← Каваид фикха

Каваид фикха · id 17811

الفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السلام

سراج الدين البلقيني

Полный текст (515 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

يقال فيه: مراده بالشرط هنا: (التعليق) على حدّ قول الشيخ في الفدية (١): (باب الشرط في الطلاق). ففيه تجوّز. وقد فرَّق الأصحاب بين (التعليق) و (الشرط)، ومن ثَمّ قال في (الوسيط): إن الطلاق لا يقبل الشرط. ومراده أن يقول: طلَّقتُ بشرط كذا. وحينئذ فالفرق بين (التعليق) و (الشرط): أن التعليق: ترتيب أمر لم يوجد بـ (إنْ) أو إحدى أخواتها، كـ (إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق). والشرط: التزام أمر لم يوجد في أمرٍ وُجد، على وجه مخصوص، كـ (طلّقتُ بشرط كذا). وأبواب الشريعة أربعة أقسام: ما يقبل الشرط والتعليق. وما لا يقبلها. وما يقبل الشرط دون التعليق. وعكسه. وليس هذا موضع بيانها. وقوله: (فالنذر قابل للتعليق على الشرط): أراد بالشرط: (الصفات). ٣١٣ - قوله بعد ذلك: (ولو شَرَط المُحرم، التحللَ، ففي صحة الشرط خلاف) (٢). يقال فيه: لا يناظر ما ذكره. والذي يناظره: (إن كان زيدٌ مُحرمًا، فقد أحرمتُ). ٣١٤ - قوله بعد ذلك: (وأما ما لا يقبل التعليق على الشرط، فكالصوم والصلاة الواجبَين بأصل الشرع) (٣).

стр. 317

يقال فيه: أراد بالشرط: (الصفة). ويستثنى من الصلاة، ما لو جَهِل حالَ إمامه، فقال: (إنْ قَصَر، قَصَرتُ، وإلا أتممتُ). وجاء: إذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار، وصُلِّي على واحدٍ واحدٍ، فإنه يقول: (أصلّي عليه إن كان مسلمًا). ويستثنى من الصوم، ما إذا نوى ليلة الثلاثين من رمضان، صومَ غدٍ إن كان من رمضان. ٣١٥ - قوله بعد ذلك: (ومن الطاعات ما يعتبر بوقت فعله، لا بوقت وجوبه، كطهارة الصلاة) (١). يقال فيه: يستثنى من طهارة الصلاة، ما لو وَهَب الماء في الوقت، أو باعه فيه، فإنه يَقضي ما دام الماء باقيًا. فقد اعتبرناه بوقت وجوبه. وكذلك الطهارة التي لا تتقدم على الوقت، في صورة: ما إذا أَخَّر السَّلِسُ والمستحاضةُ حتى جُنَّ، أو حاضت بعد مضي قدر الطهارة والصلاة، فإنه تلزم تلك الفريضة على المذهب. فقد اعتبرنا وقت وجوبها لا وقت فعلها، إلا أن هذا لا يقع الفعل فيه إلا بعد انقضاء المانع الحادث. * * * [فصل فيما يفوت من المصالح] ٣١٦ - قوله في فصل ما يفوت من المصالح: (والنسيان غالب على الإنسان) (٢). يقال فيه: ما ذكره من أن النسيان غالب على الإنسان، ممنوع، بل

стр. 318

النسيان من الأعذار النادرة في نظر العلماء، كما صرّحوا به في تفريعات كثيرة. فمن نسي الماء في رحله وتيمم، فإنه يَقضِي، لأن النسيان نادر، أو لأنه مقصّر بالنسيان. ولو كان غالبًا لم يكن مقصّرًا. وفي بعض النسخ: (والنسيان غالبٌ للإنسان). ٣١٧ - قوله بعد ذلك فيما لا يقبل التدارك: (وإسكانِ (١) من يجب إسكانه من الزوجات والآباء والأمهات. . . (٢) لا يقبل التدارك) (٣). يقال فيه: ما ذكره من الإسكان صحيح، لأنه إمتاعٌ فيسقط بالفوات. ٣١٨ - قوله بعد ذلك: (وإن كان مما يقبل التدارك من حقوق الله تعالى أو حقوق عباده، كالصلاة والزكاة والديون ونفقات الزوجات، وجب تداركه على الفور إن كان واجبًا على الفور. وإن كان على التراخي فهو باقٍ على تراخيه) (٤). ما ذكره في (الواجب على الفور) أنه يجب قضاؤه على الفور، محلُّه حيث كان عاصيًا بالفوات.

стр. 319

وما ذكره من أن (قضاء الواجب على التراخي) باقٍ على تراخيه، ينتقض بالحج إذا فسد بالجماع، فإنه قضاء يجب على الفور. * * * [فصل في مناسبة العلل لأحكامها] ٣١٩ - قوله في فصل في مناسبة العلل لأحكامها: (إذ كيف يناسِب خروجُ المنيّ من الفرج، أو إيلاجُ أحد الفرجَين في الآخر، أو خروجُ الحيض أو النفاس: لغسل جميع البدن. وكذلك لا مناسبة بين المسّ واللمس وخروجِ الخارج من أحد السبيلين: لإيجاب تطهير الأعضاء الأربعة مع العفو عن النجاسة محل الخروج. ولا للمسح على العمائم والعصائب والجبائر والخِفاف. وكذلك لا مناسبة لأسباب الحدث الأصغر والأكبر: لإيجاب مسح الوجه واليدين بالتراب، بل ذلك تعبدٌ من رب الأرباب ومالك الرقاب) (١). يقال فيه: خروج المني مناسب لغَسل جميع البدن، وكان القياس في الحدث الأصغر، تعميمَ كل البدن، بناء على أن الحدث عمّ جميع البدن، فلما خُفِّف إلى غَسل الأعضاء الأربعة، كان فيها مناسبة من جهة أن للبدن أعالي وأسافل وأواسط، فوجب شيء من أعلاه وهو (الوجه والرأس)، وشيء من أسفلَ وهو (الرِّجلين)، وشيء من أوسطه وهو (اليدين) (٢).

стр. 320

وقد تقدم الكلام في المسح على العمائم ونحوها، من أنها نُزّلت منزلة مُبدلاتها. وفي اختصاص مسح الوجه واليدين بالتراب مناسبة، من جهة أن الرِّجلين ملازمان للتراب غالبا -والرأس مستور عنه- فلا يناسب مسحهما بالتراب إذا كان يتراكم عليهما فتجتمع الأوساخ، بخلاف الوجه واليدين. * * * [فصل فيما يُتدارك إذا فات بعذر] ٣٢٠ - قوله بعد ذلك في فصل ما يُتدارك إذا فات: (الضابط أن اختلال الشرائط والأركان إذا وقع لضرورة أو حاجة، فإن لم يختص وجوبه بالصلاة، كـ (السَّتر)، فإنْ كان في قوم يعمّهم العُري، فلا قضاء عليه لِما فيه من المشقة) (١). يقال فيه: إنما ذَكر (الأركان) توطئة لقوله بعدُ: (فإنْ أمرناه باتمام الركوع والسجود ولم يَقضِ على الأصح) إلى آخره (٢). وإلا فاختلال الركن مُبطل موجب للقضاء. وما ذكره في (الستر) من أنه إن كان في قوم يعمّهم العري، فلا قضاء، طريقةٌ. ٣٢١ - قوله في الفصل المذكور: (وقال أهل الظاهر وبعض العلماء: مَن تعمَّد ترك الصلاة أو الصيام، لم يلزمه القضاء، لأن القضاء وَرَدَ في

стр. 321

الناسي والنائم، وهما معذوران، وليس المتعمد في معنى المعذور. ولِما قالوه، وجهٌ حسن)، إلى آخره (١). يقال عليه: ما ذكره عن أهل الظاهر وغيرهم وقوله (٢)، يلزم عليه: أنه إذا أَفسَد الحج عمدًا بالجماع، لا يقضيه؛ هو خلاف الإجماع (٣). ويَرِد عليه أيضًا، ما رواه أَبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله: (من ذَرَعه القيءُ فلا قضاء عليه، ومن استقاء عامدًا فلْيَقضِ). رواه أَبو داود وغيره بإسناد صحيح (٤).

стр. 322

وقول الشيخ في تقرير القول المذكور (١): (أن الصلاة ليست عقوبة من العقوبات حتى يقال: إذا وجبت على المعذور، فوجوبها على هذا (٢) أولى، لأن الصلاة إكرام من الله تعالى للعبيد)، إلى قوله: (فلا يستقيم مع هذا أن يقال: إذا أُكرم المعذور بالمجالسة والتقريب، كان العاصي الذي لا عذر له أولى بالإكرام والتقريب!) (٣). يقال عليه: ليس هذا من باب الإكرام للمتعمِّد التركَ (٤)، بل هذا من باب استيفاء ما في ذمته من العبادة، وهو مَلُومٌ بالترك. ونظيره: إيجاب جزاء الصيد على المتعمِّد مع قوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقد تقدم نظير هذا في الكفارات. * * *

стр. 323

[فصل في بيان تخفيفات الشرع] ٣٢٢ - قوله أول الفصل المعقود لبيان تخفيفات الشرع: (وهي أنواع، منها: (تخفيف الإسقاط) كإسقاط الجُمعات والصوم والحج والعمرة بأعذار معروفات) (١). يقال فيه: إسقاط الجُمعات والصوم ممكن. وأما إسقاط الحج والعمرة بالعذر فلا يتصور. فإن أريد بالعذر: (عدم الاستطاعة ونحوها) فلا وجوب، حتى يقال بالسقوط. فليتأمل! * * * [فصل في المشاقّ الموجبة للتخفيفات الشرعية] ٣٢٣ - قوله في الفصل المعقود للمشاقّ الموجبة للتخفيفات الشرعية: (المشاقّ ضربان: أحدهما: مشقة لا تنفك العبادة عنها، كمشقة الوضوء والغسل في شدة السَّبَرات) (٢). يُنبّه فيه على أن (السَّبَرات) بفتح السين المهملة والباء الموحّدة، هي جمع (سَبْرة) بفتحٍ وسكون الباء، مثل (تَمْرة، وتَمَرات). والسَّبْرة: شدة البرد (٣).

стр. 324

ومقصود الشيخ اتباع لفظ الحديث، فإنه ورد في الحديث ذكرُ (إسباغ الوضوء في السَّبَرات) (١). ٣٢٤ - قوله فيه أيضًا في أثناء النوع الثالث: مشاقّ واقعة بين هاتين المشقتين، أعني: المشقة العظيمة التي مثَّلَها بالخوف على النفوس والأطراف؛ والمشقة الخفيفة التي مَثَّلها بأدنى وجع في أصبع: (وقد تتوسّط مشاقُّ بين الرتبتين بحيث لا تدنُو من إحداهما، فقد يُتوقف فيها، وقد يُرجح بعضها بأمر خارج عنها، وذلك كابتلاع الريق في الصوم، وابتلاع غبار الطريق)، إلى آخره (٢). يقال فيه: الذي يظهر أن ابتلاع الريق من المشاق التي لا تنفك العبادة عنها. ٣٢٥ - قوله بعد ذلك: (ولا تختص المشاق بالعبادات، بل تجري في المعاملات، مثاله: الغرر في البيوع، وهو أيضًا ثلاثة أقسام: أحدها: يعسُر اجتنابه، كبيع الفستق والبُندق والرمان والبطيخ في قشوره، فيُعفى عنه. القسم الثاني: ما لا يعسر اجتنابه، فلا يُعفى عنه. القسم الثالث: ما يقع بين الرتبتين، وفيه اختلاف)، إلى آخره (٣). يقال فيه: أَهمَل قسمًا رابعًا، وهو ما يتعذر اجتنابه، كرؤية أُسّ الجدار

стр. 325

وأصل الشجرة وما جرى مجراهما، فيُعفى عنه قطعًا، ولكنه يوجد العفو عنه -من العفو عما يعسر اجتنابه- من باب أولى. ٣٢٦ - قوله: (فأما الصلاة، فيَنتَقل فيها القائم إلى القعود، بالمرض الذي يشوِّش عليه)، إلى قوله: (واشتُرط في الانتقال من القعود إلى الاضطجاع، عذرٌ أشقُّ من عذر الانتقال من القيام إلى القعود، لأن الاضطجاع منافٍ لتعظيم العبادات ولاسيما والمصلّي مناجٍ لربه، وقد قال : "أنا جليس من ذكرني" (١). يقال عليه: ما ذكره من أنه يشترط في الانتقال من القعود إلى الاضطجاع، عذرٌ أشقُّ من عذر الانتقال من القيام إلى القعود، ممنوع، لأن رسول الله ﷺ لم يفرِّق بين الاستطاعتين في قوله ﷺ : (صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبٍ) (٢). فمن عجَز عن القعود لصداعٍ برأسه، لا يشترط أن يكون ذلك في حقه أشقَّ من كَسْر الرِّجل المانعِ من القيام، بل لو كان الصداع المانعُ من القعود أخفَّ من كَسْر الرِّجل المانعِ من القيام، جاز له أن يَنتقل إلى الاضطجاع.

стр. 326

وقوله: (لأن الاضطجاع منافٍ لتعظيم العبادات). قلت: لكنه بإذن الشرع ليس بمنافٍ. قوله: (وقد قال الله : (أنا جليس من ذكرني). قلنا: وقد قال الله يمدح عباده: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]. ولولا الإذنُ لَمَا كان لنا أن نفعل ذلك. وكذلك نداءُ الملك العظيم من الآدميّين باسمه، منافٍ للتعظيم عادةً. ولمّا أَذن الله لعباده أن ينادُوه ويدعُوه باسمه في قوله: (يا الله)، كان لهم ذلك، ولو لم يَأذن فيه سبحان وتعالى اجتَرَأ أحدٌ على ذلك. ٣٢٧ - قوله بعد ذلك: (وأما الصوم فالأعذار فيه خفيفة، كالسفر، والمرض الذي يشُقّ الصوم معه كمشقة الصوم على المسافر) (١). يقال عليه: مفسدة (٢) المرض بأن يشُقّ الصوم معه كمشقة الصوم على المسافر: ما بَيَّن (٣)؛ لكن على ما سيذكره في ضوابط مشاقّ العبادات، من أنّ مشقة كل عبادة تُضبط بأدنى المشاق المعتبرة في تلك العبادة. وسيأتي ما فيه.

стр. 327

ثم إنه لا يعتبر في الفطر بالسفر وجودُ المشقة، حتى يعتبر المرض (١) بها، ولكن السفر لمّا كان مظِنةً لمشقةٍ، طُرد الباب فيه طردًا واحدًا. والأصح في المرض المبيح للفطر ما ذكره الأصحاب في المرض المبيح للتيمم. ٣٢٨ - قوله بعد ذلك: (ويدل على إباحة التيمم): يريد: التيمم في صورٍ ذكرها، وهي أن يقال: (الشَّين إذا كان في عضوٍ باطنٍ لم يكن عذرًا، وإن كان في ظاهرٍ ففيه خلاف. والمختار الإباحة بهذه الأعذار، فنقول: جَوّز الشافعي ﵁ فيها التيمم بمشاق خفيفة دون هذه المشاق، أحدها (٢): إذا بيع الماء منه بأكثر من ثمن المثل، بشيء حقيرٍ يسيرٍ، فإنه لا يلزمه شراؤه. ولا شك أن ضرر الغَبْن بدانقٍ دون ضرر المشقة بظهور الشَّين وإبطاء البُرء وشدة الضَّنَى) (٣). يقال عليه: لما كان ضرر الغَبْن بدانقٍ يعم المكلفين، اعتُبر كون غيره: من المشاق الخاصة، كظهور الشَّين؛ لأن الشارع إنما يخاطب العموم بالأمر الذي لا يشُقّ أصلًا، لعموم ضرره لو وقع. وكذا القول في باقي الصور.

стр. 328

٣٢٩ - قوله بعد ذلك: (ونظير هذا التشديد (١) ما ذكره الشافعي ومالك في أن التحلل من الحج مختص بحصر العدوّ، وقد خُولفا في ذلك، لأن الآية دالة على جواز الخروج من الحج بالأعذار) (٢). يقال فيه: لقائلٍ أن يقول محتجًا لمالك والشافعي رحمهما الله تعالى: أن الآية نزلت في حصر الأعداء، والأصل بقاء العبادة: على (٣) أنه لا يجوز الخروج منها. وجوازُ التحلل بحصر الأعذار (٤) يحتاج إلى دليل. وليس هذا من باب قصر العامّ على سببه، بل من باب الاحتياط للعبادات. ٣٣٠ - قوله بعد ذلك: (فإن قيل: إن قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ٩٦] الآية، نزلت في الحديبية، ولم يكن إحصارَ عذرٍ، وإنما كان إحصارَ عدوٍّ. قلنا: إذا دلّت على إحصار العذر كانت دلالتها على إحصار الأعداء أولى،

стр. 329

فنزلت لتدلّ على إحصار العذر بمنطوقها، وعلى إحصار العدو بمفهومها، فتناولت الأمرين جميعًا) (١). يقال عليه: محل ما ذكره، إذا قلنا: إن الإحصار موضوع لحصر الأعذار. أما إذا قلنا: إنه موضوع لحصر الأعذار وحصر الأعداء، فالآية دالة على إحصار العدوّ بمنطوقها، وهذا أرجح، لأن الحصر بالأعداء محلّ السبب، فلا بدّ أن تتناوله الآية بمنطوقها، إذ محلُّ السبب داخلٌ اتفاقًا. ٣٣١ - قوله بعد ذلك: (والذي ذَكَر مالك والشافعي، لا نظير له في الشريعة السمحة، الذي (٢) قال الله تعالى فيها: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣) [الحج: ٧٨]). يقال عليه: لو كان الحصر بالأعذار معتبرًا، لَما قال ﷺ لضُباعة: (واشترطي أن مَحِلّي حيث حبَستَني) (٤)، إذ لو كان معتبرًا ما احتيج إلى اشتراطه.

стр. 330

فإن قيل: فائدة اشتراطه عدم وجوب الهدي. قلنا: لو كان كذلك، لبَيَّنه ﷺ . فإن قيل: الآية دلّت على وجوب الهدي على المُحصَر، فلم يُحتج إلى بيان. قلنا: ليس في الآية ولا في الحديث ما يدل على سقوط الهدي بالشرط. ٣٣٢ - قوله بعد ذلك في ضبط الطلب في التيمم: (قالوا: بل يطلبه من مكانٍ لو استغاث منه برفقته، لَأَغاثُوه، مع ما هم عليه من أشغالهم) (١). يقال فيه: هذا طريق الإمام، والغزالي، وهي خلاف نصه في البويطي. ٣٣٣ - قوله بعد ذلك: (والأولى في ضوابط مشاقّ العبادات، أن تُضبط مشقة كل عبادة بأدنى المشاق المعتبرة في تلك العبادة، فإن كانت مثلَها أو أزيدَ، ثبتت الرخصة بينهما، ولن يُعلم التماثل إلا بالزيادة، إذ ليس في قدرة البشر، الوقوفُ على تساوي المشاق)، إلى أن قال: (مثال ذلك: أن التأذي بالقمل مبيحٌ للحلق في حق الناسك، فينبغي أن يُعتبر تأذّيه بالأمراض بمثل مشقة القمل) (٢). يقال فيه: حاصل ما ذكره، أنه إذا كان هناك مشقةٌ معتبرة بنصٍّ من الشارع، فيُعتبر غيرها من المشاقّ بها؛ فإن ساواها أو زاد عليها، اعتُبر، وإن كان دونها فلا. وردّه شيخنا ﵁ بأن ظاهر الآية يقتضي اعتبار مطلق الأذى لا بقيد كونه مثل أذى القَمْل؛ فلو كان دونه اعتُبر، لظاهر الآية.

стр. 331

٣٣٤ - قوله بعد ذلك: (ومنها التأذي بالرياح الباردة في الليلة المُظلمة) (١). يقال فيه: قيد (المُظلمة) غير معتبر، ولا فرق بين الظُّلمة وغيرها فيما ذكره. ٣٣٥ - قوله بعد ذلك: (ولا يُنهَى الحاكمُ الغضبانُ عن الحكم بما هو معلوم له، إذ لا حاجة به إلى النظر فيه. مثاله: أن يدّعي إنسان على إنسان بدرهم معلوم، فينكره، فلا يُكره للحاكم الحكمُ بينهما مع غضبه، إذ لا يحتاج الحاكم في هذه المسألة إلى نظر واعتبار) (٢). قال شيخنا (٣): فيما ذكره الشيخ نظر، والأقرب كراهة الحكم في حال الغضب مطلقًا، لأنه قد يؤدّيه الغضب فيما هو معلوم له، أن يَحكم على غير المحكوم عليه. والشيخ أَخَذ في ذلك النظر الاجتهادي فقال ما قال. ونحن نقول: المعتبر كون الغضب مظِنة لعدم الضبط مطلقًا. ٣٣٦ - قوله بعد ذلك: (لو أَسلَم في شيء وَصَفه بصفات، لكل واحدٍ منها (٤) رُتبٌ عالية ورُتبٌ دانية ومتوسطة، فإنه يُحمل على أدناهن. فهلّا قلتم بالحمل ها هنا على أدنى رُتب المشاقّ لعُسر ضبط رُتب المشاق الزائدة على أدناهنّ.

стр. 332

قلنا: لا يجوز تفويت مصالح العبادات مع عظمها وشرفها بمثل هذه المشاق مع خفّتها) (١). يقال عليه: الأولى أن يقال في الجواب: التكاليف في أنفسها شاقّة، لاشتقاقها من الكلفة، فلو اعتُبرتْ أدنى المشاق، تعطّلت التكاليف. . . (٢) يعكر على الأصل بالبطلان. * * * [فصل في الاحتياط لجلب المصالح] ٣٣٧ - قوله في فصل في الاحتياط لجلب المصالح: (وإن شَكَّ، أَطَلَّق واحدةً أو اثنتين، فإن أراد إبقاء النكاح مع الورع، فيُطلِّق طلقةً على نفي الطلقة الثانية (٣)، بأن يقول: إن لم [أكن] طلّقتها (٤) فهي طالق، حتى لا تقع عليه طلقتان) (٥). ما ذكره الشيخ لا يتعيّن طريقًا في بقاء النكاح مع الورع، لأن له طريقًا آخر، وهو أن يُراجع. فإن قيل: فائدة ما ذكره الشيخ، في المحلِّل. قلنا: ولا يتعين ذلك، لأن له حينئذ أن يطلِّق بكلمة الثلاث. ٣٣٨ - قوله بعد ذلك: (وللاحتياط لتحصيل مصلحة الواجب أمثلة:

стр. 333

أحدها: أن من نسي صلاةً من خمسٍ لا يَعرف عينَها، فإنه يلزمه البناء على اليقين احتياطًا لتحصيل مصلحة الواجب) (١)، إلى غير ذلك من الأمثلة. يقال عليه: ما ذكره من الأمثلة، فيه نظر؛ لأنه ليس له إلا جهة واحدة وهو الإيجاب. وما دارت فيه المصلحة بين الإيجاب والندب، وليس له جهة إلا الإيجاب، إلا ما سننبّه عليه (٢). ٣٣٩ - قوله بعد ذلك: (وكذلك لو تعارضت شهادتان في كفر الميت وإسلامه، فإنا نغسله ونكفّنه) (٣).

стр. 334

يقال عليه: هذا مطابق للقاعدة التي ذكرها، فإن المصلحة فيه دائرةٌ بين الإيجاب والندب. ٣٤٠ - قوله بعد ذلك في المثال الخامس: (أن من لزمتْه زكاةٌ من زكاتَيْن لا يَعرف عينَها، مثل أن لزمتْه زكاةٌ لا يدري، أبقرةٌ هي، أمْ بعيرٌ، أمْ دينارٌ، أمْ درهمٌ، أمْ حنطةٌ، أمْ شعيرٌ؛ فإنه يأتي بالزكاتين ليَخرج عما وجب عليه. وفي هذا نظر، فإن الأصل عدم كل واحدة منهما، بخلاف نسيان صلاةٍ من خمسٍ، فإن الأصل في كل واحدة منهن الوجوب) (١). يقال عليه: ما استشكله الشيخ من وجوب الزكاتين، إن كانت صورة المسألة: أن يكون عنده نصابان من الصنفين، أَخرَج عن أحدهما ثم نسي عينَه، فهي مسألة (صلاةٍ من خمسٍ)، لأن الأصل في كل واحدةٍ من الزكاتين، الوجوبُ. وإن كانت الصورة: أن عنده نصاب (٢) من صنفٍ وجبت فيه الزكاة، ثم تلف بعد التمكن، ولم يَعلم أكان حنطةً أم شعيرًا مثلًا، فإنه يلزمه الزكاتان، لأنه لا طريق إلى براءة ذمته إلا بذلك. وهذا كمن نسي صلاةً من خمسٍ جُنّ في ثلاثٍ منها، أو حاضت فيها (٣)، ولم يعلم عين الصلوات التي وقع فيها الجنون أو الحيض، من غيرها؛ فإنه يلزمه الخمسُ وإن كان الأصل عدمَ الوجوب في صلوات منها، لأنه لا طريق إلى براءة الذمة إلا بذلك. ٣٤١ - قوله في المثال السابع: (إذا شَكَّت المرأة، هل الواجب عليها

стр. 335

عدّةُ وفاةٍ أو عدّةُ طلاق، فإنه يلزمها الإتيان بالعدّتين لتخرُج عما عليها بيقين) (١). يقال عليه: صوابه: يلزمها الإتيان بأطول العدّتين، يعني: إنْ كانت عدّةُ الوفاة أطولَ من عدّة الطلاق فهي الواجبة، هالا فالأقراء هي الواجبة. والصورة أنه ليس هناك حملٌ. ٣٤٢ - قوله في المثال الثامن: (إذا مات زوج الأَمة وسيدها، وشَكَّتْ في السابق منهما، فإنه يلزمها الاستبراء وعدّة الوفاة، لتبرأ بيقين (٢). يقال عليه: مسألة (ما إذا مات زوج الأمة وسيدها)، طويلة الذيل. وصورتها: أن يكون بين المدّتين أكثر من شهرين وخمس ليالٍ، أو حصل التحلل. والشيخ أحال الكلام على موضعها، فليُنظر منه. ٣٤٣ - (. . . (٣)). ما ذكره من قضاء يومين بستة أيام: كذا ذكره الأصحاب أو أكثرهم.

стр. 336

واستدرك عليهم الدارمي (١)، بما أشار إليه صاحب (الروضة) وبيّنه في (شرح المهذب) (٢)، بأنه يمكن قضاء يومين فصاعدًا، إلى آخر السابع بزيادة يوم واحد على الضِّعف. وضابطه أن تَعرف ما عليها من صومٍ، فتصوم يومًا وتفطر يومًا إلى أن تستوفيه، ثم تترك الصوم ثمانية عشر يومًا من أول صيامها، فتصوم يومًا وتفطر يومًا قدر ما صامت وأفطرت من أول المدّة، وتصوم يومًا آخر فيما بين آخِر فطرها بعد صيامها الأول والسادس عشر منه، وإذا كان عليها يومًا (٣) فتأتي بخمسة. وأقل مدة يحصل فيها هذه الخمسةُ، تسعة عشر يومًا، وليس هذا موضع بسطه. وقد ذَكَر هذا صاحب (الحاوي الصغير) (٤) أيضًا. وجواب ما ذكره الشيخ من الإشكال (٥)، أن العادة إنما لم يُنظر لغالبها

стр. 337

في حق المتحيرة، لجواز أن يكون حيضُها جاوز بخلاف العادات لها، لتبرَأ ذمتُها بيقين، والحمل على غالب العادات لا يُحتمل به ذلك. (. . .) (١). ٣٤٤ - قوله: (درءًا لمفسدة أخذ الزائد بالأصلي) (٢). ولك أن تُؤوِّل كلام الشيخ على التقابل، أي: دفعًا لتقابل الزائد بالأصلي. ٣٤٥ - (. . . (٣)).

стр. 338

إنما يحسن هذا الجواب: أن لو كانت الأركان وسائر الشرائط معتبرةً مع فقدان ذلك الشرط، كما في فاقد الماء والتراب وفاقد السترة، ومن لا يتمكن من القبلة ولا من الركوع ولا من السجود. أما إذا كانت الأركان وسائر الشرائط لا يُعتبر شيء منها مع فقدان ذلك الشرط، كما في الطُّهر من الحيضة، فلا يحسن ذلك. والأحسن في الجواب أن يقال: إنما قدّمنا الاحتياط، لتحصيل مصلحة العبادة، والشكُّ في الشرط لا ينافي ما ذكرناه من الاحتياط. وأما درء مفسدة الحيض فلا يمكن إعمالها بالنسبة إلى العبادات، وإنما يُعمل بها في الوَطْي ونحوه، إذ لا يتعلق بالذمة، بخلاف العبادة. فإن قيل: العبادة لَمْ يتحقق وجوبها؟ قلنا: ولَمْ يتحقق سقوطها، فاحتطنا لذلك. ٣٤٦ - (. . . (١)). ما ذكره في غير الأزواج مسلَّم. وما ذكره في الأزواج

стр. 339

والزوجات، ممنوع، فإن الأزواج والزوجات بينهما عذرًا (١) فيُتوقف، ويُدفع ما عداه إذا ثبت الانحصار بالنسبة إلى غير الزوجين. * * * [فصل فيما يقتضيه النهي من الفساد] ٣٤٧ - قوله في فصل ما يقتضيه النهي من الفساد: (المثال الثاني: الصلاة في الدار المغصوبة، ليس النهي عنها لعينها، وإنما المراد بالنهي ما اقترن بها من الغصب، فالنهي يتعلق بالصلاة من جهة اللفظ، وبالغصب من جهة المعنى) (٢). قال (٣) ﵁: حاصل كلامه أنه: يُنهَى عن الشيء، والمراد: النهي عن غيره لقيام المعنى. * * * [فصل في بناء جلب المصالح ودرء المفاسد على الظنون] ٣٤٨ - قوله في فصل في بناء جلب المصالح ودرء المفاسد على الظنون: (فإن الاستبراء بقُرءٍ واحدٍ) (٤). فيه تجوّزٌ، وصوابه: فإن الاستبراء بحيضة.

стр. 340

٣٤٩ - قوله: (بخلاف فوات حقٍّ واحدٍ على شخصٍ واحدٍ في المحاكمات) (١). يقال: توقّع تكرره في كل واحد، يؤدي إلى كثرته وعمومه. ٣٥٠ - قوله: (وقد يُشترط رؤية الفعل والفاعل) (٢). يقال فيه: إنما تُشترط في الزنى رؤيةُ فرجه، لا رؤية كله. ٣٥١ - (. . . (٣)). يقال فيه: اختار شيخنا جريان الخلاف مطلقًا، سواء كان مستندُ علمه خبرَ التواتر أم لا، طردًا للباب، إلا إذا كان المتواتر لا ينكره أحد وحصل تعليقٌ عليه (٤)، كـ (إن كانت بغدادُ موجودةً، فزوجتي طالق أو فعبدي حرّ)، واتصل التعليق بالقاضي، فإنه حينئذ يَحكم بطلاق الزوجة وعتق العبد، وإن لم يَرَ (بغداد).

стр. 341

٣٥٢ - قوله بعد ذلك: (ومن الأمثلة: ما يُشترط فيه العلم تارة والظن أخرى: فكأداء الشهادة على من لا يُعرف إلا بعينه، وكتحديد العقار ببلدِهِ ومكانِه، وغير ذلك) (١). يقال فيه: ما ذكره الشيخ من هذه الأمثلة، فيه نظر، والأقربُ أنه لا يشترط العلم، وأنه يكفي غلبةُ الظن، إذ العلمُ الذي هو الاعتقاد الجازم، بعيدٌ. ٣٥٣ - قوله: (وكالشهادة بالعُسرة، فإنها شهادة بنفي الغِنَى، ولا مستند له إلا الظن، وكذلك الشهادة بالتعديل، فإنها مبنية على النفي والإثبات) (٢). يقال فيه: الوجه الصائر إلى أنه لا بدّ في شهادة الإعسار من ثلاثة -كما هو ظاهر الحديث (٣) -، طرده شيخنا ﵁ في كل ما كان كالإعسار مما يَخفَى، كالتعديل ونحوه. قال: وبه صرَّح الفُوراني (٤) في التعديل.

стр. 342

ومن نَصَر المذهب، أجاب بأن الحديث محمولٌ على الاستظهار استحبابًا، بالقياس على الأموال، لأن القياس يعيِّن أحد المحملَيْن. ٣٥٤ - قوله في المثال الثالث منه: (ما يصلَّى عليه وفيه (١): لو شُرط فيه يقين الطهارة، لفاتت المصالح التي لأجلها وجبت الطهارة) (٢). يقال عليه: الأحسن في هذا المثال الثالث، أن يقال: ما يصلَّى عليه [وفيه] (٣): لو شُرط يقين الطهارة، لشَقَّ ذلك، لأن يقين الطهارة ممكن بالغَسل في ماء كثير، ومثل ذلك لا يؤدّي إلى فوات المصالح التي لألجها وجبت الطهارة. ٣٥٥ - قوله بعد ذلك في المثال السابع: (حقوق الأموات المختصة بأهل الإسلام، فإنا لا نقطع موت أحد منهم على الإسلام إلا في حق من لا يَعمل كالأطفال والمجانين) (٤). يقال عليه: الأطفال والمجانين محكومٌ بإسلامهم تبعًا، وإذا كان لا يُقطع بإيمان المتبوع فلا يُقطع بإيمان التابع، فاستثناءُ الشيخ، (الأطفالَ والمجانين)، بعيد. ٣٥٦ - قوله: (وكذلك لا يُقطع برُشد المدّعي والمنكرين) (٥).

стр. 343

يقتضي أنه يُشترط في كلٍّ من المدّعي والمنكر، كونه رشيدًا. وهي طريقة القاضي حسين (١) نقلها عنه ابن الرِّفعة (٢) وجرى عليها الشيخ في (التنبيه) (٣) والأصح المجزوم به في (الشرحين) و (الروضة) خلافُه (٤). فلن تصح دعوى السفيه، فإذا آَل الأمر إلى قبض مالٍ، قبضه الولي. وأنكر شيخنا (٥) ما ذُكر عن القاضي (٦) وقال: ما ذكره الشيخ (٧) في

стр. 344

(التنبيه) من قوله: (لا يصح الدعوى إلا من مطلق التصرف فيما يدّعيه)، لا يستقيم (١) من وجوه: أحدها: أن العبد يدّعي على سيده العتق، ولا تصرف له فيه. فإن قيل: العتق، يُشهد فيه بالحسبة، وما شُهد فيه بالحسبة لا تُسمع فيه دعوى الحسبة عند القفال (٢) خلافًا للقاضي حسين؟. قلنا: محل خلاف القفال وفتواه: ما إذا كان هنا أيُّ بينة تشهد، فإن شهادتها مُغنيةٌ عن سماع الدعوى. فأما إن لم يكن هناك بينة فإنه تُسمع

стр. 345

الدعوى بلا خلاف. وحينئذ فالعبد يدّعي العتق ولا يتصرف فيه. فقد سُمعت الدعوى من غير مطلق التصرف فيما يدّعيه. الوجه الثاني: الزوجة تدّعي النكاح على زوجها، وليست مُطلَقَة التصرف فيما تدّعيه؛ لأنها إن كانت مُجبَرةً، فالعقد عليها يتولّاه المُجبَر بغير إذنها. وإن كانت غيرَ مُجبَرة، فالعقد عليها يتولاه غير الولي بإذنها المعتبر. وعلى كلٍّ من الحالين، فهي غير مُطْلَقَة التصرف في النكاح، وقد سُمعت دعواها مع اقترانها بحق من حقوق النكاح قطعًا، وكذا إن تمحّضت دعوى الزوجية على الأصح. الوجه الثالث: الوكيل بمجرد الدعوى: ليس مطلَقَ التصرف فيما يدّعيه، وتُسمع دعواه اتفاقًا. الوجه الرابع: دعوى المحجور عليه بالفلَس: لا يملك التصرف فيما يدّعيه، وتصح دعواه بلا خلاف. الوجه الخامس: دعوى المستولدة: الاستيلادَ؛ والعبدِ: التدبيرَ، مسموعةٌ على السيد على المذهب. وليسا بمطلَقَيْ التصرف فيما يدّعيانه. الوجه السادس: دعوى النسب صحيحة بالاتفاق، وليس للمدّعي به مطلق التصرف فيما يدّعيه. فإن قيل: تصرُّفه: أنّ له أنْ يستلحقه. قلنا: لا تصرف في ذلك، لأن التصرف: ما يملكه ويملك تركَه، والاستلحاق واجب عليه عند ظهور مقتضيه، فليس من التصرف المملوك المخيَّر فيه. وظهر بذلك أن هذه العبارة التي وقعت في (التنبيه)، لا يستقيم أمرها، ولا يُعمل بمقتضاها. وإذا كانت كذلك فلا يؤخذ منها (بطلان دعوى السفيه)، لأنه لا يُدرَى

стр. 346

ما المراد بها. ولم يذكرها الشيخ (١) في (المهذّب)، ولا أحد من الأصحاب، وليس لها مخرج تصح به. ولم يذكر الشافعي ﵁، ولا أحد من الأصحاب، اشتراطَ رُشد المدّعي. فقد نص الشافعي في كتبه كلها على نصوص كثيرة في الدعاوى، ليس في شيء منها إخراجُ السفيه من الدعوى، وكذلك جرى عليه الأصحاب. وقد أجمع العلماء القائلون بالقضاء باليمين المردودة، واليمين مع الشاهد، على أنه يحلف عند نكولى المدَّعى عليه، وعلى أنه يحلف مع شاهد. فثبت بذلك أن الحالف -وكُلُّ من صح حلفُه-، صحت دعواه، كالرشيد. فإن قيل: الرشيد يصح قبضه فصحت دعواه، والسفيه لا يصح قبضه فلا تصح دعواه. قلنا: هذا كلام فاسد، لأن السفيه يصح قبضه بإذن الولي، ولئن قلنا: لا يصح قبضه، فالولي يَقبض له. فإن قيل: فكيف يكون غيرَ القابض؟ (٢) قلنا: الوكيل في الدعوى وإثبات الحق، لا يستوفيه. فيكون هو المدّعي (٣)، والوكيل هو القابض، أو من يأذن له الموكِّل في الاستيفاء (٤).

стр. 347

ونحن نقول في مقابلة هذا: كيف يكون المدّعي، غيرَ الحالف (١)؟ فإن قيل: لاختلاف المُدرَك. قلنا: وكذلك يكون المدّعي غيرَ القابض، لاختلاف المُدرَك. انتهى. ٣٥٧ - قوله: (وما ذكرتموه من إجماع المسلمين على جواز معاملة المجهولِين، وقبول هداياهم، وأكل ضيافاتهم، وأَخْذ صدقاتهم، وتنفيذ إعتاقهم، مع أن الغالب على الناس فسادُ الدين: مشكل على الشافعي ﵀. قلت: الجواب عن هذا عَسِرٌ، والآيةُ لا تدل على مذهب الشافعي، فإن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] لا دلالة فيه على أن المراد بالرشد: إصلاح المال والدِّين) (٢). يقال عليه: لا عُسر في الجواب بفضل الله؛ لأن الحَجْر المُثبَت على شخصٍ معيّن، لا يرتفع إلا بظهور الطريق التي ترفعه، لأن الحكم له أو عليه يقتضي ذلك. وأما ما استند إليه من إجماع المسلمين على الوجه الذي ذكره، فلا يُستشكل به ذلك، لأن هذا ليس فيه حكمٌ على معيّن، وإنما فيه إجراءُ الأمور على مقتضى الظاهر. وسدادُ التصرف وإن كان له أسباب قبل إبرامه يخفى، فإن من ذَكَر تجوَّز أن يكون تصرُّفُه صدر في حياة أبيه الذي هو وليٌّ عليه، وأقرّه الأب على ذلك، وهذا مقتضى مفاسد الحَجْر (٣).

стр. 348

ويحتمل أن يكون ذلك المُعامَل مات أبوه قبل بلوغه واتصل حاله (١) بمن رَشَّده. ويحتمل بقاء الحجر فيهما. فكان الاحتمال بذلك ضعيفًا لا يقاوِم الاحتمالين الأوَّلَين واستمرارَ التصرف. فلذلك جرى الناس على هذا الحكم للمعيَّن أو عليه، في الواقعة المعيّنة المقتضية لثبوت الحَجر، على المحتاجة إلى ارتفاع الحَجر. وأما الآية فوجه الاحتجاج بها، أن ﴿رُشْدًا﴾ نكرة في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط، في نظر الشافعي، تعمّ، فلا يكون مطلقًا. فلذلك اعتَبر الشافعي (الصلاح في المال والدين)، لأنه مقتضى العموم. فإن قيل: إذا ادُّعِي على ظاهر التصرف من غير ثبوت رُشده، هل تُسمع الدعوى عليه فيما لا يُقبل إقرار السفيه به؟ قلنا: نعم، لظهور الحال وقوة الاحتمال. فإن قال: (أنا سفيه، وإنما وليِّي أعطاني هذا، ليختبرني)، فلا يُحكم عليه حتى ينكشف الحال. وأما تعجُّبُه مما قال الإمام (٢) فهو بتأويلٍ يرجع إلى ما قال الناس، وذلك أن قوله: (إذا بلغ الصبي ولم يوجد منه ما يخالف الرشد)، يعني: بلغ رشيدًا

стр. 349

إلا أنه بلغ ولم يظهر رشدٌ ولا سَفَهٌ. أو يؤوَّل قوله: (انفكّ الحَجر) (١) أي: حَجْرُ الصبي، وبقي حَجر غيره على الشك. ٣٥٨ - قوله: (والذي أختاره، أن الصبي الحديث العهدَ بالبلوغ، لا ينفكّ حَجره، إلى أن ينتهي إلى حدٍّ يغلب فيه الرشد على الناس، وهذا ظاهر في رشد التصرفات. وأقصى ما يقال على الرشد في الدين: أن الظاهر من المسلمين إذا طالت أعمارهم أنهم لا يَخْلَون من وقتٍ يتوبون فيه إلى الله، ويُنيبون إليه، ولا سيما في وقت الشدائد والأمراض، وإذا صحّت توبتهم؛ خرجوا عن حيّز الفاسقين، وحصلوا على صلاح المال والدين) (٢). ما اختاره الشيخ، لا يحصل به ضبط (الرشد) لاختلاف أحوال الناس فيه. ويقال له: ما استشكَلتَ به المذهبَ من إجماع المسلمين على جواز معاملة المجهولين، إلى آخره: مطلقٌ؛ أو مقيدٌ بانتهاء المجهولين إلى حدّ يغلب فيه الرشد على الناس؟ إن كان مطلقًا، فكيف اختار خلاف الإجماع؟ وإن كان مقيدًا بما ذَكر، فالواقع يردّه. وأيضًا، فقول الشيخ خارجٌ عن قول من اعتَبر خمسًا وعشرين سنةً، وعن قول (٣) من اعتَبر الولادة في النساء. ٣٥٩ - قوله في الاجتهاد في الأوقات: (ويشترك فيه الأعمى والبصير) (٤).

стр. 350

يزاد عليه فيه قولٌ: أنه يختص في البصير، نَصّ عليه الشافعي في (الأم). ٣٦٠ - قوله في المثال التاسع عشر، في أثناء القسم الثامن: (وإذا اجتهد المجتهد فله أحوال: إحداها (١): أن يؤدّيه اجتهاده إلى العلم بمطلوبه)، إلى آخره (٢). يقال فيه: الاجتهاد اصطلاحًا: عبارة عن النظر في الدليل، كما سنذكره بعدُ، وذلك غير مؤدٍّ إلى العلم قطعًا، إنما يكون مؤدّيًا إلى الظن، فلا يحسن في التقسيم أن يقال: (أحدها: أن يؤدّيه اجتهاده إلى العلم بمطلوبه)، إلا أن يريد: (الاجتهاد اللغوي) الذي هو بذل المجهود في طلب المقصود. وليس الكلام فيه، إنما الكلام في (الاجتهاد) الذي هو النظر في الدليل، وحينئذ (فالظفر بالنص أو الإجماع أو القياس الجليّ) (٣)، لا يسمّى اجتهادًا، ومن ثَمّ يقولون: (لا إنكار في مسائل الاجتهاد) ونحو ذلك. وكذلك (الظفر بالطاهر من الأواني والثياب قطعًا) (٤)، إن تُصوِّر: لا يسمى اجتهادًا.

стр. 351

٣٦١ - قوله في القسم المذكور: (وكذلك الظفر بعين الكعبة، والظفرُ بجهتها بالدلالات القاطعة عليها من الكواكب وغيرها)، إلى آخره (١). يقال عليه: إن أراد: (معاينة عينها)، فهذا لا يسمى اجتهادًا، وإن أراد: (إصابة العين من بُعدٍ)، فالقطع بعيدٌ، لعدم الدليل القاطع. ٣٦٢ - قوله بعد ذلك: (الحالة الثانية (٢): أن يتبيّن للمجتهد، أنه أخطأ مطلوبَه، وله حالان: إحداهما (٣) أن يتبيّن خطأَه (٤) بالاجتهاد الظني: فإن كان في غير الأحكام، كالعبادات والمعاملات، فالورع: العملُ بالاجتهاد الثاني إن كان فيه احتياط للعبادات والمعاملات) (٥). يقال عليه: مراده أن يتبيّن ظنًّا. ومراده بـ (الأحكام): (الأقضية). وكان الأولى، التعبيرُ (٦) بـ (نحو ذلك)، لئلا يُلتبس. وقوله: (فالورع: العملُ بالاجتهاد الثاني إن كان فيه احتياط للعبادات والمعاملات): عسِرُ التصوير، لأنه إذا اجتَهد في (القبلة) مثلًا، وأدّاه اجتهاده إلى جهةٍ، فصلَّى إليها الظهر، ثم اجتهد ثانيًا، فتبيّن أنه أخطأ مطلوبَه، وقلنا: يعيد

стр. 352

الظهر إلى الجهة الثانية، فلا يقال مِن هذا: إنه عمل بالثاني، لأن (١) الاجتهاد لا يُنقض -لو شكًّا (٢) - بالاجتهاد. وإن كان المراد: أنه اجتهد، وأدّاه اجتهاده إلى جهةٍ عَلِمَه يصلّي (٣) إليها حتى لا يَجتهد ثانيًا، وتغير اجتهاده، فلا يمكن أن يقال: يصلي الصلاة إلى الجهتين، ولا أن يعمل بالثاني. وليس العمل بالثاني حينئذ، احتياطٌ. ولعله احتَرز بقوله: (إن كان فيه احتياطٌ)، عما إذا تغير اجتهاده في الأواني. والكلام في أحكام الشرع فيه، معروف في موضعه. انتهى. ٣٦٣ - قوله في الحالة الثانية (٤)، في تيقن الخطأ: (وإن كان خطؤه في النجاسات، بأنْ تبيّن أنه اغتَسل أو توضأ بماء نجس، فإنه يلزمه الإعادة)، إلى آخره (٥). يقال عليه: لا يُتصور جعلُه قسيمًا، بل هو قسم منها، أعني: (إزالة النجاسة) (٦).

стр. 353

أما ما يغيّر النجاسة فهي من الأحكام على طريقة؛ وإعلام بالحكم على طريقة. والكلام في ذلك معروف في كتب الأصول. ٣٦٤ - قوله: (فإن أخطأ الجهة ففي الإعادة قولان)، إلى آخره (١). ما ذكره من مأخذ القولين، لا يظهر مأخذهما، أنه يؤمر مثله في القضاء أو بعذر؟. ٣٦٥ - قوله: (وإن أخطأ في التقويم، بأن اطّلع على صفة نفيسة تقتضي زيادة كبيرةً، أو على صفة خسيسة تقتضي نقصًا كبيرًا من القيمة، بطل التقويم؛ لأن الخطا والعمد سِيّان في تفويت الأموال) (٢). يقال عليه: ما ذكره من بطلان التقويم، محلُّه ما لم يكن هناك حكمُ قاضٍ به، فإن كان هناك حكمُ حاكمٍ، فإنه لا يَبطل قطعًا لِما فيه من نقض الاجتهاد بالاجتهاد. والأحسن أن يقال في تعليل البطلان: (لأنه لا عبرة بالظن البيّن خطؤه). ٣٦٦ - قوله: (الحالة الثانية (٣): أن يتحيّر في مياه الأواني، فإنْ أمكن أن يحصل من مجموعها قُلّتان، بأن يكون معه إناء يصبّ الجميع فيه، لزمه ذلك.

стр. 354

وإن تعذّر ذلك، فمذهب الشافعي أنه يصبّ الجميع. وفي إلزامه بالصبّ إشكال) (١). يقال عليه: جواب هذا الإشكال، أنه مفقود في الأوانى، بخلاف ما إذا حال بينه وبين الماء سبُعٌ ونحو ذلك. فلذلك أُلزم بالصبّ في مسألة الأواني. ٣٦٧ - قوله: (السابعة: إذا تحيّر الأسير في معرفة شهر رمضان، فهذا مشكل، إذ لا يمكن أن يصوم الدهرَ ليَخرُج عما عليه بيقين، لوجهين: أحدهما: ما في ذلك من المشقة القادحة. والثاني: تعذّرُ جزم النية في كل يوم يصومه) (٢). يقال عليه: الظاهر في الأسير إذا تحيّر، أن يصبر إلى أن يَتَيقّن، ولو أدَّى ذلك إلى صبر سنةٍ، إلا في حق من لا يَعرف الليل من النهار كالمحبوس في مطمورة ونحوها، فإنه يصوم كيف اتّفق، ويَقضي. ٣٦٨ - قوله: (فإن قيل: كيف صحّت صلاة المستحاضة وصومها مع عدم جزم النية، للتردّد في الوجوب)، إلى آخره (٣). يقال عليه: عدم جزم النية في هذه المسألة وأنظارها، مغتفر للضرورة، وذلك هو الجواب عن مسألة المستحاضة وصومها. وما ذكره الشيخ في الجواب، من: (أيام الطهر أغلبُ من أيام الحيض)

стр. 355

إلى آخره (١)، لا يدفع عدم الجزم بالنية، فلا يَرِد ما ذكره في الأسير من: أنّ أيام الفطر أغلبُ، لأن الضرورة مراعاةٌ في الجميع. ٣٦٩ - وقوله: (ولا يستقيم هذا الجواب على أصل الشافعي ﵁)، إلى آخره (٢). قد بُيّن جواب إشكاله قبلُ بأوراق، فليُراجَع. ٣٧٠ - قوله: (إذا اشتبه عليه ماءٌ وبولٌ، فاجتهد فيهما، فإنْ أدّاه اجتهاده إلى اليقين، بَنَى عليه. وإنْ لم يُفِدْه إلا الظن، فالأصح أنه لا يَبني. والفرق بينه وبين الاجتهاد في المياه، أن الأصل في المياه: الطهارة)، إلى آخره (٣). ينبغي أن يكون الأصح، أنه يبني عليه. وما ذكره من الفرق غيرُ متّجه، لأنه بعد ورود النجاسة على أحدهما، زال الأصل فيه، ولا فرق بين إناء نجس، وإناء متنجس.
следующие страницы →