← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17817

الغنية لطالبي طريق الحق

عبد القادر الجيلاني

Полный текст (666 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

(فصل) وتلتمس ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، وآكدها ليلة سبع وعشرين. وعند مالك ﵀ -جميع ليالي العشر الأواخر ليس بعض بآكد من بعض. وعند الشافعي ﵀ آكدها إحدى وعشرون. وقيل: إنها ليلة التاسع عشر، وهو مذهب عائشة ﵂. وقال أبو بردة الأسلمى ﵁: هي ليلة ثلاث وعشرين. وقال أبو ذر والحسن ﵄: إنها ليلة سبع وعشرين. والدليل على أن آكدها ليلة سبع وعشرين -والله أعلم -ما روى حنبل ﵀ -بإسناده عن ابن عمر ﵄ -قال: "كانوا لا يزالون يقصون على النبي ﷺ -الرؤيا من العشر الأواخر فقال النبي ﷺ : أرى رؤياكم قد تواترت إنها ليلة سابعة من العشر الأواخر، من كان متحريًا فليتحرها الليلة السابعة من العشر الأواخر". ويروى أن ابن العباس قال لعمر بن الخطاب ﵃: إني نظرت في الأفراد فلم أر فيها أحرى لي من السبعة، فذكر بعض ما نذكره في السبعة فقال: السموات سبع، والأرضون سبع، والليالي سبع، والأفلاك سبع، والنجوم سبع، والسعي بين الصفا والمروة سبع، والطواف بالبيت سبع، ورمي الجمار سبع، وخلق الإنسان من سبع، ورزقه من سبع، وشق في وجهه سبع، والخواتيم سبع، والحمد سبع آيات، وقراءة القرآن على سبعة أحرف، والسبع المثاني، والسجود على سبعة أعضاء، وأبواب جهنم سبع، وأسماؤها سبع، وأدراكها سبع، وأصحاب الكهف سبع، وأهلك عاد بالريح العقيم في سبع ليال، ومكث يوسف ﵇ -في السجن سبع سنين، والبقرات سبع، والسنون الجدية سبع، والسنون الخصبة سبع، والصلوات الخمس سبع عشرة ركعة، وقال الله : ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦] وحرم من السناء بالنسب سبع، ومن الصهر سبع، وجعل رسول الله ﷺ -طهارة الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات إحداهن التراب، وعدد حروف سورة القدر إلى قوله: ﴿سلام هي﴾ سبع

стр. 352

وعشرون حرفًا، ومكث ﵇ -في بلائه سبع سنين، وقالت عائشة ﵂: تزوجني رسول الله ﷺ -وأنا بنت سبع سنين، وأيام العجوز يعني الحسوم سبعة، ثلاثة من شباط وأربعة من آذار، وقال رسول الله ﷺ : "شهداء أمتي سبعة: القتيل في سبيل الله، والمطعون، والمسلول، والغريق، والحريق، والمبطون، والنفساء". وأقسم الله بسبع: ﴿والشمس وضحاها ...﴾ [الشمس: ١] إلى قوله: ﴿ونقس وما سواها﴾ [الشمس: ٧]، وكان طول موسى ﵇ -سبعة أذرع بذراع ذلك القرن، وطول عصى موسى سبعة أذرع. فإذا ثبت أن أكثر الأشياء سبع، فقد نبه الله تعالى عباده على أنه ليلة القدر السابعة والعشرون بقوله تعالى: ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ [القدر: ٥] فعلمنا بذلك أنها ليلة السابع والعشرين. (فصل: فهل ليلة الجمعة أفضل أم ليلة القدر ؟) اختلف أصحابنا في ذلك، فاختار الشيخ أبو عبد الله بن بطة، والشيخ أبو الحسن الجزرى، وأبو حفص عمر اليرمكى ﵏ -أن ليلة الجمعة أفضل. واختار أبو الحسن التميمى ﵀ -أن الليلة التي أنزل فيها القرآن من ليالي القدر أفضل من ليلة الجمعة، فأما أمثال تلك الليلة من ليالي القدر فليلة الجمعة أفضل. وقال أكثر العلماء: ليلة القدر أفضل من ليلة الجمعة وغيرها من الليالي. وجه اختيار أصحابنا ما روى القاضي الإمام أبو يعلى ﵀ -بإسناده عن ابن عباس ﵄ -أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يغفر الله ليلة الجمعة لأهل الإسلام أجمعين" وهذه فضيلة لم تنقل عنه ﵊ -لغيرها من الليالي. وروى عنه ﷺ -أنه قال: "أكثروا على من الصلاة في الليلة الغراء واليوم الأزهر، ليلة الجمعة ويوم الجمعة" والغرة من الشيء خياره ولأن ليلة الجمعة تابعة ليومها. وقد جاء في فضل يومها ما لم يجئ في فضل ليلة القدر، من ذلك ما روى أنس ﵁ -عن النبي ﷺ -أنه قال: "ما طلعت الشمس على يوم أعظم عند الله من

стр. 353

يوم الجمعة ولا أحب إليه منه". وروى أبو هريرة ﵁ -عن النبي ﷺ : "لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة، وما من دابة إلا وهي تفزع ليوم الجمعة إلا هذين الثقلين من الجن والأنس". وروى أبو هريرة ﵁ -أن النبي ﷺ -قال: "إن الله يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها، ويبعث الجمعة وهي زهراء منيرة، وأهلها يحفون بها كالعروس تهدى إلى كريمها تضئ لهم ويمشون في ضوئها، وألوانهم كالثلج، وريحهم كالمسك يخوضون في جبال الكافور، وينظر إليهم الثقلان ما يطوفون تعجبًا حتى يدخلون الجنة. فإن قيل: فما جوابكم عن قوله : ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ [القدر: ٣]. قيل: المراد بها خير من ألف شهر ليس فيها ليلة الجمعة، كما أن تقديرها عندهم خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وأيضًا أن ليلة الجمعة باقية في الجنة، لأن في يومها تقع الزيارة إلى الله وهي معلومة في الدنيا بعينها على القطع، وليلة القدر مظنون عينها. وجه اختيار التميمى وغيره من العلماء أن ليلة القدر أفضل؛ قوله تعالى: ﴿خير من ألف شهر﴾ وألف شهر: ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر. وقيل: إنه عرض على النبي ﷺ -أعمار أمته فاستقلها، فأعطى ليلة القدر. وعن مالكى بن أنس ﵀ -أنه قال: سمعت ممن أثق به يقول: "إن رسول الله ﷺ -رأى أعمار الناس قبله أو ما شاء الله تعالى من ذلك، فكأنه تصاغر أعمار أمته بأن لا يبلغوا منن العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر". وقد مالك بن أنس ﵀: بلغني أن سعيد بن المسيب قال: من حضر صلاة العشاء ليلة القدر أصاب منها حظًا.

стр. 354

وعن النبي ﷺ -أنه قال: "من صلى العشاء والمغرب في جماعة فقد أخذ بحظه من ليلة القدر، ومن قرأها -يعني سورة القدر -فكأنما قرأ ربع القرآن". ويستحب أن يقرأها في العشاء الأخيرة من شهر رمضان. (فصل) فإن قال قائل، لم لم يطلع عباده على ليلة القدر يقينًا وقطعًا كما أطلعهم على ليلة الجمعة وبينها لهم؟ قيل له: يتكل العباد على عملهم فيها، فيقولون: قد عملنا في ليلة خير من ألف شهر، فقد غفر الله لنا وحصل لنا عنده درجات وجنات، فلا يعملوا عملاً ويطمئنوا فيغلب عليهم الرجاء فيهلكوا، وهذا كما لم يطلعهم على فناء آجالهم لئلا يقول من كان في عمره طول: أتبع الشهوات واللذات والتنعيم في الدنيا، فإذا قاربت فناء أجلى تبت واشتغلت بعبادة ربي وأموت تائبًا مصلحًا، فيغيب الله تعالى عنهم آجالهم ليكونوا أبدًا على وجل وحذر من الموت فيحسنوا العمل ويداوموا على التوبة وإصلاح العمل، فيأتيهم الموت وهم على خير حال، فتصل إليهم الأقسام من اللذات والشهوات في الدنيا، وينجون من عذاب الله في الآخرة برحمة الله تعالى. وقيل: إن الله تعالى أخفى خمسة أشياء في خمسة: الأول: أخفى رضاه في الطاعات. والثاني: أخفى غضبه في المعاصي. والثالث: أخفى الصلاة الوسطى بين الصلوات. والرابع: أخفى وليه في خلقه. والخامس: أخفى ليلة القدر في شهر رمضان. (فصل) وأن الله -أعطى المصطفى ﷺ -خمس ليالي: الأولى: ليلة المعجزة والقدرة وهي ليلة انشقاق القمر؛ قوله تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ [القمر: ١] وكان انفلاق البحر لموسى ﵇، وهو يضرب العصا. والانشقاق لمحمد ﷺ -وهو بإشارة أصبع المصطفى ﷺ ، فهو أعظم في المعجزات والإعجاز والقدرة.

стр. 355

والثانية: ليلة الإجابة والدعوة، قوله تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن﴾ [الأحقاف: ٢٩]. والثالثة: ليلة الحكم والقضية، قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٣ - ٤]. والرابع: ليلة الدنو والقربة، هي ليلة المعراج، قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١]. وأما الخامسة: فليلة السلام والتحية، قوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١] إلى قوله تعالى: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها﴾ [القدر: ٤] يعني ليلة القدر. روى عن ابن عباس ﵄ -أنه قال: "إذا كان ليلة القدر يأمر الله جبريل ﵇ -أن ينزل إلى الأرض ومعه سكان سدرة المنتهى سبعون ألف ملك، ومعهم ألوية من نور، فإذا هبطوا إلى الأرض ركز جبريل ﵇ -لواءه والملائكة ألويتهم في أربع مواطن: عند الكعبة، وعند قبر النبي ﷺ ، وعند مسجد بيت المقدس، وعند مسجد طور سيناء، ثم يقول جبريل ﵇ تفرقوا، فيتفرقون فلا تبقى دار ولا حجرة ولا بيت ولا سفينة فيها مؤمن أو مؤمنة إلا دخلت الملائكة فيها، إلا بيت فيه كلب أو خنزير أو خمر أو جنب من حرام أو صورة، فيسبحون ويقدسون ويهللون ويستغفرون لأمة محمد ﷺ ، حتى إذا كان وقت الفجر يصعدون إلى السماء، فيستقبلهم سكان السماء الدنيا فيقولون لهم: من أين أقبلتم؟ فيقولون: كنا في الدنيا، لأن الليلة ليلة القدر لأمة محمد ﷺ ، فقال سكان سماء الدنيا: ما فعل الله بحوائج أمة محمد؟ فيقول جبريل ﵇ -إن الله غفر لصالحيهم وشفعهم في طالحيهم، فترفع ملائكة سماء الدنيا أصواتهم بالتسبيح والتقديس والثناء على رب العالمين شكرًا لما أعطاه الله هذه الأمة من المغفرة والرضوان، ثم تشيعهم ملائكة سماء الدنيا إلى السماء الثانية، ثم كذلك سماء بعد سماء إلى السابعة، ثم يقول جبريل ﵇: يا سكان السموات ارجعوا، فترجع ملائكة كل سماء إلى مواضعهم، ويرجع سكان سدرة المنتهى إلى السدرة، فيقول سكان السدرة: أين كنتم؟ فيجيبون مثل ما أجابوا أهل السماء الدنيا، فترفع سكان السدرة أصواتهم بالتسبيح والتقديس، فتسمع جنة المأوى، ثم جنة النعيم، ثم جنة عدن، ثم الفردوس، فيسمع عرش الرحمن، فيرفع العرش صوته

стр. 356

بالتسبيح والتهليل والثناء على رب العالمين شكرًا لما أعطى هذه الأمة، فيقول الله -وهو أعلم: يا عرشي لم رفعت صوتك؟ فيقول: إلهى بلغني أنك قد غفرت البارحة لصالحى أمة محمد ﷺ -وشفعت صالحيها في طالحيها، فيقول الله تعالى: صدقت يا عرشي، ولأمة محمد عندي من الكرامة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر". وقيل: إن جبريل ﵇ -إذا نزل من السماء ليلة القدر لا يدع أحدًا من الناس إلا سلم عليه وصافحه، وعلامة ذلك اقشعرار جلده وترقيق قلبه وتدميع عينيه. ولهذا روى أن النبي ﷺ -كان مهمومًا لأجل أمته، فقال الله تعالى: يا محمد لا تغتم فإني لا أخرج أمتك من الدنيا حتى أعطيهم درجات الأنبياء، وذلك أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام -تنزل عليهم الملائكة بالروح والرسالة والوحي والكرامة، وكذلك أنزل بالملائكة على أمتك في ليلة القدر بالتسليم والرحمة مني. (فصل) والأمارة في أنها ليلة القدر ، أن تكون ليلة طلقة سمحة لا حارة ولا باردة. وقيل: لا يسمع فيها نباح الكلاب، وتطلع الشمس صبيحتها، ليس لها شعاع كالطست، وتكشف عجائبها لأرباب القلوب والولاية وأهل الطاعة لمن يشاء الله تعالى من المؤمنين من عباده، وعلى قدر أحوالهم وأقسامهم ومنازلهم في القرب من الله . (فصل) وصلاة التراويح سنة النبي ﷺ . صلاها ليلة، وروى ليلتين، وروى ثلاثًا، ثم انتظروه فلم يخرج، وقال: "لو خرجت لفرضت عليكم". ثم استديمت في أيام عمر ﵁، فلذلك أضيفت إليه لأنه ابتدأها، والحديث المروى في ذلك عن عائشة أم المؤمنين ﵂ -أن النبي ﷺ -خرج في جوف الليل في شهر رمضان، فصلى في المسجد وصلى الناس بصلاته، فلما كانت الليلة الثانية كثر الناس حتى عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم حتى خرج لصلاة الفجر، فلما صلى الفجر أقبل على الناس وقال: "إنه لم يخف على شأنكم الليلة، ولكن خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عن ذلك".

стр. 357

قالت: وكان ﷺ -يرغبهم في حديث رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة، فتوفى رسول الله ﷺ -والأمر على ذلك في أيام خلافة أبى بكر الصديق ﵁ -وصدرًا من خلافة عمر ﵁. وروى عن علي ﵁ -أنه قال: إنما أخذ عمر بن الخطاب ﵁ -هذه التراويح من حديث سمعه مني، قالوا: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: "إن لله تعلى حول العرش موضعًا يسمى حظيرة القدس وهي من النور، فيها ملائكة لا يحصى عددهم إلا الله ، يعبدون الله تعالى عبادة لا يفترون ساعة، فإذا كان ليالي شهر رمضان استأذنوا ربهم أن ينزلوا إلى الأرض، فيصلون مع بني آدم، فيأذن لهم فينزلون كل ليلة إلى الأرض فيصلون مع بني آدم، فكل من مسهم من أمة محمد ﷺ -أو مسوه سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدًا" فقال عمر ﵁ -إذ ذاك: فنحن أحق بهذا، فجمع للتراويح وسنها. وروى عن علي بن أبي طالب ﵁ -أنه خرج في أول ليلة من شهر رمضان، فسمع القرآن في المساجد، فقال: نور الله قبر عمر كما نور مساجد الله بالقرآن، وكذلك يروى عن عثمان بن عفان ﵁. وفي لفظ آخر: أن عليًا ﵁ -اجتاز بالمساجد وهي تزهو بالقناديل والناس يصلون التراويح، فقال: نور الله -على عمر قبره كما نور مساجدنا. وروى عن النبي ﷺ -أنه قال: "من علق في بيت من بيوت الله قنديلاً لم تزل الملائكة تستغفر له وتصلى عليه وهم سبعون ألف ملك حتى يطفأ ذلك القنديل". وعن أبى ذر الغفاري ﵁ -أنه قال: "صلينا مع رسول الله ﷺ -فلما كانت الليلة الثالثة والعشرون قام فصلى بنا حتى مضى ثلث الليل، ثم لما كانت الليلة الرابعة والعشرون لم يخرج إلينا، فلما كانت الليلة الخامسة والعشرون خرج وصلى بنا حتى مضى شطر الليل، فقلنا له: لو نفلتنا ليلتنا هذه، فقال ﷺ : إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة، ولم يصل بنا في الليلة السادسة والعشرين، فلما كانت الليلة السابعة والعشرون قام بنا وجمع أهله وصلى بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قيل: وما الفلاح؟ قال: السحور".

стр. 358

(فصل) ويستحب لها الجماعة والجهر بالقراءة . لأن النبي ﷺ -صلاها كذلك في تلك الليالي، ويكون ابتداؤها في الليلة التي تكون صبحتها رمضان، لأنها ليلة من شهر رمضان، ولأن النبي ﷺ -كذلك صلاها، ويكون فعلها بعد صلاة الفرض، وبعد ركعتي سنة بتسليمة، لأن النبي ﷺ -هكذا صلاها وهي عشرون ركعة يجلس عقيب كل ركعتين، ويسلم، فهي خمس ترويحات، كل أربعة منها ترويحة، وينوى في كل ركعتين: أصلى ركعتي التراويح المسنونة إمامًا كان أو مأمومًا. ويستحب أن يقرأ في الركعة الأولى منها في أول ليلة في شهر رمضان بالفاتحة ثم يعقبها بسورة العلق وهى ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق ...﴾ لأنها أول سورة نزلت من القرآن عند إمامنا أحمد بن محمد بن حنبل ﵀، وكذلك عند جميع أئمة الدين والسنة -رضوان الله عليهم -، ثم يسجد في آخرها، ثم ينهض فيبدأ بسورة البقرة. ويستحب له قراءة الختمة كاملة ليسمع الناس جميع القرآن فيقفوا على ما فيه من الأوامر والنواهي والمواعظ والزواجر، ولا يستحب الزيادة على ختمة واحدة، لئلا يشق ذلك على المأمومين فيضجروا وتلحقهم السآمة ويكرهوا الجماعة ويثقلوا بها، فيفوتهم أجر عظيم وثواب جزيل، فيكون ذلك بسبب الإمام فيعظم إثمة فيكون من الفاتنين، وقد قال النبي ﷺ -في مثل ذلك لمعاذ ﵁: "أفتان أنت يا معاذ" وذلك لما صلى بقوم وطول في القراءة وقطع أحدهم الصلاة وانفرد، ثم شكا ذلك إلى النبي ﷺ . ويستحب تأخير الوتر إلى آخر صلاة التراويح، ويقرأ في الركعة الأولى ﴿سبح اسم ربك الأعلى ...﴾، وفي الثانية بسورة "الكافرون"، وفي الثالثة سورة الإخلاص، لأن النبي ﷺ -كذلك كان يصلي. ويكره التنفل بين كل ترويحتين، ويكره أن يصلى التراويح في مسجدين وكذلك صلاة النوافل في جماعة بعد التراويح في إحدى الروايتين، لأنه هو التعقيب، وذلك مكروه عند الإمام أحمد -رحمه الله تعالى -، روى عن أنس بن مالك ﵁ -أنه كرهه، بل ينام نومة خفيفة ثم يقوم ويأتي بما شاء من النوافل والتهجد ثم يرجع إلى منامه، وهى ناشئة الليل التي أثنى الله عليها وذكرها وقال: ﴿إن ناشئة الليل هي أشد

стр. 359

وطئًا وأقوم قيلاً﴾ [المزمل: ٦]. والرواية الثانية: إن ذلك جائز غير مكروه لكنه يؤخره لما روى عمر ﵁ -قال: تدعون فضل الليل آخره، الساعة التي تنامون بها أحب إلى من الساعة التي تقومون. (فصل آخر: يختم به ما يتعلق بليلة القدر وجميع شهر رمضان) قوله : ﴿تنزل الملائكة والروح فيها﴾ [القدر: ٤] إذا نزلت الملائكة والروح الذي هو جبريل ﵇ -ومعه سبعون ألف ملك وهو أمير عليهم، فجبريل ﵇ -يسلم على من كان قاعدًا، والملائكة تسلم على من كان نائمًا، والبارئ -يسلم على عباده من كان قائمًا، كما جاز أن يسلم الله -على عباده المؤمنين من أهل الجنة في الجنة بقوله: ﴿سلام قولاً من رب رحيم﴾ [يس: ٥٨] جار أن يسلم على عباده الأبرار في الدنيا الذي سبقت لهم منا الحسنى والعناية والسعادة في الأزل، الفانين عن الخلق الباقين بالرب، المطمئنين إلى الحق، فلا يبقى في ليلة القدر بقعة إلا وعليها ملك ساجد أو قائم يدعو للمؤمنين والمؤمنات إلا أن تكون كنيسة أو بيعة أو بيت النار أو بيت الوثن، أو بعض أماكنهم التي يطرحون فيها الخبث، فلا يزالون يدعون ليلتهم تلك للمؤمنين والمؤمنات، وأما جبريل ﵇ -فلا يدع أحدًا من المؤمنين والمؤمنات إلا ويسلم عليه ويصافحه ويقول له: إن كنت في الطاعة فسلام عليك بالقبول والإحسان، وإن كنت في المعصية فسلام عليك بالغفران، وإن كنت في النوم فسلام عليك بالرضوان، وإن كنت في القبر فسلام عليك بالروح والريحان، فهو قوله : ﴿من كل أمر * سلام﴾ [القدر: ٤ - ٥]. وقيل: إن الملائكة تسلم على أهل الطاعات ولا تسلم على أهل العصيان، فمنهم الظلمة ليس لهم نصيب في سلام الملائكة، وآكل الحرام وقاطع الرحم والنمام وآكل أموال اليتامى، ليس لهم نصيب في سلام الملائكة، فأي مصيبة أعظم من هذه المصيبة؟. يمضى شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، ولا يكون لك حظ في سلام ملائكة رب العصاة والأبرار، فهل كان ذلك إلا لبعدك من الرحمن، وكونك من أهل الطغيان وموافقى الشيطان، وتحليك بحلية سالكى سبيل النيران؟ وبعدك وتجافيك عن سالكى سبيل الجنان، وهجرانك لطاعة من بيده الضرر والإحسان؟

стр. 360

فشهر رمضان شهر الصفاء وشهر الوفاء وشهر الذاكرين وشهر الصابرين وشهر الصادقين، فإذا لم يؤثر في إصلاح قلبك وإقلاعك عن معاصي ربك ومجانبة أهل الشقاء والجرائم، فما الذي يؤثر في قلبك؟ فأي خير يرجى منك؟ وأي بقية بقية فيك؟ وأي فلاح يترقب منك؟ فتنبه يا مسكين لما حل بك، واستيقظ من رقدتك وغفلتك، وانظر إلى الذي دهاك، وشيع بقية شهرك بالتوبة والإنابة، وتمتع فيها بالاستغفار والطاعة لعلك تكون ممن تناله الرحمة والرأفة، وودعها بإسبال العبرات، وابك على نفسك المشؤومة بالعويل والويل والنياحات، فكم من صائم لا يصوم غيره أبدًا، وكم من قائم لا يقوم بعده أبدًا، والعامل يعطى أجره عند فراغه من عمله وقد فرغنا من العمل، فليت شعري أمقبول صيامنا وقيامنا أم مضروب بهما وجوهنا؟ يا ليت شعري من المقبول منا فننهينه؟ ومن المردود منا فنعزيه؟ وقد قال النبي ﷺ : "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر". السلام عليك يا شهر الصيام، السلام عليك يا شهر القيام، السلام عليك يا شهر الإيمان، السلام عليك يا شهر المغفرة والغفران، السلام عليك يا شهر الدرجات والنجاة من الدركات، السلام عليك يا شهر التائنبين العابدين، السلام عليك يا شهر العارفين، السلام عليك يا شهر المجتهدين، السلام عليك يا شهر الأمان، كنت للعاصين حبسًا وللمتقين أنسًا، السلام على القناديل والمصابيح الزاهرة، والعيون الساهرة، والدموع الهاطلة، والمحاريب المتعطرة، والعبرات المنسكبة المتفطرة، والأنفاس الصاعدة من القلوب المحترقة. اللهم اجعلنا ممن قبلت صيامهم وصلاتهم وبدلت سيئاته بحسناته، وأدخله برحمتك في جنتك، ورفعت درجاته برحمتك يا أرحم الراحمين. * * *

стр. 361

[مجلس] في ذكر يوم الفطر قال الله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]. قوله: ﴿قد أفلح﴾ فالفلاح على وجهين: أحدهما: الفوز والنجاة من النيران في العقبى ومن الآفات والبلايا في الدنيا. والثاني: اليمن والسعادة بالتوفيق للطاعة في الدنيا والخلود في الجنان في الأخرى، قال الله : ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ [المؤمنون: ١] يعنى سعدوا، ونظيره ﴿قد أفلح من تزكى﴾ [الأعلى: ١٤] أي وفق للزكاة، وتطهيره إيمانه وتقواه من الآثام، وأما من لم يزك فلا فلاح له قاله الله : ﴿إنه لا يفلح المجرمون﴾ [يونس: ١٧] أي لا يفوزوا ولا يسعدوا. وأما قوله: ﴿من تزكى﴾ فقد اختلف في ذلك: فقال ابن عباس ﵄: يعنى من تطهر من الشرك بالإيمان. وقال الحسن ﵀: ﴿من تزكى﴾ يعنى من كان صالحًا وعمله زاكيًا ناميًا. وقال أبو الأحوص: عنى به -زكاة الأموال كلها. وقال قتادة وعطاء -رحمهما الله -: أراد به زكاة الفطر لا غير. وقوله: ﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾ قد اختلف في ذلك أيضًا: فقال ابن عباس ﵄: معناه وحد الله تعالى وصلى الصلوات الخمس. وقال أبو سعيد الخدرى ﵁: ﴿ذكر اسم ربه﴾ بالتكبير و ﴿صلى﴾ يعنى خرج إلى العيد فصلى. وقال وكيع بن الجراح ﵀: زكاة الفطر لرمضان كسجدة السهو للصلاة. وفرض رسول الله ﷺ -زكاة الفطر طهرة للصائم من الرفث فكأنها جبران للصائم لما دخله من النقصان بالآثام من اللغو والرفث والكذب والغيبة والنميمة وأكل الشبهات والنظر إلى المستحسنات، فجعلت الفطرة مكفرة لها ومتممة للصيام جابرة له، كالتوبة للذنوب والاستغفار لها، والسجود للسهو، فكما أن السجود للسهو شرع ترغيمًا

стр. 362

للشيطان إذ كان هو السبب في ذلك، فكذلك التوبة عن المعاصي والفطرة لرمضان شرعتا ترغيمًا له، لأن المعاصي والرفث الحاصل في الصيام بسببه، أعاذنا الله وجميع المؤمنين من مكايده ومصايده وغوائله، وسلمنا من آفات الدنيا وبلائها، وأخرجنا منها إلى رحمته وكرامته برحمته ومنه آمين. (فصل) وإنما سمى العيد عيدًا لأنه يعيد الله إلى عبادة الفرح والسرور في يوم عيدهم . وقيل: إنما سمى عيدًا لأن فيه عوائد الإحسان من الله وفوائد الامتنان منه للعبد. وقيل: لأنه يعود العبد فيه إلى التضرع والبكاء، ويعود الرب -فيه إلى الهبة والعطاء. وقيل: لأنهم عادوا إلى مثل ما كانوا عليه من الطهارة. وقيل: معناه عادوا من طاعة الله إلى طاعة الرسول ﷺ ، ومن الفريضة إلى السنة، ومن صوم رمضان إلى صوم ستة أيام من شوال. وقيل: إنما سمى عيدًا لأنه يقال المؤمنين فيه: عودوا إلى منازلكم مغفورًا لكم. وقيل: إنما سمى العيد عيدًا لأن فيه ذكر الوعد والوعيد، ويوم الجزاء والمزيد، ويوم عتق الإماء والعبيد، وإقبال الحق إلى القريب من خلقه والبعيد، ووجود الإنابة والأوبة من العبد الضعيف إلى الغفور الودود. قال وهب بن منبه ﵀: خلق الله الجنة يوم الفطر، وغرس شجرة طوبى يوم الفطر، واصطفى جبريل ﵇ -للوحي يوم الفطر، والسحرة وجدوا المغفرة يوم الفطر. وروى عن النبي ﷺ -أنه قال: "إذا كان يوم الفطر وخرج الناس إلى الجبانة اطلع الله عليهم فيقول: عبادي لي صمتم ولي صليتم انصرفوا مغفورًا لكم". وروى عن أنس بن مالك ﵁ -أن النبي ﷺ -قال: "ليلة الفطر يوفى الله تعالى أجور من صام شهر رمضان، فيأمر الله تعالى غداة الفطر لملائكته فيهبطون إلى الأرض، ويقومون على أفواه السكك ومجامع الطرق فينادون بصوت يسمعه جميع الخلائق إلا الإنس والجن: يا أمة محمد أخرجوا إلى ربكم ، يشكر القليل ويعطى الجزيل ويغفر الذنب العظيم، فإذا برزوا إلى مصلاهم وصلوا ودعوا لم يدع لهم

стр. 363

الرب ﵎ حاجة إلا قضاها ولا سؤالاً إلا أجابه ولا ذنبًا إلا غفره، فينصرفون مغفورًا لهم". وفي حديث ابن عباس ﵄: "فإذا كانت ليلة الفطر سميت تلك الليلة ليلة الجائزة، وإذا كان غداة الفطر بث الله ملائكته في كل البلاد، فيهبطون إلى الأرض فيقومون على أفواه السكك فينادون بصوت يسمعه كل من خلق الله تعالى إلا الجن والإنس، فيقولون: يا أمة محمد اخرجوا إلى رب كريم يعطى الجزيل ويغفر الذنب العظيم، فإذا برزوا إلى مصلاهم يقول الله تعالى لملائكته: يا ملائكتي، فيقولون: لبيك وسعديك، فيقول لهم: ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ فيقولون: إلهنا وسيدنا ومولانا -توفيه أجره، فيقول ﷻ : أشهدكم يا ملائكتي أني قد جعلت ثواب صيامهم من شهر رمضان وقيامهم رضائي ومغفرتي، ثم يقول: يا عبادي سلوني فوعزتي وجلالي لا تسألوني اليوم في جمعكم شيئًا لآخرتكم إلا أعطيتكم، ولا لدنياكم إلا نظرت لكم، وعزتي وجلالي لأسترن عليكم عثراتكم ما راقبتموني، ولا أخزيكم ولا أفضحكم بين أصحاب الحدود، انصرفوا مغفورًا لكم، قد أرضيتموني ورضيت عنكم، قال: فتفرح الملائكة وتستبشر بما يعطى الله -هذه الأمة إذا أفطروا من شهر رمضان". (فصل) وأربعة أيعاد لأربعة أقوام: أحدها: عيد قوم إبراهيم، قوله : ﴿نظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم﴾ [الصافات: ٨٨ - ٨٩]. وذلك أن قومه خرجوا إلى عيد لهم فتخلف إبراهيم ﵇ -عنهم واعتل بعلة ولم يخرج معهم، لأنه لم يكن على دينهم، فلما خرجوا أخذ فأسًا وكسر أصنامهم، وجاء بالفأس فوضعه على عنق الضم الكبير، فلما رجعوا قالوا: ﴿من فعل هذا بآلهتنا ...﴾ [الأنبياء: ٥٩] إلى قوله : ﴿أأنت فعلت هذا بآياتنا يا إبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٢] القصة إلى آخرها، فغار خليل الرحمن ﵇ -لربه، فأتعب يده بكسر الأصنام وخاطر بنفسه في ولاية رب الأنام، فأكرمه ربه بالخلة، وأحيا على يده الطيور الميتة، وأخرج من ظهره أهل الرسالة والنبوة وجعله أبا المصطفى خير البرية ﷺ . وأما العيد الثاني: فهو عيد قوم موسى كليم الرحمن ﵇، قوله : ﴿موعدكم يوم الزينة﴾ [طه: ٥٩].

стр. 364

قيل: سمى يوم الزينة لأنه -زين موسى وقومه بإهلاك عدوهم فرعون وقومه، فخرج مع فرعون وقومه اثنان وسبعون ساحرًا، وقيل: ثلاثة وسبعون، ومعهم ستمائة ألف عصا وحبل، وجعلوا في وسط العصا الزئبق، والخلائق قيام على الرمضاء، واشتد حر الشمس فسأل الزئبق فسعت العصى الملتفة بالحبال، فتخيل للناس أنها حيات تسعى وهي لا تتحرك ﴿فأوجس في نفسه خيفة موسى﴾ [طه: ٦٧] على قومه، قال: ربما يتوهمون أن الذي فعلوه حق فينقص إيمانهم أو يرتدون، فقال الله تعالى لموسى ﵇: ﴿وألق عصاك﴾ [النمل: ١٠] فألقاها فإذا هي تلقف ما يأفكون وألقى موسى عصاه فإذا هي حية كأعظم جمل يكون، ولها عينان تتقدان نارًا، ودمدمة وهيبة، فأقبلت على ما صنعوا من السحر والحبال والعصى فتلقفتها، يعني التقمتها بأسرها ولم تتغير بانفتاخ بطن ونقصان حركة ولا زاد في طولها ولا في عرضها ﴿فألقى السحرة ساجدين﴾ [الشعراء: ٤٦] له -وكان أكبرهم اسمه شمعون، فـ ﴿قالوا آمنا﴾ [الشعراء: ٤٧] يعني صدقنا بـ ﴿رب موسى وهارون﴾ [الشعراء: ٤٨] ثم أقبلت الحية على عسكر فرعون وقومه فانهزموا. وقيل: مات منهم خمسون ألفًا، القصة بطولها. وأما الثالث: فهو عيد عيسى ﵇ -وقومه، قوله تعالى: ﴿اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا وآية منك﴾ [المائدة: ١١٤]. وذلك أن الحواريين قالوا: يا عيسى هل يستطيع ربك أن يعطيك إن سألته أن ينزل علينا مائدة من السماء، قال لهم عيسى ﵇: اتقوا الله فلا تسألوه البلاء إن كنتم مؤمنين، فإنها إن أنزلت ثم كذبتم بها عوقبتم ﴿قالوا نريد أن نأكل منها﴾ [المائدة: ١١٣] فقد جعنا ﴿وتطمئن قلوبنا﴾ [المائدة: ١١٣] يعني تسكن قلوبنا إلى ما تدعونا إليه من الإيمان والتصديق ﴿ونعلم أن قد صدقتنا﴾ [المائدة: ١١٣] بأنك نبي ورسول ﴿ونكون عليها﴾ [المائدة: ١١٣] يعني على المائدة ﴿من الشاهدين﴾ [المائدة: ١١٣] عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم. والحواريون هم الذين أجابوا عيسى ﵇ -حين مر بهم وهم ببيت المقدس يقصرون الثياب. وبالنبطية: الحواريون: المبيضون للثياب، وهم اثنا عشر رجلاً لما قال لهم عيسى عليه

стр. 365

السلام -: ﴿من أنصاري إلى الله﴾ [الصف: ١٤، وآل عمران: ٥٢] يعني من ينصرني مع الله على أهل الكفر والطغيان فأدعوهم إلى طاعة الله تعالى وتوحيده فـ ﴿قال الحواريون نحن أنصار الله﴾ [الصف: ١٤، وآل عمران: ٥٢] فتركوا معيشتهم واتبعوا عيسى ﵇ -يسبحون معه أينما توجه من الأرض، فيرون العجائب والمعجزات التي تجرى على يده ﵇، فأي وقت جاعوا أو احتاجوا إلى الطعام أخرج عيسى يده فأخرج من الأرض لكل واحد منهم رغيفين ولنفسه كذلك، وكان جبريل ﵇ يمشي معه ويريه العجائب ويؤيده ويبصره بالأشياء، فما زال عيسى ﵇ -يرى بني إسرائيل العجائب ولم يزدهم ذلك إلا بعدًا من تصديقه وإتباعه، حتى يخرج معه يومًا خمسة آلاف بطريق من بني إسرائيل وسألوه المائدة مع الحواريين، فقال عيسى ابن مريم ﵇ -عند ذلك: ﴿اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا﴾ [المائدة: ١١٤]. يقول: تكون عيدًا لمن كان في زماننا عند نزول المائدة، وتكون عيدًا لمن بعدنا، وتكون المائدة ﴿آية منك وارزقنا﴾ [المائدة: ١١٤] يعني المائدة ﴿وأنت خير الرازقين﴾ [المائدة: ١١٤] من غيرك فإنك خير من يرزق ﴿قال الله﴾ [المائدة: ١١٥] تعالى: ﴿إني منزلها﴾ [المائدة: ١١٥] يعني المائدة عليكم ﴿فمن يكفر بعد منكم﴾ [المائدة: ١١٥] أي بعد نزولها منكم ﴿فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين﴾ [المائدة: ١١٥] فأنزلها الله عليهم يوم الأحد من السماء سمكًا طريًا وخبزًا رقاقًا وتمرًا. وقيل: كانت سفرة فيها سمكة مشوية، وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وفيها خمسة أرغفة، على كل رغيف زيتونة، وخمس رمانات وتمرات قد نضد حولها من البقول ما خلا الكراث. وقيل: إن عيسى ﵇ -قال لأصحابه وهم جلوس في روضة: هل مع أحد منكم شيء؟ فجاء شمعون بسمكتين صغيرتين وخمسة أرغفة، وجاء آخر بشيء من السويق، فعمد عيسى ﵇ -فقطعهما صغارًا وكسر الخبز فوضعه فلقًا، ووضع السويق، وتوضأ ثم صلى ركعتين ودعا ربه، فألقى الله على أصحابه شبه السبات، ففتح القوم أعينهم وزاد الطعام حتى بلغ الركب، فقال عيسى ﵇ -للقوم: كلوا وسموا الله ولا ترفعوا، وأمرهم أن يجلسوا حلقًا حلقًا، فجلسوا وأكلوا

стр. 366

حتى شبعوا وهم خمسة آلاف رجل، وقيل إنهم كانوا ألف رجل وثمانمائة رجل وامرأة من بين فقير وجائع وبين من له فاقة إلى رغيف واحد، فصدروا كلهم شباعًا يحمدون ربهم، وإذا ما عليها كهيئته، ورفعت السفرة إلى السماء وهم ينظرون، قال فاستغنى كل فقير أكل منها يومئذ فلم يزل غنيًا حتى مات، وبرئ كل زمن وشفى كل مريض. وقال مقاتل: فنادى عيسى ﵇: أكلتم؟ قالوا: نعم، قال: فلا ترفعوا، قالوا: لا نرفع ورفعوا، فبلغ كل ما رفعوا من الفضل أربعة وعشرين مكتلاً، فآمنوا عند ذلك بعيسى ﵇ -وصدقوا به ثم رجعوا إلى قومهم اليهود، يعني بني إسرائيل ومعهم فضل المائدة، فلم يزل بهم قومهم حتى ارتدوا عن الإسلام، وكفروا بالله تعالى، وجحدوا بنزول المائدة، فمسخهم الله -وهم نيام خنازير ذكور، وليس فيهم صبى ولا امرأة. وقيل في ذلك إشارة: مائدة وضع عليها طعام محدود، صدر عنها الجم الغفير والجمع الكثير وهي بحالها، فكيف بمائدة الرضا وبساط الرحمة التي لا حد لها ولا نهاية. ففي الخبر "إن لله -مائة رحمة، واحدة أنزلها إلى خلقه فبها يتراحمون وبها يتعاطفون، وأخر تسعة تسعين عنده يرحم بها عباده يوم القيامة". وفي خبر آخر "أن يوم القيامة يبسط الجليل ﷻ بساط المجد يدخل ذنوب الأولين والآخرين في حواشيه ويبقى البساط فارغًا حتى يتطاول لها إبليس رجاء أن تصيبه". ومع ذلك لا ينبغي لكل عاقل لبيب أن يتكل على ذلك ويغتر به، ولا يغلبه الرجاء فيهلك، بل يبذل مجهوده ويستفرغ وسعه في أداء الأوامر وانتهاء النواهي وتسليم الأمور والقدر إلى الله ، ويكثر من الاستغفار والتوبة، ويكون أبدًا على حذر، لا خوف مؤيس من رحمة الله، ولا رجاء يوقع في ارتكاب المحارم وإهمال الأوامر، بل يبتغى بين ذلك سبيلاً، كما قيل: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا، فليكن خوفه ورجاؤه كجناحي الطائر، والطائر لا يطير بجناح واحد. وأما العيد الرابع: فهو عيد أمة محمد ﷺ -وقد ذكرنا ما يتعلق به أول المجلس.

стр. 367

(فصل) يشترك المؤمن والكافر في العيد ، فكل له عيد، فالمؤمن عيده لرضا الرحمن، والكافر عيده لرضا الشيطان، المؤمن يذهب إلى عيده وعلى رأسه تاج الهداية وعلى عينيه علامة فكرة العبرة، وعلى أذنيه استماع الحق، وعلى لسانه الشهادة بالتوحيد، وفي قلبه المعرفة واليقين، وعلى عنقه رداء الإسلام، وفي وسطه منطقة العبودية، ومعدنه المحاريب والمساجد، ومعبوده رب العباد والبرية، ثم التضرع منه والسؤال، ويقابله الرب بالإجابة والنوال، ثم يحله دار الكرامة والجنان. والكافر يذهب إلى عيده وعلى رأسه تاج الخسران والضلال، وعلى أذنيه ختم الغفلة والحجاب، وعلى عينيه السهو والشهوات، وعلى لسانه ختم الشقاوة والإبعاد، وعلى قلبه ظلمة النكرة والجحود، وعلى وسطه زنار الفرقة والشقاق، وموضعه البيعة والكنائس أو بيت النار، ومعبوده الوثن والأصنام، ومصيره آخرًا إلى جهنم والنيران. (فصل) ليس العيد بلبس الناعمات وأكل الطيبات ومعانقة المستحسنات والتمتع باللذات والشهوات . لكن العيد بظهوره علامة القبول للطاعات، وتكفير الذنوب والخطيئات، وتبديل السيئات بالحسنات، والبشارة بارتفاع الدرجات، والخلع والطرف والهبات والكرامات، وانشراح الصدر بنور الإيمان، وسكون القلب بقوة اليقين وما ظهر عليه من العلامات، وانفجار بحور العلوم من القلوب على الألسنة وأنواع الحكم والفصاحة والبلاغة. كما قيل: إن رجلاً دخل على علي ﵁ -وكرم الله وجهه في يوم عيد وهو يأكل الخبز الخشكار فقال له: اليوم يوم العيد وأنت تأكل الخبز الخشكار؟ فقال: اليوم عيد لمن قبل صومه، وشكر سعيه، وغفر ذنبه، اليوم لنا عيد وغدًا لنا عيد، وكل يوم لا نعصى الله فيه فهو لنا عيد. فينبغي لكل عاقل أن يترك النظر إلى الظاهر ولا يتقيد به، بل يكون نظره في يوم العيد نظر التفكير والاعتبار، فيشبه العيد بيوم القيامة، فليذكر نفخ الصور يوم القيامة عند سمع صوت بوق السلطان ليلة العيد، وإذا بات الناس ليلة العيد ورقدوا منتظرين عيدهم متأهبين له، فيذكر الرقود بين النفختين، وإذا رأى الناس صبيحة يوم العيد وقد خرجوا من قصورهم وبيوتهم مختلفى الأحوال متفاوتى اللباس والألوان كل له زى وحلية، واحد منهم مسرور وواحد مغموم، وواحد راكب وآخر ماش، وواحد غني

стр. 368

وآخر فقير، وواحد في فرحة وآخر في ترحة، فليذكر تفاوت أهل القيامة، أهل الطاعة مسرور وأهل المعصية مغموم، المتقى راكب والمجرم المشرك متعثر مكبوب على وجهه مسحوب أو ماش. كما قال عز من قائل: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدًا﴾ [مريم: ٨٥] أي ركبانًا على النجائب ﴿ونسوق المجرمين إلى جهنم وردًا﴾ [مريم: ٨٦] أي عطاشًا. والزاهد والعارف والبدل كل واحد في راحة وغنى عند مليكهم ومحبوبهم تحت ظل العرش عليهم الحلى والحلل، وأنوار الطاعات والمعارف على وجوههم ظاهرة وهي نضرة مشرقة، وبين أيديهم موائد عليها أنواع الأطعمة والأشربة والفواكه حتى يقضى حساب الخلائق، ثم يصيرون إلى الجنة إلى منازلهم التي أعد الله تعالى لهم، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. كما قال الله تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧]. وأما الراغب في الدنيا فهو في نياحة وبكاء وعناء، ومصدود عما فيه القوم من النعيم بدنياه، وتناوله الحرام والشبهات، وتخليطه في طاعة ربه، وهو يرى مكانه في الجنة فلا يصل إليه حتى يخرج مما عليه من الحقوق. والكافر ينادى بالويل والثبور لما قد عاين وانكشف له من أنواع العذاب والنكال والهوان والهلاك والخلود في النيران، وإذا رأى الأعلام قد نشرت والألوية قد ضربت فليذكر أهل الإسلام أصحاب الأعلام حين ينادى منادي الرحمن بالتوجه إلى زيارة رب الأنام إلى دار السلام بأمر السلام. وإذا رأى الصفوف قد استكملت والخلائق قد اجتمعت فليذكر وقوف الخلائق بين يدى الجبار وصفوف الفجار والأبرار يوم النشر الذي فيه تظهر الأسرار. وإذا رأى الناس قد انصرفوا من الجبانة فكل يرجع إلى ما قد قسم له من دار أو مسجد أو خان، فليذكر منصرف الخلائق من بين يدى الملك المنان الديان إلى الجنة أو إلى النار كما قال ذو العظمة والامتنان: ﴿ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون﴾ [الروم: ١٤] ﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ [الشورى: ٧]. * * *

стр. 369

مجلس في فضائل أيام العشر قوله : ﴿والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر * والليل إذا يسر * هل في ذلك قسم لذى حجر﴾ [الفجر: ١ - ٥]. ﴿والفجر﴾ اختلف الناس في ذلك، فقال ابن عباس ﵄ -عنى بالفجر: صلاة الصبح، ﴿وليال عشر﴾ هي عشر ذي الحجة ﴿والشفع﴾ الخلق ﴿والوتر﴾ هو الله ﴿والليل إذا يسر﴾ يعنى إذا ذهب ﴿هل في ذلك قسم لذى حجر﴾ أي إن ذلك قسم لذى لب وعقل، وجواب القسم قوله تعالى: ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾ [الفجر: ١٤]. وقال مقاتل ﵀: ﴿والفجر﴾ عنى به: غداة جمع يوم النحر، ﴿وليال عشر﴾ وهي عشر ليال قبل الأضحى، وإنما سماها : ليال عشر، لأنها تسعة أيام وعشر ليال، ﴿والشفع والوتر﴾ أما الشفع: فآدم وحواء ﵉، والوتر: فهو لله ، ﴿والليل إذا يسر﴾ إذا أقبل، وهي ليلة الأضحى، فأقسم -بيوم النحر والعشر وبآم وحواء، وأقسم بنفسه ﵎ وبليلة الأَحى، فلما فرغ منها قال: ﴿هل في ذلك قسم لذي حجر﴾ يعنى: هل في ذلك القسم كفاية لذي لب، يعني ذا عقل، فيعرف عظم هذا القسم ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾. وقيل: المراد بالفجر: فجر النهار، وقيل: هو النهار، فعبر عنه بالفجر، لأنه أوله. وقال مجاهد ﵀: هو فجر يوم النحر خاصة. وقال عكرمة -رحمة الله -: أقسم الله تعالى بانفجار المياه من العيون والنبات من الأرض، والثمار من الشجر. وقيل: أقسم الله بانفجار الماء من أصابع النبي ﷺ . وقيل: أقسم الله بانفجار الصخرة وخروج الناقة لصالح. وقيل: أقسم الله تعالى بانفجار الماء من الحجر بعصا موسى ﵇. وقيل: أقسم الله بانفجار الماء من عيون العصاة. وقيل: أقسم الله تعالى بانفجار المعرفة من القلوب كما قال الله تعالى: ﴿أومن كان

стр. 370

ميتًا فأحييناه﴾ [الأنعام: ١٢٢] يعنى بالإيمان والمعرفة، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وليال عشر﴾. روى جابر بن عبد الله ﵄، عن النبي ﷺ -أنه قال: ﴿والفجر وليال عشر﴾: هي عشر الأضحى" وقال ابن الزبير وابن عباس ﵃: إنها عشر ذي الحجة، وعن ابن عباس ﵄، في رواية أخرى: إنه العشر الأواخر من شهر رمضان. وقال مجاهد ﵀: إنها عشر موسى ﵇. وقال محمد بن جرير الطبرى ﵀: إنها عشر أول المحرم. قوله تعالى: ﴿والشفع والوتر﴾: قال قتادة والسدى ﵏: الشفع: كل اثنين، والوتر. هو الله تعالى. وقيل: هما آدم وحواء، وهو قول مقاتل، وهو أن آدم كان وترًا فشفع بزوجته حواء. وقيل: الصلاة منها شفع، ومنها وتر. قال الربيع بن أنس وأبو العالية ﵏: هي صلاة المغرب الشفع فيها ركعتان، والوتر الثالثة. وقيل: الشفع هو يوم النحر، لأنه العاشر، والوتر هو يوم عرفة لأنه التاسع. وقيل: الشفع يومان بعد النحر، والوتر اليوم الثالث. قوله تعالى: ﴿والليل إذا يسر﴾ يعنى إذا ذهب. وقيل: إذا أظلم. وقيل: إنه ليلة المزدلفة خاصة. وقيل: يعنى إذا سرى فيه أهله، لأن السرى: هو سرى الليل. وقوله تعالى: ﴿هل في ذلك قسم لذى حجر﴾ يعنى لذى عقل، وهو قول ابن عباس ﵄. وقال الحسن وأبو رجاء -رحمهما الله -: لذى علم، وقال محمد بن كعب -رحمة الله -لذى دين، معناه: إن في ذلك قسم لذى حجر، و"هل" هاهنا في موضع "إن". ومعنى قوله : ﴿والفجر * وليال عشر﴾ وحق رب الفجر، وحق رب ليال عشر إلى آخر القسم، وكذلك فيما شاكل ذلك كقوله تعالى. ﴿والشمس وضحاها﴾ [الشمس: ١]، ﴿والسماء والطارق﴾ [الطارق: ١]، ﴿والسماء ذات البروج﴾ [البروج: ١] وغيرها.

стр. 371

فصل فيما ورد في عشر ذي الحجة من كرامات الأنبياء وما نقل في ذلك من الأخبار والأنباء وفضائل الأعمال أخبرنا الشيخ أبو البركات، قال: أنبأنا الشيخ الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، قال: أنبأنا محمد بن أحمد بن زرقونة، قال: أنبأنا محمد بن عبد الله الشافعي ﵀، قال: أنبأنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بحلب، قال: أنبأنا عمرو بن عثمان، قال: أنبأنا الوليد، عن ابن المبارك، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، ﵄ -أنه قال في عشر ذي الحجة: قبل الله توبة آدم، وتاب عليه بعرفة، لأنه اعترف بذنبه. وفيه وجد إبراهيم الخليل ﵇ -الخلة فبذل ماله للضيفان، ونفسه للنيران، وولده للقربان، وقلبه للرحمن، ولم يصح لأحد التوكل إلا لإبراهيم خليل الرحمن. وفيه بنى إبراهيم ﵇ -الكعبة الشريفة قال الله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾ [البقرة: ١٢٧]. وفيه أكرم الله موسى ﵇ -بالمناجاة. وفيه نزلت على داود المغفرة وفيه كانت ليلة المباهاة. وقيل: فيه افتتاح نزول القرآن بكرة يوم الأضحى والنبي ﷺ -متوجه إلى المصلى. وفيه كانت بيعة الرضوان، فأنزل الله تعالى: ﴿إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ [الفتح: ١٨] وهي شجرة سمرة كان ذلك يوم الحديبية، وأصحاب رسول الله ﷺ -ألف وأربعمائة رجل، وقيل: ألف وخمسمائة رجل، وأول من أطلق يده للمبايعة أبو سنان الأسدى، عليه وعلى جميع الصحابة -رحمة الله تعالى -وبركاته وتحياته والتابعين لهم بإحسان. وفيه يوم التروية، ويوم عرفة، ويوم النحر وهو يوم الحج الأكبر، وأخبرنا الشيخ أبو البركات، عن أحمد بن علي الحافظ، بإسناده عن أبى سعيد الخدرى ﵁، عن النبي ﷺ -أنه قال: "سيد الشهود شهر رمضان، وأعظمها حرمة ذو الحجة". وأخبرنا الشيخ أبو البركات، عن الفضل بن محمد القصار الأصفهاني قال: أنبأنا أبو

стр. 372

سعيد الحسن بن علي بن سهلان، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الوراق قال: أخبرنا أبو بكر البزار، قال: أخبرنا أبو كامل الفضل بن الحسن الجحدرى، قال: أنبأنا أبو عاصم بن هلال، عن أيوب، عن ابن الزبير، عن جابر ﵁ -عن النبي ﷺ -أنه قال: "أفضل أيام الدنيا أيام عشر ذي الحجة، قيل: ولا مثلها في سبيل الله؟ قال: ولا مثلها في سبيل الله، إلا رجل عفر وجهه في التراب". وأخبرنا الشيخ أبو البركات عن القاضي أبى المضفر هناد بن إبراهيم البخارى النسفى بإسناده عن عطاء بن أبى رباح، قال: سمعت عائشة ﵂ -قالت: "كان على عهد رسول الله ﷺ -رجل يحب السماع يعنى الغناء، وكان إذا أهل هلال ذي الحجة أصبح صائمًا، فاتصل الحديث برسول الله ﷺ -فأحضروا الرجل وقال له: "ما حملك على صيام هذه الأيام، فقال: يا رسول الله إنها أيام مشاعر وأيام الحج، فأحببت أن يشركنى الله تعالى في دعائهم فقال له النبي ﷺ : لك بعدد كل يوم تصومه عتق مئة رقبة ومئة بدنة تهديها، ومئة فرس تحمل عليها في سبيل الله، فإذا كان يوم التروية، فلك عتق ألف رقبة وألف بدنة تهديها في سبيل الله وألف فرس تحميل عليها في سبيل الله، فإذا كان يوم عرفة فلك عتق ألفى رقبة وألفى بدنة تهديها وألفى فرس تحمل عليها في سبيل الله، وصيام سنة قبلها وسنة بعدها". وأخبرنا الشيخ أبو البركات بإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ -قال: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله -منه في هذه الأيام، يعنى أيام العشر، قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء". وأخبرنا الشيخ أبو البركات، عن أبى بكر بن أحمد بن علي بن ثابت الحافظ بإسناده عن هيبرة بن خالد الخزاعى، عن حفصة ﵂ -أنها قالت: "أربع لم يكن النبي ﷺ -يتركهن: صوم عشر ذي الحجة، وعاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، وركعتين قبل الغداة". وأخبرنا الشيخ أبو البركات، عن حمزة بن عيسى بن الحسن الوراق بإسناده عن

стр. 373

سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة ﵁ -عن النبي ﷺ -أنه قال: "ما من أيام أحب إلى الله تعالى أن يتعبد له فيهن من أيام عشر ذي الحجة، وإن صيام يوم يعدل صيام سنة، وقيام ليلة كقيام سنة". وأخبرنا الشيخ أبو البركات عن الحسن بن أحمد المقرئ بإسناده، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ -أنه قال: "من صام أيام العشر كتب الله له بكل يوم صوم سنة". وعن سعيد بن جبير ﵀ -أنه كان يقول: لا تطفئوا سرجكم ليال العشر، ويأمر بإيقاظ الخدم، وتعجبه فيه العبادة. (فصل) وأما الصلاة الواردة في أيام العشر: فما أخبرنا به الشيخ أبو البركات، عن الشريف أبى عبد الله محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن المهدي بإسناده، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵄، عن النبي ﷺ -أنه قال: "من أحيا ليلة من ليالي عشر ذي الحجة، فكأنما عبد الله عبادة من حج واعتمر طول سنته، ومن صام سنته، ومن صام فيها يومًا فكأنما عبد الله تعالى سائر سنته". وأخبرنا الشيخ أبو البركات عن محمد بن محمد بن عبد العزيز الشاهد بإسناده عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين زين العابدين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي ﵁، عن النبي ﷺ -أنه قال: "إذا دخل عشر ذي الحجة، فجدوا في الطاعة، فإنها أيام فضلها الله تعالى وجعل حرمة ليلها كحرمة نهارها، فمن صلى في ليلة من ليالي العشر في الثلث الأخير أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بالحمد مرة، والمعوذتين، ويكرر سورة الإخلاص ثلاثًا، ويقرأ آية الكرسي، ويكرر ذلك في كل ركعة، فإذا فرغ من صلاته رفع يديه وقال: سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان ذي القدرة والملكوت، سبحان الله الحي الذي لا يموت، لا إله إلا هو يحيى ويميت، وهو حي لا يموت، سبحان الله رب العباد والبلاد، والحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا على كل حال، الله أكبر كبيرًا، ربنا جل

стр. 374

جلاله وقدرته بكل مكان -قال الشيخ: يعني علمه بكل مكان -ثم يدعو بما شاء، فإن له من الأجر بإزاء من حج إلى بيت الله الحرام وزار قبر النبي ﷺ -وجاهد في سبيل الله، ولم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه، وإن صلاها في كل ليلة من ليالي العشر، أحله الله تعالى الفردوس الأعلى، ومحا عنه كل سيئة، وقيل له: استأنف العمل، فإذا كان يوم عرفة، وصام نهارها، وصلى ليلها، ودعا بهذا الدعاء، وأكثر التضرع بين يدي الله تعالى يقول الله: يا ملائكتي اشهدوا أني قد غفرت له وأشركته بالحجاج إلى بيتي، قال: فتستبشر الملائكة بما يعطى الله تعالى ذلك العبد بصلاته ودعائه. (فصل) والعشر لخمسة أنبياء ﵈ -: الأول: عشر آدم ﵇، وهو أنه لما خلق الله حواء من ضلعه الأيسر القصير وهو نائم، فاستيقظ من سنته، فرأى حواء جالسة عنده، فقال لها: لمن أنت؟ قالت: لك، فأراد أن يمسها، فقيل له. لا تمسها حتى تعطى مهرها، قال: إلهي وما مهرها؟ قال الله تعالى: هو أن تصلى على نبي آخر الزمان عشرًا فلذلك مهرها. والثاني: عشر إبراهيم خليل الرحمن ﵇، قال الله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ [البقرة: ١٢٤] وهي عشر خصال: خمس منها في الرأس: الفرق، وقص الشارب، والسواك، والمضمضة، والاستنشاق، وخمس منها في البدن: وهي تقليم الأظفار، ونتف الإبطين، والختان، وحلق العانة، وتخليل الأصابع. فلما أتم إبراهيم ﵇ -هذه الخصال العشرة أكرمه الله تعالى بالخلة، قوله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ [النساء: ١٢٥]. والثالث: عشر شعيب النبي ﵇، قوله : ﴿فإن أتممت عشرًا فمن عندك﴾ [القصص: ٢٧] وهو أنه أجره موسى ﵇ -نفسه عشرين سنين، فكان أجرته مهر ابنة شعيب النبي ﵇. وقيل: إن شعيبًا ﵇ -بكى عشرين سنة حتى ذهب بصره، فرد الله بصره عليه فأوحى الله إليه: يا شعيب إن كنت تخاف النيران فقد أمنتك، وإن كنت تريد الجنان فقد وهبت لك، وإن كنت تطلب الرضوان فقد أعطيتك، فقال: يا جبريل ليس بكائي حبًا للجانان، ولا خوفًا من النيران، ولكن شوقًا إلى لقاء الرحمن، فقال الله :

стр. 375

الآن حق لك، فابك ثم ابك ثم عوض لبكائه وهو أن جعل الله نبيه موسى ﵇ -خادمًا له عشر سنين، جزاء لما كان من بكائه على محبته، سوى ما قد ادخر له عنده من الكرامات والمنازل العاليات والقرب منه ﵎، والنظر إلى وجهه الكريم، وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. والرابع: عشر موسى ﵇، قوله : ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر﴾ [الأعراف: ١٤٢]. وذلك أن الله -وعد موسى ﵇ -المناجاة، وأعطاه التوراة، فصام موسى ﵇ -ثلاثين يومًا، وكان ذلك شهر ذي الحجة، وقيل: إنه شهر ذي القعدة، فلما قصد المناجاة وضع قطعة زيتون في فيه لما شاهد من تغير رائحة فمه، فقال : يا موسى أما علمت أن خلوف فم الصائم عندي أطيب من ريح المسك؟ ثم أمره أن يصوم عشرًا من المحرم آخرها يوم عاشوراء. وعلى قول من قال: الشهر كان ذا القعدة، فيكون عشر ذي الحجة، ثم قربه وأكرمه بالمناجاة والقربة، قوله : ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. والخامس: عشر نبينا المصطفى ﷺ -قوله تعالى: ﴿والفجر * وليال عشر﴾ [الفجر: ١ - ٢] يعنى عشر ذي الحجة، وقد ذكرناه. (فصل) وقيل: من أكرم هذه الأيام العشرة أكرمه الله تعالى بعشر كرامات: البركة في عمره، والزيادة في ماله، والحفظ لعياله، والتكفير لسيئاته، والتضعيف لحسناته، والتسهيل لسكراته، والضياء لظلماته، والتثقيل لميزانه، والنجاة من دركاته، والصعود على درجاته. ومن تصدق في هذه الأيام العشر بصدقة على مسكين، فكأنما تصدق على أنبيائه ورسله، ومن عاد فيها مريضًا فكأنما عاد أولياء الله وبدلائه، ومن شيع جنازة فكأنما شيع جنائز شهدائه، ومن كسا مؤمنًا كساه الله تعالى من حلله، ومن لطف فيها بيتيم لطف الله تعالى به في القيامة تحت ظل عرشه، ومن حضر مجلسًا من مجالس العلم، فكأنما حضر مجالس أنبياء الله ورسوله. وقال وهب بن منبه ﵀: إن آدم ﵇ -لما أهبط إلى الأرض بكى على ذنبه ستة أيام، ثم أوحى الله إليه في اليم السابع وهو محزون كظيم منكس رأسه، يا

стр. 376

آدم ما هذا الجهد الذي بك؟ فقال: إلهي عظمت مصيبتي، وأحاطت بي خطيئتي، وصرت في دار الهوان بعد الكرامة، وفي دار الشقاوة بعد السعادة، وفي دار الموت والفناء بعد الخلد والبقاء، فكيف لا أبكي على خطيئتي؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا آدم أما اصطنعتك لنفسي، ثم اصطفيتك على خلقي، وخصصتك بكرامتي، وألقيت عليك محبتي؟ أما خلقتك بيدي وأسجدت لك ملائكتي؟ ألم تكن في بحبوحة كرامتي ومنتهى رحمتي، فعصيت أمري، ونسيت عهدي، فكيف نسيت نعمتي؟ فوعزتي وجلالي لو ملأت الأرض رجالاً كلهم مثلك يعبدوني ويسبحوني الليل والنهار ولا يفترون ثم عصوني لأنزلتهم منازل العاصين. قال: فبكى عند ذلك ثلاث مئة عام على جبل الهند تجري دموعه في أودية جبالها فنبتت من تلك الدموع أشجار طيبة، فقال له جبريل ﵇: اذهب إلى بيت الله الحرام، واصبر حتى تدخل أيام العشر، ثم تب إلى الله لعله يرحم ضعفك، فمضى فكان يخطو خطوة، فكان موضع قدميه عمرانًا، وما بينهما مفاوز. وقيل: كان بين قدميه ثلاثة فراسخ، حتى أتى البيت، فطاف بالبيت أسبوعًا، وبكى حتى خاض في دموعه إلى ركبتيه، وجرت على الأرض، فقال: لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءًا، وظلمت نفسي فاغفر لي وأنت خير الغافرين، وارحمني إنك أرحم الراحمين، فأوحى الله إليه: يا آدم قد رحمت ضعفك، وغفرت ذنبك، وقبلت توبتك، فذلك قوله : ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه﴾ [البقرة: ٣٧] فوجد آدم من بركات أيام العشر - التوبة. وكذلك المؤمن الذي عصى ربه واتبع هواه في معصية مولاه إذا تاب وأناب، وانقاد لطاعة مولاه في هذه الأيام يتفضل عليه بالرحمة والغفران، وإبدال السيئات بالحسنات برحمة منه. (فصل) وقد أقسم الله تعالى بـ ﴿الفجر وليال عشر * والشفع والوتر * والليل إذا يسر ...﴾ إلى قوله: ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾ وهي ثمان قناطر على جسر جهنم، فيسئل العبد في أول موقف منها عن الإيمان بالله، فإن كان مؤمنًا نجا، وإلا تردى في النار، ثم جاز إلى الثاني فيسئل عن الوضوء والصلاة، فإن قصر فيهما تردى إلى النار، وإن أكمل ركوعها وسجودها نجا، ثم جاز إلى الثالث فيسئل عن الزكاة، فإن كان قد أداها نجا، ثم

стр. 377

جاز إلى الرابع، فيسئل عن الصيام، فإن كمل صيامه نجا، ثم جاز إلى الخامس فيسئل عن الحج والعمرة، فإذا كان أداهما نجا، ثم جاز إلى السادس فيسئل عن الأمانة، فإن لم يخن فيها نجا ثم جاز إلى السابع فيسئل عن الغيبة والنميمة والبهتان، فإن لم يكن اغتاب نجا، ثم جاز إلى الثامن فيسئل عن أكل الحرام، فإن لم يكن أكل نجا وإلا تردى في النار. * * *

стр. 378

[مجلس] في ذكر يوم التروية قال الله : ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً﴾ [الحج: ٢٧] وهذه الآية في سورة الحج، وهي من أعاجيب سور القرآن العظيم، لأن فيها مكيًا ومدنيًا وحضريًا وسفريًا وليليًا ونهاريًا، وفيها ناسخ ومنسوخ. فأما المكي فمن رأس ثلاثين آية منها إلى آخرها، وأما الآيات المدنية فمن رأس خمسة عشر إلى رأس الثلاثين، وأما الليالي منها فمن أولها إلى رأس خمس آيات، وأما النهاري منها فمن رأس خمس إلى رأس تسع، وأما الحضري منها فإلى رأس العشرين، ونسب ذلك إلى المدينة لقربها منها. وأما الناسخ، فقوله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون﴾ [الحج: ٣٩]. وأما المنسوخ فثلاث آيات: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ [الحج: ٥٢] نسخت بقوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ [الأعلى: ٦]. والثانية: قوله تعالى: ﴿فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ [البقرة: ١١٣] فنسخت بآية السيف. والثالثة: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ [الحج: ٧٨] فنسخت بقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. قوله تعالى: ﴿وأذن فى الناس بالحج﴾ [الحج: ٢٧] أي ناد يا إبراهيم ذريتك وغيرهم من بني آدم من المؤمنين بالحج ﴿يأتوك رجالاً﴾ [الحج: ٢٧] أي يجيئون إليك رجالاً على أرجلهم ﴿وعلى كل ضامر﴾ [الحج: ٢٧] يعني ركبانًا على الإبل ﴿يأتين من كل فج عميق﴾ [الحج: ٢٧] يعني من كل أرض بعيدة وطريق بعيد. قال الله تعالى ذلك لإبراهيم ﵇ -حين فرغ من بناء البيت الحرام، وقال: إلهي من يقصد هذا البيت؟ فأمره أن يؤذن في الناس بالحج، فصعد أبا قبيس وهو الجبل الذي الصفا في أصله، فنادى بأعلى صوته: يا أيها الناس أجيبوا ربكم إن الله يأمركم أن تحجوا بيته، فسمع نداء إبراهيم كل مؤمن ومؤمنة على وجه الأرض.

стр. 379

وقيل من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فالتلبية اليوم جواب نداء إبراهيم ﵇ -عن أمر ربه، فأجابوا كلهم: لبيك لبيك فمن أجاب ذلك اليوم لا يخرج من الدنيا حتى يزور هذا البيت. (فصل: في فضل من أحرم بالحج ولبى وقصد البيت وإليه دنا) روى مجاهد عن ابن عباس ﵄ -قال: "كنا مع رسول الله ﷺ -إذ أقبلت طائفة من اليمن قالوا: فداك الأمهات والأباء، أخبرنا بفضائل الحج، قال: نعم، أي رجل خرج من منزله حاجًا أو معتمرًا، فكلما رفع قدمًا ووضع قدمًا تناثرت الذنوب من قدميه كما يتناثر الورق من الشجر، فإذا ورد المدينة وصافحني بالسلام صافحته الملائكة بالسلام، فإذا ورد ذا الحليفة واغتسل طهره الله من الذنوب، وإذا لبس ثوبين جديدين جدد الله له الحسنات، وإذا قال: لبيك اللهم لبيك أجابه الله تعالى بلبيك وسعديك أسمع كلامك وأنظر إليك، وإذا دخل مكة فطاف وسعى بين الصفا والمروة أوصل الله له الخيرات، وإذا وقف بعرفات وضجت له الأصوات بالحاجات، باهى الله تعالى بهم ملائكة سبع سموات فيقول: ملائكتي وسكان سمواتي، أما ترون إلى عبادي أتوني من كل فج عميق شعثًا غبرًا، قد أتفقوا الأموال وأتعبوا الأبدان، فوعزتي وجلالي وكرمي لأهبن مسيئهم لمحسنهم، ولأخرجنهم من الذنوب كيوم ولدتهم أمهاتهم؟ فإذا رموا الجمار وحلقوا الرؤوس وزاروا البيت، نادى مناد من بطنان العرش: ارجعوا مغفورًا لكم واستأنفوا واستقبلوا العمل". وروى أن رسول الله ﷺ -أتاه أعرابي وقال له: يا رسول الله خرجت أريد الحج ففاتنى، وأنا رجل متزر -يعني محرمًا -فمرني بما أصنع فأبلغ به الحج أو مثل أجر الحج، قال: فالتفت إليه رسول الله ﷺ -فقال له: انظر إلى أبى قبيس، فنظر إلى أبى قبيس، قال له: فلو أن لك أبا قبيس ذهبًا أحمر وجعلته في سبيل الله ما بلغت ما بلغ الحاج، ثم قال ﵇: إن الحاج إذا أخذ في جهازه لم يرفع شيئًا ولا يضعه إلا كتب الله له عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات، فإذا ركب بعيره لم يرفع البعير خفًا ولا يضعه إلا كتب الله له مثل ذلك، فإذا طاف بالبيت خرج من ذنوبه، فإذا سعى بين الصفا والمروة خرج من ذنوبه، فإذا وقف بعرفات خرج من ذنوبه، ثم قال: إذا وقف بالمشعر الحرام خرج من ذنوبه، فإذا رمى الجمار خرج من

стр. 380

ذنوبه، ثم قال له: أنى لك أن تبلغ ما بلغ الحاج". وعن علي بن أبى طالب كرم الله وجهه أنه قال: "كنت طائفًا مع النبي ﷺ -بالبيت الحرام، فقلت له: يا رسول الله فداك أبي وأمي، ما هذا البيت؟ فقال: يا علي، أسس الله تعالى هذا البيت في دار الدنيا كفارة لذنوب أمتي، فقلت: فداك أبي وأمي يا رسول الله، ما هذا الحجر الأسود؟ قال ﷺ : تلك جوهرة كانت في الجنة، فأهبط الله بها إلى دار الدنيا، لها شعاع كشعاع الشمس، فاشتد سوادها وتغير لونها منذ مستها أيدي المشركين". وعن ابن مليكة عن عبد الله بن عباس ﵄ -أنه قال. سمعت رسول الله ﷺ -يقول: ينزل الله على هذا البيت الحرام في كل ليلة ويوم مائة وعشرون رحمة، ستون منها للطافين بالبيت الحرام، وأربعون منها للعاكفين حول البيت الحرام، وعشرون منها للناظرين إلى البيت الحرام. وعن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن عمر بن سلمة ﵁ -عن النبي ﷺ -أنه قال: "يقول الله تعالى: إن عبدًا صححت له في جسمه وفسحت له في عمره وتمضى عليه ثلاثة أعوام لا يغدو إلى هذا البيت إنه لمحروم إنه لمحروم﴾. وعن أبى سعيد الخدرى ﵁ -قال: "حججنا مع عمر بن الخطاب ﵁ -في أول خلافته، فدخل المسجد حتى وقف عند الحجر، فقال: إنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ -يقبلك ما قبلتك، فقال له علي ﵁: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين فإنه يضر وينفع بإذن الله، ولو أنك قرأت القرآن وعلمت ما فيه لما أنكرت علي، فقال له عمر ﵁، يا أب الحسن وما تأويله في كتاب الله ؟ فقال: قوله تعالى: ﴿وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢] فلما أقروا بالعبودية كتب إقرارهم في رق، ثم دعا الحجر فألقمه ذلك الرق، فهو أمين الله تعالى على هذا المكان ليشهد لمن وافاه يوم القيامة، فقال عمر ﵁: يا أبا الحسن لقد جعل الله بين ظهرانيك من العلم غير قليل. وعن أبى صالح عن أبى هريرة ﵁ -عن النبي ﷺ -أنه قال "الحجاج

стр. 381

والعمار وفد الله -إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم". وعن مجاهد ﵀ -أن النبي ﷺ -قال: "اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج". وروى عن الحسن ﵀ -أنه قال في الخبر: "إن الملائكة يتلقون الحاج فيسلمون على صاحب الجمال وصافحون أصحاب البغال والحمير ويعانقون الرجالة". وروى عن الضحاك ﵀ -عن النبي ﷺ -مرسلاً أنه قال: "أيما مسلم خرج من بيته قاصدًا في سبيل الله فوقصته الدابة قبل القتال أو لدغته هامة، أو مات بأي حتف مات فهو شهيد، وأيما مسلم خرج من بيته إلى بيت الله الحرام، ثم نزل به الموت قبل بلوغه إلا أوجب الله له الجنة". وعن سفيان بن عيينة ﵀ -عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة ﵁، عن النبي ﷺ -أنه قال: "من حج هذا البيت ثم عاد فلم يرفث ولم يفسق ولم يجهل عاد كما ولدته أمه". وروى عن سعيد بن المسيب ﵀ -عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ليدخل ثلاثة نفر بالحجة الواحدة الجنة: الموصى بها، والمنفذ لها، والحاج عنه، والعمرة والجهاد كذلك". وعن علي بن عبد العزيز ﵀ -قال: كنت عديلاً لأبى عبيد القاسم بن سلام سنة من السنين، فلما صرت إلى الموقف فصرت إلى ركن جبل الحل، فتطهرت ونسبت نفقتي عنده، فلما صرت إلى المأزمين قال لي أبو عبيد: لو اشتريت لنا زبدًا وتمرًا، فخرجت لأبتاعه فتذكرت النفقة، ورجعت عودًا على بدء إلى أن وافيت الموضع، فإذا النفقة بحالها، فأخذتها ورجعت وكنت قد صادفت الوادي مملوءًا قردة وخنازير وغير ذلك فجزعت منهم، ثم إني رجعت فإذا هم على حالهم حتى دخلت على أبى عبيد قبيل الصبح، فسألني عن أمري فأخبرته وذكرت القردة والخنازير، فقال: تلك ذنوب بني آدم تركوها وانصرفوا.

стр. 382

(فصل) واختلفوا في تسمية يوم التروية: والتروية: اسم اليوم الثامن من شهر ذي الحجة وهو اليوم الذي يخرج الناس فيه من مكة إلى منى، فسمى يوم التروية لأن الناس يروون من ماء زمزم. والتروية: تفعلة من قولهم ارتوى يرتوى: إذا استقى الماء وسقى وشرب واغتسل، والناس يسقون من ماء زمزم في ذلك اليوم مستكثرين. وقيل: سميت التروية لأن إبراهيم ﵇ -رأى في المنام في ليلتها أنه يذبح ولده، فلما أصبح تروى وتفكر أنه من العدو الشيطان، أم من الحبيب الرحمن؟ فبقى ذلك اليوم متفكرًا، ذا روية فيما رآه، فلما كان يوم عرفة قيل له. افعل ما تؤمر به، فعرف أنه من الحبيب، فلهذا سمى يوم عرفة. قوله : ﴿وأذن فى الناس بالحج﴾ [الحج: ٢٧] أمر خليله بدعوة عباده إلى بيته. فالدعوات أربعة: دعوة الله لعبادة، قال الله : ﴿والله يدعو إلى دار السلام﴾ [يونس: ٢٥] دعاهم من دار التكليف إلى دار التشريف، من دار الغيبة إلى دار المشاهدة، ومن دار الروال إلى دار النوال، ومن دار البلوى إلى دار المولى، دعاهم من دار أولها بكاء ووسطها عناء وآخرها فناء إلى دار أولها عطاء ووسطها رضاء وآخرها لقاء. والثانية: دعوة النبي ﷺ -دعا أمته إلى دين الإسلام، قوله : ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾ [النحل: ١٢٥] الدعوة إليه ﷺ -والهداية ليست إليه كما قال ﵊: "بعثت هاديًا وليس إلى من الهداية شيء، وبعث إبليس غاويًا، وليس إليه من الضلالة شيء". قاله الله : ﴿إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء﴾ [القصص: ٥٦]. سأل النبي ﷺ -هداية عمه أبى طالب، فأبى أن يهديه، وهدى وحشيًا قاتل حمزة ﵄، كأنه -يقول لنبيه ﵇: يا محمد عليك الدعوة كما قال : ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك﴾ [المائدة: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا * وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]،

стр. 383

ولك الشفاعة، وأما الإجابة والهداية فإلى، قال الله : ﴿يهدى الله لنوره من يشاء﴾ [النور: ٣٥]، قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾ [السجدة: ١٣]. والثالثة: المؤذن يدعو إلى الصلاة لله وأداء أمر الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله﴾ [فصلت: ٣٣]. وعن جابر بن عبد الله ﵄ -عن رسول الله ﷺ -أنه قال: "إن المؤذنين والملبين يوم القيامة يخرجون من قبورهم يؤذن ويلبى الملبى، ويستغفر للمؤذن مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس من شجر ومدر سمع صوته، ويكتب للمؤذن بكل إنسان صلى في ذلك المسجد مثل حسناته، ويعطيه الله تعالى ما بين الأذان والإقامة كل شيء سأله، إما أن يعجله في الدنيا أو يصرف عنه سوءًا، أو يدخر له في الآخرة". وروى أن النبي ﷺ -جاءه رجل فقال: "يا رسول الله أخبرني بعمل واحد أدخل به الجنة، فقال: تكون مؤذن قومك، يجمعون بك صلاتهم، قال: يا رسول الله، فإن لم أطق؟ قال: تكون إمام قومك يقيمون بك صلاتهم، قال: فإن لم أطق؟ فعليك بالصف الأول". وعن عائشة أم المؤمنين ﵂ -قالت: "نزلت هذه الآية في المؤذنين ﴿ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا﴾ [فصلت: ٣٣] يعنى دعا الخلق إلى الصلاة، وصلى بين الأذان والإقامة". وعن أبى أمامة الباهلى ﵁ -أن النبي ﷺ -قال: "يغفر للمؤذن مدى صوته، وله مثل أجر من صلى معه من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا". وعن سعد بن أبى وقاص ﵁ عن خولة بنت حكيم ﵂ -قالت: قال رسول الله ﷺ . "المريض ضيف الله ما دام في مرضه، يرفه له كل يوم عمل سبعين شهيدًا، فإن عافاه الله من مرضه فيخرج من ذنوبه كيوم وضعته أمه، وإن قضى عليه بالموت أدخله الجنة بغير حساب". وقال بعضهم: المؤذن حاجب الله تعالى يعطى بكل أذان ثواب ألف نبي، والإمام وزير الله يعطى بكل صلاة ثواب ألف صديق، والعالم وكيل الله تعالى يعطى بكل

стр. 384

حديث نورًا يوم القيامة، ويكتب له عبادة ألف سنة، والمتعلمون من الرجال والنساء هم خدم الله فما جزاؤهم إلا الجنة". وقال النبي ﷺ : "أطول الناس أعناقًا يوم القيامة المؤذنون". وقال النبي ﷺ : "من أذن سبع سنين أعتقه الله من النار بعد أن يحسن نيته". وقال النبي ﷺ : "يغفر الله تعالى للمؤذن مدى صوته، ويصدقه كل ما سمعه من رطب ويابس". وأما الدعوة الرابعة: فدعوة إبراهيم الخليل ﵇، قوله : ﴿وأذن في الناس بالحج﴾ [الحج: ٢٧]، وقد ذكرناها في أول المجلس. * * *

стр. 385

مجلس في فضائل يوم عرفة قال الله : ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ [المائدة: ٣]. هذه الآية نزلت بعرفات دون سائر آيات هذه السورة، لأنها نزلت بالمدينة وهي سورة المائدة. وقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ يعني شرائع دينكم من الحلال والحرام ﴿وأتممت عليكم نعمتي﴾ أي متى عليكم: أي لا يجتمع معكم بعرفات كافر ولا مشرك ﴿ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ يعنى اخترت لكم دين الإسلام. نزلت هذه الآية يوم عرفة بعرفات في حجة الوداع، ثم مكث رسول الله ﷺ -بعد نزولها إحدى وثمانين يومًا، ثم قبضه الله تعالى إلى رحمته ورضوانه، مروى ذلك عن عبد الله بن عباس ﵄، عنه وغيره من المفسرين. وقال محمد بن كعب القرظى ﵀: نزلت هذه الآية يوم فتح مكة. وقال جعفر الصادق ﵀ ﴿اليوم﴾ إشارة إلى بعث النبي ﷺ ، ويوم رسالته. وقيل: اليوم إشارة إلى يوم الأزل، والإتمام: إشارة إلى الوقت، والرضا: إشارة إلى الأبد. وقيل: كما الدين في شيئين: في معرفة الله تعالى، وإتباع سنة رسول الله ﷺ . وقيل: كما الدين في الأمن والفراغ، لأنك إذا كنت آمنًا بما تكفل الله تعالى لك صرت فارغًا لعبادته. وقيل: إن كمال الدين في التبرى من الحول والقوة، والرجوع من الكل إلى من له الكل. وقيل: إن كمال الدين حيث رد الحج إلى يوم عرفة، لأنهم كانوا يحجون كل سنة، في كل شهر، فلما رد الله وقت الحج إلى الميقات وجعله فريضة، أنزل ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾.

стр. 386

والدين على وجوه عدة في القرآن: - منها بمعنى الدنيا، وهو قوله : ﴿ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك﴾ [يوسف: ٧٦] يعني في دنياه وعادته وسيرته. - ومنها الحساب، قوله : ﴿ذلك الدين القيم﴾ [التوبة: ٣٦، ويوسف: ٤، والروم: ٣٠] يعني الحساب المستقيم. - ومنها الجزاء، قوله : ﴿يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق﴾ [النور: ٢٥] أي الجزاء الأعدل. - ومنها بمعنى الحكم، قوله : ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ [النور: ٢] يعني في حكم الله. - ومنها بمعنى العيد، قوله تعالى: ﴿وذر الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا﴾ [الأنعام: ٧] يعنى عيدهم. - ومنها الصلاة والزكاة، وقوله تعالى: ﴿وذلك دين القيمة﴾ [البينة: ٥]. - ومنها القيامة: قوله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾ [الفاتحة: ٤]. - ومنها الشريعة: قوله : ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] يعني شرائع دينكم. (فصل) قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [ المائدة: ٣] وذلك أن الله تعالى أنزل الكتب جملة واحدة لكم وأنزل الفرقان متفرقًا. فقيل: أيهما أحسن نزولاً؟ قيل: القرآن أحسن لأن الله تعالى لما أنزل التوراة جملة واحدة فقبلها بنو إسرائيل، فعملوا بها قليلاً، فثقلت عليهم تلك الأوامر والنواهي التي في التوراة فـ ﴿قالوا سمعنا وعصينا﴾ البقرة: ٩٣]. وأما القرآن فأنزله الله شيئًا بعد شيء على التدريج متفرقًا، فأول ما أمر الله المؤمنين بقوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وضمن لهم إذا قالوها الجنة، فسمعوا وأطاعوا، ثم أمرهم بإقامة صلاتين ركعتين قبل طلوع الشمس وركعتين بعد غروبها، ثم أمرهم بالصلوات الخمس، ثم أمرهم بالجمعة مع الجماعة بعد الهجرة، ثم أمرهم بالزكاة، ثم أمرهم بصوم عاشوراء، ثم أمرهم بصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ثم أمرهم بصوم شهر

стр. 387

رمضان، ثم أمرهم بالجهاد، ثم أمرهم بالحج، ثم لما تمت الأوامر والنواهي أنزل الله على رسوله في حجة الوداع: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ وكان ذلك يوم الجمعة، ويوم عرفة، كذلك نقل عن عمر بن الخطاب ﵁. قال طارق بن شهاب ﵀: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال له: آية تقرؤنها لو كانت نزلت علينا وعلمنا ذلك اليوم لاتخذناه عيدًا، فقال له عمر ﵁: أي آية؟ فقال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، فقال عمر ﵁. قد علمت في أي يوم نزلت وفي أي مكان نزلت، إنها نزلت يوم عرفة ويوم الجمعة، ونحن مع رسول الله ﷺ -وقوف بعرفات، وكلاهما بحمد الله تعالى لنا عيد، ولا يزال هذا اليوم عيدًا للمسلمين ما بقى واحد. وقال رجل من اليهود لابن عباس ﵄: لو كان هذا اليوم فينا لاتخذناه عيدًا، قال له ابن عباس ﵄: وأي عيد أكمل من يوم عرفة. (فصل) واختلف العلماء في المعنى الذي لأجله قيل للموقف عرفات، وليوم الوقوف بها عرفة . فقال الضحاك: إن آدم ﵇ -لما أهبط إلى الأرض وقع بالهند وحواء بجدة، فجعل آدم يطلب حواء وهي تطلبه، فاجتمعا بعرفات يوم عرفة وتعرفا، فسمى هذا اليوم عرفات، والموضع عرفات. وقال السدى: إنما سمعت عرفات، لأن هاجر حملت إسماعيل ﵇ -فأخرجته من عند سارة، وكان إبراهيم ﵇ -غائبًا، فلما قدم لم ير إسماعيل ﵇ -وحدثته سارة بالذي صنعت هاجر، فانطلق في طلب إسماعيل فوجده مع هاجر بعرفات فعرفه، فسميت عرفات. وروى عن النبي ﷺ -أنه قال: "إن إبراهيم ﵇ -غدا من فلسطين، فحلفته سارة أن لا ينزل عن ظهر دابته حتى يرجع إليها من الغيرة، فأتى إسماعيل ثم رجع، فحبسته سارة سنة ثم استأذنها فأذنت له، فخرج حتى بلغ مكة وجبالها، فكان ليلة يسير ويسعى حتى أذن الله -له في الثلث الليل الأخير عند سند جبل عرفة، فلما أصبح عرف البلاد والطريق، فجعل الله -عرفة حيث عرف. فقال: اللهم اجعل بيتك أحب بلادك إليك حيث تهوى إليه قلوب المسلمين من كل فج عميق".

стр. 388

وقال عطاء ﵀: إنما سميت عرفات لأن جبريل ﵇ -كان يرى إبراهيم ﵇ -المناسك، فيقول عرفت، ثم يريه فيقول عرفت فسميت عرفات. وروى سعيد بن المسيب عن علي بن أبى طالب ﵁ -أنه قال: "بعث الله -جبريل إلى إبراهيم ﵉ -فحج به، حتى إذا أتى عرفات قال: قد عرفت، وكان قد أتاها مرة من قبل ذلك، فسميت عرفات". وروى أبو الطفيل ﵀ -عن ابن عباس ﵄ -قال: "إنما سميت عرفة لأن جبريل ﵇ -أتى إبراهيم ﵇ -فأراه بقاع مكة ومشاهدها، فكان يقول: يا إبراهيم هذا موضع كذا وهذا موضع كذا، فيقول قد عرفت قد عرفت". وروى أسباط عن السدى -رحمهما الله -قال: لما أذن إبراهيم ﵇ -في الناس بالحج أجابوه بالتلبية، وأتاه من أتاه، فأمره الله -أن يخرج إلى عرفات ونعتها له، فخرج، فلما بلغ الشجرة استقبله الشيطان على الجمرة الثالثة التي هي جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات وكبر مع كل حصاة، فطار فوقع على الجمرة الثانية فرماه وكبر، فطار فوقع على الجمرة الأولى، فرماه وكبر، فلما رأى أنه لا يطيقه ذهب، فانطلق إبراهيم حتى أتى ذا المجاز، فلما نظر إليه لم يعرفه فجاز، فلذلك سمى ذا المجاز، ثم انطلق حتى وقف بعرفات، فلما نظر إليها بالنعت عرفها، فقال: عرفت، فسميت عرفات بذلك، وسمى ذلك اليوم يوم عرفة، حتى إذا أمسى اردلف إلى جميع فسميت مزدلفة. وإنما سمى جمعًا لأنه يجمع فيه بين الصلاتين بين المغرب والعشاء، وإنما سمى المشعر الحرام لأن الله أشعر الناس وأعملهم بأنه حرم كسائر بقاع الحرم كيلا يأتوا فيه بمحرم. وعن أبى صالح عن ابن عباس ﵄ -قال: إنما سميت تروية وعرفة، لأن إبراهيم ﵇ -رأى ليلة التروية في منامه أنه يؤمر بذبح ابنه، فلما أصبح روى يومه أجمع: أي فكر، أمن الله هذا الحلم، أم من الشيطان؟ فسمى اليوم من فكرته تروية، ثم رأى ليلة عرفة ذلك ثانيًا، فلما أصبح عرف أن ذلك من الله ، فسمى ذلك اليوم يوم عرفة. وقال بعضهم: سميت بذلك لأن الناس يعترفون في هذا اليوم على الموقف بذنوبهم.

стр. 389

والأصل فيه أن آدم ﵇ -لما أمر بالحج فوقف بعرفات يوم عرفة، فقال: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ [الأعراف: ٣٣]. وقيل: هي مأخوذة من العرف وهو الطيب، قال الله : ﴿عرفها لهم﴾ [محمد: ٦] أي طيبها. وقيل: هي ضد منى، لأن منى موضع يمنى فيه الدم، أي يصب، ولذلك سميت منى، ففيه تكون الفروث والدماء، فهي ليست بطيبة، وعرفات ليست فيها تلك الأقذار فهي طيبة، فلذلك سميت عرفات، ويوم الوقوف بها يوم عرفة. وقيل: لأن الناس يتعارفون بها. وقيل: أصل هذين الاسمين من الصبر، يقال: رجل عارف: إذا كان صابرًا خاضعًا خاشعًا. ويقال في المثل: "النفس عروف وما حملتها تتحمل". وقال ذو الرمة: "عروف لما حطت عليه المقادير" أي صبور على قضاء الله، فسمى بهذا الاسم لخضوع الحاج وتذللهم وصبرهم على الدعاء وأنواع البلاء، واحتمال الشدائد والمشاق لإقامة هذه العبادة. (فصل: في شرف يوم عرفة وليلته) أخبرنا هبة الله بن المبارك، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد، أنبأنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل، أنبأنا أبو علي بن الصواف، أنبأنا عبد الله بن محمد بن ناجية، أنبأنا عمر بن حفص أبو عمرو، أنبأنا محمد بن مروان، أنبأنا هشام الدستوائى، عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄ -قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من يوم أفضل من يوم عرفة، يباهى الله تعالى فيه بأهل الأرض أهل السماء، يقول: انظروا إلى عبادي شعثًا غبرًا جاءوني من كل فج عميق، يرجون رحمتي ويخافون عذابي، فلم ير يوم أكثر عتقًا من النار من يوم عرفة". وأخبرنا هبة الله عن أبى محمد الحسن بن محمد بن أحمد الفارسي بإسناده عن

стр. 390

الحسن العربي، عن ابن عباس ﵄ -قال: خطب النبي ﷺ -يوم عرفة فقال: "أيها الناس إنه ليس البر في إيجاف الإبل ولا في إيضاع الخيل، ولكن سيرًا جميلاً، تواصلوا ضعيفًا، ولا تؤذوا مسلمًا". عن نافع عن ابن عمر ﵄ -قال: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: "إن الله تعالى ينظر إلى عباده يوم عرفة، فلا يدع أحدًا في قلبه مثقال ذرة من الإيمان إلا غفر له" فقلت لابن عمر: للناس جميعًا أم لأهل عرفة؟ فقال: بل للناس جميعًا. وأخبرنا هبة الله، قال: أنبأنا مكابر بن الجحش المازنى بالبصرة، بإسناده عن أبى الزبير عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ -أنه قال: "إذا كان يوم عرفة ينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا، فيباهى بالحاج الملائكة، فيقول لهم : يا ملائكتي انظروا إلى عبادي جاءوني شعثًا غبرًا يرجون رحمتي ويخافون عذابي، فحق على المزور أن يكرم زائره، وحق على المضيف أن يكرم ضيفه، اشهدوا أني قد غفرت لهم وجعلت قراهم دخول الجنة، قال: فتقول الملائكة: يا رب إن فيهم فلانًا يزهو، وفلانة تزهو، فيقول الله : قد غفرت لهم، فما من يوم أكثر عتقًا من النار من يوم عرفة". وأخبرنا هبة الله بإسناده عن طلحة بن عبيد الله ﵁، أن رسول الله ﷺ -قال: "ما رأى إبليس يومًا هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحض ولا أغيظ من يوم عرفة، وذلك لما يرى من تنزيل الرحمة والعفو عن الذنوب إلا ما رأى يوم بدر، قالوا: يا رسول الله وما رأى يوم بدر؟ قال: أما إنه رأى جبريل يدعو الملائكة". وعن عكرمة عن ابن عباس ﵄ -أنه كان يقول: إن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، وهو يوم المباهاة، ينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا فيقول لملائكته: انظروا إلى عبادي في أرضي صدقوني، فليس من يوم أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة. وعن أبى هريرة ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة". وعن عطاء عن ابن عباس ﵄ -عن النبي ﷺ -أنه قال: "إن الله تعالى
следующие страницы →