Полный текст (666 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ويصوم نهارها، وليلتي العيدين يقوم ليلهما ويفطر نهارهما وليلة النصف من شعبان يقوم ليلها ويصوم نهارها، وليلة عاشوراء يقوم ليلها ويصوم نهارها.
(فصل) وقد جمع بعض العلماء ﵏ الليالي التي يستحب إحياؤها فقال: إنها أربع عشرة ليلة في السنة، وهي أول ليلة من شهر المحرم، وليلة عاشوراء، وأول ليلة من شهر رجب، وليلة النصف منه، وليلة سبع وعشرين منه، وليلة النصف من شعبان، وليلة عرفة، وليلتا العيدين، وخمس ليال منها في شهر رمضان وهي وتر ليالي العشر الأواخر.
وكذلك يستحب مواصلة سبعة عشر يومًا بالأوراد والمواظبة على العبادة فيها، وهي: يوم عرفة، ويوم عاشوراء، ويوم النصف من شعبان، ويوم الجمعة، ويوما العيدين، والأيام المعلومات وهي عشر ذي حجة، والأيام المعدودات وهي أيام التشريق، وأكدها يوم الجمعة وشهر رمضان، لما روي أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا سلم يوم الجمعة سلمت الأيام وإذا سلم شهر رمضان سلمت السنة".
ثم آكد الأيام وأفضلها بعد ذلك يوم الاثنين والخميس، وهما يومان ترفع فيهما الأعمال إلى الله .
(فصل: في الأدعية المأثورة في أول ليلة من رجب)
ويستحب أن يدعو في أول ليلة من رجب إذا فرغ من صلاته بهذا الدعاء وهو أن يقول: إلهي تعرض لك في هذه الليلة المتعرضون، وقصدك القاصدون، وأمل فضلك ومعروفك الطالبون، ولك في هذه الليلة نفحات وجوائز وعطايا ومواهب، تمن بها على من تشاء من عبادك، وتمنعها ممن لم تسبق له العناية منك، وها أنا عبدك الفقير إليك، المؤمل فضلك ومعروفك، فإن كنت يا مولاي تفضلت في هذه الليلة على أحد من خلقك وجدت عليه بعائدة من عطفك، فصل على محمد وآله، وجد على بطولك ومعروفك يا رب العالمين.
وكان علي بن أبي طالب ﵁ يفرغ نفسه للعبادة في أربع ليال في السنة وهي: أول ليلة من رجب، وليلة الفطر، وليلة الأضحى، وليلة النصف من شعبان.
стр. 317
وكان من دعائه فيها" اللهم صل على محمد وآله ومصابيح الحكمة وموالي النعمة ومعادن العصمة، واعصمني بهم من كل سوء، ولا تأخذني على غرة ولا على غفلة، ولا تجعل عواقب أمري حسرة وندامة، وارض عني، فإن مغفرتك للظالمين وأنا من الظالمين، اللهم اغفر لي ما لا يضرك، وأعطني ما لا ينفعك، فإنك الواسعة رحمته، البديعة حكمته، فأعطني السعة والدعة والأمن والصحة والشكر والمعافاة والتقوى والصبر والصدق عليك وعلى أوليائك، وأعطني اليسر مع العسر، وأعمم بذلك أهلي وولدي وإخواني فيك، ومن ولدتني من المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات.
(فصل: في الصلاة الواردة في شهر رجب)
أخبرنا الشيخ الإمام هبة الله بن المبارك السقطي حدثنا محمد بن أحمد المحاملي، حدثنا علي بن محمد المعدل بن إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا سعدان بن نصر بن منصورًا البزار، أخبرنا سفيان بن عيينة عن الأعمش عن طارق بن شهاب عن سلمان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال وقد استهل رجب: "يا سلمان ما من مؤمن ولا مؤمنة يصلي في هذا الشهر ثلاثين ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب و ﴿قل هو الله أحد﴾ ثلاث مرات، و ﴿قل يا أيها الكافرون ...﴾ ثلاث مرات، إلا محا الله عنه ذنوبه، وأعطى من الأجر كمن صام الشهر كله، وكان من المصلين إلى السنة المقبلةـ ورفع له كل يوم عمل شهيد من شهداء بدر، وكتب له بصيام كل يوم عبادة سنة، ورفع له ألف درجة، فإن صام الشهر كله وصلى هذه الصلاة أنجاه الله من النار وأوجب له الجنة، وكان في جوار الله سبحانه، أخبرني بذلك جبريل ﵇ وقال: يا محمد هذه علامة بينكم وبين المشركين والمنافقين، لأن المنافقين لا يصلون ذلك.
قال سلمان ﵁: قلت يا رسول الله، أخبرني كيف أصليها ومتى أصليها. قال: يا سلمان تصلي في أوله عشر ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة واحدة، و ﴿قل هو الله أحد ....﴾ ثلاث مرات، و ﴿قل يا أيها الكافرون ...﴾ ثلاث مرات، فإذا سلمت رفعت يديك وقلت: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، ثم امسح بهما وجهك.
стр. 318
وصل في وسط الشهر عشر ركعات اقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة واحدة، و ﴿قل هو الله أحد ...﴾ ثلاث مرات، و ﴿قل يا أيها الكافرون ..﴾ ثلاث مرات، فإذا سلمت فارفع يديك إلى السماء وقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، إلهًا واحدًا صمدًا فردًا وترًا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ثم امسح بهما على وجهك.
وصل في آخر الشهر عشر ركعات اقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة واحدة، و ﴿قل هو الله أحد ...﴾ ثلاث مرات، و ﴿قل يا أيها الكافرون ...﴾ ثلاث مرات، فإذا سلمت فارفع يديك إلى السماء وقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وسل حاجتك يستجب لك دعاؤك، ويجعل الله بينك وبين جهنم سبعين خندقًا، كل خندق كما بين السماء والأرض، ويكتب لك بكل ركعة ألف ألف ركعة، ويكتب لك براءة من النار وجوازًا على الصراط".
قال سلمان ﵁: فلما فرغ النبي ﷺ من الحديث، خررت ساجدًا أبكي شكرًا لله تعالى لما سمعت من هذه الزيادة، وجدت في كتاب العمل بالسنة، والله أعلم.
فصل في تأكيد الفضيلة في صوم أول الخميس من رجب والصلاة في أول ليلة الجمعة
أخبرنا الشيخ أبو البركات هبة الله السقطي، اخبرنا القاضي أبو الفضل جعفر بن يحيى بن الكمال المكي، أخبرنا أبو عبد الله بن الحسين بن عبد الكريم بن محمد بن محمد الجزري بمكة في المسجد الحرام، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن جهضم الهمداني، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن سعيد السعدي البصري، أخبرنا أبي، قال: أخبرنا خلف بن عبد الله الصغاني، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي، قيل: يا رسول الله ما معنى قولك شهر الله؟ قال ﷺ : لأنه مخصوص بالمغفرة، وفيه تحقن الدماء، وفيه تاب الله تعالى على أنبيائه، وفيه أنقد أولياءه من يد أعدائه، ومن صامه استوجب على الله ثلاثة أشياء: مغفرة لجميع ما سلف من ذنوبه، وعصمة فيما بقي من
стр. 319
عمره، وأما الثالث فيأمن العطش يوم العرض الأكبر، فقام شيخ ضعيف فقال: يا رسول الله إني أعجز عن صيامه كله، فقال رسول الله ﷺ : صم أول يوم منه وأوسط يوم فيه، وآخر يوم منه، فإنك تعكي ثواب من صامه كله، فإن الحسنة بعشر أمثالها، ولكن لا تغفلوا عن أول ليلى جمعة في رجب، فإنها ليلة تسميها الملائكة ليلة الرغائب، وذلك أنه إذا مضى ثلث الليل لا يبقى ملك في جميع السموات والأرضين إلا ويجتمعون في الكعبة وحواليها، فيطلع الله تعالى عليهم اطلاعة فيقول: ملائكتي سلوني ما شئتم، فيقولون: ربنا حاجتنا إليك أن تغفر لصوام رجب، فيقول الله تعالى: قد فعلت ذلك.
ثم قال رسول الله ﷺ : فما من أحد يصوم يوم الخميس أول خميس في رجب، ثم يصلي فيما بين المغرب والعشاء العتمة -يعني ليلة الجمعة- اثنتا عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة بقاتحة الكتاب مرة و ﴿إنا انزلناه في ليلة القدر ....﴾ ثلاث مرات، و ﴿قل هو الله أحد ..﴾ اثنتا عشرة مرة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة، فإذا فرغ من صلاته صلى علي سبعين مرة يقول: الله صل على محمد النبي الأمي وعلى آله وسلم، ثم يسجد سجدة يقول في سجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبعين مرة، ثم يرفع رأسه فيقول: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، فإنك أنت العزيز الأعظم سبعين مرة، ثم يسجد الثانية فيقول فيها مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله حاجته في سجوده، فإنها تقضى".
قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ما من عبد ولا أمة صلى هذه الصلاة إلا غفر الله له جميع ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر وعدد الرمل ووزن الجبال، وعدد قطر الأمطار ووزن الأشجار، وشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته، فإذا كانت أول ليلة في قبره جاءه ثواب هذه الصلاة بوجه طلق ولسان ذلق، فيقول له: يا حبيبي أبشر فقد نجوت من كل شدة، فيقول: من أنت؟ فو الله ما رأيت رجلًا أحسن وجهًا من وجهك، ولا سمعت كلامًا أحلى من كلامك، ولا شممت رائحة أحلى من رائحتك، فيقول له: يا حبيبي أنا ثواب تلك الصلاة التي صليتها في ليلة كذا في شهر كذا في سنة كذا، جئت الليلة لأقضي حاجتك، وأؤنس وحدتك، وأدفع عنك وحشتك، فإذا نفخ في الصور أظللتك في عرصات القيامة على رأسك، فأبشر فلن تعدم الخير من مولاك أبدًا".
стр. 320
(فصل: في فضل صيام يوم السابع والعشرين من رجب)
أخبرنا الشيخ أبو البركات هبة الله السقطي، قال: أخبرنا الشيخ الحافظ أبو بكر أحمد بن علي ثابت بن الخطيب، قال: أخبرنا عبد الله بن علي بن محمد بشير، قال: أخبرنا علي بن عمر الحافظ، أخبرنا أبو بكر نصر بن جيشون بن موسى الخلال، أخبرنا علي بن سعيد الديلمي، أخبرنا ضمرة بن ربيعة القرشي عن ابن شوذب عن مطر
صام يوم السابع والعشرين من رجب كتب له ثواب صيام ستين شهرًا، وهو أول يوم نزل فيه جبريل على النبي ﷺ بالرسالة".
وأخبرنا هبة الله بإسناده عن الحسن البصري ﵀ قال: "كان عبد الله بن عباس ﵄ إذا كان يوم السابع والعشرين من رجب أصبح معتكفًا وظل مصليًا إلى وقت الظهر، فإذا صلى الظهر تنفل هنيهة، ثم صلى أربع ركعات يقرأ في كل ركعة ﴿الحمد لله ...﴾ مرة، والمعوذتين مرة، و ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر ....﴾ ثلاثًا، و ﴿قل هو الله أحد ...﴾ خمسين مرة، ثم يخلد إلى الدعاء إلى قوت العصر ويقول: هكذا كان يصنع رسول الله ﷺ في هذا اليوم".
وأخبرنا هبة الله بإسناده عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وسلمان الفارسي ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "إن في رجب يومًا وليلة من صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة كان له من الأجر كمن صام مائة سنة وقامها" وهي لثلاث بقين من رجب، وهو اليوم الذي بعث فيه نبينا ﷺ .
(فصل: في آداب الصيام، وما ينهي عنه من الآثام)
يننبغي للصائم أن يجرد صومه من الآثام ويتمه بتقوى الله لما أخبرنا به الشيخ هبة الله، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن عبد الله الفقيه الحنبلي، قال: أخبرنا محمد بن أحمد الحافظ، قال: أخبرنا الحسين بن جعفر الواعظ، قال: أخبرنا أحمد بن عيسى بن السكن، قال: أخبرنا ابن إسحاق الملقب بالحسام قال: أخبرنا إسحاق بن رزين الراسني، قال: أخبرنا إسماعيل بن يحيى، قال: أخبرنا مسعر بن كدام، عن
стр. 321
عطية عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رجب من الشهور الحرام وأيامه مكتوبة على باب السماء السادسة، فإذا صام الرجل منه يومًا وجرد صومه بتقوى الله نطق الباب ونطق اليوم وقالا: يا رب اغفر له، وإذا لم يتم صومه بتقوى الله تعالى لم يستغفر له وقالا له أو قيل له: خدعتك نفسك".
وعن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الصيام جنة فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يجهل، فإن امرأ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم".
وعن النبي ﷺ أنه قال: "من لم يترك قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يترك طعامه وشرابه".
وعن الحسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الصيام جنة من النار ما لم يخرقه، قيل: وما يخرقه؟ قال: بكذبة أو بغيبة".
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ليس الصيام من الأكل والشرب، ولكن الصيام من اللغو والرفث".
أخبرنا الشيخ أبو نصر محمد بن البناء، قال: أخبرنا والدي الشيخ أبو علي بن الحسن ابن أحمد بن عبد الله بن البناء، قال: أخبرنا محمد الحافظ، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثنا جعفر بن محمد الحمال، قال: حدثنا سعيد بن عتبة، قال: أخبرنا بقية بن خلف، قال: حدثنا محمد بن الحجاج، عن خاقان، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خمس يفطران الصائم وينقضن الوضوء، الكذب، والنميمة، والغيبة، والنظر بشهوة، واليمين الكاذبة".
وأخبرنا أبو نصر عن والده بإسناده عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام من ظل يأكل لحوم الناس".
стр. 322
وأخبرنا أبو نصر عن والده بإسناده عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: "من تأمل خلف امرأة من فوق ثيابها بطل صومه".
وأخبرنا أبو نصر بإسناده عن سليمان بن موسى قال: قال جابر بن عبد الله ﵄: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك من الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا تجعل يوم صومك ويم فطرك سواء.
وقال النبي ﷺ : "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر".
وقال ﷺ : "اهتز لذلك العرش وغضب له الرب" عني به ﷺ إذا لم يرد بالعمل وجه الله تعالى بل أريد به الخلق.
وقال ﷺ : "إن الله تعالى يقول: أنا خير شريك، ومن أشرك معي شريكًا في عمله فهو لشريكي دوني، إني لا أقبل إلا ما أخلص لي، يا ابن آدم أنا خير قيم فانظر عملك الذي عملت لغيري فإنما جزاؤك على الذي عملت له".
وكان ﷺ يقول في دعائه: "اللهم طهر لساني من الكذب، وقلبي من النفاق، وعملي من الرياء، وبصري من الخيانة. فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور".
فينبغي للصائم أن يتأدب ويحذر من الرياء ونظر الخلق وعلمهم في صومه وجميع عباداته، لئلا يخسر الدنيا والآخرة.
وحدثنا الشيخ أبو نصر عن والده بإسناده عن أبي فراش أنه سمع عبد الله بن عمر ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "صام نوح الدهر إلا يومين الفطر والأضحى، وصام داود نصف الدهر، وصام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر، صام الدهر وأفطر الدهر".
وأخبرنا الشيخ أبو نصر، عن والده بإسناده عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن
стр. 323
عبد الله ﵄ "أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ من أهل البادية فقال: يا رسول الله أخبرني عن صومك، فغضب النبي ﷺ حتى احمرت وجنتاه، فلما رأى ذلك عمر ابن الخطاب ﵁ أقبل على الرجل فزجره وانتهره حتى أسكته، فلما سرى عن النبي ﷺ قال عمر ﵁: يا نبي الله جعلني الله فداءك أخبرني عن رجل يصوم الدهر كله؟ قال: لا صام ذلك ولا أفطر، أو صام ذلك ولا أفطر، فقال: يا نبي الله أخبرني عن رجل يصوم ثلاثة أيام من كل شهر؟ قابل ﷺ : ذلك صوم الدهر كله، فقال: يا نبي الله أخبرني عن رجل صوم الاثنين والخميس؟ قال ﷺ أما الخميس فيوم ترفع فيه الأعمال، وأما الاثنين فهو اليوم الذي ولدت فيه وأنزل على في الوحي".
(فصل) فإذا جاء وقت الإفطار فليقل عند إفطاره: "بسم الله، اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، سبحانك وبحمدك، ابللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم".
وكان عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ يقول عند فطره: "اللهم إني ... أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي".
وعن أبي العالية ﵀ قال: من قال عند إفطاره: الحمد لله الذي علا فقهر، والحمد لله الذي نظر فخبر، والحمد لله الذي ملك فقدر، والحمد لله الذي يحيى الموتى، فقد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
وعن مصعب بن سعيد، عن عبد الله بن الزبير عن سعيد بن مالك ﵃ قال: "إن النبي ﷺ كان إذا أفطر عن غيره قال: أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة".
(فصل) اعلم أن شهر رجب تستجاب فيه الدعوة، وتقال فيه العثرة، وتضاعف على من اجترم فيه العقوبة.
من ذلك ما أخبرنا هبة الله قال: أخبرنا القاضي هناد بن إبراهيم النسفي، قال: أخبرنا عبد القاهر بن عمر الجزري بها، قال: أخبرنا هبة الله، قال: أخبرنا محمد بن الفرحان قال: أنبأنا أحمد بن الحسين بن سعيد الأنباري، قال: أنبأنا محمد بن إبراهيم ابن يعقوب، قال: أنبأنا إبراهيم بن فراش، عن عمرو بن سمرة، عن موسى بن
стр. 324
العباس، عن الأصبغ، عن نباتة عن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄-قال: بينما نحن في الطواف إذ سمعنا صوتًا وهو يقول شعرًا:
يا من يجيب دعاء المضطر في الظلم ... يا كاشف الكرب والبلوى مع السقم
قد بات وفدك حول البيت والحرم ... ونحن ندعو وعين الله لم تنم
هب لي بجودك ما أخطأت من جرم ... يا من أشار إليه الخلق بالكرم
إن كان عفوك لم يسبق لمجترم ... فمن يجود على العاصين بالنعم
قال الحسين بن علي ﵄: قال لي أبي علي بن أبي طالب ﵁: يا حسين أما تسمع النادب ذنبه والمعاتب ربه، امض فعساك تدركه وناده، قال الحسين ﵁: فأسرعت حتى أدركته، وإذا أنا برجل جميل الوجه نقي البدن نظيف الثياب طيب الريح، إلا أنه قد شل جانبه الأيمن، فقلت: أجب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فقام يجر شقه حتى وقف على أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه فقال له: من أنت وما شأنك؟ قال: يا أمير المؤمنين ما شأن من أخذ بالعقوبة ومنع الحقوق؟ قال: وما اسمك؟ قال: منازل بن لاحق، قال: فما قصتك؟ قال: كنت مشهورًا في العرب باللهو والطرب، أركض في صبوتي ولا أفيق من غفلتي، إن تبت لم تقبل توبتي، وإن استقلت لم تقبل عثرتي، أديم العصيان في رجب وشعبان، وكان لي والد شفيق رفيق، يحذرني مصارع الجهالة وشقوة المعصية يقول لي: يا بني لله سطوات ونقمات، فلا تتعرض لمن يعاقب بالنار، فكم قد ضج منك الظلام، والملائكة الكرام والشهر الحرام والليالي والأيام، وكان إذا ألح علي بالعتب ألححت عليه بالضرب، فأبلغت إليه يومًا فقال: والله لأصومن ولا أفطر، ولأصلين ولا أنام فصام أسبوعًا ثم ركب جملًا أورق وأتى مكة يوم الحج الأكبر وقال: لأفدن إلى بيت الله الحرام ولأستعدين عليك الله، قال: فقدم مكة يوم الحج الأكبر، فتعلق بأستار الكعبة ودعا علي وقال:
يا من إليه أتى الحجاج من بعد ... يرجون لطف عزيز واحد صمد
هذا منازل لا يرتد عن عققي ... فخذ بحقي يا رحمان من ولدي
وشل منه بجود منك جانبه ... يا من تقدس لم يولد ولم يلد
قال: فو الذي رفع السماء وأنبع الماء ما استتم كلامه حتى شل جانبي الأيمن،
стр. 325
فظللت كالخشبة الملقاة بأرجاء الحرم، وكان الناس يغدون ويروحون علي ويقولون: هذا أجاب الله فيه دعوة أبيه.
فقال له ﵁: فما فعل أبوك؟ قال: يا أمير المؤمنين سألته أن يدعو الله لي في المواضع التي دعا علي فيها بعد أن رضا عني، فأجابني، فحملته على ناقة وجدت في السير حتى وصلنا إلى واد هناك يقال له واد الأراك، فنفر طائر من شجرة، فنفرت الناقة فوقع منها ومات في الطريق.
فقال علي ﵁: ألا أعلمك دعوات سمعتها من رسول الله ﷺ وقال: ما دعا بها مهموم إلا فرج الله تعالى عنه همه، ولا مكروب إلا فرج الله تعالى عنه كربه، فقال: نعم.
فقال الحسين بن علي ﵄: فعلمه الدعاء، فدعا به وخلص من مرضه وغدا علينا صحيحًا سالمًا، فقلت للرجل: كيف عملت؟
قال: لما هدأت العيون دعوت به مرة وثانية وثالثة، فنوديت: حسبك الله فقد دعوت الله باسمه الأعظم الذي إذا دعى به أجاب، وإذا سئل به أعطى، ثم حملتني عيني فنمت، فرأيت رسول الله ﷺ في منامي، فعرضتها عليه فقال ﷺ : صدق علي ابن عمي، فيها اسم الله الأعظم الذي إذا دعى به أجاب، وإذا سئل به أعطى، ثم حملتني عيني مرة ثانية فرأيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله أريد أن أسمع الدعاء منك، فقال ﷺ : قل اللهم إني أسألك يا عالم الخفية، ويا من السماء بقدرته مبنية، ويا من الأرض بعزته مدحية، ويا من الشمس والقمر بنور جلاله مشرقة ومضية، ويا مقبلًا على كل نفس مؤمنة زكية، ويا مسكن رعب الخائفين وأهل التقية، يا من حوائج الخلق عنده مقضية، يا من نجى يوسف من رق العبودية، يا من ليس له بواب ينادي، ولا صاحب يغشى، ولا وزير يؤتى، ولا غيره رب يدعى، ولا يزداد على كثرة الحوائج إلا كرمًا وجودًا، وصلى الله على محمد وآله، وأعطني سؤالي إنك على كل شيء قدير، قال: فانتبهت وقد برأت.
قال علي ﵁: تمسكوا بهذا الدعاء، فإنه كنز من كنوز العرش، وقد نقل مثل ذلك في زمن عمر بن الخطاب ﵁ وغيره مما يطول شرحه.
وفي الجملة لا ينبغي لذي لب أن يستهين بالمعاصي والمظالم ودعاء المظلوم، فقد قال
стр. 326
النبي ﷺ "الظلم ظلمات يوم القيامة".
وقال ﷺ : "إن الله ليستحين إذا بسط العبد كفيه إليه بالدعاء أن يردهما صفرًا، فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يؤخره له في يوم القيامة".
وقد أنشد في ذلك:
أتسمع بالدعاء فتزدريه ... تبين فيك ما صنع الدعاء
سهام الليل لا تخطى ولكن ... لها أمد وللأمد انقضاء
* * *
стр. 327
مجلس في فضل شهر شعبان
وما ينزل في ليلة النصف من المغفرة والرضوان
أخبرنا الشيخ أبو نصر محمد، عن والده أبي علي الحسين، أخبرنا أبو الحسين علي بن أحمد بن عمر بن حفص جعفر المقري بإفتاء أبي الفتح الحافظ، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي، أخبرنا إسحاق بن الحسن، أخبرنا عبد الله بن سلمة، أخبرنا مالك بن أنس، عن أبي النضر -مولى عمر بن عبد الله -عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ ورضي عنها أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته صام في شهر أكثر من صيامه في شعبان" وهو حديث صحيح أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف، عن مالك ﵀.
وأخبرنا أبو نصر عن محمد عن والده بإسناده عن هشام بن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وكان أحب صيامه في شعبان، فقلت: يا رسول الله ما لي أرى صيامك في شعبان؟ فقال ﷺ : يا عائشة إنه شهر ينسخ لملك الموت فيه اسم من يقبض روحه في بقية العام فأنا أحب ألا ينسخ اسمي إلا وأنا صائم".
وأخبرنا أبو نصر عن محمد عن والده بإسناده عن عطاء بن يسار، عن أم سلمة ﵂ قالت: "لم يكن رسول الله ﷺ يصوم في شهر بعد رمضان أكثر من صيامه في شعبان".
وذلك أن كل من يموت في تلك السنة ينسخ اسمه في شعبان من الأحياء إلى الأموات، وإن الرجل ليسافر وقد نسخ اسمه فيمن يموت.
стр. 328
وحدثنا أبو نصر عن والده بإسناده عن ثابت عن أنس ﵁ قال: "سئل النبي ﷺ عن أفضل الصيام قال: صيام شعبان تعظيمًا لرمضان".
وأخبرنا أبو نصر عن والده بإسناده عن معاوية بن الصالح قال: إن عبد الله بن قيس حدثه أنه سمع عائشة ﵂ تقول: "كان أحب الشهور إلى رسول الله ﷺ شعبان يصله برمضان".
وقال عبد الله ﵁: قال رسول الله ﷺ : "من صام آخر يوم إثنين من شعبان غفر له" يعني آخر إثنين فيه، لا آخر يوم من الشهر، لأن استقبال الشهر باليوم واليومين فيه منهى عنه.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما سمي شعبان لأنه ينشعب لرمضان فيه خير كثير، وإنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب".
(فصل) قال الله تعالى: ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ [ القصص: ٦٨].
فالله تعالى اختار من كل شيء أربعة، ثم اختار من الأربعة واحدًا.
اختار من الملائكة أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، ثم اختار منهم جبريل.
واختار من الأنبياء ﵈ أربعة: إبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا ﷺ أجمعين، ثم اختار منهم محمدًا ﷺ .
واختار من الصحابة ﵃ أربعة: أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا ﵃، ثم اختار منهم أبا بكر ﵁.
ومن المساجد أربعة: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد المدينة المشرفة ومسجد طور سيناء، ثم اختار منها المسجد الحرام.
ومن الأيام أربعة: يوم الفطر ويوم الأضحى ويوم عرفة ويوم عاشوراء، ثم اختار منها يوم عرفة.
ومن الليالي أربعة: ليلة البراءة وليلة القدر وليلة الجمعة وليلة العيد، ثم اختار منها
стр. 329
ليلة القدر.
ومن البقاع أربعة: مكة، والمدينة، وبيت المقدس، ومساجد العشائر، ثم اختار منها مكة.
ومن الجبال أربعة: أحدًا، وطور سيناء، ولكام، ولبنان، ثم اختار منها طور سيناء.
ومن الأنهار أربعة: جيحون، وسيحون، والفرات، والنيل، ثم اختار منها فراتًا.
واختار من الشهور أربعة: رجب وشعبان ورمضان والمحرم، واختار منها شعبان، وجعله شهر النبي ﷺ فكما أن النبي ﷺ أفضل الأنبياء كذلك شهره أفضل الشهور.
وقد روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "شعبان شهري، ورجب شهر الله، ورمضان شهر أمتي، شعبان هو المكفر، ورمضان هو المطهر".
وقال ﷺ : "شعبان شهر بين رجب ورمضان يغفل الناس عنه، وفيه ترفع أعمال العباد إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم".
وعن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: أن النبي ﷺ قال: "فضل رجب على سائر الشهور كفضل القرآن على سائر الكلام، وفضل شعبان على سائر الشهور كفضلي على سائر الأنبياء، وفضل رمضان على سائر الشهور كفضل الله تعالى على سائر خلقه".
وعن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: "كان أصحاب النبي ﷺ إذا نظروا إلى هلال شعبان أكبوا على المصاحف يقرؤونها، وأخرج المسلمون زكاة أموالهم ليتقوى بها الضعيف والمسكين على صيام شهر رمضان، ودعا الولاة أهل السجن، فمن كان عليه حد أقاموه عليه وإلا خلوا سبيله، وانطلق التجار فقضوا ما عليهم وقبضوا ما لهم، حتى إذا نظروا إلى هلال رمضان اغتسلوا واعتكفوا".
(فصل) شعبان خمسة أحرف ، شين وعين وباء وألف ونون، فالشين من الشرف، والعين من العلو، والباء من البر، والألف من الألفة، والنون من النور، فهذه العطايا
стр. 330
من الله تعالى للعبد في هذا الشهر.
وهو شهر تفتح فيه الخيرات، وتنزل فيه البركات، وتترك فيه الخطيئات، وتكفر فيه السيئات، وتكثر فيه الصلوات على محمد ﷺ خير البريات.
وهو شهر الصلاة على النبي المختار، قال الله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
فالصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الشفاعة والاستغفار ومن المؤمنين الدعاء والثناء.
وقال مجاهد ﵀: الصلاة من الله التوفيق والعصمة، ومن الملائكة العون والنصرة، ومن المؤمنين الاتباع والحرمة.
وقال ابن عطاء: الصلاة على النبي ﷺ من الله تعالى الوصلة، ومن الملائكة الرقة، ومن المؤمنين المتابعة والمحبة.
وقال غيره: صلاة الرب ﵎ على نبيه ﷺ تعظيم الحرمة، وصلاة الملائكة عليه ﷺ إظهار الكرامة، وصلاة الأمة عليه ﷺ طلب الشفاعة، وقد قال ﷺ : "من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرًا".
فينبغي لكل مؤمن لبيب ألا يغفل في هذا الشهر، بل يتأهب فيه لاستقبال شهر رمضان بالتطهر من الذنوب والتوبة عما فات وسلف فيما مضى من الأيام، فيتضرع إلى الله تعالى في شهر شعبان، ويتوسل إلى الله تعالى بصاحب الشهر محمد ﷺ حتى يصلح فساد قلبه، ويداوي مرض سره، ولا يسوف ويؤخر ذلك إلى غد، لأن الأيام ثلاثة: أمس وهو أجل، واليوم وهو عمل، وغدًا وهو أمل، فلا تدري هل تبلغه أم لا، فأمس موعظة، واليوم غنيمة، وغدًا مخاطرة.
وكذلك الشهور ثلاثة: رجب فقد مضى وذهب فلا يعود، ورمضان وهو منتظر لا تدري هل تعيش إلى إدراكه أم لا؟ وشعبان وهو واسطة بين شهرين فليغتنم الطاعة فيه.
وقد قال النبي ﷺ لرجل وهو يعظه، قيل هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁: "اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك
стр. 331
قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك".
(فصل: في ليلة البراءة: وما خصت به من الكرامة والفضائل)
قال الله :
﴿حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان: ١ - ٣].
قال ابن عباس ﵄: ﴿حم﴾ يعني قضى الله ما هو كائن إلى يوم القيامة ﴿والكتاب المبين﴾ يعني القرآن ﴿إنا أنزلناه﴾ يعني القرآن ﴿في ليلة مباركة﴾ هي ليلة النصف من شعبان وهي ليلة البراءة، وقال ذلك أكثر المفسرين سوى عكرمة فإنه قال: هي ليلة القدر.
وقد سمى الله تعالى أشياء في القرآن مباركًا:
-منها سمى القرآن مباركًا، قال: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ [الأنبياء: ٥٠] فمن بركته أن من قرأه وآمن به اهتدى، وتخلص من النار ولظى، حتى يتعدى ذلك إلى الآباء والأبناء، وقال النبي ﷺ : "من قرأ القرآن نظرًا في المصحف خفف الله عن أبويه العذاب وإن كانا كافرين".
-ومنها أنه سمى الماء مباركًا قال: ﴿ونزلنا من السماء ماء مباركًا﴾ [ق: ٩] فمن بركته أن حياة الأشياء به؛ كما قال الله : ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون﴾ [الأنبياء: ٣٠].
وقيل فيه عشر لطائف: الرقة، واللين، والقوة، واللطافة، والصفاوة، والحركة، والرطوبة، والبرودة، والتواضع، والحياة، وجعل الله تعالى هذه اللطائف في المؤمن اللبيب: رقة القلب، ولين الخلق، وقوة الطاعة، ولطافة النفس، وصفاوة العمل، والحركة في الخير، والرطوبة في العين، والبرودة في المعاصي، والتواضع عند الخلق، والحياة عند استماع الحق.
-ومنها أنه سمى الزيتون مباركًا في قوله تعالى: ﴿من شجرة مباركة زيتونة﴾ [النور: ٣]. وهي أول شجرة أكل منها آدم ﵇ حين أهبط إلى الأرض،
стр. 332
وفيها طعام واستضاءة كما قال الله تعالى: ﴿وصبغ للأكلين﴾ [المؤمنون: ٢٠].
وقيل الشجرة المباركة هو إبراهيم ﵇، وقيل هو القرآن وقيل هو الإيمان، وقيل هي نفس المؤمن المطمئنة الأمارة بالخير الممتثلة للأمر، المنتهية للنهي، المسلمة للقدر، الموافقة للرب فيما قضى وسطر.
-ومنها أنه سمي عيسى ﵇ مباركًا قال تعالى: ﴿وجعلني مباركًا أين ما كنت﴾ [مريم: ٣١] فمن بركته ﵇ ظهور الثمرة من النخلة اليابسة لأمه الصديقة مريم ﵉، ونبع الماء من تحته، قال : ﴿فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريًا * وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا * فكلي وأشربي وقري عينًا﴾ [مريم: ٢٤ - ٢٦] وأبرأ الأكمه والأبرص، وأحيا الموتى بدعوته وغير ذلك من الخير والمعجزات.
-ومنها أنه سمي الكعبة مباركًا قال : ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا﴾ [آل عمران: ٩٦].
ومن بركاتها أن من دخلها وعليه أثقال من الذنوب خرج مغفورًا له، قال الله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فمن دخل البيت وهو مؤمن محتسب تائب أمنه الله عذابه وقبل توبته وغفر له.
وقيل من دخله كان آمنًا من أن يؤذى في الحرم حتى يخرج منه، ولهذا يحرم قتل صيده وقطع شجره لحرمة الكعبة، فحرمة الكعبة لحرمة الله، وحرمة المسجد لحرمة الكعبة، وحرمة مكة لحرمة المسجد، وحرمة الحرم لحرمة مكة.
كما قيل: إن الكعبة قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل مكة، ومكة قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض.
وإنما سماها بكة لأن الأقدام تبك بعضها بعضًا: أي تدفع وتدرأ، وبكة ومكة واحد تبدل أحدهما بالأخرى، ككمد وكبد، ولازم ولازب.
-ومنها سمي ليلة البراءة مباركة لما فيها من نزول الرحمة والبركة والخير والعفو والغفران لأهل الأرض.
ومن ذلك ما أخبرنا الشيخ أبو نصر عن والده، قال: أخبرنا محمد، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، أخبرنا إسماعيل بن عمر البجلي، أخبرنا عمر بن موسى الوجيهي،
стр. 333
عن زيد بن علي عن آبائه، عن علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "ينزل الله تعالى في ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لكل مسلم إلا لمشرك أو مشاحن أو قاطع رحم أو امرأة تبغي في فرجها".
وأخبرنا أبو نصر عن والده بإسناده عن يحيى بن سعيد، عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: "لما كانت ليلة النصف من شعبان انسل النبي ﷺ من مرطي، ثم قالت: والله ما كان مرطي من حرير ولا قز ولا كتان ولا خز ولا صوف.
قال: قلت لها: سبحان الله فمن أي شيء كان؟ قالت: كان سداؤه من شعر وكانت لحمته من وبر، وأحسب نفسي أن يكون ﷺ قد أتى بعض نسائه، فقمت فالتمسته في البيت فوقعت يدي على قدميه وهو ساجد، فحفظت من دعائه ﷺ وهو يقول: سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، أبوء لك بالنعم وأعترف لك بالذنب، ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ برحمتك من نقمتك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
قالت: فما زال ﷺ قائمًا وقاعدًا حتى أصبح وقد أصعدت، يعني انتفخت قدماه وأنا أغمزها وأقول: بأبي أنت وأمي أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، أليس قد فعل الله بك، أليس أليس؟.
قال ﷺ : يا عائشة أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ هل تدرين ما في هذه الليلة؟ قالت: قلت: وما فيها؟ قال: فيها يكتب كل مولود في هذه السنة، وفيها يكتب كل ميت، وفيها تنزل أرزاقهم، وفيها ترفع أعمالهم وأفعالهم.
قلت: يا رسول الله ما أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله؟ قال ﷺ : ما أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله.
قلت: ولا أنت؟ قال ﷺ : ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته، فمسح يده على هامته وعلى وجهه".
وأخبرني أبو نصر، قال: أنبأنا والدي، حدثنا محمد بن أحمد الحافظ، أنبأنا عبد الله
стр. 334
ابن محمد، أنبأنا أبو العباس الهروي وإبراهيم بن محمد الحسن، قال: أخبرنا أبو عامر الدمشقي، أنبأنا الوليد بن مسلم، أخبرني هشام بن الغار وسليمان بن مسلم وغيره، عن مكحول، عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال لها: "يا عائشة أية ليلة هي؟.
قالت: الله ورسوله أعلم، فقال: ليلة النصف من شعبان، فيها ترفع أعمال الناس، ولله فيها عتقاء من النار بعدد شعر غنم كلب، فهل أنت أذنت لي الليلة؟ قالت: قلت: نعم، فصلى فخفف القيام وقرأ الحمد وسورة خفيفة، ثم سجد إلى شطر الليل، ثم قام في الركعة الثانية، فقرأ فيها نحوًا من قراءة الأولى، فكان سجوده إلى الفجر.
قالت عائشة ﵂: أنظره حتى ظننت أن الله تعالى قد قبض روح رسوله ﷺ ، فلما طال علي دنوت منه حتى مسست أخمص قدميه، فتحرك فسمعته يقول في سجوده: أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك، جل وجهك لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
قلت: يا رسول الله قد سمعتك تذكر في سجودك الليلة شيئًا ما سمعتك تذكره قط، قال ﷺ : وعلمت ذلك؟ قلت: نعم، قال ﷺ : تعلميهن وعلميهن، فإن جبريل ﵇ أمرني أن أذكرهن في السجود".
وأخبرني أبو النصر عن والده، قال: أنبأنا عبد الله بن محمد، أنبأنا إسحاق بن أحمد الفارسي، أنبأنا أحمد بن الصباح بن أبي شريح، أنبأنا يزيد بن هارون، حدثنا الحجاج بن أرطاة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: "فقدت رسول الله ﷺ ذات ليلة، فخرجت فإذا هو بالبقيع رافعًا رأسه إلى السماء، فقال لي: أكنت تخافين أن يحيف الله ورسوله عليك؟ فقلت له: يا رسول الله ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال ﷺ : إن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب".
وعن عكرمة مولى ابن عباس ر حمه الله ورضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٤] قال: "هي ليلة النصف من شعبان، يدبر الله تعالى أمر السنة، وينسخ الأحياء من الأموات، ويكتب حاج بيت الله، فلا يزيد فيهم أحد ولا
стр. 335
ينقص منهم أحد".
وقال حكيم بن كيسان: يطلع الله تعالى إلى خلقه في ليلة النصف من شعبان، فمن طهره في تلك الليلة زكاه إلى مثلها.
وقال عطاء بن يسار: يعرض عمل السنة في ليلة النصف من شعبان، فيخرج الرجل مسافرًا وقد نسخ من الأحياء إلى الأموات، ويتزوج وقد نسخ من الأحياء إلى الأموات.
وأخبرني أبو نصر عن والده بإسناده، عن مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: "يفتح الله الخير في أربع ليال سحًا، ليلة الأضحى، وليلة الفطر، وليلة النصف من شعبان ينسخ الله فيها الآجال والأرزاق، ويكتب فيها الحاج، وليلة عرفة إلى الأذان".
قال سعيد، قال لي إبراهيم بن أبي نجيح: هي خمس ليال فيها ليلة الجمعة.
وروى أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "جاءني جبريل ﵇ ليلة النصف من شعبان وقال لي: يا محمد ارفع رأسك إلى السماء، قال: قلت له: ما هذه الليلة؟ قال: هذه الليلة يفتح الله سبحانه فيها ثلاثمائة باب من أبواب الرحمة، يغفر لجميع من لا يشرك به شيئًا، إلا أن يكون ساحرًا أو كاهنًا أو مدمن خمر أو مصرًا على الربا والزنا، فإن هؤلاء لا يغفر لهم حتى يتوبوا.
فلما كان ربع الليل نزل جبريل ﵇ وقال: يا محمد ارفع رأسك، فرفع رأسه فإذا أبواب الجنة مفتوحة، وعلى الباب الأول ملك ينادي: طوبي لمن ركع في هذه الليلة، وعلى الباب الثاني ملك ينادي: طوبي لمن سجد في هذه الليلة، وعلى الباب الثالث ملك ينادي: طوبي لمن دعا في هذه الليلة، وعلى الباب الرابع ملك ينادي: طوبي للذاكرين في هذه الليلة، وعلى الباب الخامس ملك ينادي: طوبي لمن بكى من خشية الله في هذه الليلة، وعلى الباب السادس ملك ينادي: طوبي للمسلمين في هذه الليلة، وعلى الباب السابع ملك ينادي: هل من سائل فيعطي سؤله؟ وعلى الباب الثامن ملك ينادي: هل من مستغفر فيغفر له؟ فقلت: يا جبريل إلى متى تكون هذه الأبواب مفتوحة؟ قال: إلى طلوع الفجر من أول الليل، ثم قال: لله تعالى فيها عتقاء من النار بعدد شعر غنم كلب".
стр. 336
(فصل) وقد سميت ليلة البراءة لأن فيها براءتين، براءة للأشقياء من الرحمن، وبراءة للأولياء من الخذلان.
وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا كان ليلة النصف من شعبان أطلع الله على خلقه فيغفر للمؤمنين، ويمهل الكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه".
وقيل: إن للملائكة ليلتي عيد في السماء، كما أن للمسلمين يومي عيد في الأرض، فعيد الملائكة ليلة البراءة وليلة القدر، وعيد المؤمنين يوم الفطر ويوم الأضحى، وعيد الملائكة بالليل لأنهم لا ينامون، وعيد المؤمنين بالنهار لأنهم ينامون.
وقيل: إن الحكمة في أن الله تعالى أظهر ليلة البراءة وأخفى ليلة القدر، لأن ليلة القدر ليلة الرحمة والغفران والعتق من النيران، أخفاها الله لئلا يتكلوا عليها، وأظهر ليلة البراءة لأنها ليلة الحكم والقضاء، وليلة السخط والرضا، ليلة القبول والرد والوصول والصد، ليلة السعادة والشقاء والكرامة والنقاء.
فواحد فيها يسعد والآخر فيها يبعد، وواحد يجزى وواحد يخزى، وواحد يكرم وآخر يحرم، وواحد يؤجر وآخر يهجر، فكم من كفن مغسول وصاحبه في السوق مشغول، وكم من قبر محفور وصاحبه بالسرور مغرور، وكم من فم ضاحك وهو عن قريب هالك، وكم من منزل كمل بناؤه وصاحبه قد أرف يعني قرب فناؤه، وكم من عبد يرجو الثواب فيبدو له العقاب، وكم من عبد يرجو البشارة فتبدو له الخسارة، وكم من عبد يرجو الجنان فتبدو له النيران، وكم من عبد يرجو الوصل فيبدو له الفصل، وكم من عبد يرجو العطاء فيبدو له البلاء، وكم من عبد يرجو الملك فيبدو له الهلك.
وقيل: إن الحسن البصري ﵀ كان يخرج من داره يوم النصف من شعبان، وكأن وجهه قد قبر ودفن، ثم أخرج من قبره، فقيل له في ذلك، فقال: والله ما الذي انكسرت سفينته بأعظم مصيبة مني، قيل له: ولم ذلك؟ قال: لأني من ذنوبي على يقين، ومن حسناتي على وجل، فلا أدري اتقبل مني أم ترد علي.
(فصل) فأما الصلاة الواردة في ليلة النصف من شعبان فهي:
مائة ركعة بألف ركعة ﴿قل هو الله أحد ...﴾ في كل ركعة عشر مرات، وتسمى هذه
стр. 337
الصلاة صلاة الخير وتعرف بركتها.
وكان السلف الصالح يصلونها جماعة يجتمعون لها، وفيها فضل كثير وثواب جزيل.
وروى عن الحسن ﵀ أنه قال: حدثني ثلاثون من أصحاب رسول الله ﷺ أن من صلى هذه الصلاة في هذه الليلة نظر الله إليه سبعين نظرة، وقضى له بكل نظرة سبعين حاجة، أدناها المغفرة.
ويستحب أن تصلي هذه الصلاة أيضًا في الأربع عشر ليلة التي يستحب إحياؤها التي ذكرناها في فضائل رجب، ليحوز بها المصلي هذه الكرامة وهذه الفضيلة والمثوبة.
* * *
стр. 338
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مجلس: في فضائل شهر رمضان
قال الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ...﴾ [البقرة: ١٨٣] إلى قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٥].
قال الحسن البصري ﵀: إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فأسرع لها سمعك فإنها لأمر تؤمر به أو لنهي تنهى عنه.
وقال جعفر الصادق ﵀: لذة ما في النداء إزالة تعب العبادة والعناء.
قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ يا: نداء من العالم، وأي: اسم من المعلوم المنادى، وها: تنبيه على نداء المنادى الذي هو إشارة إلى المعرفة السابقة والصحبة القديمة. آمنوا: إشارة إلى السر المعلوم بين المنادى والمنادي، كأنه يقول: يا من هو لي بسره المخلص له بضميره وبلبه ﴿كتب﴾ أي فرض وأوجب ﴿عليكم الصيام﴾ وهو مصدر كقولك: صمت صيامًا وقمت قيامًا.
وأصل الصيام في اللغة: الإمساك يقال: صامت الريح: إذا سكنت وأمسكت عن الهبوب، وصامت الخيل: إذا وقفت وأمسكت عن السير، ويقال: صام النهار، إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة، لأن الشمس إذا بلغت كبد السماء وقفت وأمسكت عن السير سويعة كما قال الراجز:
حتى إذا صام النهار واعتدل ... وسال للشمس لعاب فنزل
ويقال للرجل إذا صمت وأمسك عن الكلام صام، قال الله تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صومًا﴾ [مريم ٢٦] أي صمتًا، فالصوم: هو الإمساك عن المعتاد من الطعام والشراب والجماع في الشرع مع ترك الآثام، قال الله : ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾ أي من الأنبياء والأمم أولهم آدم ﵇، وهو ما روى عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ -
стр. 339
يقول: "أتيت رسول الله ﷺ -ذات يوم عند انتصاف النهار وهو في الحجرة، فسلمت عليه، فرد ﵇ -ثم قال: يا علي هذا جبريل يقرئك السلام، فقلت: عليك وعليه السلام يا رسول الله، فقال ﷺ : ادن مني، فدنوت منه، فقال: يا علي يقول لك جبريل صم من كل شهر ثلاثة أيام يكتب لك بأول يوم عشرة آلاف حسنة، وباليوم الثاني ثلاثون ألف حسنة، وباليوم الثالث مائة ألف حسنة، فقلت: يا رسول الله هذا الثواب لى خاصة أم للناس عامة؟ قال ﷺ : يا علي يعطيك الله هذا الثواب ولمن يعمل مثل عملك بعدك، قلت: يا رسول الله، وما هي، قال: الأيام البيض ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر".
قال عنترة: فقلت لعلي ﵁: لأي شيء تسمى هذه الأيام أيام البيض؟ فقال علي ﵁: لما أهبط الله تعالى آدم ﵇ -من الجنة إلى الأرض أحرقته الشمس فاسود جسده فأتاه جبريل ﵇ -فقال: يا آدم أتحب أن يبيض جسدك؟ قال: نعم، قال له: فصم من الشهر ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر، فصام آدم ﵇ -أول يوم فابيض ثلث جسده، ثم صار اليوم الثاني فابيض ثلثا جسده، ثم صام اليوم الثالث فابيض جسده كله فسميت أيام البيض".
فآدم ﵇ من الذين كتب عليهم الصيام من قبل محمد ﷺ .
وقال الحسن وجماعة من العلماء بالتفسير: أراد الله تعالى بالذين من قبلكم: النصارى، شبه صيامنا بصيامهم لاتفاقهما في الوقت والقدر.
وذلك أن الله تعالى فرض على النصارى صيام شهر رمضان، فاشتد ذلك عليهم، لأنه ربما كان يأتي في الحر الشديد أو في البرد الشديد، وكان يضر بهم في أسفارهم ومعايشهم، فاجتمع رأى علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السنة بين الشتاء والصيف، فجعلوه في الربيع وزادوا فيه عشرة أيام كفارة لما صنعوا فصار أربعين يومًا، ثم إن ملكًا لهم اشتكى فمه، فجعل لله إن هو برئ من وجعه ذلك أن يزيد في صومهم أسبوعًا، فزادوا فيه أسبوعيًا، ثم مات ذلك الملك، ووليهم ملك آخر فقال أتموه خمسين يومًا.
قال مجاهد ﵀: أصابهم موتان، فقال: زيدوا في صيامكم، فزادوا عشرًا قبل
стр. 340
وعشرًا بعد.
وقال الشعبي ﵀: لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه، فيقال من شعبان ويقال من رمضان، وذلك أن النصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا، فحولوه إلى الفصل، وذلك أنهم كانوا ربما صاموا في القيظ فعدوا ثلاثين يومًا، ثم جاء بعدهم قرن منهم فأخذوا بالثقة في أنفسهم، فصاموا قبل الثلاثين يومًا وبعدها يومًا، ثم لم يزل الآخر يستن بسنة القرن الذي قبله حتى صاروا إلى خمسين يومًا، فذلك قوله : ﴿كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ١٨٣] يعني لكي تتقوا الأكل والشرب والجماع.
وقال أهل التفسير أيضًا: فرض الله تعالى على رسوله محمد ﷺ -وعلى المؤمنين صوم يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر حين قدم المدينة، فكانوا يصومونها، إلى أن نزل صيام شهر رمضان قبل قتال بدر بشهر وأيام، قال الله تعالى: ﴿أيامًا معدودات﴾ [البقرة: ١٨٤] يعني شهر رمضان ثلاثين يومًا أو تسعة وعشرين يومًا.
وروى عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص أنه سمع ابن عمر ﵄ -يحدث عن النبي ﷺ -أنه قال: "إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا وهكذا لتمام الثلاثين" وسمى الشهر شهرًا لشهرته، وهو مأخوذ من الشهرة وهي البياض، ومنه يقال: شهرت السيف إذا سللته وشهر الهلال إذا طلع.
(فصل) اختلف الناس في معنى قوله رمضان:
فقال بعضهم: رمضان اسم من أسماء الله تعالى، فيقال شهر رمضان، كما يقال: شهر الله الأصم لرجب، وعبد الله.
وروى جعفر الصادق ﵀ -عن آبائه ﵃ -عن النبي ﷺ -أنه قال: "شهر رمضان شهر الله".
وقال أنس بن مالك ﵁: قال رسول الله ﷺ : "لا تقولوا رمضان بل انسبوه كما نسبه الله تعالى في القرآن، فقال: شهر رمضان".
стр. 341
وروى الأصمعى قال أبو عمرو: إنما سمى رمضان لأنه رمضت فيه الفصال من الحر.
وقال غيره: لأن الحجارة كانت ترمض فيه من الحرارة، والرمضاء: الحجارة المحماة.
وقيل: سمى بذلك لأنه يرمض الذنوب: أي يحرقها، وهو مروى عن النبي ﷺ ".
وقيل: إن القلوب تأخذ من الحرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرمل والحجارة من حر الشمس.
وقال الخليل: مأخذه من الرمض، وهو مطر يأتي في الخريف، فسمى هذا الشهر رمضان لأنه يغسل الأبدان من الآثام غسلاً، ويطهر القلوب تطهيرًا.
فصل في قوله : ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [ البقرة: ١٨٥]
روى أن عطية بن الأسود سأل ابن عباس ﵄ -فقال: إنه وقع الشك في قوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا في ليلة مباركة﴾ [الدخان: ٣] وقد نزل القرآن في سائر الشهور.
وقال الله تعلى: ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث﴾ [الإسراء: ١٠٦] ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة﴾ [الفرقان: ٣٢].
فقال ابن عباس: نزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان، فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل ﵇ -على محمد ﷺ -نجومًا نجومًا في ثلاث وعشرين سنة، وذلك قول الله : ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ [الواقعة: ٧٥].
وقال داود بن أبى هند: قلت للشعبي: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن أما كان ينزل عليه، ﵇ -في سائر السنة؟ قال: بلى، ولكن جبريل ﵇ -كان يعارض محمدًا ﷺ -في رمضان بما أنزل الله، فيحكم الله ما يشاء ويثبت ما يشاء وينسيه ما يشاء.
عن شهاب بن طارق عن أبى ذر الغفاري ﵁ -عم النبي ﷺ -قال: "أنزلت صحف إبراهيم في ثلاث ليال مضين من شهر رمضان، وأنزلت توراة موسى -عليه
стр. 342
السلام -في ست ليال مضين من رمضان، وأنزل إنجيل عيسى ﵇ -في ثلاثة عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، وأنزل زبور داود ﵇ -في ثماني عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، وأنزل الفرقان على محمد ﷺ -في الرابعة والعشرين من شهر رمضان" ثم وصف -القرآن فقال: ﴿هدى للناس﴾ [البقرة: ١٨٥﴾ من الضلالة ﴿وبينات﴾ [البقرة: ١٨٥] من الحلال والحرام والحدود والأحكام ﴿من الهدى والفرقان﴾ [البقرة: ١٨٥] يفصل بين الحق والباطل.
(فصل: فيما يختص بشهر رمضان من الفضائل)
أخبرني أبو نصر عن والده، قال: أنبأنا ابن الفارس، قال: حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الجلودى النيسابورى، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، قال: أنبأنا علي بن حجر السعدى، قال: أنبأنا يوسف بن زياد، قال: أخبرنا همام بن يحيى عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب عن سلمان ﵁ -قال: خطبنا رسول الله ﷺ -في آخر يوم من شعبان فقال: "أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعًا، من تقرب فيه بخصلة من الخير أو أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد به في رزق المؤمن، فمن فطر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء، قالوا: ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم، قال: يعطى الله هذا الثوب لمن فطر صائمًا على تمرة أو على شربة ماء أو مذقة لبن، وهو شهر أوله رحمة ووسطه مغفرة وآخره عتق من النار، فمن خفف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النار، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتان ترضون بهما ربكم، وخصلتان لا غنى لكم عنهما.
فالخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى لكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار، ومن أشبع فيه صائمًا سقاه الله تعالى من حوضي شربة لا يظمأ بعدها أبدًا".
стр. 343
وعن الكلبي عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرى ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أبواب الجنة وأبواب السماء لتفتح لأول ليلة من شهر رمضان، ولا تغلق إلى آخر ليلة منه، ليس من عبد أو أمة يصلى في ليلة منه إلا كتب الله له بكل سجدة ألفًا وسبعمائة حسنة، وبنى له بيتًا في الجنة من ياقوتة حمراء له سبعون ألف باب، لكل باب منها مصراعان من ذهب موشح من ياقوته حمراء، فإذا صام أول يوم من شهر رمضان غفر الله له ذنب إلى آخر يوم من رمضان، وكان كفارة إلى مثلها، وكان له بكل يوم يصومه قصر في الجنة له ألف باب من ذهب، واستغفر له سبعون ألف ملك من غدوه إلى أن تتوارى بالحجاب، وكان له بكل سجدة سجدها من ليل أو نهار شجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها".
وأخبرني أبو نصر عن والده بإسناده عن الأعرج، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، نظر الله إلى خلقه وإذا نظر إلى عبد لم يعذبه أبدًا، ولله -في كل يوم ألف ألف عتيق من النار".
وأخبرني أبو نصر عن والده بإسناده عن سهل، عن أبيه، عن أبى هريرة ﵁ -قال: إن رسول الله ﷺ -قال: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين".
وعن نافع بن بردة، عن أبى مسعود الغفاري ﵁ -أنه سمع رسول الله ﷺ -يقول: "ما من عبد يصوم يومًا من رمضان إلا زوج زوجة من الحور العين في خيمة من درة مجوفة مما نعت الله : ﴿حور مقصورات في الخيام﴾ [الرحمن: ٧٢] على كل امرأة منهن سبعون حلة ليس منها حلة على لون الأخرى، ويعطى سبعون لونًا من الطيب، ليس منها لون على لون الآخر، ويعطى لكل امرأة منهن سبعون سريرًا من ياقوتة حمراء موشحة بالدر، على كل سرير سبعون فراشًا على كل فراش أريكة، لكل امرأة سبعون ألف وصيف لحاجتها، وسبعون ألف وصيف لزوجها مع وصيفة صحفة من ذهب فيها لون من طعام، فيجد لآخر لقمة منها لذة لم يجدها لأوله ويعطى
стр. 344
زوجها مثل ذلك، على سرير من ياقوت أحمر، هذا لكل يوم صامه من رمضان سوى ما يعمل من الحسنات".
(فصل) أخبرني أبو نصر عن والده بإسناده ، قال: حدثنا محمد بن أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا أبو القاسم بن عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن بن إبراهيم بن يسار وإبراهيم بن محمد بن حارث، قال: حدثنا سلمة بن شبيب، قال: حدثنا القاسم بن محمد، قال: حدثنا هشام بن الوليد، قال: حدثنا حماد ابن سليمان الدوسي، عن الحسن، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ -يقول: "إن الجنة لتتجدد وتزين من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان، فإذا كان أول ليلة من شهر رمضان، هبت ريح من تحت العرش يقال لها المثيرة، فتصفق ورق أشجار الجنة وحلق المصاريع، فيسمع لذلك طنين لم يسمع السامعون أحسن منه، فتزين الحور العين حتى يقفن بين شرف الجنة، فينادين هل من خاطب إلى الله -فيزوجه، ثم يقلن: يا رضوان: ما هذه الليلة؟ فيجيبهن بالتلبية يا خيرات حسان، هذه أول ليلة من شهر رمضان فتحت أبواب الجنان للصائمين من أمة محمد ﷺ -فيقول الله تعالى: يا رضوان افتح أبواب الجنان، يا مالك أغلق أبواب النيران عن الصائمين من أمة محمد ﷺ -يا جبريل اهبط إلى الأرض فصفد مردة الشياطين وغلهم بالأغلال، ثم اقذف بهم في لجج البحار حتى لا يفسدوا على أمة محمد حبيبي صيامهم.
قال: ويقول الله -في كل ليلة من شهر رمضان ثلاث مرات: هل من سائل فأعطيه سؤله، هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له؟ من يقرض الملئ غير المعدم، والوفى غير الظلوم؟
قال: وله في كل يوم من شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النار، كلهم قد استوجبوا العقاب، فإذا كان ليلة الجمعة ويوم الجمعة أعتق الله تعالى في كل ساعة ألف ألف عتيق من النار، كلهم قد استوجبوا العذاب، فإذا كان في آخر يوم من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم بعدد ما أعتق من أول الشهر إلى آخره، فإذا كان ليلة القدر يأمر جبريل ﵇ -فيهبط في كبكبة من الملائكة ومعه لواء أخضر إلى
стр. 345
الأرض، فيركزه على ظهر الكعبة، وله ستمائة جناح لا ينشرها إلا في ليلة القدر، فينشرها في تلك الليلة، فيجاوز المشرق والمغرب، ويبث جبريل ﵇ -الملائكة في هذه الأمة فيسلمون على كل قائم ومصل وذاكر، ويصافحونهم ويؤمنون على دعائهم حتى يطلع الفجر، ثم ينادى جبريل ﵇: يا معشر الملائكة الرحيل الرحيل، فيقولون: يا جبريل ما صنع الله في حوائج المؤمنين من أمة محمد ﷺ ؟ فيقول: إن الله تعالى نظر إليهم وعفا عنهم وغفر لهم إلا أربعة، فقال رسول الله ﷺ : هؤلاء الأربعة: مدمن خمر، وعاق والدية، وقاطع رحم، ومشاحن.
قيل: يا رسول الله من المشاحن؟ قال: المصارم، فإذا كان ليلة الفطر سميت تلك الليلة ليلو الجائزة، فإذا كان غداة الفطر بث الله تعالى الملائكة في كل البلاد فيهبطون إلى الأرض، فيقومون على أفواه السكك فينادون بصوت يسمعه كل من خلق الله تعالى إلا الجن والإنس فيقولون: يا أمة محمد ﷺ -أخرجوا إلى رب كريم يعطى الجزيل ويغفر الذنب العظيم، فإذا برزوا إلى مصلاهم يقول الله تعالى لملائكته: يا ملائكتي ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟.
قال: فتقول الملائكة: إلهنا وسيدنا توفيه أجرته، فيقول: فإني أشهدكم يا ملائكتي أني قد جعلت ثواب صيامهم من شهر رمضان وقيامهم رضاي ومغفرتي، ثم يقول: يا عبادي سلوني فوعزتي وجلالي لا تسألوني اليوم في جمعكم لآخرتكم شيئًا إلا أعطيتكم، ولا لدنياكم إلا نظرت لكم، وعزتي وجلالي لأسترن عليكم عثراتكم ما راقبتموني، وعزتي وجلالي لا أخزيكم ولا أفضحكم بين أصحاب الحدود، انصرفوا مغفورًا لكم، قد أرضيتموني ورضيت عنكم.
قال: فتفرح الملائكة ويستبشرون بما يعطي الله -هذه الأمة إذا أفطروا من شهر رمضان".
وعن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس ﵄ -عن النبي ﷺ -نحوه، واللفظ متقارب.
وأخبرني أبو نصر عن والده بإسناده عن نافع، عن ابن مسعود ﵁ -أنه سمع رسول الله ﷺ -يقول يوم أهل شهر رمضان: "لو يعلم العباد ما في شهر رمضان
стр. 346
لتمنى العباد أن يكون شهر رمضان سنة، فقال رجل من خزاعة: يا رسول الله حدثنا، فقال رسول الله ﷺ : إن الجنة لتزين لشهر رمضان من رأس الحول إلى الحول، حتى إذا كان أول ليلة منه وهبت ريح من تحت العرش، فصفقت ورق الجنة، فنظرت الحور العين إلى ذلك فقلن: يا رب اجعل من عبادك في هذا الشهر لنا أزواجًا تقر عيننا بهم، وتقر أعينهم بنا، فما من عبد صام شهر رمضان إلا زوجه الله زوجة من الحور العين في خيمة من درة مجنونة، مما نعت الله به: ﴿حور مقصورات في الخيام﴾ [الرحمن: ٧٢] على كل امرأة منهن سبعون حلة ليس منها حلة على لون الأخرى، وتعطى سبعون لونًا من الطيب ليس منه لون يشبه الأول، كل امرأة منهن على سرير من ياقوت موشح بالدر عليه سبعون فراشًا، بطائنها من إستبرق، وفوق السبعين فراش سبعون أريكة، ولكل امرأة منهن سبعون ألف وصيف يخدمها، وسبعون ألف وصيف لزوجها بيد كل وصيف صحفة من ذهب فيها لون من الطعام، يجد لآخره من اللذة ما لا يجد لأوله، ويعطى زوجها مثل ذلك، على سرير من ياقوتة حمراء، عليه سواران من ذهب مرصع بالياقوت هذا لكل من صام شهر رمضان سوى ما عمل من الحسنات".
وعن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نادى الجليل جلت عظمته رضوان خازن الجنان، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: نجد جنتي وزينها للصائمين من أمة أحمد، ولا تغلقها عنهم حتى ينقضي شهرهم، ثم ينادى مالكًا خازن النار: يا مالك، فيقول: لبيك ربي وسعديك، فيقول: أغلق أبواب الجحيم عن الصائمين من أمة أحمد، ثم لا تفتحها عليهم حتى ينقضي شهرهم، ثم ينادي جبريل ﵇، فيقول: لبيك ربي وسعديك، فيقول. انزل إلى الأرض فغل مردة الشياطين عن أمة أحمد حتى لا يفسدوا عليهم صيامهم وإفطارهم، ولله -في كل يوم من شهر رمضان عند طلوع الشمس وعند الإفطار عتقاء يعتقهم من النار عبيدًا وإماء، وله في كل سماء مناد فيهم ملك له عرف تحت عرش رب العالمين، وفرائسه في تخوم الأرض السابعة السفلى، له جناح بالمشرق، مكلل بالمرجان والدر والجواهر، ينادي: هل من تائب يتاب عليه، هل من داع يستجاب له، هل من مظلوم ينصره الله، هل من مستغفر يغفر له، هل من سائل يعطي سؤله؟
стр. 347
قال وينادي الرب -تعالى ذكره -الشهر كله: عبادي وإمائي أبشروا واصبروا وداوموا، يوشك أن أرفع عنكم المؤنات وتفضوا إلى رحمتي وكرامتي، فإذا كان ليلة القدر نزل جبريل ﵇ -في كبكبة من الملائكة يصلون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله ".
وعن أنس بن مالك ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أذن الله للسموات والأرض أن تتكلما لبشرتا من صام رمضان بالجنة".
وعن عبد الله بن أبى أوفى ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "نوم الصائم عبادة، وصمته تسبيح، ودعاؤه مستجاب، وعمله مضاعف".
وروى الأعمش عن أبي خيثمة ﵁ -أنه قال: كانوا يقولون رمضان إلى رمضان، والحج إلى الحج والجمعة إلى الجمعة، والصلاة إلى الصلاة كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر.
وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ -أنه كان يقول إذا دخل شهر رمضان: مرحبًا بالمطهر خير كله، صيام نهاره وقيام ليله، والنفقة فيه كالنفقة في سبيل الله.
وعن أبي هريرة ﵁ -عن النبي ﷺ -أنه قال: "من صام رمضان وقامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".
وعن أبي هريرة ﵁ -أيضًا عن النبي ﷺ -أنه قال: "كل حسنة يعملها ابن آدم تتضاعف عشرًا إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فإن الله تعالى يقول: الصوم لي وأنا أجزى به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي، والصوم جنة، وللصائم فرحتان فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربه".
وأخبرنا أبو البركات السقطى بإسناده عن يزيد بن هارون قال: حدثنا المسعودي قال: بلغني أن من قرأ في ليلة من شهر رمضان في التطوع ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ [الفتح: ١] حفظ في ذلك العام.
стр. 348
(فصل) رمضان خمسة أحرف:
الراء: رضوان الله، والميم: محاباة الله عن العصاة، والضاد: ضمان الله، والألف: ألفة الله، والنون: نور الله، فهو شهر رضوان ومحاباة وضمان وألفة ونوال وكرامة للأولياء والأبرار.
وقيل: مثل شهر رمضان في الشهور كمثل القلب في الصدور، وكالأنبياء في الأنام، وكالحرم في البلاد، فالحرم يمنع منه الدجال اللعين، وشهر رمضان تصفد فيه مردة الشياطين، والأنبياء شفعاء للمجرمين، وشهر رمضان شفيع للصائمين، والقلب مزين بنور المعرفة والإيمان، وشهر رمضان مزين بنور تلاوة القرآن، فمن لم يغفر له في شهر رمضان ففي أي شهر يغفر له، فليتب العبد إلى الله -قبل أن تغلق أبواب التوبة، وليتب إليه -قبل أن يفوت وقت الإنابة، وليبك قبل أن يقضي وقت البكاء والرحمة.
وقد قال النبي ﷺ : "إن أمتي لم يخزوا ما أقاموا شهر رمضان، فقال رجل: يا نبي الله وما خزيهم؟ قال: من انتهك فيه محرمًا أو عمل سيئة أو شرب خمرًا، أو زنى لم يقبل منه رمضان، لعنه الله وملائكته وأهل السموات إلى مثله من الحول، وإن مات فيما بينه وبينه رمضان فليس له عند الله حسنة".
(فصل) قيل: إن سيد البشر آدم ﵇، وسيد العرب محمد ﷺ ، وسيد الفرس سلمان، وسيد الروم صهيب، وسيد الحبش بلال، وسيد القرى مكة، وسيد الأودية وادي بيت المقدس، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الليالي ليلة القدر، وسيد الكتب القرآن، وسيد القرآن البقرة آية الكرسي، وسيد الأحجار الحجر الأسود، وسيد الآبار زمزم، وسيد العصى عصا موسى، وسيد الحيتان الحوت الذي كان يونس ﵇ -في بطنه، وسيد النوق ناقة صالح، وسيد الأفراس البراق، وسيد الخواتم خاتم سليمان ﵇، وسيد الشهور شهر رمضان.
* * *
стр. 349
(فصل: في فضائل ليلة القدر)
قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر ...﴾ [القدر: ١] إلى آخر السورة، فأنزلناه كناية عن القرآن أنزله الله تعالى من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا إلى السفرة، وهم الكتبة من الملائكة، فكان ينزل في تلك الليلة من اللوح المحفوظ على قدر ما ينزل به جبريل ﵇ بإذن الله تعالى إلى النبي ﷺ -في السنة كلها، إلى مثلها من قابل، حتى نزل القرآن كله في ليلة القدر من شهر رمضان إلى سماء الدنيا.
وقال ابن عباس ﵄ -وغيره: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١] يعني أنزلنا جبريل بهذه السورة وجملة القرآن في ليلة القدر على الكتبة ثم نزل بعد ذلك نجمًا نجمًا على رسول الله ﷺ -في ثلاث وعشرين سنة، في سائر الشهور والأيام والليالي والأوقات.
قوله تعالى: ﴿في ليلة القدر﴾ أي في ليلة عظيمة، وقيل: في ليلة الحكم، وسميت ليلة القدر تعظيمًا لها ولقدرها لأن الله تعالى يقدر فيها ما يكون من أمر السنة إلى مثلها من العام المقبل.
ثم قال: ﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ [القدر: ٢﴾ يا محمد لولا أن الله أعلمك بعظمتها، فكل ما في القرآن ﴿وما أدراك﴾ فقد أعلمه، وما فيه ﴿ومما يدريك﴾ فلم يدره، ولم يطلعه عليه كقوله : ﴿وما يدريك لعل الساعة تكون قريبًا﴾ بالأحزاب: ٦٣] وما بين له وقتها.
قوله تعالى: ﴿ليلة القدر﴾ أي ليلة العظمة والحكمة.
وقيل: هي الليلة المباركة التي قال الله : ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة ... * فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٣ - ٤] ثم قال : ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ [القدر: ٣] يعني العمل فيها خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
ويقال أن الصحابة ﵃ -لم يفرحوا بشيء كفرحهم بقوله تعالى: ﴿خير من ألف شهر﴾ وذلك أن رسول الله ﷺ -ذكر يومًا لأصحابه أربعة من بني إسرائيل بأنهم عبدوا الله ثمانين عامًا لم يعصوه طرفة عين، وذكر أيوب وزكريا وحزقيل ويوشع ابن نون ﵈، فعجب أصحاب رسول الله ﷺ -من ذلك، فأتاه جبريل -عليه
стр. 350
السلام -وقال له: يا محمد عجبت أنت وأصحابك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوا الله تعالى فيها طرفة عين، فقد أنزل الله عليك خيرًا من ذلك، ثم قرأ عليه ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر ...﴾ إلى آخرها، وقال له: هذا أفضل مما عجبت أنت وأمتك منه، فسر بذلك النبي ﷺ .
وقال ابن نجيح: إنه كان في بني إسرائيل رجل لبس السلاح ألف شهر في سبيل الله تعالى لم يضعه عنه، فذكر ذلك رسول الله ﷺ -لأصحابه، فتعجبوا من قوله، فأنزل الله : ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ [القدر: ٣] يعني خير لكم ممن تلك الألف شهر التي لبس فيها ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ولم يضعه.
وقيل: إنه كان اسمه شمعون العابد في بني إسرائيل، وقيل شمسون.
﴿تنزل الملائكة﴾ [القدر: ٤] يعني تنزل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر ﴿والروح﴾ [القدر: ٤] يعني جبريل ﵇.
وقال الضحاك عن ابن عباس ﵄ -أنه قال: الروح على صورة الإنسان عظيم الخلق وهو عظيم الخلق، وهو الذي قال الله : ﴿ويسألونك عن الروح﴾ [الإسراء: ٨٥] وهو الملك يقوم مع الملائكة صفًا يوم القيامة.
وقال مقاتل: هو أشرف الملائكة عند الله تعالى.
وقال غيره: إنه ملك وجهه على صورة الإنسان وجسده جسد الملائكة، وهو أعظم مخلوق عند العرش يقوم صفًا، وتقوم الملائكة صفًا، قال الله تعالى: ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفًا﴾ [النبأ: ٣٨].
﴿فيها﴾ [القدر: ٤] يعني في ليلة القدر.
﴿بإذن ربهم﴾ [القدر: ٤] أي بأمر ربهم.
﴿من كل أمر﴾ [القدر: ٤] يعني بكل خير.
﴿سلام هي حتى﴾ [القدر: ٥] أي هي سلام، أي سليمة.
﴿حتى مطلع الفجر﴾ [القدر: ٥] لا يحدث فيها داء ولا كهانة.
﴿مطلع الفجر﴾ بكسر اللام يريد: الطلوع، وبالفتح يريد: الموضع الذي يطلع فيه، وقيل سلام، يعني سلام الملائكة على المؤمنين من أهل الأرض، يقولون: سلام سلام حتى يطلع الفجر.
стр. 351
(فصل) وتلتمس ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، وآكدها ليلة سبع وعشرين.
وعند مالك ﵀ -جميع ليالي العشر الأواخر ليس بعض بآكد من بعض. وعند الشافعي ﵀ آكدها إحدى وعشرون.
وقيل: إنها ليلة التاسع عشر، وهو مذهب عائشة ﵂.
وقال أبو بردة الأسلمى ﵁: هي ليلة ثلاث وعشرين.
وقال أبو ذر والحسن ﵄: إنها ليلة سبع وعشرين.
والدليل على أن آكدها ليلة سبع وعشرين -والله أعلم -ما روى حنبل ﵀ -بإسناده عن ابن عمر ﵄ -قال: "كانوا لا يزالون يقصون على النبي ﷺ -الرؤيا من العشر الأواخر فقال النبي ﷺ : أرى رؤياكم قد تواترت إنها ليلة سابعة من العشر الأواخر، من كان متحريًا فليتحرها الليلة السابعة من العشر الأواخر".
ويروى أن ابن العباس قال لعمر بن الخطاب ﵃: إني نظرت في الأفراد فلم أر فيها أحرى لي من السبعة، فذكر بعض ما نذكره في السبعة فقال: السموات سبع، والأرضون سبع، والليالي سبع، والأفلاك سبع، والنجوم سبع، والسعي بين الصفا والمروة سبع، والطواف بالبيت سبع، ورمي الجمار سبع، وخلق الإنسان من سبع، ورزقه من سبع، وشق في وجهه سبع، والخواتيم سبع، والحمد سبع آيات، وقراءة القرآن على سبعة أحرف، والسبع المثاني، والسجود على سبعة أعضاء، وأبواب جهنم سبع، وأسماؤها سبع، وأدراكها سبع، وأصحاب الكهف سبع، وأهلك عاد بالريح العقيم في سبع ليال، ومكث يوسف ﵇ -في السجن سبع سنين، والبقرات سبع، والسنون الجدية سبع، والسنون الخصبة سبع، والصلوات الخمس سبع عشرة ركعة، وقال الله : ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦] وحرم من السناء بالنسب سبع، ومن الصهر سبع، وجعل رسول الله ﷺ -طهارة الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات إحداهن التراب، وعدد حروف سورة القدر إلى قوله: ﴿سلام هي﴾ سبع
стр. 352
وعشرون حرفًا، ومكث ﵇ -في بلائه سبع سنين، وقالت عائشة ﵂: تزوجني رسول الله ﷺ -وأنا بنت سبع سنين، وأيام العجوز يعني الحسوم سبعة، ثلاثة من شباط وأربعة من آذار، وقال رسول الله ﷺ : "شهداء أمتي سبعة: القتيل في سبيل الله، والمطعون، والمسلول، والغريق، والحريق، والمبطون، والنفساء".
وأقسم الله بسبع: ﴿والشمس وضحاها ...﴾ [الشمس: ١] إلى قوله: ﴿ونقس وما سواها﴾ [الشمس: ٧]، وكان طول موسى ﵇ -سبعة أذرع بذراع ذلك القرن، وطول عصى موسى سبعة أذرع.
فإذا ثبت أن أكثر الأشياء سبع، فقد نبه الله تعالى عباده على أنه ليلة القدر السابعة والعشرون بقوله تعالى: ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ [القدر: ٥] فعلمنا بذلك أنها ليلة السابع والعشرين.
(فصل: فهل ليلة الجمعة أفضل أم ليلة القدر ؟)
اختلف أصحابنا في ذلك، فاختار الشيخ أبو عبد الله بن بطة، والشيخ أبو الحسن الجزرى، وأبو حفص عمر اليرمكى ﵏ -أن ليلة الجمعة أفضل.
واختار أبو الحسن التميمى ﵀ -أن الليلة التي أنزل فيها القرآن من ليالي القدر أفضل من ليلة الجمعة، فأما أمثال تلك الليلة من ليالي القدر فليلة الجمعة أفضل.
وقال أكثر العلماء: ليلة القدر أفضل من ليلة الجمعة وغيرها من الليالي.
وجه اختيار أصحابنا ما روى القاضي الإمام أبو يعلى ﵀ -بإسناده عن ابن عباس ﵄ -أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يغفر الله ليلة الجمعة لأهل الإسلام أجمعين" وهذه فضيلة لم تنقل عنه ﵊ -لغيرها من الليالي.
وروى عنه ﷺ -أنه قال: "أكثروا على من الصلاة في الليلة الغراء واليوم الأزهر، ليلة الجمعة ويوم الجمعة" والغرة من الشيء خياره ولأن ليلة الجمعة تابعة ليومها.
وقد جاء في فضل يومها ما لم يجئ في فضل ليلة القدر، من ذلك ما روى أنس ﵁ -عن النبي ﷺ -أنه قال: "ما طلعت الشمس على يوم أعظم عند الله من
стр. 353
يوم الجمعة ولا أحب إليه منه".
وروى أبو هريرة ﵁ -عن النبي ﷺ : "لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة، وما من دابة إلا وهي تفزع ليوم الجمعة إلا هذين الثقلين من الجن والأنس".
وروى أبو هريرة ﵁ -أن النبي ﷺ -قال: "إن الله يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها، ويبعث الجمعة وهي زهراء منيرة، وأهلها يحفون بها كالعروس تهدى إلى كريمها تضئ لهم ويمشون في ضوئها، وألوانهم كالثلج، وريحهم كالمسك يخوضون في جبال الكافور، وينظر إليهم الثقلان ما يطوفون تعجبًا حتى يدخلون الجنة.
فإن قيل: فما جوابكم عن قوله : ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ [القدر: ٣].
قيل: المراد بها خير من ألف شهر ليس فيها ليلة الجمعة، كما أن تقديرها عندهم خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وأيضًا أن ليلة الجمعة باقية في الجنة، لأن في يومها تقع الزيارة إلى الله وهي معلومة في الدنيا بعينها على القطع، وليلة القدر مظنون عينها.
وجه اختيار التميمى وغيره من العلماء أن ليلة القدر أفضل؛ قوله تعالى: ﴿خير من ألف شهر﴾ وألف شهر: ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر.
وقيل: إنه عرض على النبي ﷺ -أعمار أمته فاستقلها، فأعطى ليلة القدر.
وعن مالكى بن أنس ﵀ -أنه قال: سمعت ممن أثق به يقول: "إن رسول الله ﷺ -رأى أعمار الناس قبله أو ما شاء الله تعالى من ذلك، فكأنه تصاغر أعمار أمته بأن لا يبلغوا منن العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر".
وقد مالك بن أنس ﵀: بلغني أن سعيد بن المسيب قال: من حضر صلاة العشاء ليلة القدر أصاب منها حظًا.
стр. 354
وعن النبي ﷺ -أنه قال: "من صلى العشاء والمغرب في جماعة فقد أخذ بحظه من ليلة القدر، ومن قرأها -يعني سورة القدر -فكأنما قرأ ربع القرآن".
ويستحب أن يقرأها في العشاء الأخيرة من شهر رمضان.
(فصل) فإن قال قائل، لم لم يطلع عباده على ليلة القدر يقينًا وقطعًا كما أطلعهم على ليلة الجمعة وبينها لهم؟
قيل له: يتكل العباد على عملهم فيها، فيقولون: قد عملنا في ليلة خير من ألف شهر، فقد غفر الله لنا وحصل لنا عنده درجات وجنات، فلا يعملوا عملاً ويطمئنوا فيغلب عليهم الرجاء فيهلكوا، وهذا كما لم يطلعهم على فناء آجالهم لئلا يقول من كان في عمره طول: أتبع الشهوات واللذات والتنعيم في الدنيا، فإذا قاربت فناء أجلى تبت واشتغلت بعبادة ربي وأموت تائبًا مصلحًا، فيغيب الله تعالى عنهم آجالهم ليكونوا أبدًا على وجل وحذر من الموت فيحسنوا العمل ويداوموا على التوبة وإصلاح العمل، فيأتيهم الموت وهم على خير حال، فتصل إليهم الأقسام من اللذات والشهوات في الدنيا، وينجون من عذاب الله في الآخرة برحمة الله تعالى.
وقيل: إن الله تعالى أخفى خمسة أشياء في خمسة:
الأول: أخفى رضاه في الطاعات.
والثاني: أخفى غضبه في المعاصي.
والثالث: أخفى الصلاة الوسطى بين الصلوات.
والرابع: أخفى وليه في خلقه.
والخامس: أخفى ليلة القدر في شهر رمضان.
(فصل) وأن الله -أعطى المصطفى ﷺ -خمس ليالي:
الأولى: ليلة المعجزة والقدرة وهي ليلة انشقاق القمر؛ قوله تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ [القمر: ١] وكان انفلاق البحر لموسى ﵇، وهو يضرب العصا.
والانشقاق لمحمد ﷺ -وهو بإشارة أصبع المصطفى ﷺ ، فهو أعظم في المعجزات والإعجاز والقدرة.
стр. 355
والثانية: ليلة الإجابة والدعوة، قوله تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن﴾ [الأحقاف: ٢٩].
والثالثة: ليلة الحكم والقضية، قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٣ - ٤].
والرابع: ليلة الدنو والقربة، هي ليلة المعراج، قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١].
وأما الخامسة: فليلة السلام والتحية، قوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١] إلى قوله تعالى: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها﴾ [القدر: ٤] يعني ليلة القدر.
روى عن ابن عباس ﵄ -أنه قال: "إذا كان ليلة القدر يأمر الله جبريل ﵇ -أن ينزل إلى الأرض ومعه سكان سدرة المنتهى سبعون ألف ملك، ومعهم ألوية من نور، فإذا هبطوا إلى الأرض ركز جبريل ﵇ -لواءه والملائكة ألويتهم في أربع مواطن: عند الكعبة، وعند قبر النبي ﷺ ، وعند مسجد بيت المقدس، وعند مسجد طور سيناء، ثم يقول جبريل ﵇ تفرقوا، فيتفرقون فلا تبقى دار ولا حجرة ولا بيت ولا سفينة فيها مؤمن أو مؤمنة إلا دخلت الملائكة فيها، إلا بيت فيه كلب أو خنزير أو خمر أو جنب من حرام أو صورة، فيسبحون ويقدسون ويهللون ويستغفرون لأمة محمد ﷺ ، حتى إذا كان وقت الفجر يصعدون إلى السماء، فيستقبلهم سكان السماء الدنيا فيقولون لهم: من أين أقبلتم؟ فيقولون: كنا في الدنيا، لأن الليلة ليلة القدر لأمة محمد ﷺ ، فقال سكان سماء الدنيا: ما فعل الله بحوائج أمة محمد؟ فيقول جبريل ﵇ -إن الله غفر لصالحيهم وشفعهم في طالحيهم، فترفع ملائكة سماء الدنيا أصواتهم بالتسبيح والتقديس والثناء على رب العالمين شكرًا لما أعطاه الله هذه الأمة من المغفرة والرضوان، ثم تشيعهم ملائكة سماء الدنيا إلى السماء الثانية، ثم كذلك سماء بعد سماء إلى السابعة، ثم يقول جبريل ﵇: يا سكان السموات ارجعوا، فترجع ملائكة كل سماء إلى مواضعهم، ويرجع سكان سدرة المنتهى إلى السدرة، فيقول سكان السدرة: أين كنتم؟ فيجيبون مثل ما أجابوا أهل السماء الدنيا، فترفع سكان السدرة أصواتهم بالتسبيح والتقديس، فتسمع جنة المأوى، ثم جنة النعيم، ثم جنة عدن، ثم الفردوس، فيسمع عرش الرحمن، فيرفع العرش صوته
следующие страницы →