← Каваид фикха

Каваид фикха · id 17811

الفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السلام

سراج الدين البلقيني

Полный текст (515 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

[قاعدة في بيان الشبهات المأمور باجتنابها] ٤٨٧ - قوله بعد ذلك في (القاعدة التي في بيان الشبهات): (فالمملوك: ما ثبتت له أحكام الملك، والحرُّ: من ثبتت له أحكام الحرية، والرقيق: من ثبتت له أحكام الرّقّ، والوقف: ما ثبتت له أحكام الوقف، بخلاف المسلم والكافر، والبَرّ والفاجر) (١). يقال عليه: مراده بذلك أن هذه أوصاف خاصة ليست قائمة بالمحل، بخلاف (المسلم)، وما ذكره بعده. ولم يُرد بذلك أن حدود (المملوك) وما ذكر بعده (٢). والأحسن أن يقال في حدودها، أن: المملوك: ما ثبت عليه سائر التصرفات الشرعية. فإن تخلَّف بعضها فلمانعٍ، كالمستولدة (٣) والمرهون. والحر: من لا رِقّ عليه، والرقيق: بخلافه. والوقف (٤). ٤٨٨ - قوله عقب ذلك: (والبِرُّ والفجور أوصافٌ حقيقية قائمة بالمحل، وإطلاقُ أسمائها على النائم والمجنون والغافلِ عنها، إنما هو من مجاز تسمية الشيء بما كان عليه) (٥).

стр. 422

يقال عليه: الأولى أن يقال: مجاز من تسمية الشئ باستمرار حكمه، تجوّزًا من أن يقال في (المؤمن): (باعتبار ما كان عليه). ٤٨٩ - قوله بعد ذلك: (والإيمانِ بذلك (١)، فإنه أحسنُ ما كُلِّفه الإنسان، وهو أفضل من ثمراته التي هي خلود الجِنان) (٢). قَيَّد (الثمرات) بذلك، ليخرج (النظر إلى وجه الله الكريم)، فإنه من ثمرات الإيمان، وهو أفضل من الإيمان، كما تقدم في كلامه (٣). ٤٩٠ - قوله: (الضرب الثاني: ما هو قبيح في ذاته، وجزاؤه مثلُه في القبح) (٤). يقال عليه: لا ينبغي إطلاق مثله، لأن جزاءه من فعل الله تعالى، وهو في هذا المقام من أحسن الحَسَن. ومرادُه أنه مثلُه من حيث الصورة. ٤٩١ - قوله بعد ذلك: (القسم الثاني: تحريم قتل المسلمين، وهو مماثلٌ في ذاته لقتل الكافرين والمسلمين المحاربين، ولكنه حرُم لقبح ثمراته (٥).

стр. 423

يقال عليه: هذا منه بناء على ما ذهب إليه من أن الذوات من حيث هي، لا تفاوت بينها، إنما يقع التفاوت باعتبار متعلقاتها. وقد مرّت قاعدة ذلك في أوائل الكتاب، وعليها من التعقيب ما يغني عن إعادته هنا (١). ٤٩٢ - قوله: (وقد يجمع الفعلُ الواحد مفاسدَ كثيرة، مثاله: إذا زنى المعتمر بأمه في جوف الكعبة وهما صائمان في شهر رمضان) (٢). يقال فيه: إنما خَصَّ المعتمر، لأنه ذَكَر في وجوه التغليظ: (كونه في شهر رمضان). ولا يصح أن يكون مُحرِمًا في شهر رمضان بغير العمرة (٣). ٤٩٣ - قوله: (فإنه يثاب على تسبّبه إلى تغيير كل واحدة من هذه المفاسد بكلمته، كما يثاب عليها إذا تسبّب إلى إزالة كل واحدة منهن على حِدَتها) (٤). يقال عليه: لكن ثواب التسبب إلى إزالة كل واحدة على حِدَتها، أشقُّ، فينبغي أن يكون أراد: لا يكون ثواب الأخف مماثلًا لثواب الأثقل أو زائدًا عليه إلا بدليل. وقد مرّت القاعدة فيها من التعقب (٥).

стр. 424

٤٩٤ - قوله: (... (١)). يقال عليه: حملُ الحديث على ما ذكره الشيخ، فيه بعدٌ من جهة تخصيصه بـ (المجتهد). والنبي ﷺ إنما خاطب بذلك العموم. والأرجح حملُ الحديث على (... (٢) بنفس (... (٣)، من تيقّن الحلّ وعدمه والشك في أحدهما، وهذا حملٌ لكل أحد. فمن أَقدَم على أكل مالٍ تيَقَّن كونه لغيره، فهو (الحرام البيّن). ومن أَقدَم على أكل مالٍ تَيَقَّن كونه له، وأنه حلال، فهو من (الحلال البيّن). و (المشتبه) هو الذي لا يحصل فيه يقين واحد من الأمرين، كأكل مَنْ أكثرُ مالِهِ حرامٌ، ونحو ذلك.

стр. 425

٤٩٥ - قوله بعد ذلك: (ولو اختلطت حمامة مباحة بحمامة مملوكة، لكان (١) كاختلاط الأختين) (٢). يقال عليه: صوابه: (كان كاختلاط أخته بالأجنبية). ٤٩٦ - قوله بعد ذلك: (فإن المشترَك حرُم تحريم الوسائل) (٣). الصواب: أنه يحرم تحريم المقاصد، لأن الزائد على نصيبه كالمنفرد من مال الغير. ٤٩٧ - قوله في (وطء الشبهة): (قلنا: لا يوصف بشيء من الأحكام الخمسة) (٤). يقال فيه: الأرجح أن وطء الشبهة يوصف بالتحليل. * * * [فصل في التقدير على خلاف التحقيق] ٤٩٨ - قوله: (فصل في التقدير على خلاف التحقيق. التقدير: إعطاء المعدوم حكم الموجود) (٥). يقال فيه: يستعملون (التقدير) بمعنى التحقيق في الضمنيات، كما في قوله: (أعتق عبدك على كذا)، ونظائره المقدمة في القاعدة المعقودة لبيان الوقت التي بُنيت فيه أحكام الأسباب.

стр. 426

وليس هذا التقدير من إعطاء المعدوم حكم الموجود، والأمرُ عكسُه. ٤٩٩ - قوله بعد ذلك في (المثال السابع): (وأما نبوة الأنبياء، فمن جَعَل (النبي) بمعنى: المُنبئ عن الله، فإنه يقدّرها في حال سكوت النبي عن الإنباء، ويحققها في حال ملابسته للإنباء. ومن جَعَل (النبي) بمعنى: المُنْبَأ المُخْبَر، كانت النبوة عبارةً عن تعلق إنباء الله به) (١). يقال عليه: الصواب: الإمساك عن الخوض في ذلك. والذي يجب اعتقاده أن النبي لا يزال باقيًا على نبوّته، لأن الغفلة مستحيلة عليه، ولم يَبْقَ إلا حالين: النوم، والموت. وللأنبياء فيهما ما ليس لغيرهم. ٥٠٠ - قوله بعد ذلك: (فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾؟ [الفلق: ٥] فالجواب: أن الحسد الحكمي لا يضرّ المحسودَ لغفلة الحاسد عنه. والحسدُ الحقيقي هو الحاثّ على أذية المحسود. فقوله : ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ﴾ صالح للحسد الحكمي والحقيقي) (٢). يقال فيه: ولك في الجواب مسلكٌ آخر، وهو أن العُلقة بين الحاسد والمستعيذ، إنما تكون حال حسده الحقيقي، ولا عُلقةَ بينهما إذا خلا عن حسده الحقيقي بغفلة ونحوها وإن كان متعلقًا بالحسد الحكمي، فلذلك خَصّ الحالة التي تكون فيها العُلقة فيها. ٥٠١ - قوله: (المثال الثاني عشر: الذمم، وهي تقدير أمر في الإنسان يصلح للالتزام والإلزام من غير تحقق له) (٣).

стр. 427

يقال عليه: الأحسن أن يقال: (الذمة) بالإفراد، ليُطابِق قوله: (وهي تقدير أمر). ووراء ذلك أن الذي اختاره شيخنا أن (الذمة) من الأمور التحقيقية، وهي صفة كمال الإنسان، صالحة للإلزام أو الالتزام. فخرج (الصبي والمجنون)، فالواجب بإتلافهما: في مالهما لا في ذمتهما. وخرج (العبد)، فلا ذمة له في الحال على الأصح. وقولنا: (تعلق بذمة العبد كذا)، معناه: يُتبَع به إذا عَتَق. وخرج (الميت) لأنه خرج بموته عن صفة الكمال. وخرج (المفلس) على رأيٍ، لنقص تصرفه، فكان عند هذا القائل، خرج عن صفة الكمال بهذا الحجر الخاص. وأما (الديون)، فمحلها: الذمة، وقد بيّنّا أنها أمر تحقيقي، والديون لا (... (١) لحقيقته بمعنى القدر اللازم للذمة المذكورة، ويظهر ذلك بالتسليم. ٥٠٢ - قوله بعد ذلك: (وكذلك لو حَفَر بئرًا في محلّ عُدوانٍ (٢)، فوقع فيها إنسان بعد موته، وجب ضمانه. فإن كانت له تركةٌ، صُرفت في ذلك) (٣). يقال عليه: محل ما ذكره، أن لا تكون عاقلةٌ، ولم يكن في بيت المال شيءٌ. فإن كانت عاقلةٌ، أو لم تكن وكان في بيت المال شيءٌ، فإن ضمان ذلك على العاقلة أو في بيت المال، على ما هو مقرر في موضعه.

стр. 428

وحيث وجب الضمان في التركة لفقد العاقلة أو بيت المال، فإنه يجب في التركة حالًا، وفي وجهٍ مؤجلًا في ثلاث سنين كالعاقلة. وليس لنا موضع يستمر فيه المؤجّل على تأجيله بعد الموت إلا الديةُ على رأيٍ. ٥٠٣ - قوله: (وأما السلَم فمقابلةُ معدوم بموجود إن كان رأسُ السلَم عينًا، أو بدَين يُقبض في المجلس إن كان رأسُ السلَم دَينًا (١). جعلُه (السلَم) إذا كان رأسُ المال دينًا يُقبض في المجلس، من مقابلة المعدوم بالموجود، تنزيلًا لما يقبض في المجلس منزلة الموجود. وهذا يخالف قوله قبل ذلك: (وقد يقابَل الدَّين بالدَّين، ثم يقع التقابض في المجلس وكلاهما عند العقد معدوم) (٢)، فلم ينزل ما يُقبض في المجلس منزلة الموجود. ٥٠٤ - قوله: (وأما القرض فمقابلةُ معدوم بموجود) (٣). يقال عليه: ويكون القرض: مقابلةَ معدوم بمعدوم -على ما ذكره الشيخ (٤) في (المهذب)، والدارمي- من أنه يجوز أن يقع القرض دَينًا في الذمة، ثم يُقبض. وصورتُه: أن يقول: أقرضتُك كذا في ذمتي، ثم يُقبِضه إياه. انتهى. ٥٠٥ - قوله بعد ذلك: (فإن المستحقين الموجودين وقت الوقف، إذا

стр. 429

انقرضوا، صارت الغلّات والمنافع المعدومة مستحقة بالوقف إلى يوم القيامة) (١). يقال عليه: المنافع مستحقة، والوقف إلى يوم القيامة من حين صدور الوقف، ولا ينعقد ذلك بأن يكون بعد انقراض المستحقين الموجودين. ٥٠٦ - قوله بعد ذلك: فيصح (٢) الوصية بالموجود والمعدوم للموجودين والمعدومين) (٣). يقال عليه: لا يصح للمعدومين بحالٍ على الصحيح. ٥٠٧ - قوله بعد ذلك: (وأما النكاح، فإن كان تفويضًا كان ذلك تمليكًا لمنافع البُضع، وإباحةُ لأمر معدوم) (٤). يقال عليه: ما ذكره في التفويض من كونه (إباحةً)، ممنوع. والصواب أنه في مقابلة ما يُفرَض من مهر أو مسمى. وكون النكاح إباحةً، من خصائص النبي ﷺ . ٥٠٨ - قوله (وكذلك ما يجب من النفقة والكسوة، كله معدوم مقدّر في ذمته) (٥). يقال عليه: النفقة إنما تجب يومًا بيوم، بطلوع فجر ذلك اليوم، فهي حال وجوبها موجودة غير مقدّرة.

стр. 430

٥٠٩ - قوله: (فإن قيل: إذا كان المضمون مئتين، فهل يثبُت في ذمة الضامن مئتان، فيصير للمالك أربع مئة، فيزكّيها بعشرة دراهم؟) (١). يقال عليه: هذا السؤال ليس بذاك القائم. وجوابه: أن المضمون له، يَستحق في ذمة كل منهما مئتين على البدل. وما اختاره الشيخ، يردّه قولهم: إن الضمان ضم ذمة إلى ذمة. وتسميةُ هذا بـ (ضمان الذمة) كافٍ في ذلك. وفي حديث أبي قتادة ما يشهد له (٢). ولا يُظن بأحدٍ تخيلُ زكاةٍ: أربعمئة (٣). ٥١٠ - قوله بعد ذلك: (وأما الصلح فلا يخرج عن كونه بيعا، أو إجارة، أو إبراءً، أو هبة) (٤). يقال عليه: ويكون الصلح عاريةً كما زاده بعضهم، وجعالةً، وسلَمًا، ومعاوضةً غير محضة، وقُربةً كما زاده شيخنا (٥) أدام الله النفع به، في (تدريبه) (٦).

стр. 431

٥١١ - قوله بعد ذلك: (والعجب ممن يعتقد أن المعاوضة على المعدوم على خلاف الأصل) (١). يقال عليه: لم يتوارد كلام هذا المعتقد مع كلام الشيخ على شيء واحد، لأن من يعتقد أن المعاوضة على المعدوم على خلاف الأصل -من أنه معدوم لا يمكن أن يكون موجودًا- كالمنفعة في الإجارة، فلا بِدعَ من أن يقال: (الإجارة على خلاف الأصل)، لأن الأصل الذي صحت به الشريعة، ورودُ المعاوضة على معدوم يمكن وجوده حالًا. * * * [قاعدة فيما يقبل من التأويل وما لا يقبل] ٥١٢ - قوله في أول القاعدة (فيما يُقبل من التأويل): (من ذَكر لفظًا ظاهرًا في الدلالة على شيء نواه، ثم تأوّله) (٢). وفي بعض النسخ: (على شيء تأوّله) بإسقاط (ثم). وعلى هذه النسخة لا يحتاج إلى التأويل. ٥١٣ - قوله: (كإقرار المرأة بنفي الرجعة) (٣). يقال عليه: ليس في إقرار المرأة بنفي الرجعة ثم اعترافِها بها، تأويلٌ، بل هذا كمن قال: (لا شيء لزيد عندي)، ثم أقر بذلك الشيء. وصورة المسألة حيث تُصدَّق المرأةُ في الرجعة (٤).

стр. 432

٥١٤ - قوله بعد ذلك: (وإقرارِ المشتري في الخصام بأن المبيع مِلكُ البائع) (١). يقال فيه: صورة إقرار المشتري في الخصام، أن يشتري شيئًا، ثم يدّعيه إنسان، فيقول المشتري: إنه ملكُه وملكُ بائعه، فيقيم المدّعي بينةً بأنه ملكُه، فيأخذه، فإن المشتري يرجع بالثمن على بائعه، على ما هو مقرر في موضعه. وليس رجوعه على بائعه بالثمن، لِما ذكره الشيخ من المدرك، بل (٢)، لأن الفائدة في الخصومة ذلك. ولو كان مستند ذلك ظنّه من غير معارضٍ، لم يرجع بالثمن على بائعه لاعترافه بأنه مظلوم في الباطن. ٥١٥ - قوله: (مثل أن ينوي بالطلاق والعتاق: الأمرَ بالأكل والشرب، فلا يُقبل منه ظاهرًا ولا باطنًا) (٣). اختار شيخنا سلمه الله تعالى، أنه يُقبل باطنا فيما إذا نَوَى بالطلاق والعتاق: الأكلَ والشربَ ونحوهما. * * * [فصل فيما أثبت على خلاف الظاهر] ٥١٦ - قوله في فصل فيما أُثبت على خلاف الظاهر: (المثال السادس: لو وَطِيَ أمتَه ثم استبرأَها بقُرء، ثم أتت بولدٍ لتسعة أشهر من حين الوطي، فإنه لا يُلحق به عند الشافعي. وهذا مشكل من جهة أن الأمة فراشٌ حقيقي) (٤).

стр. 433

يقال عليه: جواب هذا الإشكال، أن الفراش زال بالاستبراء. لا يقال: فلو استبرَأَ زوجته بعد وَطْيها، فإنه لا يزول فراشها بالاستبراء؟ لأن الولد يُلحق في الزوجة بالإمكان، ولا يشترط الوطي. ٥١٧ - قوله: (فائدة: قد يظن بعض الأغبياء أن الولد لا يُلحق إلا لستة أشهر. وهو خطأ، لأن الولد يُلحق بدون ذلك فيما لو جُني على الحامل، فأجهَضَتْ (١)، فإن الولد يُلحق بأبويه، وكذلك يَلزَم أباه مؤنةُ تكفينه وتجهيزه) (٢). يقال عليه: لا يُظن بأحدٍ ذلك، فمرادهم بـ (الولد): (الكامل) كما ذكره آخِرًا (٣). وكلامهم صالح لذلك في أبواب الفقه من الرجعة والعدة وغيرهما. ٥١٨ - قوله: (المثال السابع: إذا قال: له عليّ مالٌ عظيم، فإن الشافعي يَقبل تفسيره بأقل متمول. وهذا خلاف ظاهر اللفظ. وعَلَّل الشافعي مذهبه بأن (العظيم) لا ضابط له) (٤). يقال عليه: إنما قَبِل الشافعي، التفسيرَ بأقل متموّل، لِما ذكره من قاعدته في (المختصر) (٥) وغيره، من قوله ﵁: (أصل ما أبني عليه

стр. 434

الإقرار، أني لا أُلزِم الناس إلا باليقين، وأطرح الشك، ولا أستعمل الأغلب) (١). ٥١٩ - قوله: (المثال الثامن: إذا قال لرجل: أنت أزنى الناس، أو قال له: أنت أزنى من زيد، فظاهر هذا اللفظ أن زناه أكثر من زنى زيد، وأكثر من زنى سائر الناس. وقال الشافعي: لا حدّ عليه حتى يقول: أنت أزنى زناة الناس، أو: فلان زانٍ وأنت أزنى منه. وفي هذا بعدٌ) (٢). يقال عليه: إنما فرَّق الشافعي بين: (أنت أزنى الناس، وأنت أزنى من زيد)، وبين: (أنت أزنى زناة الناس، أو فلان زانٍ وأنت أزنى منه) من جهة أنه، في الثاني: أَثبَت الزنى للمفضَّل عليه، فكان إثباته للمفضَّل صريحا لصراحته في المفضَّل عليه. [و] في المثال الأول (٣): لم يصرِّح في المفضَّل عليه بشيء، لأن صيغة (أفعل) لا تقتضي التشريك، فلا يلزم أن يكون المفضَّل عليه زانيًا. وإذا لم يثبت صريحًا في المفضَّل عليه، لم يثبت في المفضَّل.

стр. 435

٥٢٠ - قوله: (المثال العاشر: إذا قال لامرأته: (إذا رأيتِ الهلال فأنت طالق)، فرآه غيرها، طلُقت عند الشافعي حملًا للرؤية على العرفان. وهذا على خلاف الوضع وعرف الاستعمال. وخالفه أبو حنيفة في ذلك. واستدل الشافعي بصحة قول الناس: رأينا الهلال، وإن لم يروا كلُّهم) (١). يقال عليه: ما ذكره ليس بماسٍّ لمُدرك الشافعي، وذلك أن مُدرك الشافعي في رؤية الهلال، أن الشارع يَصرف فيها بالعلم، فكان الحمل على المعهود الشرعي أولى، وهو المعيّن، ومن ثَمَّ جرى وجهان في: (إن رأيتِ الدم فأنت طالق)، فعلمتْ به ولم تَرَه، لأن الشارع لم يتصرف في ذلك. وأصلُ تقديم الشرعي على اللغوي، قوله تعالى لنوح ﵇ لمّا تعلّق بمقتضى اللغة في قوله: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥]، ذَكَر الله تعالى له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]، يعني: أن أهلك الشرعيين هم الذين على دينك، بدليل: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]. * * * [فصل في تنزيل دلالة العادات وقرائن الأحوال منزلة صريح المقال] ٥٢١ - قوله: في فصل تنزيل دلالة العادات: (التوكيل في البيع المطلق، فإنه يتقيد بثمن المثل وغالبِ نقد بلد البيع) (٢). يقال عليه: تقييده بـ (نقد بلد البيع) في غير نسخة، ليس بجيد (٣)،

стр. 436

لاقتضائه أنه لو قال له بمصر: وكّلتُك في بيع كذا، فباعه بمكة، أنه يتقيد بنقد مكة. وليس كذلك، بل ذلك يتقيد بنقد بلد الوكالة. وفي نسخة: (نقد البلد)، وهي سالمة من الإيراد (١). ويؤيد ما ذكرناه، قوله (٢): (فكأنه قال للوكيل: بعْ هذا بثمن مثله من نقد هذا البلد إن كان له نقدٌ واحد، أو: من غالب نقد البلد (٣) إن كان له نقود). ٥٢٢ - [قوله] (٤): (ويدل على هذا، أن الرجل لو قال لوكيله: بعْ داري هذه. فباعها بجَوزة) إلى آخره (٥). يقال عليه: الأحسن أن يقال: ويدل على هذا، أنه لو قال لوكيله: بعْ هذا، فباعه بأقل من قيمته بقدرٍ لا يتسامح بمثله، فإن العقلاء قاطعون بتقصيره، وأن هذا غير مراد. وما مَثَّل به الشيخ من البيع بجوزة وغيرها، لا يصلح أن يكون دليلًا، لأنه لا يُعلم منه الحال بما فوق الجوزة، أو التمرة، في بيع ما يساوي ألفًا، بخمس مئة أو ست مئة أو ثمان مئة. ٥٢٣ - قوله: (إذا قال مَن هو من أشراف الناس وأفضلهم لوكيله:

стр. 437

وكلتُك في تزويج ابنتي. فزوَّجَها بعبد فاسق مشوّه الخلق، على نصف درهم، فإن أهل العرف يقطعون بأن ذلك غير مرادٍ باللفظ) (١). الأحسن أن يقال: (فزوّجها بمن لا يليق بها بدون مهر المثل، فإن أهل العلم يقطعون بتقصيره، وأن ذلك غير ذلك). وما مَثَّل به من (عبد فاسق مشوّه الخلق، على نصف درهم) لا يُعلم منه حال ما فوق ذلك مما هو غير لائق بها. ٥٢٤ - قوله: (ولو قال لامرأته: إن أعطيتِني ألفًا فأنتِ طالق. فإن الإعطاء يتقيد بالفور) (٢). يقال عليه: إنما يتقيد هذا بالفور في تعليقٍ فيه شوبُ معاوضة، فمن حيث كونه معاوضة اعتُبر فيه الفور، ولا دلالة للعرف على شيء من ذلك، فليُتأمل هذا المثال، فإنه ليس من قاعدة الفصل، ولا فروع القاعدة. نعم قوله: (إن شئتِ فأنتِ طالق) من فروع القاعدة. ٥٢٥ - قوله: (ولهذه القاعدة امتنعت مسألة (مدّ عجوة)، ومسألة المراطلة، وكذلك أخذ الشقص بما يخصه من الثمن، بناء على هذه القاعدة) (٣). يقال عليه: إنما استوت قاعدة (مد عجوة) لأن التوزيع يقتضي الجهل، لأن الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة. ٥٢٦ - قوله: (وجاز لمن (٤) اشترى عبدين بثمن (٥)، أن يوزِّع الثمن على

стр. 438

قيمتهما، ثم يُخبر أنه اشتَرَى كل واحد بما يقتضيه التوزيع على القيمة) (١). يقال عليه: الصواب، أن ذلك لا يجوز في بيع مرابحة (٢)، بل يُخبر أن ثمنه كذا، بمقتضى التوزيع عليه وعلى رقيقه. ٥٢٧ - قوله في (المثال السابع): (توزيع القيمة على الأعيان المبيعة في الصفقة الواحدة، وعلى المنافع المختلفة المستحقة بإجارة واحدة) إلى آخره (٣). يقال عليه: التوزيع في صور هذا المثال، ليس شيء (٤) منها من الأمور المعدّدة، وإنما بيعُ الجملة المشتركة يوزَّع الثمنُ فيه على الحصص بقضية التعاقد (٥)، بعد ذلك يقع التوزيع في صورة تفريق الصفقة على نسبة القيم بمقتضى التفاوت لا بمقتضى العادة. ٥٢٨ - قوله: (فإذا مات الأجير في أثناء الحج، فهلّا سقط جميع أجرته، لأنه لم يحصِّل شيئًا من مقصود المحجوج عنه) إلى آخره (٦). يقال: إنما وزعنا في الحج، مراعاة لأخف الضررين.

стр. 439

بيانه أن لحرمان الأجير ضررٌ بيّنٌ (١)؛ وإلزامُ المستأجر من غير حصول مقصودٍ، ضررٌ؛ فراعيناه، لأنه حصل له في مقابلة ما مضى من أعمال الحج أجرٌ، وذلك أخف من حرمان الأجير، لأنه ضررٌ لا في مقابلة شيء. وهذا بخلاف الجعالة. ولم يذكر الشيخ الأصح، وهو توزيع الأجرة على ما مضى من السَّير ونقص أعمال الحج. ٥٢٩ - قوله: (إن كان الطعام قليلًا مشفُوهًا) (٢). يقال فيه: في الحديث: (إذا صَنَع لأحدكم خادمُه طعامًا، فلْيُقعِدْه معه، فإن كان مشفُوهًا فلْيَضَع في يده منه أُكلةً أو أُكلتين) (٣). المشفُوه: القليل. وأصله: الماء الذي كثرت عليه الشفاه حتى قَلَّ. وقيل: أراد: فإن كان مكثورًا عليه، أي: كثُرتْ أكَلَتُه. ٥٣٠ - قوله (٤): (إذا أراد مَن لا حاجة له: الدخولَ إلى دُور القضاة والولاة للتنزه، الأظهر جوازه لجريان العادة بمثله) (٥).

стр. 440

اختار (١) شيخنا: بمنع الدخول للتنزه، لاطراد أن القضاة والولاة يبادرن (٢) لذلك. ٥٣١ - قوله: (المثال الثامن: استصناع الصنّاع الذين جرت عادتهم بأنهم لا يعملون إلا بأجرة) إلى آخره (٣). ما صححه من استحقاقهم الأجر، هو وجة حسن، ولكن الأصح عند جمع من الأصحاب أنهم لا يستحقون شيئًا. وما ذكره الشيخ من استحقاق ما جرت به العادة، وغايَرَ بينه وبين أجرة المثل (٤)، لم يقل به أحد من الأصحاب في التفريع على هذا الوجه. والكل يقولون -في التفريع على هذا الوجه- أنهم يستحقون أجرة المثل. والذي جرت به العادة هو أجرة المثل كما (٥) نقول في (مهر المثل): إنه القدر الذي يُرغب به في نكاح أمثال المرأة. وكذلك نقول في (قيمة المثل) في بناء (٦) القدر الذي تنتهي إليه الرغبات، وذلك هو العرف. وحينئذ فالواجب للصناع المذكورين على هذا الوجه: أجرة المثل، ولا

стр. 441

تُستحق زيادة على أجرة المثل، لا يختلف الأصحاب بل ولا العلماء في ذلك. ولعل الشيخ رأى كلام أبي إسحاق (١) في المسابقة عند فساد عقد المسابقة، وهو: أن المستحق ما يُعقد عليه المسابقة غالبًا إلا أن الفرق بينهما، أن مسألة أبي إسحاق ليس فيها منفعةٌ تحصل لمن تلزمه الأجرة، بخلاف مسائل الصناع. وقول الشيخ: (وقد قيل بمثل هذا في هبة الثواب) (٢). يقال عليه: ذاك المذكور في الهبة ضعيفٌ مفرّع على ضعيف. والفرق بين الهبة وبين ما نحن فيه، أن هنا: ملاحظة العوضية، فعند عدم التسمية يُرجع إلى مقابلة ما فات من المنفعة التي للصانع، وهو أجرة المثل. وأما الهبة فلا يُلحظ فيها العوضية، لأن ملك المتّهِب يَبين (٣) بالقبض بالإذن، من غير أن يملك الواهب في مقابلة ذلك: (الموهوبَ) عوضًا، وإنما المرجع إلى العادة، فلمّا تمحّضت العادة، قال بعض الأصحاب: يجب ما يُعدّ ثوابًا لمثله في العادة. ويدل لعدم ملاحظة العوضية في الهبة، أن المتّهِب لا يُجبَر على الثواب قطعا، بخلاف ما يتعلق بالصناع، فإنه يُجبَر المالك على دفع الأجرة قطعًا، وذلك مقتضى المعاوضة، ولم تتمحض فيه العادة، فوجب أجرة المثل على ما نفرّع عليه قطعًا.

стр. 442

وقضية ملاحظة العوضية: الرجوع بالمثل (١)، وقضية كلام الشيخ أنهم لو كانوا يعتادون أخذ عوضٍ، أن يجب ذلك العوض، وهذا مخالف للقواعد. ٥٣٢ - قوله بعد ذلك: (ولا يجوز الدخول في الكنائس بغير إذن) (٢). يستثنى منه: ما إذا كانت الكنائس بطريق المارّة. ٥٣٣ - قوله: المثال الثاني والعشرون: (الاعتماد في كون الركاز جاهليًّا أو غير جاهلي، على العلامات المختصة) (٣). يقال عليه: ليس هذا المثال، من فروع القاعدة، ولكن لمّا قال رسول الله ﷺ : (وفي الركاز الخُمس) (٤)، كان الركاز هو الجاهلي، ولا سبيل إلى العلم بكونه جاهليًّا إلا بالعلامات المختصة به، ولا تحكيم للعرف في ذلك، ولا اطّراد له به. ٥٣٤ - قوله: (فما وُجدتْ عليه علامات الإسلام، كان لُقطةً واجبة التعريف) (٥). يقال فيه: محل كونه (لُقَطة)، أن لا يكون مُحرَزًا، فإن كان مُحرَزًا فهو مالٌ ضائع. * * * [فصل في حمل الأحكام على ظنون مستفادة من العادات] ٥٣٥ - قوله في فصل في حمل الأحكام على ظنون مستفادة من العادات:

стр. 443

قوله: (المثال الثالث: الدخول إلى الأزقة والدروب المشتركة، جائز للإذن العرفي، فلو منعه بعض المستحقين امتنع الدخول، وإن كان فيهم يتيم أو مجنون ففي هذا نظر (١). يقال فيه: المختار: القطع بالدخول وإن كان فيهم يتيم أو مجنون، لإجماع الناس على ذلك في الأمصار والأعصار من غير استفصال. وقد أَتَى رسولُ الله ﷺ سُباطةَ قومٍ فبال قائمًا (٢)، وهناك من ينظُر إليه (٣)، فلو كان ذلك مقيدًا بأن لا يكون فيها مِلكٌ ليتيم ونحوه لبيّنه ﷺ ، وإلا كان تأخيرًا للبيان عن وقت الحاجة. وليس هذا من ترك الاستفصال في وقائع الأحوال، لأن الواقع من النبي ﷺ فعلٌ، والفعل لا عموم له، بل من جهة أن ذلك يحضره من ينظر الفعلَ: مقامُ تشريع، فلو كان يتقيد بشيء لَبَيّنه. والجريُ على الإطلاق في ذلك، هو الذي درج عليه السلف والخلف. ٥٣٦ - قوله: (المثال الثامن: سكوت الأبكار إذا استُؤذنّ) (٤). يقال عليه: هذا المثال ليس من فروع قاعدة الفصل، لأن الحكم لله (٥)،

стр. 444

مستفاد من نص الشارع، وهو قوله ﷺ : (والبِكر تُستأمَر، وإذنُها صُماتُها) (١). نعم، ما ذكره (٢): حكمةُ الدليل، لا دليل الحكم. ٥٣٧ - قوله في (المثال السابع) قبل ما تقدَّم (٣): (ووطيُ المشتري الجاريةَ المبيعة بحضرة البائع، فإنه ينزّل منزلة الإمضاء)، إلى أن قال: (فإن الغالب من المسلم، أنه لا يُقدِم على الفجور مع إمكان الوطي الحلال) (٤). يقال عليه: الأصح أنه لا ينزّل منزلة الإمضاء إذا كان الخيار لهما، بل يبقى خيار البائع. وقوله في التعليل: (فإن الغالب أن المسلم لا يُقدِم على الفجور)، ليس بجيد، لأن التبايع يكون بين كافرين، ومسلمٍ وكافرٍ أيضًا. وإنما العلة أن العقد جائز بالنسبة إلى البائع، فما ولي (٥) منه على رفع العقد، عُمل به. ٥٣٨ - قوله: (المثال الحادي عشر: الاعتماد على قول المقوّمين

стр. 445

العارفين بالصفات النفيسة الموجبة لارتفاع القيمة، وبالصفات الخسيسة الموجبة لانحطاط القيمة) (١). يقال عليه: المثال الحادي عشر، تجميع صورة ليس من فروع قاعدة الفصل، لأن اعتماد قول المقوّمين ليس لِما ذُكر، بل لأن ذلك بينة شرعية يجب العمل بها. وكذلك: الاعتمادُ على قول الخارصين والقائفين، ليس لِما ذَكَر (٢)، بل لأنهما حجتان شرعيتان. ولو كان لِما ذَكَره، اختص ذلك بالمقوّمين والقائفين والخارصين لجريانه في كل بينة دل الشرع على قبولها (٣). نعم لقائل يقول: العلة في قبول الشرع شهادةَ البينات (٤): غلبةُ أمانتهم. ٥٣٩ - قوله: (المثال الثاني عشر: اعتماد المنتسب على مَيل طبعه إلى أحد المتداعيين في الأنساب، وهذا من أضعف الظنون) (٥). يقال فيه: مَيل طبع المنتسب قويٌّ في نفسه، وإنما كان ضعيفًا بالنسبة إلى ما فوقه (٦) من القيافة ونحوها.

стр. 446

٥٤٠ - قوله: (الثالث عشر: الاعتماد على كيل الكايلين، ووزن الوازنين) (١). يقال عليه: في هذا المثال نظر (٢)، لأن الإصابة محققة في ذلك بما لها (٣). ٥٤١ - قوله: (المثال الرابع عشر: الاعتماد في دفع اللقطة على وصف من يصف وِكاءَها (٤) وعِفاصها وقدرَها، لظهور دلالته على صدقه) (٥). يقال عليه: الاعتماد في دفع اللقطة على ما ذَكَر، دليلُه: الحديث الصحيح (٦)، والحكمة فيه ما ذكره، وحينئذ فليس ذلك من دلالة العادات. ٥٤٢ - قوله: (المثال الثامن عشر: سماع الشهادة بالإقرار مع إهمال الشاهد ذكرَ أهلية المقِرّ للإقرار، لغلبة الرشد والاختيار على المقِرِّين) (٧). يقال عليه: ما ذكره من غلبة الرشد على المقرِّين والمتصرفين، يخالفه كلام قدَّمه: (لأن الغالب عدم الرشد) بالتفسير الذي ذكره الشافعي ﵁ (٨). ٥٤٣ - قوله: (الأبواب المشروعة في الدروب المنسدّة، دالة على الاشتراك في الدروب إلى حدّ كل بابٍ منها) (٩).

стр. 447

محل ما ذكره، أن لا يكون هناك مسجد ولا بئر مسبَّل، كما مرّ. ٥٤٤ - قوله بعد ذلك: (والإقرار مقدم على البينة) (١). صورة تقديم الإقرار على البينة، أن يقيم البينة على شيء أنه مَلَكه، ثم يقرّ به لزيد. أو: تقوم بينة على إقراره أنه مِلكُ زيد. ٥٤٥ - قوله بعد ذلك: (فائدة: اليد عبارة عن القرب والاتصال) (٢). يقال عليه: اليد الشرعية حقيقة في الاستيلاء، لا القرب والاتصال. وأما تقدُّم إحدى اليدين على الأخرى لقوة استيلائها، كما في الراكب والسائق أو القائد ... (٣). * * * [فصل في الحمل على الغالب والأغلب في العادات] ٥٤٦ - قوله: (فصل في الحمل على الغالب والأغلب: من ملَك خمسًا من الإبل، فإنه تلزمه شاة من غالب شياه البلد) (٤). يقال عليه: الأصح: لا يتعين غالب غنم البلد. ونقل صاحب (التقريب) فيه نصوصًا (٥). وأما غنم البلد فإنها تتعين، ولا يُعدَل إلى مثلها أو خيرٍ منها. * * *

стр. 448

[قاعدة كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل] ٥٤٧ - قوله: (قاعدة: كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل) (١). فإنه لفوات ركنٍ أو شرطٍ، وإلا فالبيع في زمن الخيار متقاعد عن مقصوده. ٥٤٨ - قوله: (وجُعل أجل النكاح مقدّرًا بعُمر أقصر الزوجين عُمُرًا) (٢). يقال عليه: لا يقال ذلك، لأنه ينفي بعض (٣) إعادة بعد الموت، ولأن الأجل لم يُنظر فيه إليه. وتقديرُه بـ (عمر أقصر الزوجين عُمُرًا): من ضرورة الواقع.

стр. 449

٥٤٩ - قوله بعد ذلك: (بتعليم ما معك من القرآن، أو تلقين ما معك من القرآن) (١). يقال عليه: في تقدير التلقين نظرٌ، لأنه لا يلزم منه الحفظ الذي هو المقصود. ٥٥٠ - قوله: (وكذلك جُوِّزت المساقاة على ثمر مجهول) (٢). يقال عليه: ما ذكره من كون الثمر في المساقاة مجهولًا، فيه نظر، لأنه معلوم بالجزئية كالثلث والربع. وما ذكره من كون العمل معلومًا، فيه نظر أيضًا، إذ لو كان معلومًا لصحّت الإجارة عليه، والحكمُ عدم صحتها، وذلك بأن يلزم ذمتَه بالإجارة ما يلزم المُساقي.

стр. 450

المعلَّقُ (١) عليه في الآية: الإرضاعُ، لا: الرضاعُ، وحينئذ فلا يتم الاستدلال على ما قصده من الآية. ٥٥١ - قوله: (وإن استوى الأمران، ففي هذا احتمال من جهة أن النظر لا يحلّ إلا عند غلبة الظن بالسبب المجوِّز) (٢). اختار شيخنا سلمه الله تعالى، فيما إذا استوى الأمران: جواز النظر، لأن الشارع أَذِن فيه عند قصد النكاح، والشخص لا يَقصد غالبا نكاحَ من يَعلم أنه لا يُجاب إليها أو يغلب على ظنه أنه لا يُجاب إليها، ويَقصد نكاحَ من يَعلم أو يغلب على ظنه أنه يُجاب إليها. وكذا من يستوي عنده حالتَيْ الإجابة والمنع. ٥٥٢ - قوله: (كالوقف على الفقراء أو الغزاة والحجّاج (٣)، ولمعدومٍ

стр. 451

مبهم: كالوقف على أولاد الأولاد بعد الأولاد؛ وكالوقف [على] من سيوجد (١) من الفقراء والمساكين إلى يوم الدين) (٢). الوقف على الفقراء والغزاة، تمليك لـ (موجودٍ مُبهم) وهم الموجودون حال الوقف؛ و (معدومٍ مُبهم) وهم مَن بعدهم. فهو تمليكٌ لموجودٍ مُبهم؛ ومعدومٍ مُبهم. في كون (٣) (أولاد الأولاد) من (المعدوم المبهم): نظر، لأنهم معيّنون بنوع معيّن، وليسوا كجهة الفقراء. والأحسن أن يمثّل (المعدوم المبهم) بـ (الوقف على الفقراء)، فإنه يتناول المعدومين حال الوقف كما مرّ. ٥٥٣ - قوله: (وكالوقف على من سيوجد من الفقراء والمساكين) (٤). الوقف على من سيوجد من الفقراء والمساكين، من أمثلة (منقطع الأول)، والمذهب فيه البطلان. ٥٥٤ - قوله: (وكذلك إخراج المنافع إلى غير مالكٍ كالوقف على بناء القناطر والمساجد) (٥). الوقف على بناء القناطر والمساجد، ليس من إخراج المنافع إلى غير

стр. 452

مالكٍ، لأن المالك ها هنا: جهةُ الإسلام. قال شيخنا سلمه الله تعالى: وهو من أمثلة (منقطع الأول). ٥٥٥ - قوله: (فائدة: إذا مات الموجِب بين الإيجاب والقبول، بطل إيجابه، بخلاف الوصية إذ لا يتم مقصودها (١) إلا كذلك، بخلاف سائر العقود) (٢). يقال عليه: ليس تراخي القبول عن الإيجاب لِما ذكره الشيخ، بل لأن الموت شرطٌ في صحة القبول، ولا عبرة بالقبول قبل موت الموصي. ٥٥٦ - قوله: (وجاز فيها (٣) الوقف فيما زاد على الثلث على الأصح، مع أن الشافعي ﵁ لا يرى وقف العقود) (٤). يقال عليه: ليس من وقف العقود، لأن العقد قد تم بإيجاب الموصِي في حياته وقبولِ الموصَى له بعد وفاته، وإنما ذاك شرطٌ في النفاذ والإلزام. ٥٥٧ - قوله في (النوع الثاني): (فلو لزمتْ من جانب الوكيل لأَدَّى إلى أن يزهد الوكلاء في الوكالة خوفًا من لزومها) (٥). يقال عليه: والموكِّل أيضًا كذلك. ٥٥٨ - قوله في (الموكّل): (ولو لزمتْ من جانب الموكِّل، لتَضَرَّر، لأنه قد يحتاج إلى الانتفاع بما وَكَّل به) إلى آخره (٦).

стр. 453

يقال عليه: لا يلزم مما ذُكر، لأن ذلك يرتفع بتصرف الموكِّل من أكل وشرب ولُبس وهبة وبيع، وغير ذلك. ٥٥٩ - قوله: (وأما العواري، فلو لزمتْ، لزهد الناس فيها) (١). يستثنى من عدم اللزوم: ما إذا أعار لدفن ميتٍ. وما إذا أعاره ما فيه سماعُه (٢). وما إذا أعار جدارًا لوضع الجذوع، فوُضعت، فإنه لا يرجع ما دامت الجذوع عليه، عند العراقيين. والأصح أنه يرجع. وفائدته: البقاء بأجرة المثل، أو القلع وضمان أرش النقص (٣). ٥٦٠ - قوله: (وكذلك الوصيّ، إذا لم يجد حاكمًا يوثَق به، فينبغي أن لا ينفُذ عزلُه نفسَه) (٤). يقال عليه: الوصي، ليس أمرُه عامًّا، فلا ينزَّل منزلة الإمام أو القاضي، بل ينفُذ عزلُه نفسَه. ومن سَلَّم المال لغير مستحق التسليم، كان ضامنًا. * * * [قاعدة فيما يوجب الضمان والقصاص] ٥٦١ - قوله في القاعدة لِما يوجب الضمان والقصاص: (يجب الضمان بأربعة أشياء: اليد، والمباشرة، والسبب (٥)، والشرط) (٦).

стр. 454

يقال عليه: أَهمَل خامسًا، وهو ضمان العقد. والفرق بين (ضمان العقد) و (ضمان اليد): أن ضمان العقد يُضمن بما تواضع عليه المتعاقدان، وضمان اليد يُضمن بالبدل الشرعي من مثلٍ أو قيمةٍ. ٥٦٢ - قوله: (وتلزمه قيمته حال ولادته، وهذا مخالف للقواعد في كون المُتلَف إنما يُضمَن بقيمته حال إتلافه دون ما قبلها وما بعدها. وإنما خرج هذا عن القاعدة، إذ لا قيمة له يوم الإحبال، فإنه نطفة مذِرة) إلى أن قال: (فلذلك قُدر الإتلاف متأخرًا إلى حين الوضع وكأنه رقيقٌ فُوِّتتْ حريته حال الوضع، ولهذا جُعل الولد تابعًا لأمّه في الملك) (١). يقال عليه: لم تظهر ملاقاة هذا الكلام لِما قصده الشيخ. وإنما قُوِّم عند خروجه؛ لأن ذلك أوّل حالٍ يمكن التقويم فيه، ولهذا لو خرج ميتًا بلا حياته، لم يلزم فيه شيء، لأنه لا يمكن تقويمه ميتًا. ٥٦٣ - قوله: (إذ لا يَحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث (٢) اتبع الشيخُ في هذا: الحديثَ؛ وإلا فقتلُ المسلم يحلّ بغير هذه الثلاث، كقتله بترك الصلاة كسلًا، وقتله في المحاربين، لأن الحد مغلَّب فيها بالنسبة إلى القتل. ٥٦٤ - قوله: (فائدة: إذا شهد اثنان بالزُّور على تصرفٍ، ثم رجعا، فإن كان ذلك التصرف مما لا يمكن تداركه كالوقف والعتاق، لزمهما الضمان.

стр. 455

وإن كان مما يمكن تداركه كالأملاك والأقارير، وجب الضمان على الأصح. فإن تمكّن الموقوف عليه من الوقف) إلى آخره (١). ما ذكره من قوله: (فإن تمكن) إلى آخره، مردود، لأن بعد وقوع الحد، قد لزم المشهودُ به، فلزم الراجعَ الغرمُ، للحيلولة التي لا تُستدرك لها. وما ذكره لا يصلح أن يكون مستدركًا. ولعل الشيخ أخذ ذلك من (مسألة: الزوجة تُقرّ لواحدٍ، ثم لآخر بالزوجية)، فإنها تُسلَّم للأول، فإذا مات الأول أو أبانها وانقضت العدة في الحالين، سُلِّمت للثاني. ولكن الفرق بينهما أن ها هنا صدر حكمٌ لا سبيل إلى رفعه، وهنا صُوِّر إقرارٌ زال حكمه بزوال ما تعلق بالمقَرّ له. ولا يَرِد: (المستولدة، إذا شهدوا بعتقها في حياة سيدهم، ثم رجعوا، فغرّمهم السيد، ثم مات السيد، فإنهم يستردّون ما غرموه) -على ما بحثه في (الكفاية) (٢) -، إن سُلِّم الفرق، وهو أن الذي جرى بعد موت السيد يوافق للشهادة (٣) للمحكوم بها، والسيد يعترف به. * * * [قاعدة فيمن تجب طاعته، ومن تجوز، ومن لا تجوز] ٥٦٥ - قوله: (ولا طاعة لأحد في معصية الله تعالى لِما فيها من المفسدة المُوبقة في الدارين أو أحدِهما) (٤).

стр. 456

مراده بـ (أحدهما): الآخرة، إذ لا يتصور أن تكون مُوبقة في الدنيا دون الآخرة. وكان الأحسن أن يقول: (في الدارين أو في الآخِرة (١). ٥٦٦ - قوله: (فإن كان المذهب الذي أراد الانتقالَ إليه مما يُنقَض فيه الحكم، فليس له الانتقال) إلى آخره (٢). يقال: وهذا ظاهر متّجه إذا قلنا: كل مجتهد مصيب، فيه نظر. والظاهر خلافه لِما تقدم من أن يعتدّ (٣) بما يجده من نفسه، والظن المستفاد من أدلة الشرع أقوى مما يستفيد من غيره. * * * [قاعدة في الشبهات الدارئة للحدود] ٥٦٧ - قوله: (وأما الشبهة الثانية فدرأت الحدّ، لأن ما فيها من ملكه يقتضي الإباحة، وما فيها من ملك غيره يقتضي التحريم) إلى آخره (٤). ما ذكره من: أن ما فيها من ملكه يقتضي الإباحة، إنْ أراد: أنه يقتضي الإباحة في حال الاشتراك فممنوع. وإن أراد: أنه يقتضي الإباحة إذا حُمل ملكه جمليها فمسلّم. والظاهر أن مراده: الأول. ويناقضه قوله بعدُ في (مسألة الرغيف): أنه يأثم بأكل نصيبه، ولكن ليس مثل أنه يأكل نصيب شريكه (٥).

стр. 457

واختار شيخنا سلمه الله تعالى (١)، أنه لا يأثم بأكل نصيب نفسه في (مسألة الرغيف)، وإن أثم بوطي نصيبه، لأنه لا يمكن تمييز نصيبه من الجارية أصلًا، بخلاف نصيبه من الرغيف، وصارت صرفة (٢) الجارية المشتركة كالمشتركة في استحقاق الدم إذا قَتَل أحدُ الشركاء بغير إذن الباقين (٣)، فإنه لا يقال: ما فيه من نصيبه يقتضي الإباحة، لأنه لا يمكن التمييز فيه بوجه. وقد تقدم من الشيخ (٤) الإشارة إلى ما بيّنه هنا على وجه يفهم غير مراده، فليراجع. وقوله: (بل يأثم إثم الوسائل) (٥)، يعني: في نصيب نفسه كلامٌ يصح مثله في نصيب شريكه. ٥٦٨ - قوله: (وإنما الشبهة: التعارض بين أدلة التحريم والتحليل) إلى آخره (٦). ما ذكره من أن الشبهة: التعارض بين أدلة التحريم والتحليل، فيه نظر،

стр. 458

لأن التعارض يقتضي الوقف لا اتباعَ أحد المتعارضَيْن. والصواب أن يقال: الشبهة اختلاف العلماء مع تقارب الأدلة. * * * [قاعدة في المستثنيات من القواعد الشرعية] ٥٦٩ - قوله: (تغيُّرُ أحد أوصاف الماء بشيء طاهر، سالبٌ لطهوريته. استُثني من ذلك ما يشقّ حفظ الماء منه) (١). يقال عليه: ليس التغير بما شَقَّ حفظُ الماء منه، داخلًا في (قاعدة المتغير بشيءٍ سالب للطهورية) حتى يستثنى منه، وذلك أن النصوص الواردة لاستعمال الماء، تُخرج التغير بنحو الزعفران تغيرًا كثيرًا يزيل اسم الماء؛ ولا تُخرج المتغير بطول المكث، وبالطُّحلب، وبما في مقرّه وممرّه، لبقاء اسم الماء. فالمدار على الاسم وعدمه. ويدل لما قلناه، أن السيد لو أَمَر عبده بإحضار ماءٍ، فأَحضر ماءً متغيرًا بالطُّحلب، أو بما [في] مقرّه وممرّه، أو بالمكث؛ فإنه يُعد ممتثلًا. ولو أحضر ماءً متغيرًا كثيرًا بزعفران مثلًا، لا يُعد ممتثلًا، لعدم الاسم. ومن ثَمَّ لو حلف: لا يشرب ماءً، حنث بالأول دون الثاني. ٥٧٥ - قوله: (استُثني من ذلك غُسالة النجاسة ما دامت على المحل) (٢).

стр. 459

محل ما ذكره في غسالة النجاسة، ما لم يتغير (١) بما على المحل، فإن تغيرت به فهي نجسة. ٥٧١ - قوله: (ولو قيل: إنما طهر الجسد من الحدث بالمقدار الذي لاقاه من الماء دون ما وراء ذلك) إلى آخره (٢). لا يَرِدُ، لأن الاستعمال مغيرٌ مؤثرٌ سَلْبَ الطهورية في الماء القليل، ولا فرق في هذا بين الملاصق للجسد وغيره، ألا ترى أن التراب يثبت له حكم الاستعمال سواء ما التصق بالعين (٣) وما تناثر منه. وفي المتناثر وجهٌ لا يأتي هنا؛ لأن المائع ليس له قوة الجامد في كونه حاجزًا. ويدل لهذا المعنى أن الاستعمال لو كان في ماء كثير، فإنه لا يسلُب الطهورية بلا خلاف، وصار الاستعمال في سلبه للطهورية كالنجاسة التي لا يُعفَى عنها في سلبها الطهارة، إلا القليل بمجرد الوقوع. ولو كانت في الكثير، ولا تغيّر بطريق الحق (٤) ولا بطريق التقدير، فإنها لا تؤثر بلا خلاف. ويلزم على تقدير الفرض على ما ذكره: أنه لو كثُر الماء وكثُر المغتسلون فيه، وكان الملاقي لهم -لو قُدِّر مخالفًا- تَغَيَّر، فإنه يؤثر، وهو خلاف الاتفاق.

стр. 460

٥٧٢ - قوله: (والخنزير أسوأ حالًا منه لوجوب قتله بكل حال) (١). يقال: الأصح استحباب قتل الخنزير (٢). استُشكل تعليل الأَسْوئيّة بـ (قتله) (٣)، لأن الفواسق الخمس يُقتلن وهنّ طاهرات. ٥٧٣ - قوله: (وإذا كانت الجراحة نضّاخة بالدم بحيث لا ينقطع، فحكمها حكم دم الاستحاضة) (٤). يقال: قوله في (الجراحة النضاخة: حكمها حكم دم الاستحاضة)، مراده بالنسبة إلى العفو، وإلا فدمُ الاستحاضة حدثٌ، وهذا ليس بحدث. ودم الاستحاضة لا تصلّي صاحبتُه إلا فرضًا ونوافل، والجراحة النضاخة ليست كذلك. ٥٧٤ - قوله: (فنظرُ كل من الزوجين إلى صاحبه للحاجة وغيرها) (٥). وفي كون الأصل: (ستر العورات)، حتى يُستثنى منه، نظرٌ (٦).
следующие страницы →