← Каваид фикха

Каваид фикха · id 17811

الفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السلام

سراج الدين البلقيني

Полный текст (515 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

مراده بـ (أحدهما): الآخرة، إذ لا يتصور أن تكون مُوبقة في الدنيا دون الآخرة. وكان الأحسن أن يقول: (في الدارين أو في الآخِرة (١). ٥٦٦ - قوله: (فإن كان المذهب الذي أراد الانتقالَ إليه مما يُنقَض فيه الحكم، فليس له الانتقال) إلى آخره (٢). يقال: وهذا ظاهر متّجه إذا قلنا: كل مجتهد مصيب، فيه نظر. والظاهر خلافه لِما تقدم من أن يعتدّ (٣) بما يجده من نفسه، والظن المستفاد من أدلة الشرع أقوى مما يستفيد من غيره. * * * [قاعدة في الشبهات الدارئة للحدود] ٥٦٧ - قوله: (وأما الشبهة الثانية فدرأت الحدّ، لأن ما فيها من ملكه يقتضي الإباحة، وما فيها من ملك غيره يقتضي التحريم) إلى آخره (٤). ما ذكره من: أن ما فيها من ملكه يقتضي الإباحة، إنْ أراد: أنه يقتضي الإباحة في حال الاشتراك فممنوع. وإن أراد: أنه يقتضي الإباحة إذا حُمل ملكه جمليها فمسلّم. والظاهر أن مراده: الأول. ويناقضه قوله بعدُ في (مسألة الرغيف): أنه يأثم بأكل نصيبه، ولكن ليس مثل أنه يأكل نصيب شريكه (٥).

стр. 457

واختار شيخنا سلمه الله تعالى (١)، أنه لا يأثم بأكل نصيب نفسه في (مسألة الرغيف)، وإن أثم بوطي نصيبه، لأنه لا يمكن تمييز نصيبه من الجارية أصلًا، بخلاف نصيبه من الرغيف، وصارت صرفة (٢) الجارية المشتركة كالمشتركة في استحقاق الدم إذا قَتَل أحدُ الشركاء بغير إذن الباقين (٣)، فإنه لا يقال: ما فيه من نصيبه يقتضي الإباحة، لأنه لا يمكن التمييز فيه بوجه. وقد تقدم من الشيخ (٤) الإشارة إلى ما بيّنه هنا على وجه يفهم غير مراده، فليراجع. وقوله: (بل يأثم إثم الوسائل) (٥)، يعني: في نصيب نفسه كلامٌ يصح مثله في نصيب شريكه. ٥٦٨ - قوله: (وإنما الشبهة: التعارض بين أدلة التحريم والتحليل) إلى آخره (٦). ما ذكره من أن الشبهة: التعارض بين أدلة التحريم والتحليل، فيه نظر،

стр. 458

لأن التعارض يقتضي الوقف لا اتباعَ أحد المتعارضَيْن. والصواب أن يقال: الشبهة اختلاف العلماء مع تقارب الأدلة. * * * [قاعدة في المستثنيات من القواعد الشرعية] ٥٦٩ - قوله: (تغيُّرُ أحد أوصاف الماء بشيء طاهر، سالبٌ لطهوريته. استُثني من ذلك ما يشقّ حفظ الماء منه) (١). يقال عليه: ليس التغير بما شَقَّ حفظُ الماء منه، داخلًا في (قاعدة المتغير بشيءٍ سالب للطهورية) حتى يستثنى منه، وذلك أن النصوص الواردة لاستعمال الماء، تُخرج التغير بنحو الزعفران تغيرًا كثيرًا يزيل اسم الماء؛ ولا تُخرج المتغير بطول المكث، وبالطُّحلب، وبما في مقرّه وممرّه، لبقاء اسم الماء. فالمدار على الاسم وعدمه. ويدل لما قلناه، أن السيد لو أَمَر عبده بإحضار ماءٍ، فأَحضر ماءً متغيرًا بالطُّحلب، أو بما [في] مقرّه وممرّه، أو بالمكث؛ فإنه يُعد ممتثلًا. ولو أحضر ماءً متغيرًا كثيرًا بزعفران مثلًا، لا يُعد ممتثلًا، لعدم الاسم. ومن ثَمَّ لو حلف: لا يشرب ماءً، حنث بالأول دون الثاني. ٥٧٥ - قوله: (استُثني من ذلك غُسالة النجاسة ما دامت على المحل) (٢).

стр. 459

محل ما ذكره في غسالة النجاسة، ما لم يتغير (١) بما على المحل، فإن تغيرت به فهي نجسة. ٥٧١ - قوله: (ولو قيل: إنما طهر الجسد من الحدث بالمقدار الذي لاقاه من الماء دون ما وراء ذلك) إلى آخره (٢). لا يَرِدُ، لأن الاستعمال مغيرٌ مؤثرٌ سَلْبَ الطهورية في الماء القليل، ولا فرق في هذا بين الملاصق للجسد وغيره، ألا ترى أن التراب يثبت له حكم الاستعمال سواء ما التصق بالعين (٣) وما تناثر منه. وفي المتناثر وجهٌ لا يأتي هنا؛ لأن المائع ليس له قوة الجامد في كونه حاجزًا. ويدل لهذا المعنى أن الاستعمال لو كان في ماء كثير، فإنه لا يسلُب الطهورية بلا خلاف، وصار الاستعمال في سلبه للطهورية كالنجاسة التي لا يُعفَى عنها في سلبها الطهارة، إلا القليل بمجرد الوقوع. ولو كانت في الكثير، ولا تغيّر بطريق الحق (٤) ولا بطريق التقدير، فإنها لا تؤثر بلا خلاف. ويلزم على تقدير الفرض على ما ذكره: أنه لو كثُر الماء وكثُر المغتسلون فيه، وكان الملاقي لهم -لو قُدِّر مخالفًا- تَغَيَّر، فإنه يؤثر، وهو خلاف الاتفاق.

стр. 460

٥٧٢ - قوله: (والخنزير أسوأ حالًا منه لوجوب قتله بكل حال) (١). يقال: الأصح استحباب قتل الخنزير (٢). استُشكل تعليل الأَسْوئيّة بـ (قتله) (٣)، لأن الفواسق الخمس يُقتلن وهنّ طاهرات. ٥٧٣ - قوله: (وإذا كانت الجراحة نضّاخة بالدم بحيث لا ينقطع، فحكمها حكم دم الاستحاضة) (٤). يقال: قوله في (الجراحة النضاخة: حكمها حكم دم الاستحاضة)، مراده بالنسبة إلى العفو، وإلا فدمُ الاستحاضة حدثٌ، وهذا ليس بحدث. ودم الاستحاضة لا تصلّي صاحبتُه إلا فرضًا ونوافل، والجراحة النضاخة ليست كذلك. ٥٧٤ - قوله: (فنظرُ كل من الزوجين إلى صاحبه للحاجة وغيرها) (٥). وفي كون الأصل: (ستر العورات)، حتى يُستثنى منه، نظرٌ (٦).

стр. 461

٥٧٥ - قوله: (وجُعل صَوْبُ السفر بدلًا من القبلة لأنه هو الذي مسّت الحاجة إليه، كما جُعلت جهة محاربة الكفار بدلًا من القبلة) (١). يقال: جهة محاربة الكفار مختلطة، وقد تكون في صوب القبلة كما قيل في قوله تعالى: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، قال ابن عباس: مستقبِلِي القبلة وغير مستقبِلِيها (٢). وقد يلجأ المحارب إلى غير جهة المحاربة بأن يولّي فارًّا، وقد يحتاج في الآنِ الواحد إلى استقبال جهات. فليست له جهة مستقرة كصوب السفر حتى تُجعل بدلًا عن القبلة. ٥٧٦ - قوله: (واستُثني من ذلك: الفاتحةُ وقيامُها في حق المسبوق جبرًا لهما بشرف الاقتداء) (٣). الأحسن أن يقال: جبرًا لهما بشرف الاقتداء وإدراك الركعة، أو جبرًا لهما بإدراك الركعة، وإلا فمجرد الاقتداء ليس كافيًا في ذلك. ٥٧٧ - قوله: (ولو قرأ المسبوق بعض الفاتحة، فركع الإمام قبل إتمامها، فالمختار إلحاقه بالمسبوق بجميع قراءة القيام) (٤). أصح الأوجه أنه إن لم يشتغل بالافتتاح والتعوذ، تَرَك قراءته وركع، وهو مدركٌ للركعة، وإلا لزمه قراءةٌ بقدره.

стр. 462

٥٧٨ - قوله: (السادس عشر: مساوقة المأموم الإمامَ في أركان الصلاة جائزة) (١). يقال عليه: المساوقة: مجيءُ واحدٍ بعد واحد (٢). مقصودُ الشيخ بها: بحثُ (٣) (المقارنة)، وهو تابع للغزالي وغيره في استعمال (المساوقة) بمعنى (المقارنة) (٤). وهو قاعدة شيخنا (٥). فالصواب أن يقال: مقارنة المأموم الإمامَ، إلى آخره.

стр. 463

٥٧٩ - قوله: (السابع عشر: مخالفة المؤتم الإمامَ بالمسابقة إلى الأركان، إنْ كثرت أفسدت الصلاة) (١). يقال: الأَولى حذف قوله: (وإن (٢) كثرت أفسدت)، والاقتصارُ على التفصيل بعده (٣)، لاقتضائها أنه إذا سَبَق إلى الأركان، واجتمع مع الإمام في كل ركنٍ، أنها مبطلٌ (٤)، وليس كذلك كما بيّنه بعدُ. فالأحسن أن يقال: (مخالفة المؤتم الإمام بالمسابقة عمدًا إلى الأركان: إن سَبَق بركنين، بطلت) إلى آخره. ٥٨٠ - قوله: (وفي الانتظار في صلاة ذات الرقاع، تقديمًا لمصالح الجهاد على مصالح الاقتداء. وعلى التحقيق: هذا جمعٌ بين مصالح الاقتداء ومصالح الجهاد، فإن الحراسة والانتظار ضربٌ من الجهاد) (٥). قال شيخنا سلّمه الله تعالى: التحقيق أن ذلك تقديم لحفظ المسلمين، وحصول الجماعة لهم.

стр. 464

وما قال الشيخ (١) من أن الحراسة ضربٌ من الجهاد، ممنوع (٢). ٥٨١ - قوله: (ولا يصلَّى على الشهداء، فإنهم قد غُفرت لهم الزلات، لأن أول قطرة تقطر من دم الشهيد، يُكفّر بها كل ذنب إلا الدَّين) (٣). فقال شيخنا أدام الله به النفع للمسلمين: إنما لم يصلَّى (٤) على الشهداء، لأن الصلاة على الميت تابعة لغَسله، والشهيد لا يُغسل فلا يصلَّى عليه. ٥٨٢ - قوله: (فإن قيل: لِمَ تَرَك ﷺ الصلاة على المَدين مع افتقاره

стр. 465

إليها (١)؟ قلنا: تركها تنفيرًا من الديون لِما في العجز عن أدائها من مضرة أربابها، ولأن المَدين إذا حَدَّث كذب، وإذا وعد أخلف) (٢). الأحسن أن يقال؛ تركها تنفيرًا عن التكاسل عن أداء الديون. (ولأن المدين إذا حدَّث كذب) (٣): لا يناسب المقام ولا الدليل الذي ذكره، لأن الحديث في الدَّين العام، والمقام أعم منه. ٥٨٣ - قوله في (المثال السادس والعشرون): (إذا قلنا: يملك الفقراء الزكاة بحول الحول، فنفقة نصيبهم على المزكِّي، وهذا مستثنى من إيجاب نفقة المِلك على المالك) (٤). يقال: إنما كانت نفقة الفقراء على المزكي لعدم استقرار ملك نصيبهم، بل إن له أن يعطي من غيره، وإنهم ممنوعون من التصرف. فالملك في الحقيقة إنما هو للمالك، ولكن للفقراء عُلقة المِلك. ويظهر أثر العلقة فيما إذا لم يُخرج من النصاب شيئًا من السنة الأولى، فإنه لا تجب [في] السنة الثانية مما نقص بذلك، زكاةٌ (٥).

стр. 466

٥٨٤ - قوله: (وإنما استُثني ذلك لعُسر إحضار المقوِّمين إلى أهل البوادي) (١). يؤخذ منه: الفرق بين ذلك وبين الخَرْص (٢)، لأن الحوائط غالبَّا تَجاور البُلدان. ٥٨٥ - قوله في (المثال الثلاثون): (لا يثبت شيء من الشهور إلا بشاهدين عدلين، وتثبت أوقات الصلاة بخبر العدل الواحد) إلى قوله: (فيصير كالإخبار عن الشرعيات) (٣). يقال: قوله: (كالإخبار عن الشرعيات)، يقتضي ظاهرُه أنه يُسلك بذلك مسلك الرواية، وهو وجهٌ. والأرجح أنه يُسلك به مسلك الشهادة. ٥٨٦ - قوله: في (المثال الحادي والثلاثون): (لا تصح النيابة في شيء من العبادات كالعرفان والإيمان والصلاة) (٤).

стр. 467

يقال عليه: العرفان والإيمان لا يتصور فيها النيابة حتى يقال: لا تصح، لأنه يقال: (يصح كذا) أو (لا يصح) إلا فيما يمكن أن يقع وأن لا يقع (١). ٥٨٧ - قوله: (من نوى التنفل بعبادة من العبادات، لم ينقلب تنفله فرضًا إلا في النسكين) (٢). يُزاد على حَصْرِهِ: التشهد الأخير، بنية الأول. والجلوس بين السجدتين، بنية جلسة الاستراحة. وغَسل اللمعة المُغفَلة في الأولى، بنية النفل في الثانية. ٥٨٨ - قوله: (وأما الاعتكاف، فيُخرَج منه تارة بانتهاء مدته كالصوم، وتارة بالخروج من المسجد بغير عذر؛ بخلاف الحج فإنه يُخرَج منه وخروجين: أحدهما: بالتحلل الأول، والثاني: بالتحلل الثاني) (٣). أَثبَت شيخنا -سلمه الله تعالى- للحج ثلاث تحللات (٤)، وذلك أن حَلْق

стр. 468

غيرِ شعر الرأس، يُحلّ بعد حلق الرأس أو سقوطِهِ عمن لا شعر على رأسه، فهذا هو التحلل الأول. فإذا أَتَى بآخَرَ من الاثنين الآخَرَيْن، وهما: الطواف ورمي جمرة العقبة، حلّ به ما عدا (...) (١) الصيد ... (٢)، فهذا هو التحلل الثاني. فإذا فَعَل الثالث، حلّ به سائر الجهات. ٥٨٩ - قوله في (المثال الثالث والأربعون): (من نذر جنسًا لم يبرأ من نذره بجنس آخر وإن كان أفضل من المنذور. فمن نذر التصدق بدرهم، لم يبرأ منه بدينار) (٣). يقال: أَهمَل: ما إذا نذر الصلاة أو الاعتكاف في مسجد المدينة أو بيت المقدس، فإنه يقوم مقامها: مكةُ. وإن نذر ذلك بمسجد الأقصى، قام مسجدُ المدينة مقامه، ولا عكس. ٥٩٠ - قوله: (فإن قيل: هل يستقل أحد بالتملك والتمليك؟ وهل يقوم أحدٌ مقام اثنين أم لا؟ قلنا: نعم) (٤). يقال: لا عبرة ... (٥) رِضًا لنائبه ولا يرضاه؛ فإذا حصل الرضا من مستنيبه، تصرَّف الحاكم، رَضِي النائبُ النائب أو أَبَى (٦). ٥٩١ - قوله في تملك مال ابنه لنفسه: (وإذا فَعَل ذلك، فهل

стр. 469

يفتقر إلى إيجاب وقبول؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، ليأتي بصورة العقد. والثاني: لا، لتحقق الرضا) (١). يقال: وذا ما ذكره الشيخ من الوجهين. أوفيه، وجهان آخران: أحدهما: الاكتفاء بالإيجاب. والثاني: الاكتفاء بالنية من غير احتياج إلى إيجاب وقبول (٢). ٥٩٢ - قوله: (وإن زَوَّج الجدُّ بنت ابنه، بابن ابنه، ففيه خلاف، مأخذُه أن تولّي الأب لطرفي البيع كان لكثرة وقوعه أو لقوة الولاية) (٣). يقال عليه: بل مدرك الخلاف عندي: أن النكاح دخله ضرب من التعبد. فمن راعى التعبد، اعتَبر موجِبًا وقابلًا، فمَنَع تولّي الطرفين في تزويج بنت ابنه بابن ابنه الآخر. ومن لم يراعِهِ، جَوَّز ذلك بالقياس على الأب. ٥٩٣ - قوله: (استقلال الشفيع يأخذ الشقص المشفوع) (٤). مراده: أن الشفيع قام مقام نفسه ومقام المشتري في الشقص المشفوع، فكان مستقلًا بالتملك والتمليك في الشقص المشفوع. قال شيخنا سلمه الله تعالى: وفيه نظر من جهة أن ذلك تملّكٌ قهري، والتملك القهري لا يراعى فيه تمليك وتملّك، كالإرث. ٥٩٤ - قوله: (الخامس: استقلال الملتقط بتملك اللقطة، إقامةً له مقام مقرض ومقترض) (٥).

стр. 470

ما ذكره من إقامة الملتقط مقام مقرض ومقترض، إن أراد: (في الحال)، ففيه نظر، لأن ذلك تمليك شرعي. وإن أراد: (في المآل عند ظهور المالك)، على معنى: أنا نتبين عند ظهور الملك، أنه كان قائمًا مقام مقرض ومقترض، فمسلَّم. ٥٩٥ - قوله: (السادس: استقلال القاتل بتملك سلَب القتيل، واستقلال السارق بتملك ما يسرقه من دار الحرب) إلى آخره (١). دخول السلَب في ملك القاتل، قهريٌّ، وكذا الحكم في الأمثلة المتبقية (٢)، وذلك تمليك شرعي كالإرث، فلم يقم أحد ممن ذُكر مقام مملِّك ومتملك. ٥٩٦ - قوله: (فمن أَبرَأ مما لا يَعلم جنسَه أو قدرَه، برئ المُبرَأ من القدر المعلوم منه، ولا يبرأ من المجهول على الأصح. ومن برَّأَه من المجهول كان هذا عنده مستثنى من قاعدة اعتبار الرضا) (٣). ما ذكره من أن هذا مستثنى من قاعدة اعتبار الرضا عند من بَرَّأَه من المجهول، فيه نظر، لأن الظاهر أن المُبرِئ رضي بأن يُبرئه من أعلى ما يمكن أن يكون في ذمته ووَطَّن نفسه عليه. وليس هذا مستثنى من قاعدة اعتبار الرضا عند من برَّأَه بالمجهول. ٥٩٧ - قوله: (ولأجل قاعدة اعتبار الرضا، نهى الشرع عن بيع الغرر، لأن الغرر ما جهِلتَه وانطوَى عنك أمره) (٤).

стр. 471

اختار شيخنا ﵁ (١)، أن النهي عن بيع الغرر، لقطع النزاع، لا لما ذكره الشيخ (٢) من قاعدة اعتبار الرضا. ٥٩٨ - قوله: (المثال الخامس: لا يدخل في البيع إلا ما تناوله الاسم. وقد اختلف في الاستثناء من هذه القاعدة، ولذلك أمثلة: أحدها ثياب العبد، للعرف في ذلك. وهذا لا يصح، لأن العرف دلّ على إطلاقه والمسامحة به لا على تمليكه) (٣). قوله: (لأن العرف دلّ على إطلاقه) إلى آخره، فيه نظر، إذ لو كان كذلك، لصح رجوعه قبل القبض وبعده إذا باع العبدُ من طفله، أو قبل القبض إذا كان البائع أجنبيًّا. والفرض أنه لا يصح الرجوع بحال. ٥٩٩ - قوله: (المثال السابع: إذا باع عينَيْن، ثم وَجد بأحدهما عيبًا، فأراد أن يُفردها بالرّدَ قبل تَلَف إحداهما) إلى قوله: (ويردّ بدل قيمة اللبن صاعًا من تمرٍ) إلى آخره (٤). قوله: (يردّ قيمة اللبن) كذا في بعض النسخ. وصوابه: (ويردّ بدل اللبن) بإسقاط (قيمة)، لأن الشارع جعل الصاع في مقابلة اللبن، لا في مقابلة قيمته. ٦٠٠ - قوله: (ومنها: التوثق بالحَجْر على البائع إذا أوجبنا البداية بتسليم الثمن على المشتري. وهذا حَجْرٌ بعيد) (٥). يقال: قوله: ومنها: التوثق بالحجْر على البائع أي في الثمن، إذا أوجبنا

стр. 472

البداءة بتسليم الثمن على المشتري، وسلَّمه، فإنه يُحجر على البائع في الثمن حتى يسلّم العين المبيعة للمشتري. وهذه الصورة عكس (الحجْر الغريب) من جهة أنه يُحجر على المشتري، إلا أنه في الحجْر الغريب يُحجر عليه في جميع أحواله (١) حتى يسلِّم الثمن. وفي الصورة التي ذكرها الشيخ، يُحجر على باقي الثمن. ٦٠١ - قوله (٢): (من لا يملك تصرفًا، لا يملك الإذن فيه. ويستثنى من ذلك: المرأة، فإنها لا تملك النكاح، وتملك الإذن فيه) إلى آخِر المثال الثالث عشر (٣). محل ما ذكره أن لا يكون ما يتملكه تابعًا لما يملكه، فإن كان تابعًا لقوله: (وكذلك في بيع ما أملكه وما سأملكه) فإنه يصح. واستثنى شيخنا سلمه الله تعالى أيضًا: أمين الحكم بنَصْب الحاكم على الأيتام، فإنه يصح وإن لم يكن حينئذ أيتامٌ موجودون، لأن ذلك مراعى فيه للجهة. ومن فروع المسألة: ما في (الروضة) عن (فتاوى البغوي) (٤) أن التي

стр. 473

يُعتبر إذنها في تزويجها، إذا قالت لوليها وهي في نكاح أو عدّة: (أذنتُ لك في تزويجي إذا فارقني زوجي أو انقضت عدّتي) (١). والأصح أنه لا يصح، خلافًا لما وقع في (الروضة) في كتاب النكاح، فإنه قال بعد ما تقدم: (فإنه ينبغي أن يصح الإذن، كما لو قال الولي للوكيل: زوِّج بنتي إذا فارقها زوجها أو انقضت عدّتها). ثم قال: (وفي هذا التوكيل وجه ضعيف: أنه باطل، وقد سبق في الوكالة). والذي سبق في الوكالة أن الأصح: الصحة. ٦٠٢ - قوله في (المثال الثاني عشر): (لا يجوز توكيل الإنسان ولا إذنُه فيما سيملكه، إذ لا ينعقد إذنه فيما لا سلطان له عليه إلا في المضاربة، فإن إذن المالك في بيع ما سيملكه من العُروض، نافذ) إلى آخره (٢). يقال: يستثنى مع ما ذكره: توكيل المُحرِم حلالًا في التزويج. وكذا إذا وكَّل الوليّ امرأةً لتوكِّل رجلًا عنه في تزويج ابنته. وكذا توكيل المشتري: البائعَ؛ أو المسلِمُ: المسلَم إليه في أن يوكّل من يقبض عنه. وكذا التوكيل في الطلاق إذا قلنا: يمتنع في المسألة السُّريجية. وكذا توكيل المستحق في استيفاء القصاص من الأطراف. وكذا توكيل من ليس بوكيل في المباشرة: أن يوكِّل في كذا، بشيء معين. ٦٠٣ - قوله: (ومن لا يملك الإنشاء، لا يملك الإقرار بما لا يملكه من

стр. 474

الإنشاءات. وقد استثني منه: المرأة، فإنها لا تملك إنشاء النكاح، وتملك الإقرار به) إلى آخره (١). يستثنى من قاعدة: أن (من لا يملك الإنشاء، لا يملك الإقرار) مسائل، منها: الإقرار بالنسب. ومنها: إقرار المفلس ببيع الأعيان. ومنها: إقرار الأعمى بالبيع. ومنها: إقرار الوارث بدَينٍ على مورّثه. ومنها: إقرار المريض لوارثه (٢) أنه قد كان وهبه. ٦٠٤ - قوله: (الخامس عشر: إيجار المأجور (٣) بعد قبضه جائز، مع أن المنافع لم تُقبض) إلى آخره (٤). قوله: (إيجار المأجور بعد قبضه جائز) أي: من غير المؤجِر (٥). أما من المؤجِر فيجوز بعد قبضه، وكذا قبل قبضه على الأصح. ويصح إيجار المأجور من المؤجِر قبل قبضه على الأصح، فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن القبض الحقيقي في البيع ممكن فاعتُبر، وليس ممكنًا في المأجور لأن العقد حقيقة واردٌ على المنافع، ولا يمكن القبض الحقيقي فيها. ٦٠٥ - قوله: (ولو استأجرها ذرّية مستأجريها (٦) بأجرة مجهولة، لم يجز

стр. 475

على الأصح، إذ يجوز للمصالح العامة ما لا يجوز للخاصة. وقال ابن سُريج؛ ما يؤخذ منهم ثمنٌ. وهو أيضًا خارج عن القياس. ولكن الذي ذكره الشافعي أبعد من القياس، لأن الجهالة واقعة في العوض والمعوّض) (١). ما ذكره الشافعي ﵁، يفقهه عند قرب القياس مما ذكره ابن سريج، لأن ابن سريج أَلزَم بها مجهولًا مستمرًا أبدًا في مقابلة رقبة مملوكة، ولا نظير له. والشافعي جَعَل أجرةً مستمرة أبدًا في مقابلة مأجور، وهذا معروف مألوف. ٦٠٦ - قوله: (وفي مذهب الشافعي إشكال من جهة حكمه بالوقف على أرباب الأيدي بمجرد الرواية من غير بينة قامت على ذلك) إلى آخره (٢). هذا الإشكال أورده شيخنا (٣) سلمه الله تعالى في (تصحيح المنهاج) من غير أن يقف على كلام أحد، وأجاب عنه بأن المجتهد إذا ثبت (٤) عنده خبر في قضية مختصة، رتّب الحكم على ما ثبت عنده اعتقادًا وعملًا، فيُلزِم المحكومَ عليه بمقتضاه. ومن ذلك أنه ثبت عند المجتهدين قوله ﷺ : (نحن معاشر الأنبياء، لا نورَث، ما تركناه صدقة) (٥)، فرتّب عليه مقتضاه اعتقادًا.

стр. 476

وقد رتَّب عليه الصدّيق مقتضاه عملًا بمقتضى الخلافة، وجرى عليه عمر في خلافته عملًا، وجرى على ذلك المجتهدون اعتقادًا. ٦٠٧ - قوله: (وقد أجاز بعض العلماء الإجارة على الغد، وعلى الحول القابل، لأن المنافع لا تكون في حال العقد إلا مَعْرُوفة (١)، فلا فرق بين المنافع المتعقّبة للعقد وبين المنافع المستقبلة. والشافعي ﵁ يجعل المنافع المستقبلة في العقد المتحد، تابعةً لما يَتعقب العقد من المنافع) (٢). يقال: ليست المنافع مستقبلة (٣) في نظر الشافعي تابعةً لما يتعقب العقد من المنافع، حتى يلزم ما ذكر، وإنما العقد في نظر الشافعي واردٌ على المنافع كلها دفعة واحدة، ولكن يَعتبر (٤) اتصالها بالعقد لينزل العقد على شيء (٥) موجود. ويوضحه أنه إذا قال: (وقفتُ على من سيولَد لي)، فالمذهب بطلانه لعدم موجود ينزل عليه الوقف في الحال. ولو (وَقَف على أولاده)، دخَّلْتَ (٦) مَنْ سيولد. والوقف يتناول الموجودين والمعدومين دفعة واحدة.

стр. 477

٦٠٨ - قوله: (فلو شَرَط المستأجر على الأجير أن يستوعب النهار بالعمل من غير أكل وشرب يقطع المنفعة، لزمه ذلك) (١). توقّف شيخنا سلمه الله تعالى فيما إذا كان عدمُ شرط الأكل والشرب يضُرّ بالأجير ضررًا ظاهرًا. ومال (٢) إلى البطلان حينئذ. ٦٠٩ - قوله: (ويجوز أن تكون مخالطة المحجور عليهم، ومخالطة المطلِّقين (٣)، من باب المعاوضة، فيكون ما يأكله كلٌّ منهم من نصيب غيره، في مقابلة ما بذله من نصيب نفسه) (٤). يقال: ما جوّزه الشيخ من جعله من باب المعاوضات، بعيد جدًّا، لأنه يلزم عليه محذورات لا ضرورة لى ارتكابها. والذي يتعين فيه أن يكون: من باب الإباحات. ٦١٠ - قوله: (وأجمع آية في القرآن لحث على المصالح كلها وللزجر عن المفاسد بأسرها، قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ النحل: ٩٠] للعموم والاستغراق) (٥). يقال: قوله: (وأجمع آية في القرآن هي). أجمعُ آية في لك: قوله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] ومن ثَمَّ قال ﷺ حين سُئل

стр. 478

عن الحُمُر: (ما أُنزل عليّ فيها شيءٌ إلا هذه الآية الفاذّة الجامعة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾) (١). ٦١١ - قوله في المثال الثاني والعشرين: (الكتابة، وجَعَل المعاملةَ الواقعة بينه وبين السيد، كالمعاملة الواقعة بين السيد وبين الأجنبي، تحصيلًا لمصالح العتق. ولكن مذهب الشافعي ﵀ مشكل من جهة أنه شَرَط في الكتابة: التنجيمَ بنجمين) إلى آخره (٢). جواب ما ذكره من إشكال المذهب، أن الشافعي ﵁ ينظر في العقود إلى ما يقتضيه الوضع اللغوي، كما أَخَذ من (موضوع السَّلَم): (اعتبار قبض رأس المال في المجلس). كذلك (الكتابة)، فإن معناها: (الجمع والضمّ). وسُمِّي هذا العقد (كتابةً) لجمع النجوم وضم بعضها إلى بعض. وأقلُّ جمعٍ يحصِّل المقصود هنا: نجمان. فاعتبرهما (٣). واستأنَس في ذلك بآثار (٤) مذكورة في موضعها. ٦١٢ - قوله: وتُقدَّم البنات على الأخوات، لأنهن بَضعة من الأموات، لكن خولف القياس فيما إذا مات عن مئة وخمسين درهمًا وعن مئة بنتٍ وأختٍ واحدة من أبويه، فإن الأخت تفوز بالثلث، وهو أضعاف ما يحصل لكل واحدة من البنات مع قربهن، إذ يحصل لكل بنتٍ: درهمٌ (٥)، ويحصل

стр. 479

للأخت خمسون درهما مع كون البنت بَضعةً للميت، والأخت بَضعة من الجد، مع بُعده. وهذا موغل في البعد عن القياس) (١). يقال: ليس فيما ذكره مخالفة القياس، لأن أصحاب الفروض مقدّمون. وكونُ الأخت فازت بالثلث في هذه المسألة، ونقصت كلُّ بنت عنها نقصًا كثيرًا: فلعارضٍ. وبدليل ما لو كان للميت بنتان ومئة أخت، فلهما الثلثان، ولهن الثلث. ٦١٣ - قوله: (ولهذا جَعَل الشافعي ﵁، الأخ في باب الولاء مقدّمًا على الجد على قولٍ، لكونه بَضعةً من المُدْلَى به. ولولا إجماع الصحابة على أن الأخ لا يقدّم على الجد في الإرث، لقال بتقديم الأخ، كما قال به في باب الولاء) (٢). يقال: لولا إجماع الصحابة، ما قال الشافعي بتقديم الأخ في الإرث أبدًا، لمُدرَكٍ خَفِيَ على الشيخ (٣)، وهو أن الجد في الإرث صاحبُ فرضٍ، فلو قُدّم الأخ عليه لزم تقديم العاصب على ذي الفرض. ولا كذلك في الولاء، لأنه لا يورَث فيه إلا بالتعصيب، فلا يلزم من تقديم الأخ على الجدّ فيه، ما لزم في الإرث. ٦١٤ - قوله: (واستثني من ذلك (٤): تزويج المرأة نفسها، لما في مباشرتها ذلك من المشقة والخجل والاستحياء) (٥).

стр. 480

الأَولى في تعليل ذلك أن يقال: المرأة غالبًا سريعة الانخداع، فربما وَضَعتْ نفسَها تحت من لا يكافئها. ٦١٥ - قوله: (ولو قال: إن أعطيتِني ألفًا، فأنتِ طالق. فأعطتْه ألفًا، فإنها تطلق. وهذا مشكل) إلى آخره (١). جواب هذا الإشكال أن الإعطاء في عرف الشرع، مقتضاه التمليك، وفي الهبات شواهد كثيرة بذلك من لفظة النبي ﷺ على الإقباض، للعرف الشرعي، ويُحمل على التمليك، ويقوم فيه الفعل مقام القول للضرورة، كما لو غصب حربي حربيةً، أو اعتقد ذلك نكاحًا. ومسألة الخلع مما استشهد به الأصحاب لمسألة المعاطاة. ٦١٦ - قوله: (ولو قال: إن أعطيتِني ألفًا، فأنتِ طالق. فأعطتْه ألفًا من غير النقد الغالب، وقع الطلاق، ووجب الإبدال بألفٍ من الغالب. وهذا في غاية الإشكال) إلى آخره (٢). يقال عليه: جواب هذا الإشكال أن هذا تعليق فيه شَوْبُ معاوضة، فمن حيث النظر إلى التعليق يقع بأي ألفٍ كان، ومن حيث النظر إلى المعاوضة وجب الإبدال بالغالب. ونظير المسألة: ما نَصّ عليه الشافعي ﵁، وذكره الأصحاب من أنه لو

стр. 481

قال: إن أعطيتِني عبدًا فأنتِ طالق. فأعطته عبدًا أيّ عبدٍ كان، وهي تملكه، طلُقت. ويرجع بمهر المثل عليها. وفيه الإشكال الذي ذكره (١). وجوابُه ما قلناه، أن من حيث النظر إلى التعليق يقع الطلاق بأي عبدٍ كان، ومن حيث النظر إلى المعاوضة يرجع إلى مهر المثل لجهالة العوض. ٦١٧ - قوله: (الرابعة: ما يتلفه العبيد على السادة، فإنهم لا يضمنونه مع تحريم إتلافه. وفي هذا إشكال) (٢). جواب هذا الإشكال: أن ما ثبت على العبد بالبينة أو بتصديق السيد، يتعلق برقبته. والسيد ها هنا معترف، لأنه مدّعٍ. والتعلقُ بالرقبة -والمستحق هو السيد- متعذر، فلزم من ذلك عدم الضمان. ٦١٨ - قوله: (وأما ما يتلفه العبد على غير سيده، فإنه يتعلق برقبته، خلافًا لأهل الظاهر. وهذا مشكل من جهة أن السيد لم يتلف شيئًا، ولا تَسبَّب إلى إتلاف) (٣). جواب هذا الإشكال، أن حق التلف عليه ناجزٌ، وتعلّقُه بالذمة يؤدي إلى تأخيره والتعرض لفواته، ولم يراعَ في ذلك حق السيد كما في جناية البهيمة. ٦١٩ - قوله: (الخامسة: أن الإمام والحاكم إذا أتلفا شيئًا من النفوس

стр. 482

أو الأموال في تصرفهما للمصالح، فإنه يجب على بيت المال دون الحاكم والإمام ودون عواقلهما، على قولٍ للشافعي) (١). يقال: نَصَّ الشافعي أن ذلك إنما يجب على عاقلة الإمام قولًا واحدًا. وحَكَى (٢) وجوبَه في بيت المال عن المشرقيين (٣). فإثبات القولين في هذه المسألة طريقة ضعيفة. ٦٢٠ - قوله: (الثلاثون: الذكاة، وهي واجبة في الحيوان المأكول، تقليلًا لما فيه من الدم النجس) إلى آخره (٤). فقال شيخنا: إنما تجب الذكاة ... (٥) لِما كانت الجاهلية عليه من إباحة المنخنقة والموقوذة والمتردّية ونحوها، لا لِما ذكره الشيخ؛ بدليل أنه لو ذَبَح الذابح ثم مَنَع خروجَ الدم، فإنه يحلّ. والدم قبل خروجه لا يوصف بنجاسة ولا بطهارة، حتى يقال: (تقليلًا لما فيه من الدم النجس). ٦٢١ - قوله: (وأمكن طعنه في بعض مَقاتله، حلّ بذلك (٦). وهذا

стр. 483

وأمثاله داخل في قول الشافعي: بُنيت الأصول على أن الأشياء إذا ضاقت اتسعت. يريد بالأصول: قواعد الشريعة. وبالاتساع: الترخيص) (١). قوله: (في بعض مَقاتله) ليس بجيد. والأحسن أن يقال: (في بعض أعضائه)، لقوله ﷺ : (لو طَعنتَ بها في فخذه لأجزأ عنك) (٢). ٦٢٢ - قوله في الحادي والثلاثين: (ولو وقع ذلك في قَسْم الغنائم، وعَسُر إبطالها لكثرتهم، لم يُحكم ببطلانها، وعُوِّض من وقع المستحق في نصيبه، من سهم المصالح العامة؛ لِما في نقض القسمة مع كثرة الجند من العُسر) (٣). يقال عليه: ليس المُدرَك ما ذكر من العُسر؛ وإنما المُدرَك في قسمة الغنيمة أنها إلى رأي الإمام، فله أن يقسم بغير اختيار الغانمين ويقرر لكل طائفة شيئًا، وذلك خارج عن قواعد القَسْم. ومن ثَمَّ لا يُنقض القَسْم ولو كان الجند قليلًا، ويعوِّض من وقع المستحق في نصيبه. ٦٢٣ - قوله بعد ذلك: (ولو انفرد -يريد: المجني عليه أو الولي

стр. 484

المقتص -بحيث لا يُرى- أي: يقتصّ من الجاني على انفراده بحيث لا يُرى -، فينبغي أن لا يُمنع) (١). اختار شيخنا سلمه الله تعالى أنه يُمنع مطلقًا إلا بحضرة الإمام، سدًّا للباب، خشية زيادة التعذيب. ٦٢٤ - قوله: (الحال الثالثة: أن يكون متفاحش الخَلق في الطول والعرض وعِظَم البطن وفخامة الأعضاء، فيستحب أن لا ينقص عن مقدار تكون نسبته إلى بَدَنِهِ كنسبة المُدّ والصاع إلى بدن رسول الله ﷺ ) (٢). اختار شيخنا سلمه الله تعالى أنه يستحب أن لا يزيد على الصاع مطلقًا ولو كان متفاحش الخَلق، لظاهر قول جابر: (كان يكفي من هو أوفى منك شَعَرًا وخيرًا منك) (٣) يريد: النبيَّ ﷺ . وهذا مشعر إشعارًا ظاهرًا بأن هذا الترتيب في الغُسل لا يزيد عليه في حق كل أحد. ٦٢٥ - قوله: (ومنها الاقتصاد في قيام الليل، وقد نهى رسول الله ﷺ

стр. 485

عن السَّرَف فيه، وقال: (خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يَسْأم الله حتى تَسْأموا) (١). يقال: في رواية: (لا يملّ الله حتى تملّوا (٢)). وحقيقة (السآمة) و (الملال) مستحيلة على الله تعالى، والمراد: لازم لازم (٣) هذا الفعل. والذي حَسَّن تلك المقابلة (٤)، على حد قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]. وليس من هذا القبيل: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] لقوله ﷺ في دعائه: (وامكُر لي ولا تمكُر عليّ) (٥).

стр. 486

٦٢٦ - قوله: (وكذلك رجم الزاني، لا يُضرب بحصيات ولا بصخرات، وإنما يُضرب بحجر لطيف يُرجم بمثله في العادة) (١). اختار شيخنا نفع الله المسلمين بعلومه، في رمي الزاني، أنه يُرمَى بالخفيف والثقيل على حسب ما هي (٢) مما يجده الرامي، لظواهر الأحاديث في ذلك. وفي بعضها: فرميناه بجلاميد الحَرَّة (٣). وفي بعضها: أن ماعزًا لم يمت حتى رماه عمر بن الخطاب بلَحْي بعير، فأمَّ رأسَه فقتله (٤) وفي بعضها: فرماه بوظيف حمارٍ، فصرعه (٥). و (الوظيف): مستدق الذراع والساق. ٦٢٧ - قوله: (ومنها الجهر بالكلام، لا يخافِت به بحيث لا يسمعه

стр. 487

حاضرُوه، ولا يرفعه فوق حد أسماعهم، لأن رفعه فوق حدّ أسماعهم فضولٌ) (١). يقال: الأحسن أن يقال: (ومنها: صفة الكلام)، لأنه أخذ بعده في تقسيم الأعم. ٦٢٨ - قوله: (ومنها إمكان السير إلى الحج والعمرة، لا يراد به شدة الإسراع المُنضية (٢) للأجساد، ولا التباطؤ الخارج عن المعتاد (٣). قوله: (إمكان السير إلى الحج والعمرة) يعني بالنسبة إلى استقرار الحج في الذمة. والمعتمد في كلامه: يستقر إذا مضى بعد تمكنه ما يسع المسير إلى عرفة، ثم إلى مزدلفة والإقامة بها ساعةً بعد النصف الثاني من ليلة النحر، ثم إلى منى لرمي جمرة العقبة، ثم إلى مكة، ومضى زمن يسع الطواف والسعي. ووقع في (الشرح) و (الروضة) عن (التهذيب) (٤) كلام عليه تعقبات،

стр. 488

يظهر مما ذكرتُه، فليراجع (١). ٦٢٩ - قوله: (ولذلك شُرع رفع الصوت في الأذان لكثرة السامعين، وخفضُه في الإقامة لقلّة الحاضرين) (٢). الأحسن أن يقال: شُرع رفع الصوت في الأذان لغَيبة السامعين، وخفضه في الإقامة لحضور السامعين؛ حتى لو كان الغائبون السامعون قليلين، استُحب رفع الصوت. ولو كان الحاضرون السامعون للإقامة كثيرين، استُحب خفض الصوت بقدر ما يسمعون. وهذا يحقق ما قلناه من اعتبار الغَيبة والحضور. ٦٣٠ - قوله: (السبب الثاني: معرفة جَماله، وعنها تنشأ محبة الجَمال، وينبغي أن تكون كل من المحبَّتَيْن أفضلَ من كل محبةٍ، إذ لا إفضالَ كإفضاله، ولا جَمالَ كجَماله) (٣) إلى أن قال: (والتعظيم والإجلال أفضل من الأقسام الثلاثة) (٤).

стр. 489

يقال عليه: والتعظيم والإجلال أفضل من الكل، يقتضي أن (مقام الجلال) أفضل من (مقام الجمال). والذي اختاره شيخنا نفع الله بعلومه، خلافه، وهو أن (مقام الجمال) أفضل لأنه مقام أهل الجنة في الجنة لقوله: (أُحِلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعدها أبدًا) (١). وأيضًا فإن (مقام الجمال) هو مقام نبينا ﷺ ليلة الإسراء، و (مقام الجلال) هو مقام موسى ﷺ حين تجلَّى ربّه للجبل فجعله دكًّا. ومقام نبينا محمد ﷺ أفضل. ٦٣١ - قوله: (لَمَا أَهْمَل الأنبياء أن يفعلوه) إلى آخره (٢).

стр. 490

الأولى أن يقال: لَمَا أَهمَل رسولُ الله ﷺ بيانه للناس؛ لأن العلم بشرائع غيره في ذلك على التفصيل: متعذرٌ الآن. ٦٣٢ - قوله: (القسم الرابع: من غلب عليه التعظيم والإجلال، فهذا أفضل من الأقسام الثلاثة) (١). يقال: قد مرّ إقامة الدليل على أن (مقام الجمال) أفضل من (مقام الجلال) (٢). قال شيخنا ﵁: وأفضل أقسام المحبة عندي أن يُحبّ اللهَ لكونه هو المتفرد بالإلهية، قال: وبه يشعر قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. ٦٣٣ - قوله: (فإن قيل: أيّما أفضل؟ أحال الأغنياء أم حال الفقراء؟ فالجواب: أن الناس أقسام، أحدهم: من يستقيم مع الغِنَى وتفسُد أحواله بالفقر، فلا خلاف أن غِنَى هذا خيرٌ له من فقره) إلى آخر الأقسام التي تتعلق بالفقر والغِنَى (٣). يقال: اختار شيخنا سلمه الله تعالى: أن الفقير الصابر أفضل، لأمور، منها: أنه ﷺ عُرضت عليه مفاتيح ذخاير الأرض، فلم يقبلها، واختار الآخرة (٤).

стр. 491

والفقرُ الذي استعاذ منه رسول الله ﷺ : الفقرُ الاضطراري. والفقرُ الذي اختاره: فقرٌ اختياري (١). وكلام الشيخ (٢) في هذا الفصل لا يناسب مقامه. فليتأمل. ٦٣٤ - قوله: (ومن غلبت عليه محبة الإجلال فهو أفضل ممن غلبت عليه محبة الإنعام والإفضال) (٣). [يقال عليه: محبة الإنعام والإفضال] (٤) أفضلُ ممن غلبت عليه محبة الإجلال. وقد مرّ الاستدلال بذلك قريبًا. والله أعلم بالصواب. والحمد لله وحده، وصلاته على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن بعده. * * *

стр. 492

[خاتمه الكتاب] نجز تحرير هذه المسائل المُورَدة على قواعد الشيخ الإمام شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، مما أملاه سيدنا وشيخنا شيخ الإسلام مرشد المسلمين هادي الطالبين سراج الملة والدين، عمر البلقيني، أدام الله وجوده لإصلاح الوجود، على يد العبد الفقير يحيى بن محمد الكرماني، بالقاهرة، بحارة بهاء الدين، بمدرسة شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، أسبغ الله ظلاله، وذلك في أواسط شهر رمضان سنة ثلاث وثمان مئة. * * *

стр. 493

ملحق ١: كتابة للبلقيني بخط يده، في آخر المخطوط بعد ختم الكتاب مباشرةً، جاءت كتابةٌ طويلة للبلقيني بخطه، تنص على قراءة الناسخ يحيى الكرماني (وهو تلميذه) هذا الكتاب عليه، مع تعريف البلقيني بهذا التلميذ، وثنائه عليه، وإجازته له بمرويّاته. وهي كما يلي (١): (حسبنا الله ونعم الوكيل. أما بعد حمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآل سيدنا محمد والتابعين. فقد قرأ عليّ الشيخ الفاضل جمال الفضلاء والمدرسين مفيد الفاضلين تقي الدين أبو السعادات يحيى، ابن الشيخ الإمام العالم أحد الأعيان، ومَنْ يُشار إليه في ذلك الزمان: شمس الدين أبي عبد الله محمد، ابن الشيخ المرحوم جمال الدين يوسف الكرماني، منحنا الله تعالى وإياه في الدارين الأماني، قطعة كبيرة من (الفوائد الجسام على قواعد شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام)، فبحث في ذلك وحَقَّق، وغاص على المعاني ودَقَّق. وسمع عليّ (صحيح البخاري) ثلاث مرات بفواتات مذكورة في الطبقات، و (صحيح مسلم) بفوات أيضًا، و (سنن أبي داود) كاملًا، وكتاب

стр. 494

(دلائل النبوة) للبيهقي بفوات مجلس واحد، وغير ذلك من الأربعين المخرّجة لي. وسمع من التفسير من (النهر) تصنيف شيخنا أثير الدين أبي حيان بقراءة الشيخ المرحوم نجم الدين الباهي الحنبلي (١). وحضر مجالس الإفتاء كثيرًا، وكم كَتَب في ذلك صغيرًا وكبيرًا، وأورد الأسئلة (٢) الحسان، فبان بذلك أنه من الأعيان. وقد أجزتُ له أن يروي عني جميع مصنفاتي وما في من إملاء، وتأليف، ومنظوم ومنثور، وأن يفيد الطالبين، ويجيب السائلين بما ظهر من الأمر المستبين، ويراعي في ذلك كله الأمر المبين. ووصَّيتُه بتقوى الله وطاعته ومراقبته في سرّه وعلانيته، فإن من سَلَك السراط (٣) المستقيم، نجا، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢].

стр. 495

وقد كَتَب من أجوبتي على الفتاوى جملةً صالحة. جعلنا الله وإياه ممن تكون بضاعته في الدارين رابحة. وحَضَر مجالس الوعظ، وكَتَب معها مجالس كثيرة، وقد قرأ منها ومن غيرها فوائد غزيرة. والله تعالى يحقق رجانا، ويجيب دُعانا، ويدفع عنا الأعدا، في جميع الأَبَدَا (١)، ويجمع شملنا في الدارين بالمقصود، وأن يجعلنا من أهل الشهود، وأن يسلّمنا في الدنيا والآخرة، ويُسبغ علينا من نعمه الفاخرة. آمين. والحمد لله رب العالمين. اللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمد وآل سيدنا محمد والتابعين، واجعلْنا -اللهُ تعالى- ممن صحِبتْهم في الأحوال السلامة، واكفنا شر الندامة، واجعلنا من الناجين في يوم القيامة. آمين. والحمد لله رب العالمين. قال ذلك، وكتبه الفقير إلى عفو ربه، عمر البلقيني، حامدًا ومصلّيًا ومسلِّمًا. ومولدي ليلة الجمعة ثاني عشر شعبان المكرّم، سنة أربع وعشرين وسبع مئة (٢). * * *
следующие страницы →