← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17812

التعليقة للقاضي حسين

القاضي الحسين

Полный текст (1 014 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فإنهم يعطشون الإبل، ثم يوردونها الماء ويروونها، ويسدون فمها ومبالها، فإذا احتاجوا إلى الماء، فإنهم يفتحون عرقا على جانب اليسار يخرج منه الماء الصافي، ويشربون، وهذا الماء لا يجوز شربه إلا عند الضرورة. قوله: (وما الزعفران): قال القاضي حسين: أما ماء الزعفران لا يجوز التوضؤ به، ثم ينظر، فإن كان الزعفران يسيرًا، بحيث إنه لا يتغير الماء به، فيجوز التوضؤ به، فأما إذا تغير الماء به، إما طعمه أو لونه أو ريحه لا يجوز التوضؤ به. وقال أبو حنيفة: يجوز التوضؤ به ما دام رقته باقية، ويجري على أعضائه ولم يكن عن أبي حنيفة نص في هذا، ولكن حكى عن أبي يوسف هذا. ولا يجوز التوضؤ بالعصفر إذا استخرج منه الماء، أو يكون العصفر طرح في الماء حتى يتغير الماء بذلك. ولا يجوز التوضؤ بالنبيذ مسكرًا كان أو غير مسكر، وسواء كان متخذًا من التمر أو غيره. وقال الأوزاعي: يجوز التوضؤ بجميع الأنبذة.

стр. 107

وقال: أبو يوسف: لا يجوز التوضء بنيذ التمر. وعن أبي حنيفة فيه ثلاث روايات: في رواية: يجمع بين التوضؤ بنبيذ التمر، وبين التيمم روى نوح بن مريم، هذا عنه. ورواية أخرى: لا يجوز التوضؤ بنيذ الخمر، وهذا روايه أبي يوسف. والرواية المشهور في الكتاب رواية محمد بن الحسن. أنه يجوز التوضؤ بنبيذ التمر، ولا يجمع بين التيمم، وبين ذلك. وقالوا: إنما يجوز التوضؤ بنبيذ التمر، دون سائر الأنبذة، وإنما يجوز إذا لم يكن مسكرا، فأما إذا كان مسكرا لا يجوز التوضؤ به، وإنما يجوز إذا كان مطبوخا لا نيئا، وإنما يجوز إذا كان مسافرا عادمًا للماء هكذا. وحكي عن المتأخرين منهم، قال: يجوز التوضؤ به إذا كان على حوالي البلد وقال أيضا: إذا كان نيئا يجوز التوضوء به.

стр. 108

قلنا: المسألة مبنية على أن النبيذ يكون نجسًا بدليل ما روي عن (عمر) وابن عمر، أنهما قالا: النبيذ يكون نجسًا. قوله: (أو ماء بُلَّ فيه خبز). قال القاضي حسين: أما الماء الذي بل فيه الخبز، ينظر إن كان الخبز يسيرًا طرح فيه، يجوز التوضؤ به، وإن كان كثيرًا بحيث يغير طعمه أو لونه أو ريحه، لا يجوز التوضؤ به. وكذلك الدقيق لو طرح في الماء ينظر، فإن كان الماء صافيًا يجوز التوضؤ به. وإن كان الماء كدرًا لا يجوز التوضؤ به. وكذلك لو طرح الرَّقادُ أو النُّخالة في القمقمة. فإن كان الماء صافيًا يجوز التوضؤ فيه، وإن كان الماء كدرًا لا يجوز التوضؤ به، فأمَّا إذا كان أسفل الماء كدرًا، وأعلاه صافيًا يجوز التوضؤ بالماء الصافي دون الكدر. قوله: «أو غير مما لا يقع عليه اسم ماء مطلق حتى يضاف إلى ما خالطه، فلا يجوز التوضؤ به». قال القاضي حسين: معناه كل ما يضاف إلى ما استخرج منه، أو يضاف إلى ما خالطه، فلا يجوز التوضؤ به.

стр. 109

وقال الشافعي: كل ماء خلق الله تعالى على هيئته لم تدخله صنعة آدمي، يجوز التوضؤ به. فأما الماء الذي يكون متغيرًا بالتراب من منبعه، لا خلاف أنه يجوز التوضؤ به، لأنه لا يمكن صون الماء عنه غالبًا. وكذلك إن تغير بأن ينبت فيه طحلب يجوز التوضؤ به. هذا كله إذا كان الماء صافيًا أو كدرًا، ولكن يجري الماء على أعضاء الطهارة. فأما إذا كان ثخينًا، بحيث إنه لا يجري على أعضائه لا يجوز التوضؤ به. فأما إذا ألقي التراب في الماء، وتغير الماء به. هل يجوز التوضؤ به أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز التوضؤ به، لأنه يمكن صون الماء عنه غالبًا. والثاني: يجوز ذلك. فأما الماء إذا جرى على حجر النورة، والزرنيخ، وكان متغيرًا يجوز التوضؤ به. وكذلك لو كان الماء متغير لطول المكث في مقره، يجوز التوضؤ به، لأن الماء لابد له من مكان يستقر فيه.

стр. 110

فأما إذا ألقى النورة والزرنيخ في الماء، وتغير الماء، ينظر فإن كانت النورة طبخت ثم طرحت في الماء، وتغير الماء به، لا يجوز التوضؤ به بلا خلاف. فأما إذا لم يكن مطبوخًا ترتب على المسألة الأولى، وهو تغير الماء بالتراب الذي ألقي فيه، وها هنا أولى ألا يجوز التوضؤ به، والفرق أن التراب يكون طهورًا بخلاف النورة. وهكذا نقول في الماء الذي خرج من معدن الطيب، وكان الماء أسود أو أحمر، يجوز التوضؤ به. فأما إذا ألقي الكافور في الماء وتغير الماء به، فإن كان لا ينماع في الماء، يجوز التوضؤ به، وإن تغير الماء به، لأن ذلك تغير مجاورة، لا تغير مخالطة، كما لو تغير الماء بأن تطرح جيفة على شط نهر، وتروح الماء به، يجوز التوضؤ به، فأما إذا كان الكافور يتفتت في الماء، فإن تغير الماء به لا يجوز التوضؤ به، فأما القطران على نوعين: نوع ينماع في الماء، ويتغير الماء به، فلا يجوز التوضؤ به، وإن كان لا ينماع في الماء بحيث أن فيه دسومة تعلو الماء ولا تمازجه، يجوز التوضؤ به. فأما إذا طرح فيه الملح، وتغير الماء به. قال صاحب (التلخيص): إن كان الملح مائيًا، يجوز الوضؤ به، وإن كان جبليًا لا يجوز التوضؤ به.

стр. 111

وقال الشيخ القفال: لا يجوز التوضؤ به. فأما ماء الملاحة، هل يجوز التوضؤ به أم لا؟ قال صاب التلخيص: يجوز التوضؤ به. وقال الشيخ القفال، لا يجوز؛ لأن هذا لا يكون ماء، بل يكون عينًا، خلق الله تعالى، فيها منفعة للخلق، وليس كالماء بدليل أن طبعه يخالف الماء، لأن الماء يتجمد في الشتاء، ويذوب في الصيف، وأما ماء الملاحة يذوب في الشتاء، ويتجمد في الصيف، فلهذا فرقنا بينهما. فأما إذا تغير بأوراق الأشجار، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يجوز التوضؤ به، لأنه لا يمكن صون الماء عنه غالبًا كالتراب. والثاني: لا يجوز التوضؤ به، لأنه يمكن صون الماء عنه غالبًا بخلاف التراب. والثالث: أنه يفصل، فإذا كان خريفيا، يجوز التوضؤ به، وإذا كان ربيعيا لا يجوز التوضؤ به، لأن له رطوبة تمازج الماء، بخلاف ما إذا كان خريفيا، فلو وقعت الثمار في الماء، وتغير الماء، لأجل ذلك لا يجوز التوضؤ به قولا واحدًا، لأنه يمكن صون الماء عن الثمار غالبًا.

стр. 112

وقل ما يوجد أن تكون الأشجار المثمرة مغروسة على حافات الأنهار. فصل: الما ماءان: ماء طاهر، وماء نجس. أما الماء النجس، لا يجوز التوضؤ به كيف ما كان، وأما الماء الطاهر على قسمين: ماء مطلق، وماء مضاف. أما الماء المطلق: يجوز التوضؤ به. وأما الماء المضاف على أربعة أقسام: قسم يضاف إلى محله ومقره، كما يقال: ماء السماء، وماء البئر والبحر والحوض، وماء الكوز، ونحوه يجوز التوضؤ به. وقسم يضاف إلى المجاور، مثل ما تغير الماء به برائحته، ويكون ذلك التغير تغير مجاورة يجوز التوضؤ به، كما لو تغير الماء بجيفة وقعت على شرط النهر، وتروح الماء بذلك. والقسم الثالث: الماء المضاف إلى مخالط، لا إلى مجاور، مثل ماء الزعفران، وماء الدقيق، وما أشبه ذلك، وقد ذكرناه. والقسم الرابع: إذا كان ذلك التغير يكون بما يضاف إلى ما استخرج منه، مثل ماء الزعفران، وماء الورد، وماء الشجر والعرق، فلا يجوز التوضؤ به، وكل ما لا يجوز التوضؤ به، لا تجوز إزالة النجاسة به.

стр. 113

وقال أبو حنيفة: كل مائع طاهر يزيل العين والأثر يجوز إزالة النجاسة به إلا الدهن، واللبن. وقال المتأخرون منهم: إن كان الدهن واللبن يزيل العين والأثر، يجوز أيضا إزالة النجاسات بهما، وإلا فلا. قال (أبو يوسف): إن كانت النجاسة على البدن لا يجوز إزالتها إلا بالماء، وإن كانت على محل آخر تجوز إزالتها بجميع المائعات، كما قال (أبو حنيفة) لنا أن نقول: خروج الحدث من مخرج الحدث يقتضي طهرين: طهرا يختص بمحل حدوثه، وطهرا لا يختص بمحل حدوثه. ثم اجتمعنا على أن الطهر الذي لا يختص بمحل حدوثه، وهو الطهارة الحكمية تختص بالماء، فهذا أولى، لأن هذا نجاسة عينية، وتلك حكمية، وحكم النجاسة العينية أقوي من الحكمية، لأن هذه عين، وتلك حكم. وايضا الماء المزال به النجاسة يكون نجسًا بالاتفاق، والماء المزال به الحدث لا يكون نجسًا بالإجماع. وأيضا لو تيمم لأجل النجاسة يجب عليه قضاء الصلاة. ولو تيمم لأجل عدم الماء لا يجب عليه قضاء الصلاة. وكذلك لو كان معه من الماء ما يكفي لطهارته، وكان على بدنه نجاسة، ويكفي أيضا ذلك الماء لإزالتها، فإنه يستعمل الماء في إزالتها، ويتيمم. كذلك الشرع ورد في الطهارة الحكمية بالمسح، ولم يرد بمثله في العينية، أعني: عن النجاسة العينية بالمسح. وكذلك ورد الشرع في الطهارة العينية بالجمع بين طهورين، وهو ولوغ الكلب، ولم يرد الشرع في الطهارة الحكمية بالجمع بين طهورين.

стр. 114

وكذلك النجاسة العينية تتعدي من البدن إلى غير البدن وأما النجاسة الحكمية لا تتعدي من البدن إلى غير البدن. فلما كانت النجاسة العينية أقوى من النجاسة الحكمية، ثم إنا أجمعنا على أن في النجاسة الحكمية لا تجوز إزالتها إلا بالماء، فالنجاسة العينية أولى ألا تجوز إزالتها إلا بالماء، والله أعلم بالصواب.

стр. 115

باب الآنية قال الشافعي ﵀ ويتوضأ في جلود الميتة إذا دبغت، واحتج بقوله ﷺ : أيما إهاب دبغ فقد طهر. قال ﵁: الأواني على قسمين: قسم يتخذ من الجلود، وقسم يتخذ من غير الجلود. فأما ما يتخذ من الجلود، ينظر، فإن كان من مأكول اللحم، وكان زكيا فيكون طاهرا، إلا أن يكون متضمخا بالدم، فإن ذلك يكون نجسًا، فيجب غسله، وإن كان ميتًا فإن الجلد ينجس بالموت على مذهب عامة العلماء، وقال الزهري: الجلد لا ينجس بالموت.

стр. 116

لنا ما روي أنه ﵇ مر بشاة ميتة لميمونة، ملقاة على مزبلة، فقال هلا أخذتم إهابها فنتفعتم بها؟ فقالوا يا رسول الله، إنها ميتة، فقال ﵇: دباغها طهورها، وروي أنه قال: إنما يحرم من الميتة أكلها. ويدل عليه قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة. قالوا: لو كان ينجس بالموت لما يطهر بالدباغ كاللحم. قلنا: إنما يطهر بالدباغ ما كان يؤثر فيه الدباغ. والدباغ إنما يؤثر في الجلد دون اللحم. وقال أحمد بن حنبل: جلد الميتة لا يطهر بالدباغ.

стр. 117

دليلنا ما روينا من حديث شاة ميمونة، وبقوله ﵇: أيما إهاب دبغ فقد طهر. والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب حتى لا يختص بمأكول اللحم لا غير، وقال أبو ثور والأوزاعي: إن كان جلد حيوان مأكول اللح يطهر بالدباغ إذا مات، وإن كان غير مأكول اللحم، فلا يطهر جلده بالدباغ إذا مات. دليلنا: الخبر الذي روينا، ولأنه جلد ميتة يكون طاهرًا في حالة الحياة، فوجب أن يطهر بالدباغ. دليلة: جلد ما يؤكل لحمه. وهذا؛ لأن الدباغ يرد الجلد إلى حاله الأولى، وفي الابتداء الجلد يكون طاهرًا كيف ما كان، كذا بعد الدباغ وجب أن يكون مثله. فالواحد مطهري الجلد، فوجب أن يؤثر في مأكول اللحم لا غير، كالزكاة.

стр. 118

قلنا: الدباغ أقوي في التطهير من الزكاة، لأن الزكاة تمنع حلول النجاسة، والدباغ يرفع النجاسة اللازمة فيه، والرافع يكون أقوى من المانع، كالعدة مع الردة والرضاع، فإن الردة والرضاع أقوي من العدة. وقال مالك يطهر الجلد ظاهرًا، ولا يطهر باطنًا، لأن العفص الذي ينثر عليه إنما يؤثر في الظاهر دون الباطن. وهذا لا يصح، لأن الدباغ يؤثر في الظاهر والباطن جميعًا، بدليل أنه يستخرج منه الفضول التي في باطنه، ويصيره إلى حالة لو أصابه الماء لا يفسده. مسألة قال الشافعي: وكذلك جلود ما لا يؤكل لحمه من السباع، إذا دبغت إلا جلد كلب أو خنزير، لأنهما نجسان وهما حيان. وقال أبو حنيفة: جلد الكلب يطهر بالدباغ. وجلد الخنزير لهم فيه ثلاث روايات: في رواية قالوا: لا جلد له يتسلخ. وفي رواية قالوا: يطهر بالدباغ. وفي رواية قالوا: لا يطهر بالدباغ. ونحن ندل على أصل وهو: أن الكلب نجس العين، بدليل حديث أبي قتادة، كنت أسكب الوضوء ... الخبر.

стр. 119

مسألة قال الشافعي: وإنما يدبغ الجلد بما تدبغ به العرب، والعرب إنما تدبغ بالقرظ والشب، وكذلك كل ما كان في معناه، مثل: العفص المسحوق وقشور الرمان، والبروق. فيحصل الدباغ بذلك، ولا يختص بما تدبغ به العرب، كما في الاستنجاء.

стр. 120

قوله: ويتوضأ في جلود الميتة إذا دبغت. قال ﵁: اعترض على الشافعي، فإنه ذكر جميع الجلود في أول الباب، ثم قال: وكذلك جلد ما لا يؤكل لحمه، ولا يحسن أن يعطف البعض على الجملة، وإنما يعطف على البعض. قلنا: الشافعي: ﵀، إنما عطف هذا على معنى الخبر، وذلك أن الخبر إنما ورد في شاة ميمونة، فأراد أن يبين أن جميع الجلود تطهر بالدباغ حتى لا يظن ظان أن كل جلد لا يؤكل لحمه لا يطهر بالدباغ، خلافاً لما قال أبو ثور والأوزاعي، فقال الشافعي، كل جلد حيوان يدبغ فيطهر ذلك الجلد بالدباغ، إلا جلد الكلب والخنزير، فإن الكلب والخنزير نجسان في حال الحياة، والدباغ إنما يرد الجلد إل حاله الأولى. قال الشافعي: ولا يطهر بالدباغ إلا الإهاب وحده، ولو كان الصوف والشعر والريش لا يموت بموت ذوات الروح، أو كان يطهر بالدباغ، كان ذلك في قرن الميتة وسنها، وجاز في عظمها، لأنه قبل الدباغ وبعده سواء. قال القاضي حسين: إنما يطهر بالدباغ الإهاب وحده، فأما الشعر والظفر والسن لا يطهر بالدباغ. وفي رواية المزني والربيع بن سليمان المرادي، أن الشعر فيه الروح والحياة، ويموت بموت ذات الروح. وقال الشيخ أحمد البيهقي: قال الشافعي في الجامع: إن الشعر لا روح فيه.

стр. 121

وقال في كتاب الديات: إن الشعر لا روح فيه. وحكي إبراهيم البلدي، عن المزني أن الشافعي رجع عن تنجس شعر بني آدم. وفي رواية: رجع عن تنجس الشعور، فقد حصل فيها قولان فعلى القول الجديد: إن الشعر فيه الروح، يموت بموت ذات الروح، وينجس بالموت، ولا يطهر بالدباغ، وكذلك الظفر والسن والقرن. والقول الثاني: إن الشعر لا روح فيه، فعلى هذا جميع الشعور يكون طاهرا، لا روح فيها، سواء أخذ منه في حال الحياة، أو بعد الوفاة إلا شعر الكلب والخنزير، فإذا قلنا بقول الجديد: إن الشعر فيه الحياة.

стр. 122

فعلى هذا لا يخلو، إما أن يكون الحيوان مأكول اللحم، أو لا يكون مأكول اللحم. فإن كان مأكول اللحم، فإذا جز شعره في حال الحياة يكون طاهرًا، وكذلك لو أخذ منه بعد الذكاة يكون طاهرًا، وأما ما نتف منه في حال الحياة، فهل يكون طاهرًا أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يكون طاهرًا، وهو الأصح، كما لو أخذ منه على وجه الجز. والثاني: لا يكون طاهرًأ، لأنه لم يؤخذ منه بطريقة والنتف يكون كالوقذ والجز يكون كالذبح. فأما ما انتتف بنفسه، فإنه يكون طاهرًا. فأما الريش، ينظر إن قلع الجناح، وعليه ريش، فإن ذلك يكون نجسًا، وإن أخذ منه على وجه النتف، هل يكون طاهرًا أم لا؟ ينظر، إن كان على رأس الجناح قطعة لحم أو دم، فإنه يغسل، ويكون طاهرًا وإن لم يكن عليه دم ولا لحم، وكان عليه بلة، فإنه يكون طاهرًا، لأن تلك البلة تكون كالعرق، والعرق يكون طاهرًا. فأما شعر ما لا يؤكل لحمه، هل يكون طاهرًا أم لا؟ لا خلاف على قوله الجديد: إنه لا يكون طاهرًا، سواء أخذ منه في حال الحياة، أو بعد الممات، ولا خلاف أنه ما دام متصلا بالحيوان يكون طاهرًا، حتى لو أصاب ثوب إنسان، لا ينجس ثوبه، كعرقه سواء، فأما إذا ركب حمارًا

стр. 123

وانتتف شعر منه، والتصق بثيابه، لا تجوز الصلاة معه إلا أن يكون يسيرًا، فيكون معفوًا. قال ﵁: عندي أنه إن أخذ منه في حال الحياة، وجز منه، فها هنا فيه شيء، لأن عرقه يكون طاهرًا، ولكن المذهب ألا يكون طاهرًا. فأما الظفر والسن والقرن، لا خلاف أن فيه الحياة، ولا يجوز الانتفاع به إذا مات بخلاف الشعر. والفرق بينهما أن الظفر لا يكون مخلفا، والشعر يكون مخلفا. وكذلك الظفر لا يمكن الانتفاع به غالبًا، بخلاف الشعر. قال الله تعالى: (وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين) الآية. وسواء أخذ منه السن أو الظفر في حال الحياة، أو سقط منه في حال الحياة، فإنه يكون نجسًا. وكذلك القرن الذي يسقط عنه في حال الحياة، لا يكون طاهرًا، فأما شعر بني آدم، هل يكون طاهرًا أم لا؟ فيه وجهان: بناء على أصل. وذلك أن الآدمي إذا مات، هل ينجس بدنه بالموت أم لا؟ فيه قولان: فإذا قلنا ينجس بدنه بالموت، فشعره يكون نجسًا. وإذا قلنا: إنه لا ينجس بالموت، شعره يكون طاهرًا في حال الحياة. فأما شعر النبي ﷺ فإنه يرتب على شعر الأمة.

стр. 124

إن قلنا: إن شعر سائر الخلق يكون طاهرًا، فشعر النبي ﷺ أولى، وإلا فوجهان: والأصح أن ذلك يكون طاهرًا، لأن النبي ﷺ كان يقسم شعره بين أصحابه. وأصحابنا ذكروا وجهين في بوله ودمه، هل هو طاهر أو نجس؟ فعلى وجهين.

стр. 125

وقال أبو حنيفة، الشعر لا روح فيه، ولا ينجس بالموت، وهكذا يقول في الظفر والسن والقرن. فرع لو نتف ريش طائر مأكول اللحم، واتخذ منه منشفة، يكون طاهرًا على ظاهر المذهب. فصل الجلود الميتة إذا دبغت، وكان عليها شعور، فعلى مذهبه الصحيح، ورواية المزني والمرادي: أنه لا يطهر بالدباغ. وحكي الربيع بن سليمان الجيزي، قولا آخر عن الشافعي. أن الشعر يكون تابعًا للجلد، يطهر بطهارته، وينجس بنجاسته، فعلى هذا القول شعر الثعلب إذا مات، ودبغ جلده يكون طاهرًا، وكذلك شعر الهرة الإنسي، فاما الهرة الوحشي، لو قلنا: يحل أكله فيكون طاهرًا. وإن قلنا: لا يحل أكلهن فحكمه حكم الإنسي.

стр. 126

فصل في الدباغ قال الشافعي ﵀: إنما يدبغ بما تدبغ به العرب: القرظ والشب، وكذلك ما يقوم مقامه يحصل به الدباغ. قال الشافعي: وأقل الدباغ أن ينشف فضوله، وذهب رسومته وزهومته، ويطيب رائحته، ويصيره إلى حاله لو أصابه المائع لا ينتن. فأما بالتتريب والشمس لا يحصل الدباغ. وقال أبو حنيفة: يطهر بها الجلد. فأما إذا دبغ الجلد: فعلى قوله الجديد يكون طاهرًا ظاهره وباطنه، وعلى قوله القديم إنما يطهر ظاهرًا ولا يطهر باطنًا، فعلى قوله الجديد يجوز معه، وتجوز الصلاة عليه ومعه، ويجوز أكله إن كان جلد حيوان مأكول اللحم، وإن كان جلد حيوان غير مأكول اللحم، لا يجوز أكله، وعلى قوله القديم، لا يجوز أكله،

стр. 127

ولا تجوز الصلاة معه، ولا يجوز بيعه، ولا استعماله في الأشياء الرطبة، وهل يحتاج إلى غسله أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى لأنه إذا أصابه ما يدبغ به صار نجسًا. والثاني: لا بل انقلب الكل طاهرًا، كما نقول في العصير إذا صار خمرًا، ثم صار خلا، فإن أجزاء الدن تطهر بانقلاب الخل خمرًا، كذلك ها هنا. وأما الفتات الذي يتناثر منه، هل يكون ظاهرًا أم لا؟ فيه وجهان، كما ذكرنا. فإما إذا دبغ بماء نجس، أو بدواء نجس، هل يندبغ أم لا؟ فيه وجهان: فإن قلنا يندبغ فيجب غسله قولاً وحدًا. قال الشافعي ﵀ عليه، ولو كان الصوف والشعر والريش لا يموت بموت ذات الروح، أو كان يطهر بالدباغ، كان ذلك في قرن الميتة وسنها، وجاز في عظمها؛ لأنه قبل الدباغ. قال ﵁ عند مالك، ﵀، الظفر والقرن والسن فيه الحياة، وينجس بالموت ولا يطهر بالدباغ، وأما الشعر والصوف والريش، منهم من قال: لا روح فيه، ولا ينجس بالموت.

стр. 128

وتارة يقولون فيه الحياة، وكذلك يطهر بالدباغ. فتردد الشافعي في مذهبه، فألزمه بالطرفين، فقال: لو كان الصوف والشعر لا يموت بموت ذات الروح، أو كان يموت، ولكن يطهر بالدباغ يلزمك أن تقول مثل هذا في العظم والقرن، لأنه قبل الدباغ وبعده سواء. ومنهم من قال: الشافعي قصد بهذا الرد على أبي حنيفة ومالك، فقال: ولو كان الصوف والشعر والريش لا يموت بموت ذات الروح، يا أبا حنيفة أو كان يطهر بالدباغ يا مالك، كان ذلك في قرن الميتة وسنها. فأجاب عن قول مالك، ولم يجب عن قول أبي حنيفة، لأن عند أبي حنيفة حكم العظم حكم الصوف. ومنهم من قال: الجواب رجع إلى أبي حنيفة، ولكن إنما أراد أن يقيس غير المنصوص عليه على المنصوص عليه، ليكون كلامه أظهر، والله أعلم بالصواب. قال الشافعي: ولا يدهن من عظم فيل، واحتج بكراهية ابن عمر لذلك. قال القاضي حسين: وقد قريء بقراءتين: لا يدهن على وزن التفعيل. يعني: لا يمسح رأسه وبدنه بالدعن الذي كان في عظم الفيل وقريء على وزن الأفعال معناه، لا يستعمل ذلك الدهن، فينجس الموضع الذي أصابه الدهن. ولو اتخذ منه مشطًا، وسرح به لحيته، فإن كان رطبًا ينجس لحيته، وإن يابسًا، فلا ينجس لحيته ولو اتخذ منه مشطًا، وسرح به لحيته، فإن كان رطبًا ينجس لحيته، وإن كان يابسًا، فلا ينجس لحيته. وكره ابن عمر ذلك، والكراهية كراهية التحريم. قال الشافعي في موضع آخر، ولا تدهن السفن بشحوم الخنازير، وقال: ولا تصل ما انكسر بعظمه إلا بعظم ما يؤكل لحمه زكيا، فإن رفعه بعظم ميت أجبره السلطان على قلعه، وإن مات صار ميتًا كله.

стр. 129

هذه النصوص كلها تدل على أنه لا يجوز استعمال الشيء النجس. وقال في موضع آخر: ويستصبح بالدهن النجس. وقال في موضع آخر، ويلبس فرسه ودوابه كل جلد ما سوي الكلب والخنزير من جلد قرد وقيل وأسد، لأنه جنة للفرس، ولا يعبد على الفرس وقال في موضع آخر: ولا بأس أن يزبل الأرض بالسماد. وقال: ولا بأس أن يسجر التنور بعظام الميتة. وقال: إذا عجن بماء نجس أطعم فهوده وبراذينه ونواضحه. فقد اضطربت النصوص كما ترى. من أصحابنا من قال: في الكل قولان: أحدهما: لا يجوز استعماله؛ لا في البدن، ولا في غيره. والثاني: يجوز استعماله فيهما. وقال أبو بكر الفارسي، النجاسات على قسمين: مغلظة ومخففة. فأما المغلظة مثل نجاسة الكلب والخنزير، ولا يجوز استعماله لا في البدن ولا في غير البدن، والنص مخرج على هذا. وأما النجاسة المخففة لا يجوز استعماله في البدن، ويجوز استعماله في غير البدن. وتخرج النصوص على هذا صحيحة.

стр. 130

والنجاسة لا يجوز استعمالها في غير البدن، ولا في البدن إلا عند الضرورة، مثل ان يكون يخاف الهلاك من شدة الحر والبر يجوز له أن يبتدفأ بجلد الكلب والخنزير. قال الشافعي: فأما جلد كل ذي يؤكل لحمه، فلا بأس بالوضوء فيه وإن لم يدبغ. قال القاضي حسين: كل جلد يكون ذكيًا، ويؤكل لحمه يكون ذلك طاهرًا، فأما كل حيوان لا يؤكل لحمه، فلا يطهر جلده بالذكاة. وقال أبو حنيفة: كل حيوان لا يؤكل لحمه يطهر جلده بالدباغ أو بالذكاة. قال الشافعي: ولا أكره من الآنية إلا الذهب والفضة، لقول النبي ﷺ الذي يشرب في آنية الفضة، إنما يجرجر في جوفه نار جهنم، قال القاضي حسين: قريء هذا اللفظ بقراءتين: نارُ، نارَ. فإذا قريء بالرفع معناه: نار جهنم في بطنه. وإذا قرئ بالنصب معناه: يجر النار إلى جوفه، كما قال تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامي ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا) الآية. قد ذكرنا: أن الأواني على قسمين: قسم متخذ من الجلود، وقد ذكرنا الجلود. فأما ما يكون من غير الجلود، فإن ذلك يكون على قسمين:

стр. 131

متخذ من جوهر خسيس، ومتخذ من جوهر نفيس. فأما ما يكون متخذًا من جوهر خسيس، مثل: الخزفيات، والصفريات والنحاس، وما أشبه ذلك، فيجوز اتخاذه. فأما ما كان متخذًا من جوهر نفيس، فعلى قسمين، الدراهم والدنانير وغيرهما. فأما ما يكون متخذا من الدراهم والدنانير، فعلى قوله الجديد، يحرم استعماله وعلى قوله القديم: يكره استعماله، ولا يحرم. بدليل ما روي أن النبي ﷺ ، سئل عن الإناء الذهب والفضة، فقال إنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة، الحديث.

стр. 132

ووجه القول الأول ما روى أن النبي ﷺ خرج ذات يوم، وبيده قطعة من الذهب، وبيده الأخرى قطعة من الحرير، فقال: هذان حرام على ذكور أمتي حلال لإناثها، الحديث. ولأي معنى يجوز اتخاذه؟ فيه معنياه: أحدهما: يحرم استعماله لعين الذهب والفضة، ولما كان فيه من كسر نفس، الفقير، الذي لا يجد درهما ينفقه على نفسه، والمعنى الثاني: إنما يحرج للكبر والخيلاء، فعلى هذا لو اتخذ إناء من ذهب وموهمه بالنحاس، فهل يحرم ذلك أم لا؟ إن قلنا: إنما يحرم لعين الذهب والفضة، فها هنا يحرم اتخاذه. وإن قلنا: إنما يحرم للكبر والخيلاء، فها هنا لا يحرم، وعلى عكسه عكسه، وعلى هذا هل يجوز اتخاذه أم لا؟ فيه وجهان.

стр. 133

وكذلك الصائغ الذي يتخذ هذا، هل يستحق الأجرة على صنعته أم لا؟ فيه وجهان. وكذلك لو جاء إنسان وكسره، هل يجب عليه قيمة الكسر أم لا، فيه وجهان. وللشافعي ما يدل على أن له قيمة في موضعين. قال في كتاب الزكاة: الحلي إذا كان وزنه ألفًا، وقيمته مصوغًا ألفين، فإنما زكاته على وزنه، لا على قيمته. وقال في موضع آخر: ولو أصدق امرأته إناءين من ذهب، أو فضة وكسر أحدهما، ثم طلقها قبل الدخول. فإن في المسألة قولين: أحدهما: أن الزوج يأخذ نصف قيمة الإناء المنكسر، ويأخذ نصف الإناء الصحيح، ونصف قيمة الإناء المنكسر، وإن شاء يأخذ نصف قيمة الإناءين ويترك الإناء في يدها. قال الشافعي: فإن كان من ذهب فيقوم بالفضة، وإن كان من فضلة فيقوم بالذهب. فهذا دليل على أن له قيمة.

стр. 134

فأما القسم الثاني الذي يكون متخذا من جوهر نفيس غير الدراهم والدنانير، مثل البلور والجزع وأشباههما، فعلى قوله القديم يكره استعماله، وعلى قوله الجديد، هل يحرم استعماله أم لا؟ فيه وجهان بناء على المعنيين: إن قلنا: المعنى فيه عين الذهب والفضة، فها هنا لا يحرم. وإن قلنا: المعنى فيه الكبر والخيلاء، فها هنا يحرم اتخاذه. فلو أنه توضأ في إناء من ذهب أو فضة يصح وضوؤه، ولكن يكره. وقال داود وأصحاب الظاهر: لا يصح وضوؤه. وهكذا نقول في الدار المغصوبة: وفي الثوب المغصوب، لأن النهي إنما ورد عن استعماله، ولم يرد النهي في عين ما وقع به التوضؤ، فلو صب الدراهم في الكوز، وشرب منه الماء يجوز، ولا يكره، وكذلك لو كان بيده خاتم، فغرف من الماء غرفة، وشرب لا يكره، وكذلك لو اتخذ لنفسه أصبعا من فضة أو ذهب، أو يدا من فضة، أو ذهب، أو أنفا من ذهب يجوز، وكذلك لو اتخذ سنا من فضة يجوز.

стр. 135

فأما ما اتخذ لنفسه حليا من حلي الرجال، مثل الخاتم والمنطقة، وحلية، السيف يجوز. وكذلك لجام الدابة مثله، ولا يجوز أن يتخذ لنفسه خاتمًا من فضة، ويجعل أسنان خاتمه من ذهب، ولو اتخذ لنفسه خلخالا أو سوارا لا يجوز، لأن هذا ليس من حلي الرجال. وكذلك لا يجوز للرجل أن يلبس الثوب الإبريسم. وكذلك لا يجوز أن يلبس الثوب الملحم، والثوب الذي يكون جميعه من الإبريسم. ولا يجوز أن يجلس على البساط الحرير، ولو غطاه بثوب، ثم جلس عليه يجوز حتى أفرط بعض أصحابنا، فقالوا: شهود النكاح لو جلسوا على الثوب الإبريسم صاروا فسقة، ولا ينعقد النكاح بشهادتهم، وهذا لا يصح، لأنه ليس كل ما يكون معصية يصير به فاسقًا ويكون مردود الشهادة، ولو اتخذ لنفسه مجمرًا من ذهب، أو فضة يكون حرامًا، فلو أن الرجل أراد أن يطيب ثيابه من مجمر من ذهب أو فضة ينظر، فإن طرح ثيابه عليه لا يجوز قولا واحدًا، وإن كان من بعيد، ويشتم رائحته لا يكون مكروهًا، ولو أنه استعمل ماء الورد من إناء من ذهب أو فضة لا يجوز. والحيلة فيه أن يصيب ماء الورد على يساره ثم يصيب من اليسار على اليمين

стр. 136

ويستعمله، ولو اتخذ مسمارًا، أو معلقة من فضة لا يجوز، ولو كان له قدح، وكان عليه سلسلة من فضة يجوز، لما روى أن النبي ﷺ كان له قدح فيه سلسلة من فضة. فأما لبس الحرير قد ذكرنا أنه حرام. فأما لبس الخز، هل يحرم أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو الأصح أنه حرام، لأنه كان من الإبريسم، ولكن هو غزل غليظ، فأما لبس الخز والعتابي والمصمت، فإن كان السدي من القطن يجوز لبسه، وإن كان السدي من الإبريسم لا يجوز لبسه. والحد فيه أنه إن كان الغالب منه من الإبريسم لا يجوز لبسه، وإن كان الغالب منه القطن، يجوز لبسه.

стр. 137

فأما الثوب الذي عليه طراز، فإن كان قدر أصبعين، أو ثلاثة أصابع يجوز، وإن اكن أكثر من ذلك فلا يجوز. والفرق بين هذا، وبين القليل من الذهب أنه لا يجوز أن يجعل أسنان خاتمه من الذهب، لأن الذهب شيء نفيس يعرفه الخاص والعام، وأما الحرير لا يعرفه إلا الخاص، هذا كله في حلي الرجال. فأما النساء: يجوز لهن أن يتحلين بحلي الذهب والفضة، ويلبس الحرير ولكن إنما يتحلين بما كان من حلي النساء غالبًا. فأما ما لا يكون من حلي النساء، مثل المنطقة وحلية السيف، فليس لهن ان يفعلن ذلك، وإنما يجوز لعن التحلي، بخواتيم الذهب، واتخاذ الخلخال، والسوار، ولبس الديباج، ولكن لا يجوز لهن أن يجلسن على الحرير، وعلى الديباج كالرجال. وقال أبو يوسف، يجوز لهن أن يجلسن على الديباج. وكذلك لا يجوز لهن أن يتخذن إناء من ذهب أو فضة كالرجال، قال الشافعي: وأكره ما ضبب بالفضة، لئلا يكون شاربًا على فضة، قال القاضي حسين: الإناء المنكسر إذا ضبب من فضة ينظر:

стр. 138

فإن كان ذلك مما يمس الفم لا خلاف أنه لا يجوز، وإن كان لا يمس الفم، فإن كان قليلا للحاجة، يجوز قولاً واحدًا. وكثيرًا لغير الحاجة لا يجوز قولاً واحدًا، وكثيرًا للحاجة، وقليلاً للزينة، فعلى وجهين:

стр. 139

أحدهما: يجوز هذا. والثاني: لا يجوز. قال الشافعي: ولا بأس بالوضوء من ماء مشرك، وبفضل وضوئه، ما لم يعلم نجاسته، توضأ عمر، ﵁، من ماء في جرة نصرانية. قال القاضي حسين: الكفار، على قسمين: قسم لا يتدينون باستعمال النجاسات، ولا يتناولونها، مثل اليهود والنصارى، فإن تحقق نجاسة على ثيابهم، أو على أوانيهم لا يجوز استعماله، وإن لم تتحقق النجاسة على ذلك يجوز استعماله. والدليل على هذا ما روى أن عمر، ﵁، توضأ من ماء في جر نصرانية، ولكن الأولى أن يحترز عن ذلك.

стр. 140

وقسم يتدينون باستعمال النجاسات مثل المجوس، فهل يجوز استعمال ثيابهم في الصلاة، وأن يتوضأ في أوانيهم أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن الظاهر أنه يكون نجسًا، والدليل على هذا ما روى في حديث (أبي ثعلبة الخشني)، أنه قال: يا رسول الله، إنا ننزل بلاد المشركين، ونطبخ في قدورهم، أنه قال: يا رسول الله، إنا ننزل بلاد المشركين، ونطبخ في قدورهم، ونشرب من أوانيهم، فقال النبي ﷺ ، استغنوا عنها ما استطتعم، فإن لم تجدوا عنها بدا فادخضوها بالماء، فإن الماء طهورها. والقول الثاني: يجوز أن يصلي في ثيابهم، لأن الأصل طهارة الثوب، والإناء، وها هنا أصل، وذلك أنه إذا اجتمع الأصل والظاهر، فأيهما يغلب؟

стр. 141

فيه قولان، كما نقول في المقابر المنبوشة، فإنه لو تحقق أنها منبوشة قديمة لا تجوز الصلاة فيها، إلا أن يفرش ثوبًا فيصلي عليه، وإن كانت جديدة، وتتحقق أنها لم تكن منبوشة تجوز الصلاة هناك قولاً واحدًا. فأما إذا كان بعضها منبوشة، ولكن لا يتحقق، يتحمل هذا ويحتمل ذاك، فإن فيها قولين: أحدهما: يجوز له أن يصلي؛ لأن الأصل طهارة المكان، وأنها لم تكن منبوشة. والقول الثاني: أنه لا تصح الصلاة؛ لأن الظاهر أنه لا يكون إلا نجسًا. وهكذا القول في وحل الطريق إذا كان يحتمل هذا ويحتمل ذاك، فهل يكون طاهرًا أم لا؟

стр. 142

فيه قولان. وقال المراوزة، لو قال قائل إذا كان على ثوبك طين الطريق، فلو قال لك: نجس ثوبك، يجب عليه غسله، ولو قال: وحل ثوبك من الطرين، لا يجب غسله. فأما الصلاة في ثياب الصبيان الذين لا يميزون، هل يجوز أم لا؟ فيه قولان: أحدهما لا يصح، لأن الظاهر أن ذلك يكون نجسًا. والثاني: يجوز، لأن الأصل طهارة الثوب، وكذلك الصلاة في ثياب القصابين، والأساكفة الذين يستعملون الهلب، ولا يحترزون عنه. والله أعلم، بالصواب.

стр. 143

باب السواك قال الشافعي: وأحب السواك للصلوات، وعند كل حال تغير فيه الفم، عند الاستيقاظ من النوم، والأزم، وكل ما يغير الفم، لأن رسول الله صلى الله ﷺ قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة. قال ﵁: السواك والمسواك اسم للخشب الذي يوضع على الأسنان حتى يقلع الوضر. والسواك يكون سنة مستحبة، والفعل يكون من هذا: الاستياك ويقوي في السواك الإتيان بالسنة، والمقصود يحصل من ضمنه، وهو تطهير الفم، كما أن الرجل يقصد بالجماع النسب، قال الله تعالى (وابتغوا ما كتب الله لكم). أراد به: الولد. والمقصود يحصل في ضمنه، وهو اقتضاء الشهوة.

стр. 144

ومضاجعة الرجل مع امرأته سنة. ولهذا أمر الله تعالى في النشوز بالمفارقة فقال تعالى (واهجروهن في المضاجع) الآية. والأصل في السواك ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب. وروى أن النبي ﷺ قال: صلاة بسواك أفضل عند الله من سبعين صلاة بغير سواك.

стр. 145

وروي أن النبي ﷺ ، قال: طهروا أفواهكم لقراءة القرآن. وروى العباس بن عبد المطلب، أنه دخل على رسول الله ﷺ قوم قلح، فقال لهم النبي ﷺ ، مالي أراكم تدخلون على قلحا؟ استاكوا؟ وروى عن عائشة، ﵂، أن النبي ﷺ ، كان إذا كان قام من الليل يشوص فاه. يعني: يستاك. وروى عنها أيضًا أنها قالت: كان السواك من رسول الله ﷺ بمنزلة القلم من أذن الكاتب، ثم روت ان النبي ﷺ قال: ما يزال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه وما زال يوصيني بالمرأة حتى ظننت أنه سيحرم طلاقها، وما يزال يوصيني بالعبد حتى ظننت أنه يضرب له مدة فإن بلغها عتق، وما يزال يوصيني بالسواك حتى حسبت أن تدردر أسناني.
следующие страницы →