعد ذلك في الأظفار: (وتحريم قَلْمها على المُحرِمين، وترك قَلْمها في عشر ذي الحجة للمُضَحِّين (١).
يقال فيه: لا يتقدر ذلك بعشر ذي الحجة، بل الحكم كذلك في أيام التشريق حتى يُضحِّي.
* * *
[فصل فيما يتعلق به الأحكام من الحَواسِّ]
٢٨٢ - قوله في فصل: فيما يتعلق به الأحكام من الحَواسِّ (٢):
(وأما الاستحباب، فكالنظر إلى الكعبة، وفي المصاحف، وكتب العلم للقراءة، وإلى الخاطِبين (٣)، وإلى المخاطَبين السائلين والمجيبين) (٤).
стр. 303
يقال فيه: قد يجب النظر في المصحف للمصلي الذي لا يحفظ الفاتحة إذا أمكنه ذلك، وكذلك يجب النظر فيه لتعلمها إذا تعيّن طريقًا، وكذلك يجب النظر في كتب العلم إذا تعين ذلك طريقًا إلى ما لا بدّ منه.
وما ذكره من استحباب النظر إلى الخاطِبين من الخُطب المشروعات، فيه نظر، فالاستحباب يحتاج إلى دليل. وكذلك النظر إلى المخاطَبين السائلين والمُجيبين.
٢٨٣ - قوله عقب ذلك: (وإلى المصنوعات كلها للتفكر في القدرة ونفوذ الإرادة وبديع الحكمة) (١).
يقال فيه: ما ذكره من استحباب النظر إلى المصنوعات للتفكر، إنْ أخذه من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، فالنظر فيها بمعنى التفكر والتأمل. وكذلك هو في قوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، أي: تأمّلوا.
٢٨٤ - قوله بعد ذلك في (حاسة السمع): (وأما التحريم فكاستماع كلمات الكفر) (٢).
قال شيخنا: المختار أنه لا يحرُم استماع كلمات الكفر من أهل الذمة ولا غيرهم من الكافرين.
٢٨٥ - قوله بعد ذلك في (حاسة الشمّ): (أما الإيجاب فكإيجاب ما يجب على الحاكم شمّه، أو على الشهود بأمره إياهم) (٣).
يقال فيه: ما ذكره من إيجاب شمّ ما يجب شمّه مما تختلف فيه الخصوم، له طرقٌ: المتعين: القطعُ بأنه لا يجب ولو تعين ذلك طريقًا إلى
стр. 304
قطع النزاع، لقول النبي ﷺ : (شاهداك، أو يمينُه) (١)، ولم يذكر سوى ذلك، فإيجاب غيره يحتاج إلى دليل.
٢٨٦ - قوله بعد ذلك: (وتحريم اشتمام طيب النساء الأجنبيات الحِسان) (٢).
يقال فيه: تقييده (الأجنبيات) بـ (الحِسان)، يقتضي أن غير الحِسان لا يحرُم شمُّ طيبهنّ. والذي يظهر خلافُه، لأنه داعٍ (٣) محرِّكٌ للشهوة، و (ما من ساقطة، إلا ولها لاقطةٌ).
٢٨٧ - قوله بعد ذلك: (ولو شمَّ طيبًا لا يملكه، كشمّ الإمام الطيبَ الذي يختص بالمسلمين، إذا لم يتصرف في جِرْمه فلا بأس به. وقد تورّع عنه بعض الأكابر) (٤).
أشار ببعض الأكابر إلى (عمر بن عبد العزيز) (٥).
стр. 305
٢٨٨ - قوله بعد ذلك: (ومما لا أعدُّه ورعًا، أكلُ طعامٍ حلالٍ محضٍ حَمَله ظالمٌ) (١).
أشار بالتورع عن أكل الطعام الحلال الذي حمله ظالمٌ، إلى (ذي النُّون المصري). وقصته مشهورة (٢).
٢٨٩ - قوله بعد ذلك في (الذوق): (وكذلك يجب على الحاكم الذوقُ) (٣).
ما ذكره من (وجوب الذوق): المعتدُّ خلافُه، وقد تقدم في الشمّ أيضًا.
* * *
[فصل فيما يتعلق بالأزمان من الطاعات]
٢٩٠ - قوله في الفصل المعقود لِما يتعلق بالأزمان (٤) من الطاعات، في النوع السابع منه:
(وهو موقّت عند بعضهم بـ (شوال، وذي القَعدة، وذي الحجّة" (٥).
стр. 306
يقال فيه: (ذو الحجة): عند من يجعله بكماله أشهر الحج وقتًا للإحرام بالحج (١).
إنما ينعقد الإحرام بالحج في (شوال وذي القعدة وعشرٍ أو تسعٍ من ذي الحجة) على الخلاف فيه، وإنما المراد بجعل (ذي الحجة) وقتًا للحج عند من يقول به، لزوم الدم بتأخير طواف الإفاضة عنه.
٢٩١ - قوله بعد ذلك في النوع الثامن، في العمرة: (ولا وقتَ لها، خلافًا لبعض العلماء) (٢).
يقال فيه: يستثنى العاكف بمِنَى للرمي، فإنه لا يصح إحرامه بالعمرة في أيام مِنَى لا شتغاله بالرمي، نُص عليه.
* * *
[فصل في تنويع العبادات البدنية]
٢٩٢ - قوله بعد ذلك في النوع الخامس، في فصل في تنويع العبادات البدنية:
(وإن قرأ آيات الصفات، تأمَّل تلك الصفة، فإن كانت مشعِرة بالتوكل فلْيعزم عليه) (٣).
стр. 307
يقال فيه: والأحسن أن يقال: (فلْيتوكل) لنظائره التي ذكرها، وإلا فما الفرق بينه وبين نظائره، حيث قال فيه: (فليعزم)، بخلاف نظائره.
٢٩٣ - قوله بعد ذلك: (النوع السادس: إسقاط الحقوق: كالإعتاق في الكفارات، والإبراءِ من الذنوب، والعفوِ عن الإساءة) (١).
يقال فيه: محل ما ذكره من الإعتاق: الصادرُ من المسلم في الكفارات (٢)، فإن له جهتين:
فمن حيث كونه (إسقاطًا) لِما في الذمة، أشبهُ بأداء الديون. ومن حيث كونه (إعتاقًا) من المسلم، يراه (٣) المسلم عبادة. فلا يأتي ما ذكره الشيخ في إعتاق الكافر عن الكفارات.
وكذا القول في الإبراء، والعفو.
٢٩٤ - قوله بعد ذلك: (والعفو عن حد القذف أفضل من العفو عن التعزير) (٤).
يقال فيه: محل الجزم بذلك، إذا قلنا: ليس للإمام التعزير إذا عفا مستحقُّه.
أما إذا قلنا: له التعزير إذا عفا مستحق التعزير، وهو الأصح، فيحتمل ما ذكره الشيخ. ويحتمل أن العفو عن التعزير أفضل من العفو عن حد القذف، لأن الحدّ له ضابط يُرجع إليه، بخلاف التعزير فقد ينتهي إلى حبس طويل
стр. 308
ونحوه، لرجوعه إلى رأي الإمام ولا سيّما إن كان مالكيًا يرى التعزير بالأشياء الشديدة ولو أتتْ على نفسه.
٢٩٥ - قوله بعد ذلك: (والإبراء من الدينار أفضل من الإبراء من الدرهم) (١).
يقال فيه: محل ذلك، ما إذا كان المُبرَى (٢) عن الدينار والدرهم واحدًا، فإن الدينار أفضل في حقه. فإن اختَلَف (٣)، بأن أُبرِئ ملكٌ عظيمٌ عن دينار، وفقيرٌ عن درهم، فإبراء الفقير عن الدرهم أفضل من إبراء الملك العظيم أو الغني عن الدينار. قد مرّ نظير ذلك في تفاوت إثم المسروق ونحوه.
٢٩٦ - قوله بعد ذلك: (وكذلك مسح الخِفاف والعصائب والعمائم والجبائر يُعتبر مما لا تظهر حِكمته، فإن الحَدَث لم يؤثر فيها) (٤).
يقال عليه: لمّا أَنزَلها الشارع منزلة مُبدَلاتها للضرورة والحاجة، قامت مقامها، وهذا ظاهر لا خفاء به.
٢٩٧ - قوله بعد ذلك: (وكذلك الوضوء بلَمس النساء، ومسِّ الفروج) (٥).
أي مما لا تظهر حكمته.
يقال عليه: لك أن تقول: إن الحكمة فيه نص (اللمس). المسُّ مظنةٌ
стр. 309
للالتذاذ، والالتذاذ مظنة لخروج ما يحصل للرجل بملاعبة أهله (١)، فوجب الوضوء لذلك.
٢٩٨ - قوله بعد ذلك: (ويجوز أن تكون هذه الأحكام كلها لا مصالحَ فيها ظاهرة ولا باطنة) (٢).
يقال فيه: الظاهر أن في مثل هذه الأحكام، حِكَمًا لم يُطْلِع عليها الله عبادَه.
٢٩٩ - قوله بعد ذلك: (فأما الأداء، فما فُعل في وقته المقدّر شرعًا) (٣).
يقال فيه: لا بدّ أن يقول: (ما فُعل في وقته المقدّر له شرعًا أولًا) ليُخرج (الإعادة).
ثم إنه لم يتعرض لـ (الإعادة) في تقسيمه، وكان من حقه التعرض لذلك.
٣٠٠ - قوله بعد ذلك في (الموسّع زمانه): (فكالظهر ونحوها، فإن المصلي مخير بين أن يقدّمها في أوائل أوقاتها، وبين أن يوسّطها أو يؤخّرها بحيث يقع التحلل منها قبل انقضاء وقتها) (٤).
يقال عليه: يَرِد على هذا، لو شَرع في الوقت، ومَدَّ، حتى خرج الوقت،
فإنه يجوز على الصحيح، فلم يقع التحلل قبل انقضاء وقتها.
٣٠١ - قوله بعد ذلك: (وأذانُ كل صلاة موقّت بوقتها، إلا الصبح فإنه يقدَّم على وقتها ليتأهّب الناس بالطهارات وقضاء الحاجات) (٥).
стр. 310
يقال فيه: الأولى أن يعلّل لعدم أذان الصبح، بما ذكره رسول الله ﷺ في قوله: (ليَرجِعَ قائمَكم، ويوقِظ نائمَكم)، وقد تَرجم البيهقي على ذلك: (باب ذكر المعاني التي يؤذِّن لها بلالٌ بليلٍ)، فذكره (١).
٣٠٢ - قوله بعد ذلك: (المثال الثاني: يُخيّر المتوضئ بين المرّة والمرّتين والثلاث، وكذلك التخيير في غَسل النجاسات) (٢).
يقال فيه: حقيقة (التخيير): أن يُخيّر الشارعُ المكلفَ من أمور على السواء من غير أن يجب واحدٌ منها بفضيلة في نفسه أو غير ذلك، كما في كفارة اليمين وغيرها.
والشيخ أَخَذ (التخيير) في هذا الفصل بإزاء ما للمكلف أن يفعله، وما له أن ينتقل إلى غيره بمقتضى الأدلة؛ وقد يكون أحد الأمرين أو الأمور أفضل، وقد لا يكون. وأمثلته في هذا الفصل، أكثرها جارٍ على ذلك، وبعضها (تخييرٌ) حقيقة. فتأمل الأمثلة، ورُدَّ كلًّا لِما يناسبه.
стр. 311
٣٠٣ - قوله بعد ذلك في (المثال السابع): (والقصر أفضل، أي من الإتمام. والصوم فيما دون ثلاثة أيام أفضل) (١).
يقال فيه: ما ذكره من أفضلية الصوم فيما دون ثلاثة أيام وفيما بعدها على الأصح، فحكمه فيمن لا يتضرر بالصوم، أما من يتضرر به فالفطر في حقه أفضل.
٣٠٤ - قوله بعد ذلك: (فإنّ جمع التقديم بعرفة أولى، وجَمْع التأخير بمزدلفة أفضل، لأن رسول الله ﷺ فَعَل ذلك) (٢).
يقال فيه: إنما جمع رسول الله ﷺ بعرفة تقديمًا لأنه كان نازلًا، وإنما جمع بمزدلفة تأخيرًا لأنه كان سائرًا وقت الأُولى. فهو غير (مسألة الجمع في السفر)، ولا اختصاص لذلك بعرفة ولا بمزدلفة حتى يُستثنى.
٣٠٥ - قوله بعد ذلك: (المثال الثامن والعشرون: يُخيّر من ثبت له فسخُ عقدٍ، بين الفسخ والإمضاء. وفعلُه ما هو الأغبط للمفسوخ عليه، أفضل) (٣).
يقال عليه: ما ادّعاه الشيخ من أن فعل ما هو الأغبط للمفسوخ عليه، أفضل، لا يحتاج إلى دليل.
стр. 312
وكذا ما ذكره في المثال الذي بعده من (أنّ عفو الشفيع أفضل من الأخذ)، المختارُ تفصيلٌ: وهو أنه إن خاف ضرر المشاركة، فالأخذ أفضل، وإلا فالعفو.
٣٠٦ - قوله بعد ذلك: (فإن قيل: لِمَ اعتُبرت المساكن بحال النساء، والنفقاتُ والكسوة (١) بحال الرجال؟ قلنا: المرأة تتعيّر بالمسكن الخسيس الذي لا يناسب حالَها لأنه مشاهَدٌ، بخلاف الكسوة والطعام فإنهما لا يشاهَدان في أغلب الأحوال، فكان ضررها بالمسكن الخسيس أعظم) (٢).
يقال فيه: ما ذكره الشيخ من اعتبار الكسوة بحال النساء (٣)، هو
الأصح.
ولنا طريقة، أنه تُعتبر حالُ الزوجين.
وما ذكره من اعتبار المسكن بحالها، فيه طريقة أيضًا، أنه تُعتبر بحال الزوجين.
стр. 313
وقول الشيخ في الكسوة والطعام، أنهما لا يشاهَدان في أغلب الأحوال، إلى آخره، مُسلَّمٌ في الطعام. وأما الكسوة فمشاهَدٌ (١) كثيرًا كالمسكن أو أكثر. ولك أن تُؤوِّل كلام الشيخ.
٣٠٧ - قوله بعد ذلك في الذي يجب على الفور: (كزكاة المعشرات عند التنقية والجفاف) (٢).
يقال فيه: زكاة المعشّرات تجب عند بدوّ صلاح الثمر واشتداد الحَبّ، وإنما الذي يتوقف على التنقية والجفاف، وجوبُ الإخراج. وفرقٌ بين (الوجوب) و (وجوب الإخراج).
٣٠٨ - قوله بعد ذلك: (فإن قيل: هلّا وجب الحج على الفور؟ قلنا: لكن المقصود منه: ثواب الآخرة، وهو متراخٍ) (٣).
يقال فيه: ما ذكره من الحكمة من وجوب الحج على التراخي، يَنتقض بالصوم، فإن المقصود الأعظم منه ثواب الآخرة، وهو على الفور. ويَنتقض أيضًا بالصلاة التي ليس لها إلا وقتٌ واحدٌ كالمغرب.
٣٠٩ - قوله بعد ذلك: (فإن قيل: لِمَ كرّرتم الحدّ إذا تخلل بين السرقتين؟ (٤) قلنا: لمّا علمنا أن الحد الأول لم يزجره حين أَقدَم على الجريمة ثانيا، جدَّدنا عليه الحدّ إصلاحًا له بالزجر) (٥).
ما ذكره الشيخ من تكرير الحدّ، فيه نظر؛ لأن الحدود يُتبقى عليها ولو
стр. 314
لم ينزجر من أُقيمت عليه. والأَولى أن يقال: لأن الجريمة الأُولى قد أُخذ موجَبُها، فلو لم يكن في الثانية شيء لكانت لا تُقابَل بها.
٣١٠ - قوله بعد ذلك: (وكذلك تدخل (ديات الأطراف) في (دية النفس) إذا فاتت قبل الاندمال؛ لأن الجراحات قد صارت قتلًا. ولو قتله أجنبي لزمه ديةُ نفسه، ووجب ديةُ الأطراف على قاطعها. ولو قتله قاطع الأطراف فقد نصّ الشافعي على التداخل. وفيه إشكال من جهة أن السِّراية قد انقطعت بالقتل، فأَشبَه ما لو انقطعت بالاندمال. وقد خالف ابنُ سُريج الشافعيَّ، في ذلك، وهو متجه) (١).
يقال عليه: بل المتجه ما نَصّ عليه الشافعي ﵁؛ لأن الحال فيهما واحد، لم ينقطع حكم الجراحات الأولى لقيام سببها، بخلاف الاندمال، ولأن الحق المجروح مضمون بالدية على الجارح المذكور فلا يتجدد لجِراحِه ضمانٌ. والصورة: إذا اتحد وَصْفا: الجرح والقتل في العمد والخطأ؛ فإن أخطأ فالأصح لا تدخل.
ويشهد للنص، أن لو تبرع في المرض المخُوف تبرعًا (٢) منجَزًا، ثم سقط من سطح، فإنه يعتبر تبرعه من الثلُث نظرًا إلى السبب الظاهر الذي كان يستمر لولا حصول الحادث. ولو سقط من سطح هناك، حسبت (٣) الديات كلها على الخاطئ، لأنه لم يتَّحد الحال في جاني النفس وجاني الجراحات.
٣١١ - قوله بعد ذلك: (وقد أَطلق بعض (٤) أصحاب الشافعي ﵁ (٥)،
стр. 315
أنه يُستحب الخروج من الخلاف حيث وقع، أفضل من التورط فيه (١). وليس الأمر كما أطلقه، بل الخلاف على أقسام:
الأول: أن يكون الخلاف في التحريم والجواز، فالخروج من الخلاف بالاجتناب أفضل.
الثاني: أن يكون الخلاف في الاستحباب والإيجاب، فالفعل أفضل.
الثالث: أن يكون الخلاف في الشرعية، فالفعل أفضل، كقراءة البسملة في الفاتحة) (٢).
اختار شيخنا ﵁، أنه لا يُستحب الخروج من الخلاف إلا إذا قَوِي مُدرَكَه، سواء كان في التحريم والجواز، أو في الاستحباب والإيجاب، أو في غير ذلك. وأما إذا ضعُف المُدرَك فلا يُستحب الخروج من الخلاف مطلقًا.
٣١٢ - قوله بعد ذلك: (وأما ما يدخله الشرط من العبادات، فالنذر قابل للتعليق على الشرائط مع اختلاف أنواع المنذورات) (٣).
стр. 316
يقال فيه: مراده بالشرط هنا: (التعليق) على حدّ قول الشيخ في الفدية (١): (باب الشرط في الطلاق). ففيه تجوّز.
وقد فرَّق الأصحاب بين (التعليق) و (الشرط)، ومن ثَمّ قال في (الوسيط): إن الطلاق لا يقبل الشرط. ومراده أن يقول: طلَّقتُ بشرط كذا.
وحينئذ فالفرق بين (التعليق) و (الشرط): أن التعليق: ترتيب أمر لم يوجد بـ (إنْ) أو إحدى أخواتها، كـ (إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق).
والشرط: التزام أمر لم يوجد في أمرٍ وُجد، على وجه مخصوص، كـ (طلّقتُ بشرط كذا).
وأبواب الشريعة أربعة أقسام:
ما يقبل الشرط والتعليق. وما لا يقبلها.
وما يقبل الشرط دون التعليق. وعكسه.
وليس هذا موضع بيانها.
وقوله: (فالنذر قابل للتعليق على الشرط): أراد بالشرط: (الصفات).
٣١٣ - قوله بعد ذلك: (ولو شَرَط المُحرم، التحللَ، ففي صحة الشرط خلاف) (٢).
يقال فيه: لا يناظر ما ذكره. والذي يناظره: (إن كان زيدٌ مُحرمًا، فقد أحرمتُ).
٣١٤ - قوله بعد ذلك: (وأما ما لا يقبل التعليق على الشرط، فكالصوم والصلاة الواجبَين بأصل الشرع) (٣).
стр. 317
يقال فيه: أراد بالشرط: (الصفة).
ويستثنى من الصلاة، ما لو جَهِل حالَ إمامه، فقال: (إنْ قَصَر، قَصَرتُ، وإلا أتممتُ).
وجاء: إذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار، وصُلِّي على واحدٍ واحدٍ، فإنه يقول: (أصلّي عليه إن كان مسلمًا).
ويستثنى من الصوم، ما إذا نوى ليلة الثلاثين من رمضان، صومَ غدٍ إن كان من رمضان.
٣١٥ - قوله بعد ذلك: (ومن الطاعات ما يعتبر بوقت فعله، لا بوقت وجوبه، كطهارة الصلاة) (١).
يقال فيه: يستثنى من طهارة الصلاة، ما لو وَهَب الماء في الوقت، أو باعه فيه، فإنه يَقضي ما دام الماء باقيًا. فقد اعتبرناه بوقت وجوبه.
وكذلك الطهارة التي لا تتقدم على الوقت، في صورة: ما إذا أَخَّر السَّلِسُ والمستحاضةُ حتى جُنَّ، أو حاضت بعد مضي قدر الطهارة والصلاة، فإنه تلزم تلك الفريضة على المذهب. فقد اعتبرنا وقت وجوبها لا وقت فعلها، إلا أن هذا لا يقع الفعل فيه إلا بعد انقضاء المانع الحادث.
* * *
[فصل فيما يفوت من المصالح]
٣١٦ - قوله في فصل ما يفوت من المصالح: (والنسيان غالب على الإنسان) (٢).
يقال فيه: ما ذكره من أن النسيان غالب على الإنسان، ممنوع، بل
стр. 318
النسيان من الأعذار النادرة في نظر العلماء، كما صرّحوا به في تفريعات كثيرة.
فمن نسي الماء في رحله وتيمم، فإنه يَقضِي، لأن النسيان نادر، أو لأنه مقصّر بالنسيان. ولو كان غالبًا لم يكن مقصّرًا.
وفي بعض النسخ: (والنسيان غالبٌ للإنسان).
٣١٧ - قوله بعد ذلك فيما لا يقبل التدارك: (وإسكانِ (١) من يجب إسكانه من الزوجات والآباء والأمهات. . . (٢) لا يقبل التدارك) (٣).
يقال فيه: ما ذكره من الإسكان صحيح، لأنه إمتاعٌ فيسقط بالفوات.
٣١٨ - قوله بعد ذلك: (وإن كان مما يقبل التدارك من حقوق الله تعالى أو حقوق عباده، كالصلاة والزكاة والديون ونفقات الزوجات، وجب تداركه على الفور إن كان واجبًا على الفور. وإن كان على التراخي فهو باقٍ على تراخيه) (٤).
ما ذكره في (الواجب على الفور) أنه يجب قضاؤه على الفور، محلُّه حيث كان عاصيًا بالفوات.
стр. 319
وما ذكره من أن (قضاء الواجب على التراخي) باقٍ على تراخيه، ينتقض بالحج إذا فسد بالجماع، فإنه قضاء يجب على الفور.
* * *
[فصل في مناسبة العلل لأحكامها]
٣١٩ - قوله في فصل في مناسبة العلل لأحكامها:
(إذ كيف يناسِب خروجُ المنيّ من الفرج، أو إيلاجُ أحد الفرجَين في الآخر، أو خروجُ الحيض أو النفاس: لغسل جميع البدن.
وكذلك لا مناسبة بين المسّ واللمس وخروجِ الخارج من أحد السبيلين: لإيجاب تطهير الأعضاء الأربعة مع العفو عن النجاسة محل الخروج. ولا للمسح على العمائم والعصائب والجبائر والخِفاف.
وكذلك لا مناسبة لأسباب الحدث الأصغر والأكبر: لإيجاب مسح الوجه واليدين بالتراب، بل ذلك تعبدٌ من رب الأرباب ومالك الرقاب) (١).
يقال فيه: خروج المني مناسب لغَسل جميع البدن، وكان القياس في الحدث الأصغر، تعميمَ كل البدن، بناء على أن الحدث عمّ جميع البدن، فلما خُفِّف إلى غَسل الأعضاء الأربعة، كان فيها مناسبة من جهة أن للبدن أعالي وأسافل وأواسط، فوجب شيء من أعلاه وهو (الوجه والرأس)، وشيء من أسفلَ وهو (الرِّجلين)، وشيء من أوسطه وهو (اليدين) (٢).
стр. 320
وقد تقدم الكلام في المسح على العمائم ونحوها، من أنها نُزّلت منزلة مُبدلاتها.
وفي اختصاص مسح الوجه واليدين بالتراب مناسبة، من جهة أن الرِّجلين ملازمان للتراب غالبا -والرأس مستور عنه- فلا يناسب مسحهما بالتراب إذا كان يتراكم عليهما فتجتمع الأوساخ، بخلاف الوجه واليدين.
* * *
[فصل فيما يُتدارك إذا فات بعذر]
٣٢٠ - قوله بعد ذلك في فصل ما يُتدارك إذا فات:
(الضابط أن اختلال الشرائط والأركان إذا وقع لضرورة أو حاجة، فإن لم يختص وجوبه بالصلاة، كـ (السَّتر)، فإنْ كان في قوم يعمّهم العُري، فلا قضاء عليه لِما فيه من المشقة) (١).
يقال فيه: إنما ذَكر (الأركان) توطئة لقوله بعدُ: (فإنْ أمرناه باتمام الركوع والسجود ولم يَقضِ على الأصح) إلى آخره (٢). وإلا فاختلال الركن مُبطل موجب للقضاء.
وما ذكره في (الستر) من أنه إن كان في قوم يعمّهم العري، فلا قضاء، طريقةٌ.
٣٢١ - قوله في الفصل المذكور: (وقال أهل الظاهر وبعض العلماء: مَن تعمَّد ترك الصلاة أو الصيام، لم يلزمه القضاء، لأن القضاء وَرَدَ في