Полный текст (666 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وقد حمل بعض السلف قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله﴾ [البقرة: ٢٠٧] على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وروى أن عمر بن الخطاب ﵁ سمع إنسانًا يقرأ هذه الآية، فقال: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة: ١٥٦]، قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل.
وعن أبي أمامة ﵁ قال: إن رسول الله- ﷺ قال: ((أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر)).
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله- ﷺ : ((سيد الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه فقتله)).
وقد ذكر الله تعالى الذي ينهى عن المنكر، وتأخذه العزة فلا يمتنع، فقال تعالى: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم﴾ [البقرة: ٢٠٦] الآية.
وقال ابن مسعود ﵁: إن من أكبر الذنوب عند الله تعالى أن يقال للعبد اتق الله، فيقول: عليك بنفسك.
وجميع ذلك عام في حق الصالح والطالح.
وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي- ﷺ قال: ((مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه)).
ولأنه لا يخلو أحد من معصية إما ظاهرًا وإما باطنًا.
فإن قلنا لا ينكر إلا المتنزه عنه، تعذر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيندرس الدين ويضمحل.
(فصل) والذي يؤمر به وينكر على ضربين:
فكل ما وافق الكتاب والسنة والعقل فهو معروف.
وكل ما خالف ذلك فهو منكر.
ثم ذلك ينقسم قسمين:
стр. 107
أحدهما: ظاهر يعرفه العوام والخواص، وهو كوجوب الصلوات الخمس، وصوم رمضان والزكاة والحج وغير ذلك، ومن المنكر: كتحريم الزنا وشرب الخمر والسرقة وقطع الطريق والربا والغصب وغير ذلك، فهذا القسم يجب إنكاره على العوام، كما يجب على الخواص من العلماء.
والقسم الثاني: ما لا يعرفه إلا الخواص، مثل: اعتقاد ما يجوز على الباري تعالي وما لا يجوز عليه.
فهذا يختص إنكاره بالعلماء، فإن أخبر أحد من العلماء بذلك واحدًا من العوام جاز له ذلك.
ووجب على العامي الإنكار عند القدرة على ما بينا، ولا يجوز قبل ذلك.
وأما الذي كان الشيء مما اختلف الفقهاء فيه وساغ في الاجتهاد، كشرب عامي النبيذ مقلدًا لأبي حنيفة ﵀، وتزج امرأة بلا ولي على ما عرف من مذهبه، لم يكن لأحد ممن هو على مذهب الإمام أحمد والشافعي رحمهما الله الإنكار عليه، لأن الإمام أحمد قال في رواية المرزوي: لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ولا يشدد عليهم، وإذ ثبت هذا فالإنكار إنما يتعين في حرق الإجماع دون المختلف فيه.
وقد نقل عن الإمام أحمد ﵀ ما يدل على جواز الإنكار في المختلف فيه وهو ما قال في رواية الميموني في الرجل يمر بالقوم وهو يلعبون بالشطرنج ينهاهم يعظهم، ومعلوم أن هذا جائز عند أصحاب الشافعي ﵏.
(فصل) وينبغي لكل مؤمن أن يعل بهذه الآداب في سائر أحواله، ولا يترك العمل بها.
وقد روى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ((تأدبوا ثم تعلموا)).
وقال أبو عبد الله البلخي ﵀: ((أدب العلم أكثر من العلم)).
وقال عبد الله بن المبارك ﵀: ((إذا وصف لي رجل له علم الأولين والآخرين ولا أدب له لا أتأسف على فوت لقائه، وإذا سمعت برجل له أدب النفس أتمنى لقاءه وأتأسف على فواته)).
ويقال مثل الإيمان كمثل بلدة لها خمسة من الحصون، الأول من ذهب، والثاني من
стр. 108
فضة، والثالث من حديد، والرابع من آجر، والخامس من لبن، فما دام أهل الحصن متعاهدين الذين هو من لبن لا يطمع العدو في الثاني، فإذا أهملوا ذلك طمعوا في الحصن الثاني ثم في الثالث حتى تخرب الحصون كلها، فكذلك الإيمان في خمسة من الحصول، أولها اليقين، ثم الإخلاص، ثم أداء الفرائض، ثم إتمام السنن، ثم حفظ الآداب، فما دام العبد يحفظ الآداب ويتعاهدها فالشيطان لا يطمع فيه.
فإذا ترك الآداب طمع الشيطان في السنن ثم في الفرائض، ثم في الإخلاص، ثم في اليقين.
فينبغي للإنسان أن يحفظ الآداب في جميع أموره من الوضوء والصلاة والبيع الشراء وغير ذلك.
هذا آخر ما اخترنا وأردنا لخصنا من آداب الشريعة، فبامتثال الأمر في العبادات الخمس المقدم ذكرها يصير مسلمًا، وبالتأدب بهذه الآداب يكون تابعًا للسنة ومقتفيًا للأثر، ويحصل له بذلك معرفة ما ينبغي.
ويبقى عليه حقيقة معرفة الصانع وهي من أعمال القلب، فأخرناها ليسهل عليه الدخول في ديننا.
فإذا تقمص بنور الإسلام ظاهرًا قلنا له: تقمص بنور الإيمان باطنًا.
* * *
стр. 109
القسم الثاني في العقائد
стр. 110
باب في معرفة الصانع
نقول: أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار، فهي:
أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد فرد صمد، ﴿لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوًا أحد﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] لا شبيه له ولا نظير، ولا عون ولا ظهير، ولا شريك ولا وزير، ولا ند ولا مشير، ليس بجسم فيمس، ولا بجوهر فيحس، ولا عرض فيقضى، ولا ذي تركيب أو آلة وتأليف، أو ماهية وتحديد.
وهو الله للسماء رافع، وللأرض واضع، لا طبيعة له من الطبائع، ولا طالع له من الطوالع، ولا ظلمة تظهر، ولا نور يزهر، حاضر الأشياء علمًا، شاهد لها من غير مماسة، قاهر حاكم قادر، راحم غافر، ساتر معز ناصر، رؤوف خالق فاطر، أول آخر، ظاهر باطن، فرد معبود، حي لا يموت، أزلي لا يفوت، أبدي الملكوت سرمدي الجبروت، قيوم لا ينام، عزيز لا يضام، منيع لا يرام، له الأسماء العظام والمواهب الجسام، قضى بالفناء على جميع الأنام فقال: ﴿كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].
وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء، ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: ١٠].
﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرض إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون﴾ [السجدة: ٥].
خلق الخلائق وأفعالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم، لا مقدم لما أخر، ولا مؤخر لما قدم، أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه، يعلم السر وأخفى، عليم بذات الصدور، ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤].
هو المحرك، هو المسكن، لما تتصوره الأوهام ولا تقدره الأذهان، ولا يقاس بالناس،
стр. 111
جل أن يشبه بما صنعه، أو يضاف إلى ما اخترعه وابتدعه، محصي الأنفاس، القائم على كل نفس بما كسبت ﴿لقد أحصاهم وعدهم عدًا * وكلهم آتية يوم القيامة فردًا﴾ [مريم: ٩٤ - ٩٥]، ﴿لتجزى كل نفس بما تسعى﴾ [طه: ١٥]، ﴿ليجزى الذين أساؤوا بما عملا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى﴾ [النجم: ٣١] غنى عن خلقه، رازق لبريته، يطعم ولا يطعم، يرزق ولا يرزق، يجير ولا يجار عليه، الخليقة مفتقرة إليه، لم يخلقهم لاجتلاب نفع ولا دفع ضرر، ولا لداع دعاة إليه، ولا لخاطر خطر له، وفكر حدث له، بل إرادة مجردة كما قال وهو أصدق القائلين: ﴿ذو العرش المجيد * فعال لما يريد﴾ [البروج: ١٥ - ١٦].
متفردة بالقدرة على اختراع الأعيان، وكشف الضر والبلوى وتقليب الأعيان وتغيير الأحال، ﴿كل يوم هو في شأن﴾ [الرحمن: ٢٩].
يسوق ما قدر إلى ما وقت.
وأنه تعالى حي بحياة، وعالم بعلم، وقادر بقدرة، ومريد بإرادة، وسميع بسمع، وبصير ببصر، ومدرك بإدراك، ومتكلم بكلام، وآمر بأمر، وناه بنهي، ومخبر بخبر.
وأنه تعالى عادل في حكمه وقضائه، ومحسن متفضل في عطائه وإنعامه، مبدئ ومعيد، محيي ومميت، محدث وموجد، مثيب ومعاقب، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يقبض ويبسط، يضحك ويفرح، يحب ويكره، ويبغض ويرضى، ويغضب ويسخط، يرحم ويغفر، ويعطي ويمنع، له يدان وكلتا يديه يمين، قال جل وعلا: ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧]، روى عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه قال: ((قرأ رسول الله- ﷺ على المنبر ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧] وقال: تكون في يمينه يرمي بها كما يرمي الغلام بالكرة، ثم يقول: أنا العزيز، قال: فلقد رأيت رسول الله- ﷺ يتحرك على المنبر حتى كاد يسقط)).
قال ابن عباس ﵄: يقبض الأرضين والسموات جميعًا، فلا يرى طرفهما من قبضته.
وعن ابن عمر عن النبي- ﷺ أنه قال: ((المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من
стр. 112
نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين)).
خلق آدم ﵇ بيده على صورته، وغرس جنة عدن بيده، وغرس شجرة طوبى بيده، وكتب التوراة بيده، وناولها موسى من يده إلى يده، وكلمه تكليمًا من غير واسطة ولا ترجمان، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ويوعيها ما أراد، والسموات والأرض يوم القيامة في كفه كما جاء في الحديث.
ويضع قدمه في جهنم، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط، ويخرج قومًا من النار بيده.
وينظر أهل الجنة إلى وجه، ويرونه لا يضامون في رؤيته، ولا يضارون، كما جاء في الحديث: ((يتجلى لهم يعطيهم ما يتمنون))، وقال عز من قائل: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦] قيل: الحسنى هي الجنة، والزيادة: النظر إلى وجهه الكريم، وقال تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
ويعرض عليه العباد يوم الفصل والدين، يتولى حسابهم بنفسه، ولا يتولى ذلك غيره.
وأن الله تعالى خلق سموات بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض، ومن الأرض العليا إلى السماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عم، والماء فوق السماء السابعة، وعرش الرحمن فوق الماء، والله تعالى على العرش، ودونه حجب من نار ونور وظلمة، وما هو أعلم به، وللعرش حملة يحملونه، قال : ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله﴾ [غافر: ٧] الآية.
وللعرش حد يعمله الله تعالى، قال الله : ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش﴾ [الزمر: ٧٥] وهو من ياقوتة حمراء، وسعته كسعة السموات والأرضين.
والكرسي عند العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة.
وهو جل وعلا يعلم ما في السموات السبع وما بينهن وما تحتهن، وما في الأرضين السبع وما تحتهن وما بينهن وما تحت الثرى، وما في قعر البحار ومنبت كل شعرة وكل
стр. 113
شجرة وكل زرع ينبت، ومسقط كل ورقة، وعدد ذلك كله، وعدد الحصى والرمل والتراب، ومثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وأعمال العباد وآثارهم، وأنفاسهم وكلامهم، ويعلم كل شيء لا يخفى عليه شيء من ذلك.
وهو باين من خلقه، لا يخلو من علمه مكان، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال: إنه في السماء على العرش، كما قال جل ثناؤه ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، وقوله: ﴿ثم استوى على العرش الرحمن﴾ [الفرقان: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: ١٠].
والنبي- ﷺ حكم بإسلام الأمة لما قال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء.
وقال النبي- ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: لما خلق الله الخلق كتب كتابًا على نفسه، وهو عنده، فوق العرش: أن رحمتي تغلب غضبي.
وفي لفظ آخر: لما قضى الله سبحانه الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش أن رحمتي سبقت غضبي.
وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش لا على معنى القعود والمماسة كما قالت المجسمة والكرامية، ولا على معنى العلو والرفعة كما قالت الأشعرية، ولا على معنى الاستيلاء والغلبة كما قالت المعتزلة، لأن الشرع لم يرد بذلك، ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين من السلف الصالح من أصحاب الحديث، بل المنقول عنهم حمله على الإطلاق.
وقد روى عن أم سلمة زوج النبي- ﷺ في قوله : ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به واجب، والجحود به كفر.
وقد أسنده مسلم بن الحجاج عنها عن النبي- ﷺ في صحيحه، وكذلك في حديث أنس بن مالك ﵁.
وقال أحمد بن حنبل ﵀ قبل موته بقريب: أخبار الصفات تمر، كما جاءت، بلا تشبيه ولا تعطيل.
стр. 114
وقال أيضًا في رواية بعضهم: لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله ، أو حديث عن النبي- ﷺ أو عن أصحابه ﵃، أو عن التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود، فلا يقال في صفات الرب : كيف، ولم، ولا يقول ذلك إلا شاك.
وقال أحمد ﵀، في رواية عنه في موضع آخر: نحن نؤمن بأن الله على العرش، كيف شاء، وكما شاء، بلا حد ولا صفة، يبلغها واصف، أو يحده حاد، لما روى عن سعيد بن المسيب عن كعب الأحبار قال الله تعالى في التوراة: أنا الله فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي، وأنا على عرشي، عليه أدبر عبادي، ولا يخفى علي شيء من عبادي.
وكونه على العرش مذكورًا في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف، ولأن الله تعالى فيما لم يزل موصوف بالعلو والقدرة والاستيلاء والغلبة على جميع خلقه من العرش وغيره، فلا يحمل الاستواء على ذلك.
فالاستواء من صفات الذات بعدما أخبرنا به، ونص عليه، وأكده في سبع آيات من كتابه، والسنة المأثورة به، وهو صفة لازمة له، ولائقة به كاليد والوجه والعين والسمع والبصر والحياة والقدرة، وكونه خالقًا ورازقًا ومحييًا ومميتًا، موصوف بها، ولا نخرج من الكتاب والسنة، نقرأ الآية والخبر، ونؤمن بما فيهما، ونكل الكيفية في الصفات إلى علم الله ، كما قال سفيان بن عيينة ﵀: كما وصف الله تعالى نفسه في كتابه.
فتفسيره قراءته، لا تفسير له غيرها، ولا نتكلف غير ذلك، فإنه غيب، لا مجال للعقل في إدراكه، ونسأل الله تعالى العفو والعافية، ونعوذ به من أن نقول فيه وفي صفاته ما لم يخبرنا به هو أو رسوله ﵊.
وأنه تعالى ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا، كيف شاء وكما شاء، فيغفر لمن أذنب وأخطأ وأجرم وعصى لمن يختار من عباده ويشاء، ﵎ العلي الأعلى، لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى، لا بمعنى نزول رحمته وثوابه على ما ادعته المعتزلة والأشعرية، لما روى عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ : ((ينزل الله ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من
стр. 115
سائل فيعطى سؤاله؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ هل من عان فيفك عانيه؟ حتى يصبح الصبح، ثم يعلو ربنا ﵎ على كرسيه)).
وفي لفظ آخر عن عباده بن الصامت ﵁ عن النبي- ﷺ أنه قال: ((ينزل الله ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: ألا عبد من عبادي يدعوني فأستجيب له؟ ألا ظالم لنفسه يدعوني فأغفر له؟ ألا مقتر عليه رزقه يدعوني فأرزقه؟ ألا مظلوم يذكرني فأنصره؟ ألا عان يدعوني فأفكه؟ قال: فيكون كذلك إلى أن يطلع الصبح، ويعلو على كرسيه)).
وقد روى هذا الحديث بألفاظ مختلفة عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله وعلي ﵃، وعن عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء وابن عباس وعائشة رضوان الله عليهم، كلهم عن رسول الله- ﷺ .
ولهذا كانوا يفضلون صلاة آخر الليل على أوله.
وروى أبو بكر الصديق ﵁ عن النبي- ﷺ أنه قال: ((ينزل الله ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا، فيغفر لكل نفس إلا لإنسان في قلبه شحناء، أو شرك بالله ).
وروى عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: ((إن الله إذا ذهب شطر الليل الأول ينزل إلى سماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى ينشق الفجر)).
وقيل لإسحاق بن راهوية: ما هذه الأحاديث التي تحدث بها عن الله تعالى ينزل
стр. 116
إلى السماء الدنيا، والله يصعد ويتحرك، قال للسائل: تقول إن الله تعالى يقدر على أن ينزل ويصعد، ولا يتحرك؟ قال: نعم، قال: فلم تنكره؟.
وقال يحيى بن معين: إذا قال لك الجهمي: كيف ينزل؟ فقل له: كيف صعد؟.
وقال الفضيل بن عياض ﵀: إذا قال لك الجهمي: أنا كافر برب ينزل، فقل له: أنا مؤمن برب يفعل ما يشاء.
وعن شريك بن عبد الله ﵀ لما قيل له عندنا قوم ينكرون هذه الأحاديث-: من جاءنا بأسماء ليست عن رسول الله- ﷺ الصلاة والصيام والزكاة والحج، وإنما عرفنا الله بهذه الأحاديث.
(فصل) ونعتقد أن القرآن كلام الله كتابه وخطابه ووحيه الذي نزل به جبريل على رسول الله- ﷺ .
كما قال : ﴿نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].
هو الذي بلغه رسول الله- ﷺ أمته امتثالًا لأمر رب العالمين بقوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة: ٦٧].
وروى عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: ((كان النبي- ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي)).
وقال : ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦] كلام الله تعالى هو القرآن غير مخلوق كيفما قرئ وتلى وكتب، وكيفما تصرفت به قراءة قارئ، لفظ لافظ، وحفظ حافظ، هو كلام الله وصفة من صفات ذاته، غير محدث ولا مبدل ولا مغير ولا مؤلف ولا منقوص ولا مصنوع ولا مزاد فيه، منه بدأ تنزيله، وإليه يعود حكمه، كما قال النبي- ﷺ ، في حديث عثمان بن عفان ﵁: ((إن فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه)).
وذلك أن القرآن منه ﵎ خرج وإليه يعد فمعناه: أن تنزيله وبدايته وظهوره
стр. 117
منه ، وإليه يعود حكمه الذي هو العبادات من أداء الأوامر وانتهاء النواهي، لأجله تفعل وتترك، فالأحكام عائدة إليه .
وقيل: منه بدء حكمًا، وإليه يعود علمًا، وهو كلام الله في صدور الحافظين وألسن الناطقين وفي أكف الكاتبين وملاحظة الناظرين ومصاحف أهل الإسلام وألواح الصبيان حيثما رؤى ووجد.
فمن زعم أنه مخلوق أو عبارته أو التلاوة غير المتلو، أو قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم، ولا يخالط ولا يؤاكل ولا يناكح ولا يجاور، بل يهجر ويهان، ولا يصلى خلفه، ولا تقبل شهادته، ولا تصح ولايته في نكاح وليه، ولا يصلى عليه إذا مات، فإن ظفر به استتيب ثلاثًا كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل.
سئل الإمام أحمد بن حنبل ﵀ عمن قال: لفظي بالقرىن مخلوق فقال: كفر.
وقال ﵀ فيمن قال: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، والتلاوة مخلوقه، أو ألفاظنا بالقرآن مخلوقة: هو كافر.
وروى عن أبي الدرداء ﵁ أنه سأل النبي- ﷺ عن القرآن فقال: ((كلام الله غير مخلوق)).
وروى عن عبد الله بن عبد الغفار وكان مولى لرسول الله- ﷺ ، عتاقة عن النبي- ﷺ قال: ((إذا ذكر القرآن فقولوا: كلام الله غير مخلوق، فمن قال مخلوق فهو كافر)).
وقال الله : ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ [العراف: ٥٤]، ففصل بين الخلق والأمر، فلو كان أمره الذي هو كن، الذي به يخلق الخلق مخلوقًا لكان ذلك تكرارًا وعيبًا لا فائدة فيه. كأنه قال: ألا له الخلق والخلق، والله يتعالى عن ذلك.
وعن ابن مسعود وابن عباس ﵃ أنهما فسرا قوله : ﴿قرآنًا عربيًا غير ذي عوج﴾ [الزمر: ٢٨] أنه غير مخلوق.
وقد هدد الله تعالى الوليد بن المغيرة المخزومي حين سمى القرآن قول البشر- بسقر فقال: ﴿إن هذا إلا سحر يؤثر * إن هذا إلا قول البشر * سأصليه سقر﴾ [المدثر: ٢٤ - ٢٦].
стр. 118
فكل من قال: القرآن عبارة أو مخلوق، أو لفظي بالقرآن مخلوق، فله سقر، كما هو للوليد، إلا أن يتوب.
وقال تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦]، ولم يقل: حتى يسمع كلامك يا محمد.
وقال تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١]، يعني القرآن الذي هو في الصدور والمصاحف.
وقال : ﴿وإذا قرئ القرآن فاستعموا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
وقال تعالى: ﴿وقرآنًا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث﴾ [الإسراء: ١٠٦] والناس إنما سمعوا قراءة النبي- ﷺ ولفظه، فلفظه بالقرآن هو القرآن، ومدح الله الجن الذين سمعوا قراءة النبي- ﷺ : ﴿فقالوا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا * يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا﴾ [الجن: ١ - ٢].
وقال تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن﴾ [الأحقاف: ٢٩].
وسمى الله قراءة جبريل ﵇ للقرآن قرآنًا، فقال جل وعلا: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه قرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ [القيامة: ١٦ - ١٨].
وقال تعالى: ﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾ [المزمل: ٢٠].
وأجمع المسلمون على أن من قرأ فاتحة الكتاب في صلاة إنه قارئ كتاب الله، وأن من حلف أنه لا يتكلم فقرأ القرآن لم يحنث، فدل على أنه ليس بعبارة.
وقال النبي- ﷺ في حديث معاوية بن الحكم ﵁: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي القراءة، والتسبيح، والتهليل، وتلاوة القرآن)).
فأخبر أن تلاوة القرآن هي القرآن، فعلم بذلك أن التلاوة هي المتلو، والله تعالى، ورسوله- ﷺ أمر المؤمنين بالقراءة في الصلاة، ونهيا عن الكلام، فلو كانت قراءتنا كلامنا لا كلام الله لكنا مرتكبين للنهي في الصلاة.
стр. 119
(فصل) ونعتقد أن القرآن حروف مفهومة وأصوات مسموعة.
لأن بها يصير الأخرس والساكت متكلمًا وناطقًا، وكلام الله لا ينفك عن ذلك، فمن جحد ذلك الكتاب فقد كابر حسه، وعميت بصيرته، قال الله : ﴿ألم * ذلك الكتاب﴾ [البقرة: ١ - ٢]، ﴿حم﴾، ﴿طسم * تلك آيات الكتاب﴾ [القصص: ١ - ٢]، فقد ذكر حروفًا وكنى عنها بالكتاب، وقال تعالى: ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله﴾ [لقمان: ٢٧].
فأثبت لنفسه كلمات متعددة غير متناهية الأعداد، وكذلك قوله: ﴿قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله ممددًا﴾ [الكهف: ١٠٩].
وقال النبي- ﷺ : ((إقرؤوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول: ﴿الم﴾ حرف، ولكن الألف عشر، واللام عشر، والميم عشر، فذلك ثلاثون﴾.
وقال النبي- ﷺ : ((أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف)).
وقال تعالى في حق موسى ﵇: ﴿وإذ نادى ربك موسى﴾ [الشعراء: ١٠]، ﴿وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيًا﴾ [مريم: ٥٢].
وقال تعالى لموسى ﵇: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ [طه: ١٤].
كل هذا لا يكون إلا صوتًا، ولا يجوز أن يكون هذا النداء وهذا الاسم والصفة إلا لله ، دون غيره من الملائكة وسائر المخلوقات.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي- ﷺ : ((إذا كان يوم القيامة، يأتي الله في ظلل من الغمام، فيتكلم بكلام طلق ذلق، فيقول- وهو أصدق القائلين-: انصتوا فطالما أنصت لكم، منذ خلقتكم، أرى أعمالكم، وأسمع أقوالكم، فإنما هي صحائفكم، تقرأ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله ، ومن وجد غير
стр. 120
ذلك فلا يلومن إلا نفسه)).
وروى البخاري في صحيحه بإسناده عن عبد الله بن أنيس ﵁ أنه قال: ((سمعت رسول الله- ﷺ يقول: يحشر الله سبحانه العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان)).
وروى عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله ﵁ قال: ((إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجدًا حتى إذا فزع عن قلوبهم، قال: سكن عن قلوبهم، نادى أهل السماء: أهل السماء ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، قال: كذا وكذا، يعني ذكر الوحي)).
وعن عبد الله بن الحرث، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ((إن الله ﵎ إذا تكلم بالوحي سمع أهل السموات صوتًا كصوت الحديد إذا وقع على الصفا فيخرون له سجدًا فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم، قالوا الحق وهو العلي الكبير)).
قال محمد بن كعب: قال بنو إسرائيل لموسى ﵇: بم شبهت صوت ربك حين كلمك في هذا الخلق، قال: شبهت صوت ربي بصوت الرعد حين لا يرتجع.
وهذه الآيات والأخبار تدل على أن كلام الله صوت لا كصوت الآدميين، كما أن علمه قدرته وبقية صفاته لا تشبه صفات الآدميين، كذلك صوته.
وقد نص الإمام أحمد ﵀ على إثبات الصوت في رواية جماعة من الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين.
خلاف ما قالت الأشعرية من أن كلام الله معنى قائم بنفسه، والله حسيب كل مبتدع ضال مضل، فالله سبحانه لم يزل متكلمًا وقد أحاط كلامه بجميع معاني الأمر والنهي والاستخبار.
وقال ابن خزيمة ﵀: كلام الله تعالى متواصل لا سكوت فيه ولا صوت.
стр. 121
وقيل لأحمد بن حنبل ﵀: هل يجوز أن تقول إن الله تعالى متكلم، ويجوز عليه السكوت؟ فقال ﵀: نقول في الجملة إن الله تعالى لم يزل متكلمًا، ول ورد الخبر بأنه سكت لقلنا به ولكنا نقول إنه متكلم كيف شاء بلا كيف ولا تشبيه.
(فصل) وكذلك حروف المعجم غير مخلوقة وسواء كان ذلك في كلام الله تعالى أو في كلام الآدميين.
وقد ادعى قوم من أهل السنة أنها قديمة في القرآن الشريف محدثة في غيره، وهذا خطأ منهم، بل القول السديد هو الأول من مذهب أهل السنة بلا فرق، لقوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٢].
وهي حرفان فلو كانت ((كن)) مخلوقة لاحتاجت إلى ((كن)) تخلق بها إلى ما لا نهاية له، وقد تقدمت أدلة كثيرة من الآيات فلا نعيدها.
وأما من السنة فما روي عن النبي- ﷺ أنه قال لعثمان بن عفان لما سئل عن أ، ب، ت، ث، إلى آخر الحروف.
فقال: الألف من اسم الله الذي هو الله، والباء من اسم الله الذي هو البارئ، والتاء من اسم الله الذي هو المتكبر، والثاء من اسم الله الذي هو الباعث والوارث، حتى أتى إلى آخرها، فذكر أنها كلها من أسماء الله وصفاته.
وأسماؤه غير مخلوقة. وقال النبي- ﷺ في حديث علي كرم الله وجهه لما سأله عن معنى أبجد هوز حطي ... إلى آخرها: يا علي ألا تعرف تفسير أبي جاد؟ الألف من اسم الله الذي هو الله، والباء من اسم الله الذي هو البارئ، والجيم من اسم الله الذي هو الجليل ... إلى آخرها. فذكر النبي- ﷺ أنها من أسماء الله وهي في كلام الآدميين.
وقد نص أحمد بن حنبل ﵀ على قدم حروف الهجاء، فقال في رسالته إلى أهل نيسابور وجرجان: ومن قال إن حروف التهجي محدثة فهو كافر بالله، ومتى حكم أن ذلك مخلوق فقد جعل القرآن مخلوقًا.
ولما قيل له ﵀ إن فلانًا يقول: إن الله تعالى لما خلق الحروف انضجعت اللام، وانتصبت الألف، فقالت لا أسجد حتى أؤمر. فقال أحمد هذا كفر من قائله.
стр. 122
وقال الشافعي ﵀: لا تقولوا بحدث الحروف فإن اليهود أول ما هلكت بهذا، ومن قال بحدث حرف من الحروف فقد قال بحدث القرآن.
ولأنه لا يخلو إما أن يقال هي قديمة في القرآن أو محدثة فيه فإن قيل هي قديمة في القرآن فوجب أن تكون قديمة في غيره، لأنه لا يجوز أن يكون الشيء الواحد قديمًا وهو بعينه محدث.
فإن قالوا هي محدثة في القرآن فقد تقدمت الأدلة على قدمها في القرآن، فإذا ثبت ذلك في القرآن فكذلك في غيره.
فإن قالوا فهذا يفضي إلى أن جميع الكلام يكون قديمًا، قيل يلزم القرآن لما لم يقل ذلك في حروف الهجاء.
(فصل) ونعتقد أن الله له تسعة وتسعون اسمًا، مائة إلا واحد، من أحصاها دخل الجنة.
وذلك مروي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي- ﷺ أنه قال: ((إن لله تعالى تسعة وتسعون اسمًا مئة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة)).
وجميعها في القرآن في سور متفرقة: منها خمسة أسماء في الفاتحة، وهي: يا الله، يا رب، يا رحمن، يا رحيم، يا مالك.
وفي سورة البقرة ستة وعشرون اسمًا: يا محيط، يا قدير، يا عليم، يا حليم، يا تواب، يا بصير، يا واسع، يا بديع، يا سميع، يا كافي، يا رؤوف، يا شاكر، يا واحد، يا غفور، يا حكيم، يا قابض، يا باسط، يا لا إله إلا هو، يا حي، يا قيوم، يا علي، يا عظيم، يا ولي، يا غني، يا حميد.
وفي آل عمران أربعة أسماء: يا قائم، يا واهب، يا سريع، يا خبير.
وفي سورة النساء ستة أسماء: يا رقيب، يا حسيب، يا شهيد، يا غفور، يا مقيت، يا وكيل.
وفي الأنعام خمسة أسماء: يا فاطر، يا قاهر، يا قادر، يا لطيف، يا خبير.
وفي الأعراف اسمان: يا محيي، يا مميت.
стр. 123
وفي الأنفال اسمان: يا نعم المولى، ويا نعم النصير.
وفي هود سبعة أسماء: يا حفيظ، يا رقيب، يا مجيد، يا قوي، يا مجيب، يا ودود، يا فعال لما تريد.
وفي الرعد اسمان: يا كبير، يا متعال.
وفي إبراهيم اسم واحد: وهو يا منان.
وفي الحجر اسم واحد: وهو يا خلاق.
وفي النحل اسم: يا باعث.
وفي مريم اسمان، يا صادق، يا وارث.
وفي المؤمنين اسم: يا كريم.
وفي النور ثلاثة أسماء: يا حق، يا مبين، يا نور.
وفي الفرقان: يا هادي.
وفي سبأ: يا فتاح.
وفي المؤمن أربعة أسماء: يا غافر، يا قابل، يا شديد، يا ذا الطول.
وفي الذاريات ثلاثة أسماء: يا رزاق، يا ذا القوة، يا متين.
وفي الطور: يا منان.
وفي اقتربت الساعة: يا مقتدر.
وفي الرحمن: يا باقي، يا ذا الجلال، يا ذا الإكرام.
وفي الحديد أربعة: يا أول، يا آخر، يا ظاهر، يا باطن.
وفي الحشرة عشرة أسماء: يا قدوس، يا سلام، يا مؤمن، يا مهيمن، يا عزيز، يا جبار، يا متكبر، يا خالق، يا بارئ، يا مصور.
وفي البروج: يا مبدئ، يا معيد.
وفي قل هو الله أحد: يا أحد، يا صمد.
هكذا ذكرها سفيان بن عيينة ﵀.
وذكر عبد الله بن أحمد أسماء زوائد على هذه: وهي: يا قاهر، يا فاصل، يا فالق، يا رقيب، يا ماجد، يا جواد، يا أحكم الحاكمين.
стр. 124
وذكر أبو بكر النقاش في كتاب تفسير الأسماء والصفات، عن جعفر بن محمد- يعني الصادق ﵀ أنه قال: إن لله ثلاثمائة وستين اسمًا.
وروى أيضًا عن غيره: مئة وأربعة عشرة اسمًا.
وكل ذلك محمول على أنهم وجدوا في القرآن أسماء مكررة فعدوها أسماء، والصحيح ما ذكر عن أبي هريرة ﵁.
(فصل) ونعتقد أن الإيمان قول باللسان، ومعرفة بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، ويقوى بالعلم ويضعف بالجهل، وبالتوفيق يقع.
كما قال الله : ﴿فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا وهو يستبشرون﴾ [التوبة: ١٢٤].
وما جاز عليه الزيادة جاز عليه النقصان. وقال تعالى: ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون﴾ [الأنفال: ٢].
وقوله : ﴿ليستبقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانًا﴾ [المدثر: ٣١].
وما روى عن ابن عباس وأبي هريرة وأبي الدرداء ﵃، أنهم قالوا: الإيمان يزيد وينقص. وغير ذلك مما يطول شرحه.
وقد أنكرت الأشعرية زيادة الإيمان ونقصانه. وهو في اللغة تصديق القلب المتضمن للعلم بالمصدق به، وهو في الشريعة: التصديق؛ وهو العلم بالله وصفاته مع جميع الطاعات الواجبات منها والنوافل واجتناب الزلات والمعاصي.
ويجوز أن يقال الإيمان: هو الدين والشريعة والملة؛ لأن الدين هو ما يدان به من الطاعات مع اجتناب المحظورات والمحرمات، وذلك هو صفة الإيمان.
وأما الإسلام: فهو من جملة الإيمان وكل إيمان إسلام، وليس كل إسلام إيمانًا.
لأن الإسلام هو بمعنى الاستسلام والانقياد وكل مؤمن مستسلم منقاد لله تعالى. وليس كل مسلم مؤمنًا بالله، لأنه قد يسلم مخافة السيف.
فالإيمان اسم يتناول مسميات كثيرة، أفعالًا وأقوالًا، فيعم جميع الطاعات.
والإسلام عبارة عن الشهادتين مع طمأنينة القلب والعبادات الخمس.
وقد أطلق الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أن الإيمان غير الإسلام، فذهب إلى
стр. 125
الحديث المروي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: ((بينما أنا عند رسول الله- ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شددي بياض الثوب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى رسول الله- ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، ثم قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال- ﷺ : أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا، قال: صدقت، قال: فتعجبنا منه يسأله ويصدقه، ثم قال: أخبرني عن الإيمان: قال- ﷺ : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان: قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان.
قال عمر ﵁: فلبثت هنيهة. ثم قال لي رسول الله- ﷺ : هل تدرون من السائل؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال- ﷺ : فإنه جبريل جاءكم يعلمكم دينكم)).
وفي لفظ آخر قال: ((ذلك جبريل أتاكم ليعلمكم أمر دينكم، وما أتاني قط في صورة إلا عرفته إلا في صورته هذه)).
فقد فرق جبريل ﵇ بين الإسلام والإيمان بسؤالين: فأجاب النبي- ﷺ عنهما بجوابين مختلفين فذهب الإمام أحمد ﵁ إلى حديث الأعرابي حيث قال: ((يا رسول الله أعطيت فلانًا ومنعتني فقال له النبي- ﷺ ذلك مؤمن: فقال الأعرابي: وأنا مؤمن. فقال له النبي- ﷺ أو مسلم أنت؟)).
وذهب أيضًا إلى قول الله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ [الحجرات: ١٤].
واعلم أن زيادة الإيمان: إنما تكون على التحقيق بعد أداء الأوامر وانتهاء النواهي
стр. 126
بالتسليم في القدر، وترك الاعتراض على الله في فعله في خلقه، وترك الشك في وعده في الأقسام والرزق وفي الثقة به، والتوكل عليه، والخروج من الحول والقوة والصبر على البلاء والشكر على النعماء، والتنزيه للحق، وترك التهمة له في سائر الأحوال، وأما بمجرد الصلاة والصوم فلا.
وسئل الإمام أحمد ﵀ عن الإيمان أمخلوق هو أم غير مخلوق؟ فقال: من قال إن الإيمان مخلوق فقد كفر؛ لأن في ذلك إيهامًا وتعريضًا بالقرآن، ومن قال إنه غير مخلوق فقد ابتدع؛ لأن في ذلك إيهام أن إماطة الأذى عن الطريق وأفعال الأركان غير مخلوقة فقد أنكر على الطائفتين.
وذكر في الحديث أن النبي- ﷺ قال: ((الإيمان بضع وسبعون خصلة، أفضلها قول: لا إله الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)).
وإنما كفر القائل بخلق القرآن، وبدع الآخر لأن مذهبه ﵀ مبني على أن القرآن إذا لم ينطق بشيء ولم يرو في السنة عن رسول الله- ﷺ شيء فانقرض عصر الصحابة ولم ينقل أحد منهم قولًا، فالكلام فيه بدعة وحدث.
ولا يجوز للمؤمن أن يقول: أنا مؤمن حقًا، بل يجب أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، خلاف ما قالت المعتزلة إنه يجب أن يقول: أنا مؤمن حقًا.
وإنما قلنا ذلك لما روى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: من زعم أنه مؤمن فهو كافر.
وعن الحسن ﵁: أن رجلًا قال عند عبد الله بن مسعود ﵁: إني مؤمن.
فقيل لابن مسعود إن هذا يزعم أنه مؤمن قال: فاسألوه أفي الجنة هو أم هو في النار؟ فسألوه فقال: الله أعلم. فقال عبد الله: فهلا وكلت الأخرى كما وكلت الأولى.
ولأن المؤمن حقًا من هو عند الله تعالى مؤمن، وهو الذي يكون من أهل الجنة.
ولا يكون كذلك إلا بعد موافاته بالإيمان، ويختم له بذلك، ولا يعلم أحد بما يختم له.
стр. 127
فينبغي أن يكون خائفًا راجيًا مصلحًا حذرًا مترقبًا حتى يأتيه الموت على خير عمل، وإن الناس يموتون على ما عشوا عليه، ويحشرون على ما ماتوا عليه، كما جاء في الحديث: قال ﵊: «كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تبعثون».
ونعتقد أن أفعال العباد خلق الله وكسب لهم خيرها وشرها، حسنها وقبيحها ما كان منها طاعة ومعصية، لا على معنى أنه أمر بالمعصية، لكن قضى بها وقدرها، وجعلها على حسب قصده، وأنه قسم الأرزاق وقدرها، فلا يصدها صاد ولا يمنعها مانع، لا زائدها ينقص، ولا ناقصها يزيد، ولا ناعمها يخشن، ولا خشنها ينعم، ورزق غد لا يؤكل اليوم، وقسم زيد لا ينقل إلى عمرو.
وإنه تعالى يرزق الحرام كما يرزق الحلال، على معنى أنه يجعله غذاء للأبدان وقامًا للأجسام لا على معنى إباحة الحرام.
وكذلك القاتل لم يقطع أجل المقتول المقدر له، بل يموت بأجله، وكذلك الغريق، ومن هدم عليه الحائط وألقى من شاهق، ومن أكله السبع، وكذلك هداية المسلمين والمؤمنين وضلالة الكافرين إليه جميع ذلك فعل له صنعة، لا شريك له في ملكه.
وإنما أثبتنا كسبًا لموضع توجه الأمر والنهي والخطاب إليهم، ثم استحقاق الثواب والعقاب لديه كما وعده وضمن -جل وعز-، قال الله تعالى: ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧، الأحقاف: ١٤، الواقعة: ٢٤].
وقال : ﴿بما صبرتم﴾ [الرعد: ٢٤]، وقال -جل وعلا-: ﴿ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٤].
وقال ﵎: ﴿هذه النار التي كنتم بها تكذبون﴾ [الطور: ١٤]، وقال تعالى: ﴿ذلك بما قدمت يداك﴾ [الحج: ١٠] وغير ذلك من الآيات.
فعلق سبحانه الجزاء على أفعالهم، فأثبت لهم كسبًا خلاف ما قالت الجهمية من أنه لا كسب للعباد، وأنه كالباب يرد ويفتح، والشجرة تحرك وتهز. وهم الجاحدون للحق، الرادون للكتاب والسنة.
والدليل على أن ذلك خلق الله وكسب للعباد خلافًا للقدرية في قولهم: إن جميع ذلك خلق للعبادة دون الله .
стр. 128
تبًا لهم وهم مجوس هذه الأمة جعلوا لله شركاء ونسبوه إلى العجز، وأن يجرى في ملكه ما لا يدخل في قدرته ولا إرادته تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا لقوله : ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ [الصافات: ٩٦]، وكما قال تعالى: ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧، الأحقاف: ١٤، الواقعة: ٢٤].
فلما كان الجزاء واقعًا على أعمالهم كان الخلق واقعًا على أعمالهم، ولا جائز أن يقال: المراد بذلك ما يعملون من الحجارة والأصنام، لأن الحجارة أجسام، والعباد لا يعملون، وإنما الأعمال التي يقع فيها ما يعملها العباد فوجب أن يرجع الخلق إلى أعمالهم من الحركات والسكنات وقال تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] والمعنى للخلاف، وقال تعالى: ﴿أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء﴾ [الرعد: ١٦].
وقال -جل وعلا-: ﴿هل خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض﴾ [فاطر: ٣]، وقال تعالى إخبارًا عن المشركين: ﴿وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا﴾ [النساء: ٧٨].
وقال النبي ﷺ في حديث حذيفة ﵁: «إن الله تعالى خلق كل صانع وصنعته، حتى خلق الجازر وجزوره».
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله قال: أنا خلقت الخير والشر فطوبى لمن قدرت على يديه الخير، وويل لمن قدرت على يديه الشر».
وسئل علي ﵁ عن أعمال العباد التي يستوجبون من الله السخط والرضى، أشيئًا من الله أم شيء من العباد، قال هي: لله خلق وللعباد عمل.
ويعتقد أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة من الكبائر والصغائر لا يكفر بها وإن خرج من الدنيا بغير توبة إذا مات على التوحيد والإخلاص، بل يرد أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه وأدخله النار، فلا يدخل بين الله تعالى
стр. 129
وبين خلقه ما لم يخبرنا الله بمصيره.
(فصل) ونعتقد أن من أدخله الله النار بكبيرته مع الإيمان فإنه لا يخلد فيها، بل يخرجه منها.
فأن النار في حقه كالسجن في الدنيا فيستوفى منه بقدر كبيرته وجريمته، ثم يخرج برحمة الله تعالى ولا يخلد فيها، ولا تلفح وجهه النار ولا تحرق أعضاء السجود منه، لان ذلك محرم على النار، ولا ينقطع طمعه من الله في كل حال مادام في النار حتى يخرج منها فيدخل الجنة، ويعطى الدرجات على قدر طاعته التي كانت له في الدنيا، خلاف ما قالته القدرية إن الكبيرة تحبط الطاعات، فلا يثاب عليها، وكذلك قول الخوارج تبًا لهم.
(فصل) وينبغي أن يؤمن بخير القدر وشره، وحلو القضاء ومره.
وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه بالحذر، وما أخطأه من الأسباب لم يكن ليصيبه بالطلب، وأن جميع ما كان في سالف الدهور والأزمان، وما يكون، إلى يوم البعث والنشور بقضاء الله وقدره المقدور، وأنه لا محيص لمخلوق من القدر المقدور الذي خط في اللوح المسطور، وأن الخلائق لو جهدوا أن ينفعوا المرء بما لم يقضه الله تعالى لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروه لم يقضه الله عليه لم يستطيعوا.
كما ورد في خبر ابن عباس ﵄ وقال، قال الله تعالى: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده﴾ [يونس: ١٠٧].
وروى عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة» وفي لفظ آخر «أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا بأربع كلمات: خلقه ورزقه وعمله وشقي أم سعيد، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبينها إلا باع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا باع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها».
стр. 130
وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة وإنه لمكتوب في الكتاب أنه من أهل النار فإذا كان عند موته تحول فعمل بعمل أهل النار، فمات فدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار وإنه لمكتوب في الكتاب أنه من أهل الجنة، فإذا كان قبل موته عمل بعمل أهل الجنة، فمات فدخل الجنة».
وعن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «بينما نحن مع رسول الله ﷺ وهو ينكث في الأرض إذ رفع رأسه فقال: ما من أحد إلا وقد علم مقعده من النار، أو مقعده من الجنة، فقالوا: أفلا نتكل؟ قال ﷺ اعملوا فكل ميسر لما خلق له».
وعن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵁ قال: إن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «يا رسول الله، أرأيت ما نعمل فيه، أشيء قد فرغ منه، أو شيء مبتدع، أو مبتدأ؟ قال رسول الله ﷺ : لا، بل فيما قد فرغ منه، قال: أفلا نتكل؟ قال ﵊: اعمل يا ابن الخطاب فكل ميسر لما خلق له، فمن كان من أهل السعادة فيعمل للسعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فيعمل للشقاوة».
(فصل) ونؤمن بأن النبي ﷺ رأى ربه ليلة الإسراء بعيني رأسه لا بفؤاده ولا في المنام.
لما روى جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: «قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ [النجم: ١٣].
قال: رأيت ربي -جل اسمه- مشافهمة لاشك فيه، وفي قوله تعالى: ﴿عند سدرة المنتهى﴾ [النجم: ١٤] قال: رأيته عند سدرة المنتهى حتى تبين لي نور وجهه».
وقال ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ [الإسراء: ٦٠] هي رؤيا عين رأيها النبي ﷺ ليلة أسري به».
стр. 131
وقال ابن عباس ﵄: كانت الخلة لإبراهيم ﵇ والكلام لموسى ﵇، والرؤية لمحمد ﷺ .
وقال ابن عباس ﵄: رأى محمد ﷺ ربه بعينيه مرتين.
ولا يعارض هذا ما روي عن عائشة ﵂ من إنكار ذلك، لأنه نفي وهذا إثبات فقدم عند الاجتماع لأن النبي ﷺ أثبت لنفسه الرؤية.
وقال أبو بكر بن سليمان: رأى محمد ﷺ ربه إحدى عشرة مرة، منها بالسنة تسع مرات في ليلة المعراج حين كان يتردد بين موسى ﵇ وبين ربه يسأله أن يخفف عن أمته الصلاة فنقص خمسًا وأربعين صلاة في تسع مقامات ومرتين بالكتاب.
(فصل) ونؤمن بأن منكرًا ونكيرًا إلى كل أحد ينزلان سوى النبيين.
فيسألانه ويمتحنانه عما يعتقده من الأديان، وهما يأتيان القبر، فيرسل فيه الروح، ثم يقعد، فإذا سئل سلت روحه بلا ألم.
ونؤمن بأن الميت يعرف من يزوره إذا أتاه، وآكده يوم الجمعة بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس.
والإيمان بعذاب القبر وضغطته واجب لأهل المعاصي والكفر وجميع الخلق سوى النبيين ثم يخفف عن المؤمنين برحمة الله ، وكذلك النعيم فيه لأهل الطاعة والإيمان، خلاف ما قالت المعتزلة من إنكارهم ذلك، وإنكارهم مسألة منكر ونكير.
ودليل أهل السنة على إثبات ذلك، قوله : ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ [إبراهيم: ٢٧].
قيل في التفسير ﴿في الحياة الدنيا﴾: عند خروج الروح، ﴿وفي الآخرة﴾: عند مسألة منكر ونكير.
وما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قبر أحدكم أو الإنسان أتاه
стр. 132
ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ يعني محمدًا رسول الله، فهو قائل ما كان يقول، فإذا كان مؤمنًا قال هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فيقولان إنا كنا لنعلم أنك تقول مثل ذلك. ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين ذراعًا، وينور له فيه، ثم يقال له: نم. فيقول: دعوني أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقال له: نم كنومة العروس التي لا يوقظها إلا أحب أهلها إليها، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك.
وإن كان منافقًا قال: لا أدري كنت أسمع الناس يقولون شيئًا وكنت أقوله، فيقولان: إنا كنا نعلم أنك تقول ذلك، ثم يقال للأرض التئمي عليه، فتلتأم حتى يختلف فيها أضلاعه، فلا يزال فيها معذبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك».
وتعلقوا أيضًا بما روى عطاء بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: «يا عمر كيف أنت إذا أعد لك من الأرض ثلاثة أذرع وشبر في عرض ذراع وشبر، ثم قام إليك أهلك فغسلوك وكفنوك وحنطوك، ثم حملوك حتى يغيبوك فيه، ثم يهيلوا عليك التراب، ثم انصرفوا عنك، وأتاك مُسائلا القبر منكر ونكير، أصواتهما مثل الرعد القاصف، وأبصارهما مثل البرق الخاطف قد سدلا شعورهما فتلتلاك وتوهلاك وقالا: من ربك وما دينك؟
قال: يا نبي الله أو يكون معي قلبي الذي هو معي اليوم؟ قال ﷺ : نعم. قال: إذًا أكفيكهما بإذن الله ».
وهذا دليل ونص على أن ذلك يكون بعد إعادة الروح، لأن عمر قال أو يكون قلبي، فقال النبي ﷺ : نعم.
وعن المنهال بن عمرو عن البراء بن عازب ﵁-ما قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار وانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس النبي ﷺ وجلسنا حوله وكأن على رؤوسنا الطير من هيبته، وفي يده عود ينكت به الأرض فرفع رأسه وقال: أستعيذ بالله من عذاب القبر، مرتين أو ثلاث.
ثم قال ﷺ : إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت
стр. 133
عليه ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، ومعهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، فيجلسون معه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس المطمئنة الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوانه، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء فيأخذونها ولا يدعونها في يده طرفة عين حين يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن والحنوط، فيخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون هذا فلان ابن فلان بأحسن أسمائه، ثم ينتهون بها إلى سماء الدنيا فيستفتحون لها فيفتح لهم فيستقبلوها ويشيعوها من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهوا إلى السماء السابعة، فيقول الله اكتبوا كتابه في عليين وأعيدوه إلى الأرض: ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ [طه: ٥٥].
فتعاد الروح إلى جسده، ويأتيه ملكان فيقولان له: من ربك وما دينك؟ فيقول: ربي الله وديني الإسلام، فيقولان له: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ ، جاءنا بالحق، فيقولان له: وما علمك بذلك؟ فيقول: قرأت كتاب الله تعالى، وآمنت به وصدقته، فينادى من السماء: صدق عبدي فافرشوا له من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الجنة، فيأتيه ريحها وطيبها ويفسح له في قبره، مد البصر، ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح فيقول له: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول عند ذلك: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة.
وإن العبد الكافر إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا أنزل الله تعالى عليه ملائكة من السماء سود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون معه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط الله وغضبه فتتفرق في أعضائه كلها فينزعها كما ينزع العود من الصوف المبلول، فتنقطع منه العروق والعصب فيأخذونها فيجعلونها في تلك المسوح فيخرج منها كأنتن جيفة، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: هذا فلان ابن فلان بأقبح أسمائه حتى ينتهوا بها إلى سماء الدنيا فيستفتحون لها فلا يفتح لهم، ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ [الأعراف: ٤٠]،
стр. 134
ثم يقول الله : «اكتبوا كتابه في سجين» ثم تطرح روحه طرحًا، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق﴾ [الحج: ٣١].
يعني ترد فتعاد إليه روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي المنادي من السماء: كذب عبدي فافرشوا له فراشًا، من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابًا من النار، فيدخل عليه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح المنظر والثياب منتن الريح فيقول له: أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول من أنت؟ فيقول: أنا عملك السوء، فيقول: رب لا تقم الساعة.
وعن عبد الله بن عمر ﵄، قال: إن المؤمن إذا وضع في قبره يوسع عليه في قبره سبعون ذراعًا عرضًا وسبعون ذراعًا طولًا، وتنثر عليه الرياحين، ويستر بالحرير في الجنة، فإن كان معه شيء من القرآن كفاه نوره، وإن لم يكن معه شيء من القرآن جعل له نور مثل نور الشمس، ويكون مثله كمثل العروس تنام فلا يوقظها من نومتها إلا أحب أهلها إليها، فتقوم من نومتها كأنها لم تشبع منها.
وإن الكافر إذا وضع في قبره يضيق عليه قبره، حتى تدخل أضلاعه في جوفه، ويرسل عليه حيات كأمثال أعناق البخث فتأكل لحمه حتى لا يذرن على عظمه لحمًا، ويرسل عليه شياطين صم بكم عمي، ويقال: هو الشيطان الرجيم، ومعهم فطاطيس من حديد، فيضربونه بها حتى لا يسمعوا صوته فيرحمونه، ولا يبصرونه فيرحمونه، وتعرض عليه النار بكرةً وعشيًا.
فهذه أخبار دالة على إثبات عذاب القبر ونعيمه، فإن اعترضوا عليها فقالوا: كيف القول في المصلوب والمحترق والغريق ومن أكلته السباع فتفرقت بلحمه والطير معها فحصل أجزاء متعددة؟
стр. 135
فيقال لهم إن النبي ﷺ ذكر عذاب القبر والمسألة على ما هو معهود وعادة في الخلق أنهم يدفنون في القبور، وإن وجد ميت على هذه الصفة البعيدة النادرة لا يمتنع أن يقال: إن الله يصير روحه إلى الأرض، ثم تضغط وتسئل وتعذب وتنعم، كما أن أرواح الكفار تعذب كل يوم مرتين، غدوة وعشية، حتى تقوم الساعة، ثم تدخل النار مع الأجساد حينئذ، كما قال تعالى: ﴿النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦].
وإن أرواح الشهداء والمؤمنين في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنة، وتأوى إلى قناديل من نور تحت العرش ثم تأتي إلى الأجساد عند النفخة الثانية إلى الأرض للعرض والحساب يوم القيامة.
كما روى عن ابن عباس ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ : «لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل أثمارها، وتأوى إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم، قالوا: من يبلغ عنا إخواننا أننا أحياء في الجنة نرزق، فلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله وهو أصدق القائلين: أنا أبلغهم فأنزل : ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]».
فيجوز أن تقع المسألة والعذاب والنعيم ببعض جسد الكافر والمؤمن دون بقية أجزائه ويكون ما فعل بالبعض فعلًا بالكل، وقد قيل: إن الله يجمع تلك الأجزاء المتفرقة للضغط والمسألة كما يفعل ذلك في الحشر والمحاسبة.
ثم إن الإيمان بالبعث من القبور والنشر عنها واجب، كما قال : ﴿وإن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور﴾ [الحج: ٧]. وكما قال الله : ﴿كما بدأكم تعودون﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال -جل وعلا-: ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ [طه: ٥٥].
سيحشرهم ويجمعهم جميعًا -جل وعلا-: ﴿لتجزى كل نفس بما تسعى﴾ [طه: ١٥]، ﴿ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾ [النجم: ٣١]، وقال
стр. 136
- ﷻ : ﴿الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم﴾ [الروم: ٤٠].
فالذي قدر على إنشاء الخلق قادر على إعادتهم، وقد أنكرت المعطلة ذلك تبًا لهم.
(فصل) والإيمان بأن الله تعالى يقبل شفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر والأوزار واجب.
قبل دخول النار عامًا للحساب لجميع أمم المؤمنين، وبعد دخولها لأمته خاصة، فيخرجون منها بشفاعته ﷺ وغيره من المؤمنين حتى لا يبقى في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، ومن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله مرة واحدة في عمره مخلصًا لله خلاف ما زعمت القدرية من إنكار ذلك.
وفي كتاب الله تكذيبهم قال الله : ﴿فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١].
وقوله : ﴿فما لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ...﴾ [الأعراف: ٥٣] الآية.
وقال الله ﷻ : ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: ٤٨].
فقد أثبت الله تعالى في الآخرة شفاعة، وكذلك في السنة.
وهو ما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة أنا ولا فخر، وأنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا صاحب لواء الحمد ولا فخر، وأنا أول من يدخل الجنة ولا فخر، وأنا آخذ بحلقة باب الجنة، فيؤذن لي فيستقبلني وجه الجبار ، فأخر له ساجدًا. فيقول تعالى: يا محمد ارفع رأسك واشفع تشفع وسل تعط، فأرفع رأسي فأقول: يارب أمتي أمتي، فلا أزال أرجع إلى ربي، فيقول لي: اذهب فانظر، فمن وجدت في قلبه مثقال حبة من الإيمان فأخرجه من النار.
قال ﷺ فأخرج من أمتي أمثال الجبال، ثم يقول لي النبيون: ارجع إلى ربك فاسأله، فأقول قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه».
وقال النبي ﷺ في حديث جابر بن عبد الله ﵄: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
стр. 137
وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة -إن شاء الله تعالى- لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا».
وقال ﷺ في حديث أنيس الأنصاري ﵁: «إني لأشفع يوم القيامة لأكثر مما على وجه الأرض من حجر ومدر».
وله ﷺ شفاعة في القيامة عند الميزان وعلى الصراط، وكذلك ما من نبي إلا وله شفاعة.
وعن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: يقول إبراهيم ﵇ يوم القيامة: يا رباه. فيقول الله : يا لبيكاه، فيقول: يارب أحرقت بني آدم. فيقول -جل وعلا-: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال برة أو شعيرة من الإيمان.
وكذلك للصديقين والصالحين من كل أمة شفاعة.
وقال ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «لكل نبي عطية، وإني اختبأت عطيتي شفاعة لأمتي، وإن الرجل من أمتي ليشفع للقبيلة فيدخلهم الله تعالى الجنة بشفاعته، وإن الرجل ليشفع لفئام من الناس فيدخلهم الله الجنة بشفاعته، وإن الرجل ليشفع لثلاثة نفر، والرجل لاثنين، وإن الرجل ليشفع لرجل».
وقال النبي ﷺ في حديث ابن مسعود ﵁: «ليدخل الجنة قوم من المسلمين قد عذبوا في النار برحمة الله تعالى وشفاعة الشافعين».
وأيضًا في حديث أويس القرني ﵀ ورضي عنه- المعروف: «ولله تفضل وتكرم ورحمة ومنة على من يشاء من أهل النار في إخراجهم من النار بعدما احترقوا وصاروا فحمًا».
стр. 138
وعن الحسن عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «مازلت أشفع إلى ربي فيشفعني حتى أقول: يارب شفعني فيمن قال: لا إله إلا الله.
فيقول -جل وعلا-: هذه ليست لك يا محمد ولا لأحد، هذه لي، وعزتي وجلالي ورحمتي لا أدع في النار واحدًا يقول: لا إله إلا الله».
(فصل) والإيمان بالصراط على جهنم واجب.
وهو جسر ممدود على متن جهنم يأخذ من يشاء الله إلى النار، ويجوز من يشاء ويسقط في جهنم من يشاء.
ولهم في تلك الأحوال أنوار على قدر أعمالهم فهم بين ماش وساع وراكب وزحف وسحب.
وقد وصفه النبي ﷺ بأنه ذو كلاليب في خبر فيه طول إلى أن قال ﷺ : «ذو كلاليب مثل شوك السعدان، هل تعرفون شوك السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلمها إلا الله ، فتخطف الناس، فمنهم موبق بعمله ومنهم المخردل، ثم ينجو المخردل، المرمي المصروع» وقيل ذلك للمنقطع أيضًا.
وقال ﷺ : «استجيبوا ضحاياكم فإنها مطاياكم على الصراط».
وجاء في وصف الصراط عنه ﷺ : «أنه أدق من الشعرة وأحر من الجمرة وأحد من السيف، طوله ثلثمائة سنة من سنى الآخرة، يجوزه الأبرار وتزل عنه الفجار، وقيل طوله ثلاثة آلاف سنة من سنى الآخرة».
(فصل) وأهل السنة يعتقدون أن لنبينا ﷺ حوضًا في القيامة.
يسقى منه المؤمنون، دون الكافرين، ويكون ذلك بعد جواز الصراط قبل دخول الجنة، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا، عرضه مسيرة شهر، ماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، حوله أباريق على عدد نجوم السماء، فيه ميزابان يصبان من الكوثر، أصله في الجنة وفرعه في الوقف.
стр. 139
وقد ذكره النبي ﷺ في حديث ثوبان ﵁: «أنا عند حوضي يوم القيامة، فسئل النبي ﷺ عن سعة الحوض، فقال: ﷺ : ما بين مقامي هذا إلى عمان، شرابه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، فيه ميزابان من الجنة، أحدهما من ورق والآخر من ذهب، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا».
وقال ﷺ في حديث عبد الله بن عمر ﵄: «موعدكم حوضي عرضه مثل طوله، وهو أبعد ما بين إيلة إلى مكة، وذلك مسيرة شهر، فيه أباريق أمثال الكواكب، ماؤه أشد بياضًا من الفضة، من ورده فشرب منه لم يظمأ بعدها أبدًا».
وكذلك لكل نبي من الأنبياء حوض إلا صالحًا النبي، فإن حوضه ضرع ناقته يسقى من ذلك مؤمنون كل أمة منهم دون الكافرين.
وفي حديث آخر عن النبي ﷺ أنه قال: «حوضي ما بين عدن وعمان، حافتاه خيام الدر المجوف، وآنيته عدد نجوم السماء، طينة المسك الأذفر، وماؤه أبيض من اللبن وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا، فيذاد عني يوم القيامة رجال كما تذاد الغريبة من الإبل فأقول: ألا هلم ألا هلم، فيقال لي إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: وما أحدثوا؟ فيقال: إنهم غيروا وبدلوا فأقول: ألا سحقًا وبعدًا».
وقد أنكرت ذلك المعتزلة فلا يسقون منه، ويدخلون النار وردًا عطشًا إن لم يتوبوا عم مقالتهم وجحودهم الحق ورد الآيات والأخبار والآثار.
وروي عن أنس بن مالك ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: «من كذب بالشفاعة لم يكن له فيها نصيب ومن كذب بالحوض لم يكن له فيه نصيب».
(فصل) وأهل السنة يعتقدون أن الله يجلس رسوله ونبيه المختار على سائر رسله وأنبيائه معه على العرش يوم القيامة.
стр. 140
لما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ في قوله : ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال يجلسه معه على السرير.
وعن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت سألت رسول الله ﷺ عن المقام المحمود، فقال ﷺ : «وعدني ربي القعود على العرش».
وكذلك عن عمر بن الخطاب ﵁، وعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: إذا كان يوم القيامة جيء بنبيكم ﷺ فأقعد بين يدي الله على كرسيه، فقيل له يا أبا مسعود إذا كان معه على كرسيه أليس هو معه؟ قال: ويلكم هذا أقر حديث في الدنيا لعيني».
وقال الحجاج في حديثه: إذا كان يوم القيامة نزل الجبار جل اسمه على عرشه وقدماه على الكرسي، ويؤتي بنبيكم ﷺ فيقعد بين يديه على الكرسي، فقالوا للحميدي: إذا كان على الكرسي فهو معه، قال: نعم، ويلكم هو معه».
(فصل) ويعتقد أهل السنة أن الله تعالى يحاسب عبده المؤمن يوم القيامة، ويدنيه منه فيضع كنفه عليه حتى يستره من الناس.
لما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى بالمؤمن يوم القيام فيدنيه الله تعالى منه، فيضع كنفه عليه حتى يستره من الناس فيقول: عبدي أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ مرتين، فيقول: نعم رب، حتى إذا قرره بذنوبه كلها فرأى نفسه أنه قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم».
ومعنى المحاسبة: تعريف الله تعالى عبده بمقادير ثواب الأعمال وعذابه بقراءة سيئاته أو حسناته وما له وما عليه.
وقد أنكرت المعطلة المحاسبة، وقد كذبهم الله تعالى بقوله: ﴿إن إلينا إيابهم * ثم إن
стр. 141
علينا حسابهم﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
(فصل) ويعتقد أهل السنة أن لله تعالى ميزانًا يزن فيه الحسنات والسيئات يوم القيامة، له كفتان ولسان.
وقد أنكرت المعتزلة مع المرجئة والخوارج ذلك، فقال: إن معنى الميزان: العدل دون موازنة الأعمال، وفي كتاب الله وسنة رسوله تكذيبهم، قال الله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية﴾ [القارعة: ٦ - ٩].
والعدل لا يوصف بالخفة والثقل، وإنما هو بيد الرحمن ﷻ ؛ لأنه هو الذي يتولى حسابهم، لما روى النواس بن سمعان الكلابي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الميزان بيد الرحمن ، يرفع أقوامًا ويضع آخرين يوم القيامة».
وقيل إنه بيد جبرائيل ﵇ لما روى عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: إن جبرائيل ﵇ صاحب الميزان، فيقول له ربه زن يا جبريل بينهم فيرجح بعضهم على بعض.
وروى عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوضع الميزان يوم القيامة، فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة الميزان، ويوضع ما أحصى من عمله في كفة، فيميل به الميزان، فيبعث الله به إلى النار فإذا أدبر به إذا صائح يصيح من عند الرحمن: لا تعجلوا لا تعجلوا، فإنه قد بقى له، فيؤتى بشيء فيه لا إله إلا الله فيوضع مع الرجل في كفة حسناته حتى يميل به الميزان، فيؤمر به إلى الجنة».
وفي حديث آخر عن النبي ﷺ أنه قال: إنه يؤتى بالرجل يوم القيامة إلى الميزان ثم يؤتى بتسعة وتسعين سجلًا كل سجل مد البصر فيها كلها سيئاته وخطيئاته فترجح سيئاته على حسناته فيؤمر به إلى النار، فإذا أدبر به إذا صائح يصيح من عند الرحمن لا تعجلوا لا تعجلوا فقد بقى له، فيؤتى بمثل رأس الإبهام، وأمسك على النصف منها،
стр. 142
فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله، فيوضع في كفة حسناته فتثقل حسناته على سيئاته، فيؤمر به إلى الجنة.
وفي لفظ آخر: فيخرج له بقرطاس مثل هذا -وأمسك على إبهامه- فيه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ... إلى آخر الحديث.
وقيل إن الصنج يؤمئذ مثاقيل الذر والخردل تكون الحسنات في صورة حسنة تطرح في كفة النور فيثقل بها الميزان برحمة الله وتكون السيئات في صورة سيئة تطرح في كفة الظلمة فيخف بها الميزان بعدل الله تعالى.
وعلامة تثقيل الميزان ارتفاعها، وعلامة خفتها انحطاطها بخلاف موازين الدنيا، وقد قيل مثل موازين الدنيا.
وسبب تثقيلها الإيمان وقول الشهادتين، وسبب خفتها الشرك بالله ، فإذا ارتفعت أدخل صاحبها الجنة لأنها عالية، وإذا خفت أدخل صاحبها النار الهاوية، لأنها في التخوم أسفل السافلين.
كما قال الله : ﴿فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية﴾ [القارعة: ٦ - ٧] أي في جنة عالية. ﴿وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية﴾ [القارعة: ٨ - ٩] أي أصله ومأواه ومرجعه نار حامية، وهي هاوية.
والناس في موازنة الأعمال على ثلاثة أضرب: منهم من ترجح حسناته على سيئاته، فيؤمر به إلى الجنة، ومنهم من ترجح سيئاته على حسناته، فيؤمر به إلى النار. ومنهم من لا ترجح إحداهما على الأخرى، فهم أصحاب الأعراف، ثم ينالهم الله برحمته إذا شاء فيدخلهم الجنة. فهو قوله : ﴿وعلى الأعراف رجال﴾ [الأعراف: ٤٦].
والذي يوزن صحائف أعمالهم على ما ذكرنا من تسعة وتسعين سجلًا وطريق ذلك النقل والسمع.
وأما المقربون فيدخلون الجنة بغير حساب، كما جاء في الحديث: «أنه يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، ومع كل واحد منهم سبعون ألفًا» على نص الحديث المشهور.
وأما الكافرون فيدخلون النار بغير حساب، ومن المؤمنين من يحاسب حسابًا يسيرًا ثم يؤمر به إلى الجنة على ما تقدم.
стр. 143
ومنهم من يناقش ثم أمره إلى الله إن شاء أمر به إلى الجنة أو إلى النار. قال الله : ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حسابًا يسرًا * وينقلب إلى أهله مسرورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩] الآية، وقال جل وعلا: ﴿وكل إنسان ألزمانه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤].
وقال النبي ﷺ في حديث علي ﵁: «إن الله يحاسب كل الخلق إلا من أشرك بالله، فإنه لا يحاسب ويؤمر به إلى النار».
(فصل) ويعتقد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان، وهما الداران أعدهما الله تعالى.
إحداهما للنعيم والثواب لأهل الطاعة والإيمان، والأخرى للعقاب والنكال لأهل المعاصي والطغيان، وهما منذ خلقهما الله تعالى باقيتان لا تفنيان أبدًا، وهي الجنة التي كان فيها آدم وحواء ﵉ وإبليس اللعين، ثم أخرجا منها، القصة المشهورة.
وقد أنكرت المعتزلة ذلك، فأما الجنة فلا يدخلونها، وأما النار فلعمري هم فيها خالدون مخلدون لإنكارهم ولحكمهم بذلك للمؤمن الموحد المطيع لله سبعين سنة بكبيرة واحدة، وفي كتاب الله العزيز وسنة رسول الله ﷺ تكذيبهم. قال الله : ﴿وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين﴾ [آل عمران: ١٣٣].
وقال : ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣١] وما كان معدًا كان موجودًا يعلمه كل عاقل فعلم أنهما مخلوقتان.
وقال رسول الله ﷺ في حديث أنس بن مالك ﵁: «دخلت الجنة فإذا أنا بنهري يجري؟ حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ماء يجري إذ مسك أذفر، قلت: يا جبريل ما هذا، قال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله تعالى».
وقال ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: حين قيل له يا رسول الله أخبرنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال ﵊: لبنة من فضة ولبنة من ذهب، وبلاطها المسك الأذفر، وحصاها الياقوت واللؤلؤ، وترابها الورس والزعفران، من دخلها يخلد
стр. 144
ولا يموت وينعم ولا يبأس، ولا يخلق ثيابهم ولا يبلى شبابهم».
فهذا دليل على كونهما مخلوقتين، وأن نعيم الجنة دائم لا يفنى، كما قال الله تعالى: ﴿أكلها دائم وظلها﴾ [الرعد: ٣٥]، وقال : ﴿لا مقطوعة ولا ممنوعة﴾ [الواقعة: ٣٣].
ومن نعيمها الحور العين خلقهن الله تعالى في الجنة للبقاء، لا يفنين ولا يمتن كما قال الله : ﴿فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن أنس قبلهم ولا جان﴾ [الرحمن: ٥٦]، وقوله ﵎: ﴿حور مقصورات في الخيام﴾ [الرحمن: ٧٢].
وروت أم سلمة زوج النبي ﷺ قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن قول الله : ﴿كأمثال اللؤلؤ المكنون﴾ [الواقعة: ٢٣].
قال: صفاؤهن كصفاء الدر في الأصداف ... إلى أن قال: يقلن نحن الخالدات فلا نموت أبدًا، ونحن الناعمات فلا نبأس أبدًا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدًا، ونحن الراضيات فلا نسخط أبدًا، وهن في دار حق ولا يقلن إلا حقًا، والنبي ﷺ صادق لا يقول إلا حقًا فقد أخبر أنهن خالدات لا يمتن أبدًا.
وروى معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو عندك دخيل يوشك إن يفارقك إلينا».
فإذا ثبت أنهما لا يفنيان وما فيهما أبدًا فلا يخرج الله تعالى من الجنة أحدًا، ولا يسلط على أهلها الموت فيها، ولا يزول عنهم نعيمها فهم في كل يوم في مزيد نعيم أبد الآباد.
وتمام نعيمهم أن الله يأمر بالموت فيذبح على صورة كبش أملح بين الجنة والنار، وينادي المنادي: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت، على ما ورد به الخبر الصحيح عن النبي ﷺ .
стр. 145
(فصل) ويعتقد أهل الإسلام قاطبة أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم رسول الله، وسيد المرسلين وخاتم النبيين ﵈، وأنه مبعوث إلى الناس كافة وإلى الجن عامة.
كما قال الله : ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ [سبأ: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وقال النبي ﷺ في حديث أبي أمامة ﵁: «إن الله فضلني على الأنبياء بأربع: أرسلني إلى الناس كافة ...» وذكر الحديث.
وأنه ﷺ أعطى من المعجزات ما أعطى غيره من الأنبياء وزيادة، وقد عدها بعض أهل العلم ألف معجزة.
منها القرآن المنظوم على وجه مخصوص مفارق لجميع أوزان كلام العرب ونظمه وترتيبه وبلاغته وفصاحته على وجه جاوز فصاحة كل فصيح، وبلاغة كل بليغ، وعجزت العرب أن تأتي بمثله، ولا بسورة منه كما قال الله تعالى: ﴿فأتوا بعشر سور مثله مفتريات﴾ [هود: ١٣] فلم يأتوا، ثم قال تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ [البقرة: ٢٣] فعجزوا عن ذلك مع براعتهم وفصاحتهم على أهل زمانهم، وانقطعوا فظهر فضله عليهم، فلذلك صار القرآن معجزة له ﷺ ، كالعصا في حق موسى ﵇ لأن موسى بعث في زمن السحرة الحذاق في صنعتهم، فتلقفت عصا موسى ﵇ ما سحروا به أعين الناس وخيلوه إليهم: ﴿فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين * وألقي السحرة ساجدين﴾ [الأعراف: ١١٩ - ١٢٠].
وكإحياء عيسى ﵇ الموتى، وإبراءه الأكمه والأبرص لأنه ﵇ بعث في زمن الناس فيه أطباء حذاق، يوقفون الأعلال والأسقام التي لا تبرأ ببراعتهم في حذق الصنعة، فانقادوا إليه وأمنوا به لمجاوزته في الصنعة عليهم وبراعته في المعجزة فيما تعاطوه منه.
ففصاحة القرآن وإعجازه معجزة للنبي ﷺ كالعصا وإحياء الموتى في حق موسى وعيسى ﵉.
ومن معجزاته ﵊ نبع الماء من بين أصابعه وإطعام الزاد القليل
следующие страницы →