٣٦١ - قوله في القسم المذكور: (وكذلك الظفر بعين الكعبة، والظفرُ بجهتها بالدلالات القاطعة عليها من الكواكب وغيرها)، إلى آخره (١).
يقال عليه: إن أراد: (معاينة عينها)، فهذا لا يسمى اجتهادًا، وإن أراد: (إصابة العين من بُعدٍ)، فالقطع بعيدٌ، لعدم الدليل القاطع.
٣٦٢ - قوله بعد ذلك: (الحالة الثانية (٢): أن يتبيّن للمجتهد، أنه أخطأ مطلوبَه، وله حالان: إحداهما (٣) أن يتبيّن خطأَه (٤) بالاجتهاد الظني: فإن كان في غير الأحكام، كالعبادات والمعاملات، فالورع: العملُ بالاجتهاد الثاني إن كان فيه احتياط للعبادات والمعاملات) (٥).
يقال عليه: مراده أن يتبيّن ظنًّا. ومراده بـ (الأحكام): (الأقضية). وكان الأولى، التعبيرُ (٦) بـ (نحو ذلك)، لئلا يُلتبس.
وقوله: (فالورع: العملُ بالاجتهاد الثاني إن كان فيه احتياط للعبادات والمعاملات):
عسِرُ التصوير، لأنه إذا اجتَهد في (القبلة) مثلًا، وأدّاه اجتهاده إلى جهةٍ، فصلَّى إليها الظهر، ثم اجتهد ثانيًا، فتبيّن أنه أخطأ مطلوبَه، وقلنا: يعيد
стр. 352
الظهر إلى الجهة الثانية، فلا يقال مِن هذا: إنه عمل بالثاني، لأن (١) الاجتهاد لا يُنقض -لو شكًّا (٢) - بالاجتهاد.
وإن كان المراد: أنه اجتهد، وأدّاه اجتهاده إلى جهةٍ عَلِمَه يصلّي (٣) إليها حتى لا يَجتهد ثانيًا، وتغير اجتهاده، فلا يمكن أن يقال: يصلي الصلاة إلى الجهتين، ولا أن يعمل بالثاني. وليس العمل بالثاني حينئذ، احتياطٌ.
ولعله احتَرز بقوله: (إن كان فيه احتياطٌ)، عما إذا تغير اجتهاده في الأواني. والكلام في أحكام الشرع فيه، معروف في موضعه. انتهى.
٣٦٣ - قوله في الحالة الثانية (٤)، في تيقن الخطأ: (وإن كان خطؤه في النجاسات، بأنْ تبيّن أنه اغتَسل أو توضأ بماء نجس، فإنه يلزمه الإعادة)، إلى آخره (٥).
يقال عليه: لا يُتصور جعلُه قسيمًا، بل هو قسم منها، أعني: (إزالة النجاسة) (٦).
стр. 353
أما ما يغيّر النجاسة فهي من الأحكام على طريقة؛ وإعلام بالحكم على طريقة. والكلام في ذلك معروف في كتب الأصول.
٣٦٤ - قوله: (فإن أخطأ الجهة ففي الإعادة قولان)، إلى آخره (١).
ما ذكره من مأخذ القولين، لا يظهر مأخذهما، أنه يؤمر مثله في القضاء أو بعذر؟.
٣٦٥ - قوله: (وإن أخطأ في التقويم، بأن اطّلع على صفة نفيسة تقتضي زيادة كبيرةً، أو على صفة خسيسة تقتضي نقصًا كبيرًا من القيمة، بطل التقويم؛ لأن الخطا والعمد سِيّان في تفويت الأموال) (٢).
يقال عليه: ما ذكره من بطلان التقويم، محلُّه ما لم يكن هناك حكمُ قاضٍ به، فإن كان هناك حكمُ حاكمٍ، فإنه لا يَبطل قطعًا لِما فيه من نقض الاجتهاد بالاجتهاد. والأحسن أن يقال في تعليل البطلان: (لأنه لا عبرة بالظن البيّن خطؤه).
٣٦٦ - قوله: (الحالة الثانية (٣): أن يتحيّر في مياه الأواني، فإنْ أمكن أن يحصل من مجموعها قُلّتان، بأن يكون معه إناء يصبّ الجميع فيه، لزمه ذلك.
стр. 354
وإن تعذّر ذلك، فمذهب الشافعي أنه يصبّ الجميع. وفي إلزامه بالصبّ إشكال) (١).
يقال عليه: جواب هذا الإشكال، أنه مفقود في الأوانى، بخلاف ما إذا حال بينه وبين الماء سبُعٌ ونحو ذلك. فلذلك أُلزم بالصبّ في مسألة الأواني.
٣٦٧ - قوله: (السابعة: إذا تحيّر الأسير في معرفة شهر رمضان، فهذا مشكل، إذ لا يمكن أن يصوم الدهرَ ليَخرُج عما عليه بيقين، لوجهين: أحدهما: ما في ذلك من المشقة القادحة. والثاني: تعذّرُ جزم النية في كل يوم يصومه) (٢).
يقال عليه: الظاهر في الأسير إذا تحيّر، أن يصبر إلى أن يَتَيقّن، ولو أدَّى ذلك إلى صبر سنةٍ، إلا في حق من لا يَعرف الليل من النهار كالمحبوس في مطمورة ونحوها، فإنه يصوم كيف اتّفق، ويَقضي.
٣٦٨ - قوله: (فإن قيل: كيف صحّت صلاة المستحاضة وصومها مع عدم جزم النية، للتردّد في الوجوب)، إلى آخره (٣).
يقال عليه: عدم جزم النية في هذه المسألة وأنظارها، مغتفر للضرورة، وذلك هو الجواب عن مسألة المستحاضة وصومها.
وما ذكره الشيخ في الجواب، من: (أيام الطهر أغلبُ من أيام الحيض)
стр. 355
إلى آخره (١)، لا يدفع عدم الجزم بالنية، فلا يَرِد ما ذكره في الأسير من: أنّ أيام الفطر أغلبُ، لأن الضرورة مراعاةٌ في الجميع.
٣٦٩ - وقوله: (ولا يستقيم هذا الجواب على أصل الشافعي ﵁)، إلى آخره (٢).
قد بُيّن جواب إشكاله قبلُ بأوراق، فليُراجَع.
٣٧٠ - قوله: (إذا اشتبه عليه ماءٌ وبولٌ، فاجتهد فيهما، فإنْ أدّاه اجتهاده إلى اليقين، بَنَى عليه. وإنْ لم يُفِدْه إلا الظن، فالأصح أنه لا يَبني. والفرق بينه وبين الاجتهاد في المياه، أن الأصل في المياه: الطهارة)، إلى آخره (٣).
ينبغي أن يكون الأصح، أنه يبني عليه. وما ذكره من الفرق غيرُ متّجه، لأنه بعد ورود النجاسة على أحدهما، زال الأصل فيه، ولا فرق بين إناء نجس، وإناء متنجس.
стр. 356
وقولهم: (من شروط الاجتهاد: أن يكون لكلٍّ منهما أصلٌ في التطهير): ممنوع، لِما ذكرناه. وما ذكرناه هو الأصح عند شيخنا.
٣٧١ - قوله بعد ذلك: (الضرب الثاني: في الدعوى النافية لثبوت الحق من أصله: وهي خبرٌ مجردٌ لا طلبَ فيها) (١).
يقال عليه: محله ما لم يكن (٢) الدعوى لطلب قطع النزاع على ما ذكره الماوردي.
قلت: فخبرٌ مجرد، يلي (٣) فيها طلب قطع النزاع.
٣٧٢ - قوله: (الرابعة: أن ينكُل المدّعِي عن اليمين المردودة، فيَصرف الخصمين (٤) لعدم الحجة، ويَمنعهما من الاختصام، لأن أحدهما كاذب، فيكون منعهما من باب النهي عن المنكر (٥).
ما ذكره فيما (أن يمتنع المدّعي من اليمين المردودة): محلّه ما إذا امتنع من الحلف، وكان حلِفُه يُثبِت له حقًّا يأخذه من المدّعَى عليه.
فأما لو كان حلفُه يُسقِط عنه حقًّا للمدّعَى عليه، كما لو ادَّعَى على شخص ألفًا من ثمن مبيع، فقال: قد أَقبضتُه له، فأنكر البائع، فالقول قوله
стр. 357
بيمينه في عدم القبض. فإنْ حَلَف: استَحقَّها؛ وإن نَكَل، وحَلَف المشتري، انقطعت الخصومة.
وإن نَكَل المشتري أيضًا، وهو المدّعِي للقبض -والحالةُ كما ذكرنا- فقضية ما في (الشرح) و (الروضة) في (كتاب الشركة) (١) أن المذهب الصحيح: أن المشتري يُلزَم بالألف، وأن ابن القطان (٢) حكى وجها بالمنع، لئلا يؤدي إلى القضاء بالنكول. قال الرافعي: والمذهب خلافه، فليس هذا حكمًا بالنكول، وإنما هو مؤاخذة له بإقراره بلزوم المال بالشِّرَى (٣) ابتداء. وليس ذلك في مسألة الشريكين في العبد، يبيعه أحدُهما من الآخر، ثم يُجعل النزاع في قبض ثمنه.
وعلى قياس ذلك، لو ادَّعَى عليه دَينًا، فقال: أَقبضتُه، أو أَبرَأَني منه، فأَنكَر ونَكَل عن اليمين، وردَّها على مدّعِي القضاء أو الإبراء، فنَكَل عن اليمين، أنه يطالَب بالدَّين.
ويمكن أخذ ذلك مما ذكره صاحب (الروضة) في امتناع المدّعي من الحلف من جهة أنه إذا نَكَل عند ردّ اليمين عليه، لا يستفيد بذلك مقتضى دعواه، فلا تأخير ذلك (٤)؛ لا يستفيد المشتري، ومدّعِي الإبراء ونحوُه به، ما ادّعاه من الأداء والإبراء، فيلزمه المال، وقد اتضح ذلك (... (٥)).
стр. 358
وكذلك لو كان حلفُه يُسقِط عنه حقًّا، إما للمدَّعَى عليه أو لله، كما لو وَلَدَتْ فطلَّقها، ثم ادّعت تقدم الطلاق، فقال: لا أدري، فإنه لا يُقنَع منه.
فإن حَلَف أن الطلاق لم يتقدم (١)، انقطعت الخصومة. وإن نَكَل، حَلَفتْ هي، ولا عدّة عليها، فإن نَكَلتْ فعليها العدّة (٢).
وفي (الشرح) و (الروضة) في (كتاب العِدد): (قال الأصحاب: وليس
стр. 359
هذا قضاء بالنكول، بل الأصل بقاء النكاح وآثاره، فيُعمل بهذا الأصل ما لم يظهر دافع). انتهى (١).
ويحتمل أن يجري فيه الوجه الذي حكيناه عن ابن القطان في الفرع المذكور في (الشركة).
ويحتمل الفرق: بأن (العدّة) حقٌّ لله تعالى، فلا يسقُط بنكولها. وهذا أظهر.
٣٧٣ - قوله في توجيه القول الثاني من القولين في أن الحلف بعد النكول يُنزّل منزلة البيّنة أو الإقرار: (أنه يُنزّل منزلة الإقرار، فيكون مقصورًا على المتداعيَيْن) (٢).
يقال عليه: لا حاجة للتشبيه عليه في الإقرار، لأن الإقرار لا يكون إلا كذلك، وكان الأليق به أن يُذكر في القول الأول (وهو أنه يُنزّل منزلة البينة، والأصح أنها بينة قاصرة على الخصم)، كما سيذكره.
٣٧٤ - قوله: (وإن عَلِم أو غلب على ظنه أنّ خصمه يحلف كاذبًا، فالذي أراه أنه يجب الحلف دفعًا لمفسدة كذب خصمه) (٣).
стр. 360
يقال عليه: لم يتعين ذلك طريقًا لدفع مفسدة خصمه، لاندفاعها بأن يَهَبه المال المدَّعَى به.
وتوقّف شيخنا أولًا في (الحالة الثانية) (١)، ثم اختار أن كلام الإمام (٢) على عمومه من أنّه (لا تجب اليمين قط). واستَدَلّ لذلك بأن الله تعالى جَعَل لكل من المتداعيَين أن يشهد أربع شهادات مع القطع بكذب أحدهما، فلو كانت اليمين تجب دفعا لمفسدة كذب الخصم، لَمَا أباح له القدوم في اللعان حيث لا ولدَ إذا علم أنها لا تَفضَح قومها، وتُقدِم على اللعان.
وأوضح من هذا، جواز الاستسلام إذا قصده مسلمٌ بالقتل. فلو كان دفعُ مفسدة الخصم يجب، لَمَا جاز الاستسلام.
стр. 361
فإن قيل: فيؤدّي ذلك إلى الوَطْي المحرّم في مسألة البُضع؟ قلنا: لم يتحقق ذلك، لأنه قد لا يَحلِف وينفذ بِرّ حلفه، فقد لا يَطَأ. وأيضًا، فإنا نقول: لو دعاها إلى فراشه، والحالة هذه، لكان عليها الهربُ، كما في حالة الطلاق الثلاث.
٣٧٥ - قوله: (ولذلك يجب حفظ الوديعة من الظَّلَمة بالأيمان الحانثة) (١).
يقال عليه: هذا ممنوع، لأنه لا يجب الدفع عن المال.
وكذا لا تجب اليمين فيمن ادُّعي عليه قتلٌ أو قطعٌ كالزنى، أنه لا يجب الدفع عن النفس.
وكذا لا يجب على المرأة في دعوى النكاح كاذبًا لِما قدّمناه.
وكذا في دعوى الرّقّ كاذبًا، لا تجب اليمين، لأن المدّعي قد لا يحلف اليمين المردودة.
كذا قاله شيخنا (٢)، خلافًا لما ذكره الشيخ عز الدين في المسائل كلها (٣).
٣٧٦ - قوله: (المثال الرابع: أن يُدَّعَى عليه بحد القذف، فلا يحل له النكول، كيلا يكون عونًا على جَلدِهِ وإسقاطِ عدالته والعزلِ عن ولايته) (٤).
يقال عليه: نكولُ القاذف وردّ اليمين وإنْ أَوجَب الحدَّ، لا يُسقِط عدالة القاذف ولا يؤثر في ولايته، سواء قلنا: اليمين المردودة كالإقرار، أو
стр. 362
كالبينة، لأن ذلك من الأمور التقديرية، فلا يؤثر في إسقاط عدالته ولا سلب (١) ولايته.
ويؤيّده أنه لو ادّعى على قاذفه، فادّعى عدم إحصانه، فأنكر، فقال: حلِّفُوه أنه لم يَزْنِ، فنكل وردَّ اليمين، فحلف القاذفُ اليمين المردودة، فإنه يسقط حدّ القذف، ولا يُحَدّ المقذوف حدَّ الزنى.
٣٧٧ - قوله: (المثال الخامس: أن يُدَّعَى على الولي المُجبِر أنه زَوَّج ابنته، فلا يحل له النكول) (٢).
قال شيخنا: في هذا المثال والذي قبله: لا يجب اليمين، لأن المدّعي قد لا يحلف اليمين المردودة، وكذا في الدعوى على الولي المُجبِر وما بعده.
وحجة شيخنا في ذلك، ما سبق من جواز الاستسلام المدلول عليه بقوله تعالى في قصة ابنَيْ آدم: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: ٢٨] وقوله ﷺ : "كُن عبدَ الله المقتول، ولا تكن عبدَ الله القاتل" (٣).
قال الشيخ (٤): الذي يظهر من الآية والحديث، عدم وجوب الدفع بما يؤدي إلى قتلٍ ونحوه، بدليل قولِهِ: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾، وقولِهِ: "ولا تكن عبدَ الله
стр. 363
القاتل". أما وجوب الدفع بالشيء الخفيف كـ (اليمين) في الأمثلة المتقدمة، فلا يبعد وجوبه لوجوب. . . (١) لمن قدَر عليه.
وأيضًا فالمودَع، وولي اليتيم، حيث تُشرَع اليمين في حقه: مأموران بالحفظ، قد تعيّن الحلف طريقًا إليه.
فلم يعرّج (٢) على شيء منه، واستمرّ على إطلاق كلام الإمام (٣) وأنه لا يجب اليمين في حالٍ أبدًا.
وزاد (٤) في (ولي اليتيم): لو وجبت اليمين في حقه للحفظ، لوجبت بلا خلاف، كيف وحلِف الوليّ وجهٌ ضعيف.
وقال في (مسألة البُضع): ليس وجوب الدفع عنه لمُدرَك: أنه دفعٌ عن مجرم، إذ لو كان كذلك لوجب فيه وفي النفس والمال، وإنما المُدرَك في وجوب الدفع عن البُضع: ما فيه من مفسدة اختلاط الأنساب وضياع الأحساب وارتكاب العار.
وما ذكره من الأمثلة في (الحالة الثانية) من المثال المذكور: من ادّعاء الزوجة البينونة، وادّعاء (٥) الأمة الإعتاق، وادّعاء العبد ذلك، وادّعاء الجاني عفوَ الوليّ، وادّعاء القاذف العفو (٦)، فلا يخفى ما على ذلك كله من المناقشات، وتُعرف مما تقدم.
стр. 364
٣٧٨ - وقوله في أثناء مثال القذف: (ولو نكل الوليُّ عن أيمان القسامة (١): فإن أوجبنا بها القصاص، وجبت اليمين، وإلا فلا) (٢).
يُعلم المراد منه، لأنه إذا أوجبنا بها القصاص على القديم (٣).
٣٧٩ - وقوله في أثنائه أيضًا: (وقد جوّز الشافعي ﵁ لمن باع عبدًا كما ملَكَه، إذا خاصمه المشتري في قِدم عيبٍ يمكن حدوثه، أن يحلف أنه باعه وما به عيبٌ) (٤).
يقال فيه: هذا الفرع نص عليه الشافعي ﵁ في (الأم) في (أبواب الشاهد مع اليمين) في مناظرته مع محمد بن الحسن (٥).
٣٨٠ - وقوله في أثنائه أيضًا: (فإن قيل: هل يجوز للمدّعِي أن يطالِب المدَّعى عليه باليمين مع علمه بكذبه فيها وفجوره) إلى قوله: (قلنا: نعم، يجوز ذلك)، ثم ذَكَر له وجهين:
أحدهما: لو لم يجز لبطلت فائدة الأيمان، وضاعت الحقوق.
والثاني: لو حرُم، لم يجز للحاكم أن يأذن له في تحليف خصمه لاعترافه بكذبه). انتهى ملخصًا (٦).
ويزاد على ذلك، أنه مُستَدَلٌّ لجواز ذلك بقوله ﷺ : (ليس لك إلا
стр. 365
ذلك)، جوابًا لقوله: (يا رسول الله، إنه فاجرٌ لا يبالي) (١). فلو كان لا يجوز له طلبُ اليمين والحالةُ هذه، لقال له رسول الله ﷺ : (فلا يجوز لك استيفاء اليمين مع علمك بفجوره) ولذلك (٢) قال له: (ليس لك إلا ذاك).
* * *
[فصل فيما يجب على الغريم إذا دُعِي إلي الحاكم]
٣٨١ - قوله في الفصل المعقود فيما يجب على الغريم إذا دُعِي إلى الحاكم:
(وإن جَهِل عُسرتَه فينبغي أن يخرّج جواز إحضاره إلى الحاكم على الخلاف في حبس المعسِر المجهول اليسار) (٣).
يقال عليه: صواب العبارة: (الرجل المجهول اليسار)، أو إسقاط لفظة (المعسر)، لأنه لا يصح في التركيب، وصفُ (المعسر) بـ (مجهول اليسار).
٣٨٢ - قوله بعد ذلك: (الحالة الثانية: أن يتوقف القيام بالحق على حكم الحاكم) إلى قوله: (وكذلك القسمة التي تتوقف على الحكم، يتخيّر فيها
стр. 366
المدّعَى عليه بين أن يملِّك حصته لغيره، وبين الحضور عند الحاكم، وليس له الامتناع) (١).
يقال عليه: ما ذكره في صورة القسمة، من تخيير المدّعَى عليه من أن يملِّك حصته لغيره وبين الحضور، محله: ما لم يؤدِّ تمليكُ ذلك الغير إلى سوء ضرر المشاركة؛ فإن أدّى إليه، تعيّن الحضور عند الحاكم أو تمليك الخصم نفذ (٢).
٣٨٣ - وقوله بعد ذلك: (وأما النفقات، فإن كانت للأقارب وجبت الإجابة إلى الحضور عند الحاكم ليقدّرها) (٣).
يقال عليه: نفقة الأقارب مقدّرة بالكتاب، لا تفتقر إلى تقدير. ولا يصح حمل كلام الشيخ على ما وقع للغزالي ومَنْ معه، مِن أنها لا تصير دَينًا إلا بفرض قاضٍ. فليُتأمل.
٣٨٤ - قوله في الفصل المذكور: (فائدة: إن قيل: كيف جعلتم القول، قولَ المدّعَى عليه، ولم تجعلوا القول قول المدّعِي مع أن كذب كل واحد منهما ممكن. قلنا: جعلنا القولَ، قولَه، لظهور صدقه، فإن الأصل براءة ذمته) (٤).
يقال عليه: قد تعرّض الشيخ ﵀ لهذا السؤال وجوابِه في أثناء كلام في أوائل الكتاب، وهو متعقَّب بشيء مرَّ هناك، فليراجَع.
وكذلك السؤال الذي يعقبه: (المتعلق بأمر الحكام بالعدل، وهو التسوية بين المستحقين) وجوابُه، قد سبقا، وسبق عليهما تعقب (٥).
стр. 367
٣٨٥ - قوله بعد ذلك: (فإن قيل: لِمَ جعلتم القول، قول بعض المدّعين مع يمينه أبدًا (١). قلنا: إنما فعلنا ذلك) (٢)، إلى قوله: (المثال الثاني: قذفُ الرجل زوجتَه، فإنّ صدقه فيه ظاهر، لأن الغالب في الزوج نفيُ الفواحش عن امرأته)، ثم قال: (فإذا تمّ لعانُه، فقد اختلف العلماء في حدّ المرأة بهذه الحجة، فذهب قوم إلى أنها لا تُحدّ، لضَعْف هذه الحجة. ورأى الشافعي ﵀ أنها تُحدّ عملًا بقوله : ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨] حملًا لـ (العذاب) على (الجَلد) المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾ (٣) [النور: ٢].
يقال عليه: إنما ذَكَر (الجَلْد) خاصة، لأنه المذكور في الآية، ولكن اللعان لدفع الجَلْد، الذي هو أعم من الجَلْد والرجم (٤).
٣٨٦ - قوله بعد ذلك: (الحالة الثانية: أن يكون أمينًا من قِبل الشرع،
стр. 368
كالوصيّ يدّعي ردّ المال على اليتيم. وكذلك من كانت عنده أمانةٌ شرعية، فادَّعَى ردَّها على مالكها الذي لم يأتمنه عليها، فلا يُقبل قوله في ذلك لتيسّر الإشهاد على الردّ) (١).
يقال عليه: ما ذكره من التعليل بتيسّر الإشهاد، فيه نظر. والتعليل المعتمد أنه إذا ادَّعَى الردَّ على غير من ائتمنه، فلم يعترف بأمانته.
* * *
[فصل فيما يَقدح في الظنون من التّهم وما لا يقدح فيها]
٣٨٧ - قوله: (فصل فيما يَقدح في الظنون من التّهم، وما لا يقدح فيها:
التُّهم ثلاثة أضرب، أحدها: تهمة قوية كحكم الحاكم لنفسه، وشهادة الشاهد لنفسه، فهذه تهمة موجبة لردّ الحكم والشهادة) (٢).
يقال فيه: الظن هو الطرف الراجح، ومع قوة التهمة قد لا يبقى راجحا، وفي تسميته حينئذ: (ظنًّا)، تجوّزٌ.
وصورة الحكم لنفسه: أن يقرّ لشخص بشيء، أو يشهد عليه شاهدان فيلزمه الحبس ونحوه. أما إذا قضى لنفسه بعلمه، فهو مدّعٍ. وحقيقة شهادة الشاهد لنفسه، أنه مدّعٍ، وفي إطلاق (الشهادة) و (الظن) على ذلك، تجوّزٌ لا يخفى.
٣٨٨ - قوله فيه أيضًا: (الضرب الثالث: تهمة مختلف في ردّ الشهادة والحكم بها، ولها رتب. إحداها: تهمة قوية، وهي شهادة الوالد لأولاده وأحفاده أو لآبائه وأجداده، فالأصح أنها موجبة للردّ) (٣).
стр. 369
يقال عليه: يستثنى من ردّ شهادة الوالد لولده، والولد لوالده: ما إذا كان متعلَّق الشهادة عمومًا لا يختص بالمشهود له. فما صرَّح به الماوردي مستدلًا له بشهادة الحسن والحسين ﵄ في (... (١)).
ومن ثَمّ لو ادَّعى وكيلُ بيت المال، بشيء لبيت المال، فيشهد به ابناه أو أبواه، قُبل ذلك، لأن متعلق الشهادة عمومٌ، فضعُفت التهمة جدًّا.
ويستثنى من ذلك أيضًا: ما إذا كانت الشهادة تتضمن إثبات حق لوالده أو وولده، على الأصح.
فمن ذلك: ما إذا كان عبدٌ في يد زيد، ادّعى مدّعٍ أنه اشتراه من عمرو، بعد ما اشتراه عمرو من زيد صاحب اليد، وقَبَضه، وطالَبَه بالتسليم، وأنكر زيد جميع ذلك، فشهد ابناه للمدّعِي بما يقوله. قال الرافعي: حكى القاضي أَبو سعيد (٢) فيه قولين: أحدهما: ردّ شهادتهما لتضمنها إثبات الملك لأبيهما. وأصحهما: القبول، لأن المقصود بالشهادة في الحال: المدّعي، وهو أجنبي عنهما.
ويستثنى أيضًا: ما إذا تساوى الوازعان (٣)، كما لو شهد ابنان (٤) أن أباهما قد قَذَف ضرّة أمهما، فإن الأصح من القولين، القبول. وحجة مُقابِلهِ:
стр. 370
أن شهادتهما تجرّ نفعًا إلى أبيهما، لأن قبولها مُخرِجٌ الأبَ إلى اللعان، وهو سبب الفرقة.
ويجريان فيما لو شهدا أنه لو طلَّق ضرة أمهما، أو خالعها.
ومن تساوي الوازِعَين: ما إذا شهد لابنه على ابنه الآخر.
٣٨٩ - قوله: (الخامسة: تهمة الحاكم في إقراره بالحكم. وهي موجبة للردّ عند مالك ﵀، وغير موجبة له عند الشافعي ﵀، لأن من مَلَك الإنشاء، مَلَك الإقرار. والحاكم مالكٌ لإنشاء الحكم، فمَلَك الإقرار به. وقول مالك متّجه إذا مَنَعْنا الحكم بالعلم (١).
يقال عليه: لم يظهر اتجاه قول مالك إذا منعنا القضاء بالعلم، لأن إقرار القاضي عن حكمه في محل ولايته، إخبارٌ عن حكمٍ بالحجة التي قامت عنده، فنُزِّل ذلك منزلة إنشائه.
٣٩٠ - قوله بعد ذلك: (لأن داعي الطبع أقوى من داعي الشرع، ويدل على ذلك ردُّ شهادة أعدل النفس لنفسه، وردُّ حكم أقسط الحكام لنفسه) (٢).
يقال عليه: يستثنى من ذلك: الأنبياء، لعدم التهمة للعصمة.
٣٩١ - قوله بعد ذلك: (فإن قيل: لِم رجعتم في الجرح والتعديل إلى علم الحاكم. قلنا: لو لم نرجع إليه في التفسيق، لنفّذنا حكمه بشهادة من أقرّ أنه لا يصلح للشهادة) (٣).
يقال عليه: الأحسن في الجواب عن الرجوع إلى علم الحاكم في الجرح، أن يقال: لو لم نرجع إلى علمه، للزم أن نحكم بخلاف علمه، وهو باطل قطعا إلا على وجه لا يُعبأ به.
стр. 371
ووجّه شيخنا بأن علم الحاكم في نظر صاحب الوجه مُلغًى طردًا وعكسًا. واستدل له بما في الصحيح من أنّ عيسى ﵇ رأى رجلًا سرق، فقال له عيسى: سرقتَ، فقال: كلا والذي لا إله إلا هو. فقال عيسى: آمنتُ بالله وكذَّبتُ عيني (١) قال شيخنا: هو كناية عن عدم القضاء بالعلم، أي: لا أرتِّب عليه حكمًا ظاهرًا. انتهى.
٣٩٢ - قوله: (والفرق بين العدول، والأئمة والأوصياء والحكام، أنا لو اعتبرنا ذلك في الأوصياء والأئمة والحكام، لأدّى ذلك إلى ضرر عظيم (٢).
يقال عليه: محلّ ما ذكره في الأوصياء والحكام، فيما يتعلق بالوصايا والأحكام. أما لو شهد الوصي والقاضي بشيء بعد مدة يغلب فيها على الظن تغير الحال، فإنه لابدّ من. . . (٣) على ما عليه. . . (٤)، ولا اعتبار حينئذ بمحض وصية الوصي، ولا بمنصب القاضي، لرجوع كل منهما شاهدًا.
ويحتمل أن يجب في الوصي دون القاضي.
٣٩٣ - قوله: (والأصح أنهم لا يكفَّرون ببدعهم) (٥).
يقال عليه: إلا في مسائل، منها: القول بخلق القرآن.
٣٩٤ - قوله: (وإنما رُدّت شهادة الخطابية لأنهم يشهدون بناء على إخبار بعضهم بعضًا) (٦).
محل ردّ شهادة الخطابية، ما لم يبيّن مستند شهادته. فإن قال: (سمعتُ
стр. 372
إقراره بكذا)، (سَمِع (١) أحدٌ كذا)، ونحو ذلك، فإنها تُقبل لانتفاء المعنى المقتضي لردّ شهادتهم.
٣٩٥ - قوله: (قلنا: ليس قذفُه وهو صادقٌ، كبيرةً موجبةً لردّ شهادته، بل ذلك من الصغائر التي لا تخرم الشهادات) (٢).
يقال عليه: ما ذكره من أن القذف صادقًا ليس بكبيرة، ممنوع. والصواب أن القذف كبيرةٌ مطلقا، كيف! وقد عدّ رسول الله ﷺ ، قذفَ المحصَنات، ولم يقيِّد بشيء (٣).
فلا فرق بين كونه صادقًا أو كاذبًا، لأنه مع صدقه كاذبٌ في حكم الله، بدليل قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٢].
وهذا هو الأولى في الجواب، مما ذكره الشيخ في الجواب عن السؤال الذي بعدُ [عند] (٤) قوله: (قلنا: الكذب للحاجة جائز في الشرع، كما يجوز كذب الرجل لزوجته، وفي الإصلاح بين الخصمين) (٥):
стр. 373
يقال فيه (١): الأحسن أن يقال: لأنه كاذبٌ في حكم الله، بدليل قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ يعني: في حكم الله.
فقوله (٢): (إذا كان صادقًا) وأنا كاذب في قذفي، معناه: في حكم الله تعالى، انتَفَى العارُ بذلك عمن قَذَفه (٣).
٣٩٦ - قوله: (الثالثة: عوده إلى الولايات التي تُشترط فيها العدالة، كنظره في أموال أولاده، وإنكاحه لمَوليّاته) (٤).
стр. 374
الأصح عدم عودته إلى الولايات التي تُشترط فيها العدالة، إلا الأب والجد فقط.
٣٩٧ - قوله: (فإن قيل: ما تقولون فيمن له حقٌّ على إنسان، فاستعان على أخذه ببعض الولاة والقضاة، فساعداه عليه بغير حجة شرعية، فهل يجوز له أن يستعين بالوالي أو القاضي على ذلك مع كون الوالي والقاضي آثِمَيْن في أخذهما الحق بغير حجة شرعية، أم لا؟ قلت: أما القاضي والوالي فآثمان) (١).
يقال عليه: [قوله]: (أما القاضي والوالي فآثمان): لا حاجة إليه لذكره في السؤال.
وأما الرُّتب التي ذكرها (٢)، فمختار شيخنا (٣): تأثيم المستعين في جميعها، فضلا عن الوجوب الذي ذكره، لحمله الوالي والقاضي وغيرهما والآحاد (٤) على المعصية.
ولا نظر إلى كون (مفسدة الغصب والزنى) أشد من (مفسدة معصية الوالي والقاضي)، لأنا وإن أوجبنا ارتكاب أخف المفسدتين، أو دفع
стр. 375
أشدهما، فذاك إذا كانت (١) المفسدتان متعلقتين بالمرتكب نفسه، أو بالدافع نفسه، وليس ذلك موجودًا في أمثلة الشيخ.
ولو تعين الدفع بذلك طريقًا إلى خلاص الجارية ونحوها (٢)، فلا يجب، بل لا يجوز، لحمل الغير على معصية، لأنه حينئذ عاجزٌ شرعًا، والعجز الشرعي كالعجز الحسي.
فادّعاء الجواز بعيد. وأبعدُ منه: ادّعاء الوجوب. انتهى.
٣٩٨ - قوله بعد ذلك: (بل لو تعذرت العدالة في جميع الناس، لَمَا جاز تعطيل المصالح المذكورة، بل قدَّمْنا أمثلَ الفَسَقة فأمثلَهم، وأصلحَهم للقيام بذلك فأصلحَهم) (٣).
يقال عليه: قوله: (لَمَا جاز تعطيل المصالح المذكورة) إلى آخره، يستثنى من ذلك: القضاء بالفسقة عند تعذر العدالة، بل يتوقف القاضي ولا يجوز له أن يحكم بشهادة فاسق في قتلٍ ولا قطعٍ ولا إلزام مالٍ ونحو ذلك.
٣٩٩ - قوله: (وإن اختَلف تاريخ الإقرار، فإن كان الإقرار بشيئين مختلفين، لم يُحكم بالشهادة إذْ لم يقم في كل واحد من الإقرارين إلا شاهد واحدٌ. وإن كان الإقرار بشيء واحد، فالأصح ثبوت المقَرّ به. وفيه إشكال من جهة أن الشهادتين لم تتواردا على إقرارٍ واحدٍ) (٤).
ما وَجَّه (٥) به الإشكالَ من جهة أن الشهادتين لم تتواردا على إقرار واحد (٦):
стр. 376
يقال عليه: بل هما متواردان على إقرارٍ واحدٍ، لإجماع الناس على اتحاد الخبر وإن تعدّد زمن الإخبار به، وتعدّد المخبَرون -بفتح الباء- (١).
والإقرارُ خبر من الأخبار، فليكن كذلك.
٤٠٠ - قوله: (فائدة: ليس قول الحاكم: (ثبت عندي كذا)، حكمًا به إلا أن يقول الحاكم: (إذا أطلقتُ لفظ (الثبوت) فإنما أعني به: الحكم بالحق الذي ثبت عندي) (٢).
ما استثناه الشيخ، من جعل (الثبوت) حكمًا إذا قال الحاكم: (إذا أطلقتُ لفظ (الثبوت)، فإنما أعني به: الحكم): لا يُستثنى. والصواب خلافه، لأن الحاكم وإن قال ذلك، فقد لا يعتدّ (٣) ثبوته عند الحكم، وليس ذلك مما يُكتفى فيه بالكناية.
стр. 377
ولو فتحنا هذا الباب لقلنا: إذا قال الحاكم: (إذا أطلقتُ لفظ (العلم) أو (الظن)، فإني أقول: علمتُ أو ظننتُ أن هذا لفلان، فإنما أعني به الحكم)، فإذا وقع ذلك منه، يكون حكمًا. ولا قائل به.
ومن المنقول أنه لو قال: (إذا حلفتُ بالحرام، فإنما أنوي به الطلاق)، فحلف به، فإنا لا نجعله ناويًا بمجرد ما ذَكَر لنا فيما سَبَق من كلامه.
٤٠١ - قوله: (ولا وقفة عندي في نقض حكم من يَحكُم بأن (الأثبات) حكمٌ، لمخالفته القاعدة المجمع عليها) (١).
يقال عليه: بل لا وقفة في عدم النقض، لأن اللفظة عند القائل بأن (الثبوت) حكمٌ، غيرُ محتملة، بل هي صريحة عنده لا تحتمل غير الحكم، وهذا كما لو قال القائل: (حلالُ الله عليّ حرام) عند من يجعله صريحًا.
٤٠٢ - قوله: (ومنها شهادة أربع نسوة بما يخفى غالبًا على الرجال المعدّلين) (٢).
يقال عليه: زيادة (المعدّلين) فيما يخفى على الرجال: لا حاجة إليها. والمقصود أن تخفى غالبًا على الرجال مطلقًا. وإنما زادها الشيخ لأجل السجع (٣).
стр. 378
٤٠٣ - قوله: (وأما يمين المدَّعَى عليه، وأيمان لعان النساء، فدافعة للمدّعَى به، غير موجِبة له) (١).
يقال عليه: يمين المدّعى عليه، دافعة لِما يحتمل ثبوته، وأيمان اللعان دافعة لِما ثبت من الحد بلعان الزوج، وينبغي أن تُقيّد (النساء) في كلام الشيخ بـ (الأزواج).
٤٠٤ - قوله: (ومنها: دلالة الاستطراق على اشتراك أهل المحلة فيما يَستطرقون فيه، إذا كان منسدًّا من أحد طرفَيْه) (٢).
يُستثنى من الخلاف فيما ذكره الشيخ في السكة المنسدّة (٣): أن لا يكون بها مسجدٌ أو بئرٌ مُسبَلَة قديمين، فإن كان فلا دلالة. وإن كانا حادِثَيْن فحكمُ من يَستَطرق إليهما من غير أهل السكة، حكمُ من أَحدَثَهما من أهل السكة، ينزّل منزلته.
٤٠٥ - قوله: (ثم شكّ في أداء ذلك) أي: صلاةٍ أو طهارةٍ (أو في ركن من أركانه أو من شرائطه، فإنه يلزمه القيام به) (٤).
стр. 379
محل ما ذكره في الشك في الأركان والشروط، أن يكون قبل السلام، فإن شكّ بعد الفراغ فهو غير مؤثر على الصحيح.
٤٠٦ - قوله (١): (طين الشوارع في البلدان، في نجاسته قولان) (٢).
محل ما ذكره: في طين الشوارع الذي يَغلب على الظن اختلاطه بالنجاسة، وتيَقَّنتَ بنجاسته، فيُعفَى عن قليله على ما هو مقرر في موضعه (٣).
فأما غير المستثنى وغيرُ الذي يغلب على الظن اختلاطه، فلا بأس به.
стр. 380
٤٠٧ - قوله: (المقبرة القديمة المشكوك في نبشها، في تحريم الصلاة فيها قولان) (١).
يقال عليه: القولان في المقبرة: في بطلان الصلاة، وهو مراده بالتحريم (٢)، ومحلُّه حيث لا حائل. فإن كان ثَمَّ حائل فالقطع بالصحة. فكان الأولى التعبير بـ (البطلان)، لأنه لا يلزم من التحريم: عدم الصحة.
والقولان أيضًا في (المثال الثالث)، في البطلان أيضًا (٣).
٤٠٨ - قوله: (المثال الرابع: إذا اختلف الزوجان في النفقة مع اجتماعهما وتلازمهما ومشاهدةِ ما ينقله الزوج إلى مسكنها من الأطعمة والأشربة) (٤).
стр. 381
يقال عليه: لا تقييد للخلاف باجتماعهما وملازمتهما ومشاهدةِ ما ينقل الزوجُ.
وقصدُ الشيخ بذلك، التهويلُ على مذهب الشافعي في ذلك (١).
ومذهبُه هو الحق، إن سأَلتَه لقال (٢): لأن الزوجة لمّا ادّعت عدم الإنفاق، وادّعى الزوج الإنفاق؛ كان القولُ قولَ الزوجة، لأنها مدّعَى عليها (٣).
ويدل له من حيث الخصوص، قوله ﷺ لهند: (خذي من ماله بالمعروف ما يكفيكِ ويكفي بَنِيكِ) (٤)، سواء قلنا: إن ذلك قضاء أو فتوى، لأنه إن كان قضاءً فواضحٌ. وإن كان فتوى فلو لم يكن القولُ قولَها، لقال لها النبي ﷺ : إن العادة والظاهر أن الأزواج يكفُون زوجاتهم وأولادَهم. ولم يسلّطها على الأخذ من ماله، ما يكفيها ويكفي بَنِيها.
ولم يختلف المذهب في هذا الأصل إلا فيما إذا كانت (٥) عبدًا نفيسًا وعبدًا خسيسًا فجاءا بمالٍ، وادّعى الخسيس أنهما سواء فيه، وادّعى النفيس أنه على حسب قيمتهما.
стр. 382
وفيه وجهان: أصحهما أنهما سواء لظاهر اليد، وإنهما سواء (١). والثاني أن القولَ قولُ النفيس، للقرينة.
٤٠٩ - قوله: (والفرق بين النفقة وسائر الديون، أن العادة الغالبة مُثيرةٌ للظن بصدق الزوج، بخلاف الاستصحاب في الديون) (٢).
يستثنى من سائر الديون، ما إذا جرتْ عادة بلد بقبض الصداقات (٣) قبل الدخول، فادّعت بعد الدخول أنها لم تقبض، فقال القاضي (٤) النقلُ عن مالكٍ: القولُ قول الزوج (٥)، لأن العادة الغالبة مثيرة الظن بصدقه.
стр. 383
٤١٠ - قوله بعد ذلك: (ولو حصل له معارضٌ كالشاهد واليمين، لأسقطناه، مع أن الظن المستفاد من الشاهد واليمين أضعف من الظن المستفاد من العادة المطّردة) (١).
يقال عليه: الشاهد واليمين حجة شرعية، فلا يسمَّى معارضًا.
وجعلُه الظن المستفاد من الشاهد واليمين، أضعفَ من النظر (٢) المستفاد من العادة المطّردة، ضعيفٌ جدًّا.
وكيف يقال مثل هذا! وقد صحت الأخبار بحجية الشاهد واليمين، ولم يصح لنا في حجية العادة المطّردة خبرٌ.
وأيضًا في أن الحجازيين (٣) اتفقوا على حجية الشاهد واليمين، واختلفوا في حجية العادة المطّردة. ولا يليق أن يتفقوا على حجية الأضعف، ويختلفوا في حجية الأقوى.
٤١١ - قوله في المثال الخامس، فيما إذا ادُّعي شلل عضو المجني عليه (٤).
стр. 384
تفصيل ذلك: أنه إذا أَنكَر أصل السلامة، في عضوٍ ظاهرٍ، ففيه طريقان، المذهب: القطع بأن القول قولُ المجنيّ عليه. وقيل: قولان.
وإن لم ينكر أصل السلامة، وادعى حدوث النقص، فقولان، أصحهما: أن القول قولُ المجني عليه.
وإن كان قد أَنكَر أصل السلامة، وادّعى حدوث النقص في عضوٍ باطنٍ، فالقولان، والأصح أن القول قولُ المجني عليه.
* * *
[فصل في تعارض أصلين]
٤١٢ - قوله في فصل تعارض أصلين: (قَدَّ ملفوفًا بنصفين) إلى آخره (١).
يقال: محل ما ذكره، ما إذا كان الملفوف قد عُهدت له حياةٌ في الدنيا. فأما لو قَدَّ ملفوفًا وُلد ولم يُعرف حياته، فالمصدَّق: الجاني قطعًا، لأنه ليس معنا أصل مستصحب حتى نقول: الأصل بقاء الحياة، فنصدِّق الولي بسبب ذلك على قول (٢).
стр. 385
٤١٣ - قوله بعد ذلك: (وعلى قولٍ: القول قول الولي) (١).
فالواجب: الدية دون القصاص. وقيل: هو على الخلاف في استحقاق القود بالقسامة. وحكى الرافعي والنووي في إجراء القسامة في القصاص وجهين، فليراجع ذلك من موضعه. والأرجح عند شيخنا ﵁: القصاص كما بيّنه في (تصحيح المنهاج)، فليراجع منه.
وحيث قلنا: القول قول الولي، فلا بد من خمسين يمينًا، خلافًا لابن الصباغ حيث قال: يحلف يمينًا واحدة.
٤١٤ - قوله بعد ذلك، في المثال الثاني: (إذا غاب العبد وانقطعت أخباره، ففي وجوب فطرته قولان) (٢).
يقال عليه: محل ذلك ما لم تَمض مدةٌ لايغلب على الظن أنه لا يعيش فوقها.
وإن مضت فالقطع بعدم وجوب فطرته. وكذا القول في إجزائه عن الكفارة.
٤١٥ - قوله بعد ذلك: (فإذا كان الزوج جنديًّا، فادّعى أنه شريك المرأة في مَغازلها وخفافها ومقانعها، وادّعت المرأة أنها شريكتُه في خيله وسلاحه وأقبيته ومناطقه وجُنّته كخوذته وزرّديته (٣).
يقال عليه: إذا اختلفا في متاع البيت، فما كان في يده فالقول قوله فيه، وما كان في يدها فالقول قولها فيه، وما كان في يدهما فهو محل الخلاف.
* * *
стр. 386
[فصل في تعارض ظاهرين]
٤١٦ - قوله في فصل تعارض ظاهرين (١): (إذا تأمل الناسُ الهلال، فشهد برؤيته عدلان منهم، ولم يتفوّه غيرهما برؤيته، فقد اختلف العلماء فيه) (٢).
يقال عليه: دليل مذهب الشافعي، حديث ابن عباس أن أعرابيًّا جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: إني رأيت الهلال، فقال: (أتشهد أن لا إله إلا الله)؟ قال: نعم. قال: (أتشهد أن محمدًا رسول الله)؛ قال: نعم. قال: (فأذِّن في الناس يا بلال أن يصوموا غدًا) (٣).
فلو كان ما ذكره المخالف قادحًا، لَبَيَّنه، ولَما أَمَر بالصيام.
стр. 387
٤١٧ - قوله في (المثال الرابع: من اشتبه عليه إناء طاهر بإناء نجس، أو ثوبٌ طاهر بنجس، فأراد استعمال أحدهما بناءً على الاستصحاب، لم يجز، فإنا لا نحكم بالظن المستفاد من الاستصحاب حتى نضمّ إليه الظن المستفاد من الاجتهاد) (١).
يقال عليه: شرط العمل بالاستصحاب: في معيَّن. وليس ذلك بموجود في الإناءين، فليس ذلك من القاعدة التي قررها.
٤١٨ - قوله بعد ذلك: (فإن قيل: هل يُبنى إنكار المنكر على الظنون كغيره؟ فإنا لو رأينا إنسانا يسلُب ثياب إنسان، لوجب علينا الانكار عليه بناء على الظن) (٢).
يقال عليه: إنما يجب الإنكار في هذا المثال بقرينةٍ تُغلّب على الظن كون السالب متعديا، كاستغاثة المسلوب ونحو ذلك، وإلا فلا إنكار، كما يرشد إليه المثال الثاني (٣).
والأحسن أن يقال في المثال الثالث: (لو رأيناه يقتل إنسانًا يزعم أنه كافر حربي) إلى آخره (٤): لأن الدار دالةٌ على عدم الحرابة، ليدخل الذمي ونحوه.
стр. 388
٤١٩ - قوله بعد ذلك: (كما عُذِر موسى ﵇ في إنكاره على الخضر، خَرْقَ السفينة وقَتْلَ الغلام) (١).
يقال عليه: بل لموسى، الإنكارُ بمقتضى الظاهر وإن عَلِم المصالح المذكورة؛ لأنه الذي كُلِّف به، ولم يكلَّف بعمل بما عليه في الباطن، والظاهرُ على خلافه. وقد قال ﷺ : (لولا اللعان، لكان لي ولها شأن) (٢).
٤٢٠ - قوله بعد ذلك: (ومنها: لو هرب مِن الإمام مَنْ تَحتَّم قتلُه، فأَمَر الإمامُ مَنْ يلحقه ليقتله، فاستغاث بنا لِنَمْنَعَه من قتله، فإن إغاثته واجبة علينا) (٣).
стр. 389
يقال عليه: هذا المثال لا يطابق قتل الغلام في قصة الخضر؛ لأن هنا ظاهرًا تَرتَّب عليه الحكم، ولكنه خفي على المنكِر. ومثله: من رأيناه يقتل شخصًا يزعم أنه قاتلُ أبيه.
والذي يطابق قَتْلَ الغلام: ما لو اطلع وليٌّ، على كفر شخصٍ ظاهرِ الإسلام، فإنا لا نبيح له قَتْله؛ ولو قَتَلَه، قتَلْناه به.
٤٢١ - قوله بعد ذلك: (فإن قيل: كيف جوّز الشارع اللعان من الجانبين، مع العلم بأن أحدهما كاذب؟ قلنا: إنما جوَّز ذلك، لأن مع كل واحد منهما ظاهرًا يقتضي تصديقَه) (١).
يقال عليه: لم يجوّز الشارع اللعان ابتداءً من الجانبين، وإنما شَرَع أولًا لعان الزوج لدرء حدّ القذف عنه، أو لنفي الولد؛ وبلعانه وجب عليها حد القذف، فشَرَع لها اللعان لدرء الحد. وهذا ظاهر من قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨].
٤٢٢ - قوله (فيما لو قال رجل: إن كان هذا الطائر غرابًا، فامرأتي طالق أو عبدي حر، ولم يُعلم حال الطائر؛ فإنا نقرّ كل واحد منهما على ما كان عليه قبل التعليق) (٢).
стр. 390
يُستثنى منه، ما إذا قال أحد الشريكين في عبدٍ: (إن كان غرابًا، فنصيبي حر)، وقال الآخر: (إن لم يكن غرابًا، فنصيبي)، وهما موسِران، فإنا نحكم بعتق العبد، ويُوقف العزم إلى البيان تفريعًا على السراية بنص (١) اللعان.
٤٢٣ - قوله بعد ذلك: (وقد كثر في كلام العلماء (٢) أن يقولوا: وجب بيقين فلا يبرأ منه إلا بيقين) (٣).
يقال عليه: قولهم: (وجب بيقين): اليقين حقيقة كون الصلاة والصوم ونحوهما في الذمة بيقين. و (اليقين) الثاني يُؤوّل على معنى: تيقن ما وجب على المكلف الإتيانُ به، والطريق إليه لا يشترط فيها اليقين.
٤٢٤ - قوله بعد ذلك: (في العمل بعموم هذا الحديث: أي (دَعْ ما يَريبك إلى ما لا يَريبك) (٤) إشكال، لأنك إنْ حملتَه على (الواجبات) لصيغة