Полный текст (666 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
والدين على وجوه عدة في القرآن:
- منها بمعنى الدنيا، وهو قوله : ﴿ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك﴾ [يوسف: ٧٦] يعني في دنياه وعادته وسيرته.
- ومنها الحساب، قوله : ﴿ذلك الدين القيم﴾ [التوبة: ٣٦، ويوسف: ٤، والروم: ٣٠] يعني الحساب المستقيم.
- ومنها الجزاء، قوله : ﴿يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق﴾ [النور: ٢٥] أي الجزاء الأعدل.
- ومنها بمعنى الحكم، قوله : ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ [النور: ٢] يعني في حكم الله.
- ومنها بمعنى العيد، قوله تعالى: ﴿وذر الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا﴾ [الأنعام: ٧] يعنى عيدهم.
- ومنها الصلاة والزكاة، وقوله تعالى: ﴿وذلك دين القيمة﴾ [البينة: ٥].
- ومنها القيامة: قوله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾ [الفاتحة: ٤].
- ومنها الشريعة: قوله : ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] يعني شرائع دينكم.
(فصل) قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [ المائدة: ٣]
وذلك أن الله تعالى أنزل الكتب جملة واحدة لكم وأنزل الفرقان متفرقًا.
فقيل: أيهما أحسن نزولاً؟
قيل: القرآن أحسن لأن الله تعالى لما أنزل التوراة جملة واحدة فقبلها بنو إسرائيل، فعملوا بها قليلاً، فثقلت عليهم تلك الأوامر والنواهي التي في التوراة فـ ﴿قالوا سمعنا وعصينا﴾ البقرة: ٩٣].
وأما القرآن فأنزله الله شيئًا بعد شيء على التدريج متفرقًا، فأول ما أمر الله المؤمنين بقوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وضمن لهم إذا قالوها الجنة، فسمعوا وأطاعوا، ثم أمرهم بإقامة صلاتين ركعتين قبل طلوع الشمس وركعتين بعد غروبها، ثم أمرهم بالصلوات الخمس، ثم أمرهم بالجمعة مع الجماعة بعد الهجرة، ثم أمرهم بالزكاة، ثم أمرهم بصوم عاشوراء، ثم أمرهم بصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ثم أمرهم بصوم شهر
стр. 387
رمضان، ثم أمرهم بالجهاد، ثم أمرهم بالحج، ثم لما تمت الأوامر والنواهي أنزل الله على رسوله في حجة الوداع: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ وكان ذلك يوم الجمعة، ويوم عرفة، كذلك نقل عن عمر بن الخطاب ﵁.
قال طارق بن شهاب ﵀: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال له: آية تقرؤنها لو كانت نزلت علينا وعلمنا ذلك اليوم لاتخذناه عيدًا، فقال له عمر ﵁: أي آية؟ فقال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، فقال عمر ﵁. قد علمت في أي يوم نزلت وفي أي مكان نزلت، إنها نزلت يوم عرفة ويوم الجمعة، ونحن مع رسول الله ﷺ -وقوف بعرفات، وكلاهما بحمد الله تعالى لنا عيد، ولا يزال هذا اليوم عيدًا للمسلمين ما بقى واحد.
وقال رجل من اليهود لابن عباس ﵄: لو كان هذا اليوم فينا لاتخذناه عيدًا، قال له ابن عباس ﵄: وأي عيد أكمل من يوم عرفة.
(فصل) واختلف العلماء في المعنى الذي لأجله قيل للموقف عرفات، وليوم الوقوف بها عرفة .
فقال الضحاك: إن آدم ﵇ -لما أهبط إلى الأرض وقع بالهند وحواء بجدة، فجعل آدم يطلب حواء وهي تطلبه، فاجتمعا بعرفات يوم عرفة وتعرفا، فسمى هذا اليوم عرفات، والموضع عرفات.
وقال السدى: إنما سمعت عرفات، لأن هاجر حملت إسماعيل ﵇ -فأخرجته من عند سارة، وكان إبراهيم ﵇ -غائبًا، فلما قدم لم ير إسماعيل ﵇ -وحدثته سارة بالذي صنعت هاجر، فانطلق في طلب إسماعيل فوجده مع هاجر بعرفات فعرفه، فسميت عرفات.
وروى عن النبي ﷺ -أنه قال: "إن إبراهيم ﵇ -غدا من فلسطين، فحلفته سارة أن لا ينزل عن ظهر دابته حتى يرجع إليها من الغيرة، فأتى إسماعيل ثم رجع، فحبسته سارة سنة ثم استأذنها فأذنت له، فخرج حتى بلغ مكة وجبالها، فكان ليلة يسير ويسعى حتى أذن الله -له في الثلث الليل الأخير عند سند جبل عرفة، فلما أصبح عرف البلاد والطريق، فجعل الله -عرفة حيث عرف. فقال: اللهم اجعل بيتك أحب بلادك إليك حيث تهوى إليه قلوب المسلمين من كل فج عميق".
стр. 388
وقال عطاء ﵀: إنما سميت عرفات لأن جبريل ﵇ -كان يرى إبراهيم ﵇ -المناسك، فيقول عرفت، ثم يريه فيقول عرفت فسميت عرفات.
وروى سعيد بن المسيب عن علي بن أبى طالب ﵁ -أنه قال: "بعث الله -جبريل إلى إبراهيم ﵉ -فحج به، حتى إذا أتى عرفات قال: قد عرفت، وكان قد أتاها مرة من قبل ذلك، فسميت عرفات".
وروى أبو الطفيل ﵀ -عن ابن عباس ﵄ -قال: "إنما سميت عرفة لأن جبريل ﵇ -أتى إبراهيم ﵇ -فأراه بقاع مكة ومشاهدها، فكان يقول: يا إبراهيم هذا موضع كذا وهذا موضع كذا، فيقول قد عرفت قد عرفت".
وروى أسباط عن السدى -رحمهما الله -قال: لما أذن إبراهيم ﵇ -في الناس بالحج أجابوه بالتلبية، وأتاه من أتاه، فأمره الله -أن يخرج إلى عرفات ونعتها له، فخرج، فلما بلغ الشجرة استقبله الشيطان على الجمرة الثالثة التي هي جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات وكبر مع كل حصاة، فطار فوقع على الجمرة الثانية فرماه وكبر، فطار فوقع على الجمرة الأولى، فرماه وكبر، فلما رأى أنه لا يطيقه ذهب، فانطلق إبراهيم حتى أتى ذا المجاز، فلما نظر إليه لم يعرفه فجاز، فلذلك سمى ذا المجاز، ثم انطلق حتى وقف بعرفات، فلما نظر إليها بالنعت عرفها، فقال: عرفت، فسميت عرفات بذلك، وسمى ذلك اليوم يوم عرفة، حتى إذا أمسى اردلف إلى جميع فسميت مزدلفة.
وإنما سمى جمعًا لأنه يجمع فيه بين الصلاتين بين المغرب والعشاء، وإنما سمى المشعر الحرام لأن الله أشعر الناس وأعملهم بأنه حرم كسائر بقاع الحرم كيلا يأتوا فيه بمحرم.
وعن أبى صالح عن ابن عباس ﵄ -قال: إنما سميت تروية وعرفة، لأن إبراهيم ﵇ -رأى ليلة التروية في منامه أنه يؤمر بذبح ابنه، فلما أصبح روى يومه أجمع: أي فكر، أمن الله هذا الحلم، أم من الشيطان؟ فسمى اليوم من فكرته تروية، ثم رأى ليلة عرفة ذلك ثانيًا، فلما أصبح عرف أن ذلك من الله ، فسمى ذلك اليوم يوم عرفة.
وقال بعضهم: سميت بذلك لأن الناس يعترفون في هذا اليوم على الموقف بذنوبهم.
стр. 389
والأصل فيه أن آدم ﵇ -لما أمر بالحج فوقف بعرفات يوم عرفة، فقال: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ [الأعراف: ٣٣].
وقيل: هي مأخوذة من العرف وهو الطيب، قال الله : ﴿عرفها لهم﴾ [محمد: ٦] أي طيبها.
وقيل: هي ضد منى، لأن منى موضع يمنى فيه الدم، أي يصب، ولذلك سميت منى، ففيه تكون الفروث والدماء، فهي ليست بطيبة، وعرفات ليست فيها تلك الأقذار فهي طيبة، فلذلك سميت عرفات، ويوم الوقوف بها يوم عرفة.
وقيل: لأن الناس يتعارفون بها.
وقيل: أصل هذين الاسمين من الصبر، يقال: رجل عارف: إذا كان صابرًا خاضعًا خاشعًا.
ويقال في المثل: "النفس عروف وما حملتها تتحمل".
وقال ذو الرمة:
"عروف لما حطت عليه المقادير"
أي صبور على قضاء الله، فسمى بهذا الاسم لخضوع الحاج وتذللهم وصبرهم على الدعاء وأنواع البلاء، واحتمال الشدائد والمشاق لإقامة هذه العبادة.
(فصل: في شرف يوم عرفة وليلته)
أخبرنا هبة الله بن المبارك، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد، أنبأنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل، أنبأنا أبو علي بن الصواف، أنبأنا عبد الله بن محمد بن ناجية، أنبأنا عمر بن حفص أبو عمرو، أنبأنا محمد بن مروان، أنبأنا هشام الدستوائى، عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄ -قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من يوم أفضل من يوم عرفة، يباهى الله تعالى فيه بأهل الأرض أهل السماء، يقول: انظروا إلى عبادي شعثًا غبرًا جاءوني من كل فج عميق، يرجون رحمتي ويخافون عذابي، فلم ير يوم أكثر عتقًا من النار من يوم عرفة".
وأخبرنا هبة الله عن أبى محمد الحسن بن محمد بن أحمد الفارسي بإسناده عن
стр. 390
الحسن العربي، عن ابن عباس ﵄ -قال: خطب النبي ﷺ -يوم عرفة فقال: "أيها الناس إنه ليس البر في إيجاف الإبل ولا في إيضاع الخيل، ولكن سيرًا جميلاً، تواصلوا ضعيفًا، ولا تؤذوا مسلمًا".
عن نافع عن ابن عمر ﵄ -قال: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: "إن الله تعالى ينظر إلى عباده يوم عرفة، فلا يدع أحدًا في قلبه مثقال ذرة من الإيمان إلا غفر له" فقلت لابن عمر: للناس جميعًا أم لأهل عرفة؟ فقال: بل للناس جميعًا.
وأخبرنا هبة الله، قال: أنبأنا مكابر بن الجحش المازنى بالبصرة، بإسناده عن أبى الزبير عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ -أنه قال: "إذا كان يوم عرفة ينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا، فيباهى بالحاج الملائكة، فيقول لهم : يا ملائكتي انظروا إلى عبادي جاءوني شعثًا غبرًا يرجون رحمتي ويخافون عذابي، فحق على المزور أن يكرم زائره، وحق على المضيف أن يكرم ضيفه، اشهدوا أني قد غفرت لهم وجعلت قراهم دخول الجنة، قال: فتقول الملائكة: يا رب إن فيهم فلانًا يزهو، وفلانة تزهو، فيقول الله : قد غفرت لهم، فما من يوم أكثر عتقًا من النار من يوم عرفة".
وأخبرنا هبة الله بإسناده عن طلحة بن عبيد الله ﵁، أن رسول الله ﷺ -قال: "ما رأى إبليس يومًا هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحض ولا أغيظ من يوم عرفة، وذلك لما يرى من تنزيل الرحمة والعفو عن الذنوب إلا ما رأى يوم بدر، قالوا: يا رسول الله وما رأى يوم بدر؟ قال: أما إنه رأى جبريل يدعو الملائكة".
وعن عكرمة عن ابن عباس ﵄ -أنه كان يقول: إن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، وهو يوم المباهاة، ينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا فيقول لملائكته: انظروا إلى عبادي في أرضي صدقوني، فليس من يوم أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة.
وعن أبى هريرة ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة".
وعن عطاء عن ابن عباس ﵄ -عن النبي ﷺ -أنه قال: "إن الله تعالى
стр. 391
باهى بالناس يوم عرفة عامة، وباهى بعمر بن الخطاب خاصة".
وعن ابن عمر ﵄ -قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا إن أعظم الناس جرمًا من انصرف ممن عرفات ويرى أن الله -لم يغفر له".
وعن أبى هريرة ﵁ -أنه قال: "إن الله تعالى يرحم عشية يوم عرفة لأهل الجمع جميعًا إلا أهل الكبائر، فإذا كان غداة المزدلفة غفر لأهل الكبائر والتبعات".
أخبرنا هبة الله بن المبارك، قال: أخبرنا أبو الفتح محمد بن أحمد الطبرى يعرف بالباهر، قال: أخبرنا علي بن أحمد بن الرفاء السامرى، أنبأنا إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أنبأنا أبو مصعب عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر ﵄، قال: "وقف بنا رسول الله ﷺ -عشية عرفة، فلما قام عند الدفعة استنصت الناس فأنصتوا، فقال: يا أيها الناس إن ربكم -قد تطول عليكم في يومكم هذا، فوهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأله، وغفر ذنوبكم إلا التبعات، ادفعوا بسم الله، فلما صرنا بالمزدلفة وقف بنا رسول الله ﷺ -سحرًا، فلما كان عند الدفعة استوقف الناس فوقفوا واستنصتهم فأنصتوا، ثم قال: يا أيها الناس إن ربكم قد تطول عليكم في يومكم هذا، فوهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأله، وغفر ذنوبكم وغفر التبعات وضمن لأهلها الثواب، ادفعوا بسم الله، فقام أعرابي وأخذ بزمام الناقة، فقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما بقى من عمل إلا وقد عملته، وإني لأحلف على اليمين الفاجرة، فهل دخلت فيمن وصفت؟ فقال: يا أعرابي إنك إن تحسن فيما تستأنف يغفر لك ما مضى خل زمام الناقة".
وأخبرنا هبة الله عن أبى على الحسن بن الحباب المقرى، بإسناده عن عباس بن مرداس ﵁ -أن رسول الله ﷺ -دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة، فأجابه الله تعالى: إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضًا، فأما ذنوبهم فيما بينى وبينهم فقد غفرتها، فقال: أي رب إنك قادر أن تثبت هذا المظلوم خيرًا من مظلمته وتغفر لهذا الظالم، قال: فلم يجبه تلك العشية، فلما كان غداة مزدلفة أعاد الحديث، فأجابه: إني قد غفرت لهم، قال: ثم تبسم رسول الله ﷺ ، فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله تبسمت في ساعة لم تكن تتبسم فيها؟ فقال: تبسمت من عدو الله إبليس لأنه لما علم
стр. 392
أن الله قد استجاب لي في أمتي أهوى يدعو بالويل والثبور، ويحثو التراب على رأسه".
وعن سعيد بن جبير ﵀ -قال: "بينما رسول الله ﷺ -يوم عرفة بعرفات في الموضع الذي ترفع العباد فيه أيديهم إلى الله تعالى ويعجبون بالدعاء، إذ هبط عليه جبريل ﵇، وقال: يا محمد إن العلى الأعلى يقرأ عليك السلام ويقول لك: هؤلاء حجاج بيتي وزواري، وحق على المزور أن يكرم الزائر، أشهدك وأشهد ملائكتي أني قد غفرت لهم جميعًا وهكذا أفعل بزوار يوم الجمعة".
وعن علي ﵁ -أنه لما كان عشية يوم عرفة ورسول الله ﷺ -واقف، أقبل على الناس بوجهه فقال: مرحبًا بوفد الله ثلاث مرات، الذين إذا سألوا أعطوا، وتخلف عليهم نفقاتهم في الدنيا، وتجعل لهم عند الله في الآخرة مكان كل درهم ألف، ألا أبشركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنه إذا كان في هذه العشية ينزل الله إلى سماء الدنيا، ثم يأمر ملائكته فيهبطون إلى الأرض، فلو طرحت إبرة لم تسقط إلا على رأس ملك، فيقول الله : يا ملائكتي انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثًا غبرًا من أطراف الأرض، هل تسمعون ما يسألون؟ قالوا: يسألونك أي رب المغفرة، قال : أشهدكم أني قد غفرت لهم ثلاث مرات، فأفيضوا من موقفكم مغفورًا لكم".
(فصل) في تفصيل صيامه وما ورد فيه من الصلوات، وما أمر به من صنوف الدعوات
أخبرنا هبة الله بن المبارك، قال: أنبأنا أحمد بن محمد، بإسناده عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: إن رسول الله ﷺ -قال: "من صام يوم عرفة غفر الله له ما تقدم من ذنبه لسنة".
وأخبرنا هبة الله بإسناده عن أبى قتادة ﵁، عن النبي ﷺ -أنه قال. "صيام يوم عرفة كفارة سنتين، سنة ماضية وسنة مستقبلة".
وأما الصلاة فمما أخبرنا به هبة الله بن المبارك قال: أنبأنا الشيخ أبو علي الحسن بن أحمد عبد الله المقرى، قال: أنبأنا أبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر الحفار، قال:
стр. 393
أنبأنا أبو الحسن علي بن أحمد الحلواني، أنبأنا موسى بن عمران البلخى، أنبأنا يوسف ابن موسى القطان، أنبأنا عمر بن نافع، أنبأنا مسعود بن واصل، أنبأنا النهاس بن فهم، عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى يوم عرفة بين الظهر والعصر أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة و ﴿قل هو الله أحد ...﴾ خمسين مرة، كتب له ألف ألف حسنة، ورفع له بكل حرف في القرآن درجة في الجنة ما بين كل درجتين مسيرة خمسمائة عام، ويزوجه الله بكل حرف في القرآن سبعين حوراء، مع كل حوراء سبعون ألف مائدة من الدر والياقوت، على كل مائدة سبعون ألف لون ما بين لحم طير خضر، برده برد الثلج، وحلاوته حلاوة العسل، وريحه المسك، لم تمسه نار ولا حديدة، يجد لأخره طعمًا كما يجد لأوله، ثم يأتيهم طائر جناحاه من ياقوتتين حمراوين ومنقاره من ذهب، له سبعون ألف جناح، فينادى بصوت لذيذ لم يسمع السامعون بمثله: مرحبًا بأهل عرفة.
وقال: يسقط ذلك الطير في صفحة الرجل منهم، فيخرج من تحت كل جناح من أجنحته سبعون لونًا من الطعام فيأكل منها، ثم ينتفض فيطير، فإذا وضع في قبره أضاء له بكل حرف في القرآن نور حتى يرى الطائفين حول البيت، ويفتح له باب من أبواب الجنة، ثم يقول عند ذلك: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة، مما يرى من الثواب والكرامة".
وأخبرنا هبة الله بن المبارك، قال: أنبأنا الحسن بإسناده عن علي بن أبى طالب ﵁ -وعبد الله بن مسعود ﵁، قالا: قال رسول الله ﷺ : "من صلى يوم عرفة ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب ثلاث مرات، في كل مرة يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم ويختمها بأمين، ثم يقرأ ﴿قل يا أيها الكافرون ...﴾ ثلاث مرات، و ﴿قل هو الله أحد ...﴾ مائة مرة، يبدأ في كل مرة ببسم الله الرحمن الرحيم، إلا قال الله تعالى: اشهدوا أنى قد غفرت له ذنوبه".
وأما الدعوات، فما أخبرنا هبة الله بن المبارك عن القاضي الشريف أبى الحسن محمد ابن علي المهتدى بالله، عن أبى الفتح يوسف بن عمر بن مسرور القواس، قال: أنبأنا
стр. 394
عبد الله بن أحمد بن ثابت البزاز، أنبأنا أيوب، يعني: أبو الوليد الضرير، أنبأنا أبو النصر، يعني هاشم بن القاسم، عن محمد بن الفضل بن عطية، عن أبيه، عن عبد الله ابن عمر الليثي، عن أبيه ﵁ -قال: بلغنا أن الله تعالى أهدى إلى عيسى ﵇ خمس دعوات جاء بهن جبريل ﵇ -في أيام العشر وقال: يا عيسى ادع بهؤلاء الخمس دعوات، فإنه ليس عبادة أحب إلى الله تعالى من عبادة أيام العشر.
أولهن: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
والثانية: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهاً واحداً صمداً، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً.
والثالثة: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
والرابعة: حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا، ليس وراء الله منتهى.
والخامسة: اللهم لك الحمد كما تقول، وخيراً مما تقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، ولك يا رب تراثي: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن شتات الأمر، اللهم إني أسألك من خير ما تجري به الريح.
فسأل الحواريون عيسى ابن مريم ﵇: ما ثواب من قال هذه الكلمات؟.
فقال: أما من قال الأولى مائة مرة، فإنه لا يكون لأحد من أهل الأرض عمل مثل ذلك العمل في ذلك اليوم، وكان أكثر العباد حسنات يوم القيامة.
ومن قال الثانية مائة مرة، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه مثلها سيئات، ورفع له عشرة آلاف درجة في الجنة.
ومن قال الثالثة مائة مرة، نزل سبعون ألف ملكك من سماء الدنيا رافعي أيديهم يصلون على من قالها.
ومن قال الرابعة مائة مرة، تلقاها ملك حتى يضعها بين يدى الرحمن ، فينظر إلى من قالها، ومن نظر الله تعالى إليه لم يشق.
وقالوا: يا عيسى، فما ثواب من قال الخامسة؟ قال: هي دعوتي ولم يؤذن لي في تفسيرها.
стр. 395
وأخبرنا هبة الله بن المبارك، عن الحسن بن أحمد بن عبد الله المقرى، بإسناده عن خليفة بن الحسين، عن علي بن أبى طالب ﵁ -أنه قال: "أكثر ما يدعو به النبي ﷺ -عشية عرفة يقول: اللهم لك الحمد كما تقول وخيرًا مما تقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، ولك يا رب تراثي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وفتنة الصدر وشتات الأمر، اللهم إني أسألك من خير ما تجرى به الريح".
وأخبرنا هبة الله بن المبارك بإسناده عن موسى بن عبيدة، عن علي بن أبى طالب ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري، اللهم إني أعوذ بك من وساوس الصدر وفتنة القبر وشتات الأمر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، ومن شر ما يلج في النهار ومن شر ما تهب به الرياح، ومن شر بوائق الدهر".
وروى الضحاك ﵀ -عن النبي ﷺ -أنه قال في حجة الوداع حين اجتمعوا بعرفة: "هذا يوم الحج الأكبر، ولا حج لمن لم يواف عرفة اليوم والليلة، فاليوم دعاء وسؤال الرب ، وهو يوم تهليل وتكبير وتلبية، إنه من وافى اليوم هذا المكان وحرم سؤال ربه -فهم المحروم، وإنكم تدعون جوادًا لا يبخل، وحليمًا لا يجهل، وعالمًا لا ينسى، إنه صام يوم عرفة مقيمًا في أهله فقد صام عامًا أمامه وعامًا خلفه".
(فصل) وأما ما أختص به رسول الله ﷺ -من الدعاء في عشية عرفة، فهو ما أخبرنا به هبة الله بن المبارك، قال: أنبأنا القاضي أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن العكبرى بها، قال: حدثنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن محمد بن أبى شيبة، حدثنا هلي بن مسلم، أنبأنا ابن أبى فديك، قال: حدثني إبراهيم بن فضيل المخزومي، عن سليمان بن
стр. 396
زيد، عن هرم بن حيان، عن علي بن أبى طالب ﵁ -أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس في الموقف بعرفة قول ولا عمل أفضل من هذا الدعاء، وأول من ينظر الله إليه صاحبه، وهو أنه ﷺ -كان إذا وقف بعرفة استقبل البيت الحرام بوجهه، وبسط يديه كهيئة الداعي، ثم يلبي ثلاثًا ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، يقولها مائة مرة، ثم يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، يقول ذلك مائة مرة، ثم يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ويقول: إن الله هو السميع العليم، يقولها ثلاث مرات، ثم يقرأ فاتحة الكتاب ثلاث، ثم يقرأ فاتحة الكتاب ثلاث مرات، ويبدأ في كل مرة ببسم الله الرحمن الرحيم، ويختمها بآمين، ويقرأ ﴿قل هو الله أحد ...﴾ مائة مرة، ثم يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، صل على النبي الأمي ورحمة الله وبركاته مائة مرة، ثم يدعو الله -بما شاء، فيقول الله تعالى: انظروا إلى عبدي توجه بيتي وكبرني ولباني وسبحني وحمدني وهللني، وقرأ بأحب السور إلي وصلى على رسولي أشهدكم أني قد قبلت عمله، وأوجبت له أجره، وغفرت له ذنوبه، وشفعته فيما سألنى".
(فصل) في دعا جبريل وميكائيل وإسرافيل والخضر وإلياس ﵈ -عشية عرفة
أخبرنا هبة الله بن المبارك، قال: أنبأنا الحسن بن أحمد بن عبد الله المقرى، قال: أخبرنا الحسين بن عمر المؤدب، قال: حدثنا أبو القاسم الفامى، قال: حدثنا أبو علي الحسن بن علي، قال: حدثنا أحمد بن عمار، أنبأنا محمد بن مهدى، قال: حدثني ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ -قال: قال رسول الله ﷺ : "يجتمع البرى والبحري، يعني إلياس والخضر ﵉ -كل عام بمكة".
قال ابن عباس ﵄: وبلغنا أنه يحلق أحدهما رأس صاحبه، فيقول أحدهما للآخر: قل بسم الله ما شاء الله، لا يأتي بالخير إلا الله، بسم الله ما شاء الله، لا يصرف السوء غير الله، بسم الله ما شاء الله، وما بكم من نعمة فمن الله، بسم الله ما شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 397
قال ابن عباس ﵄: قال النبي ﷺ : "من قالها كل يوم أمن من الغرق والحرق والسرق، ومن كل شيء يكرهه حتى يمسى، ومن قالها حين يمسى كان في حرز الله حتى يصبح".
وأخبرنا هبة الله بن المبارك، قال: أنبأنا الحسن بن أحمد، أنبأنا عبيد الله بن أحمد الأزهري، قال: أنبأنا أبو طالب بن حمدان السكري، قال: أنبأنا إسماعيل، قال: حدثنا عباس الدورى، قال: أنبأنا عبيد الله بن إسحاق العطار، قال: أنبأنا محمد بن المبشر القيسى، عن عبد الله الحسن، عن أبيه عن جده، عن علي ﵁ -قال: يجتمع في كل يوم عرفة بعرفات جبريل وميكائيل وإسرافيل والخضر ﵈، فيقول جبريل: ما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، فيرد عليه ميكائيل فيقول، ما شاء الله، كل العزة من الله، فيرد عليه إسرافيل فيقول، ما شاء الله الخير كله بيد الله، فيرد عليه الخضر، فيقول، ما شاء الله لا يدفع السوء إلا الله، ثم يتفرقون، ولا يجتمعون إلى قابل في ذلك اليوم" والله أعلم.
(فصل) قال ابن جريج: بلغني أنه كان يؤمر أن يكون أكثر دعاء المسلم في الموقف ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ [البقرة: ٢٠١].
وروى مجاهد عن ابن عباس ﵄ -قال: عند الركن اليماني ملك قائم منذ خلق الله تعالى السموات والأرض يقول آمين، فيقولوا: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾.
عن حماد بن ثابت قال: إنهم قالوا لأنس بن مالك ﵁، ادع لنا، فقال: "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، قالوا: زدنا، فأعدها، قالوا: زدنا، قال: ما تريدون قد سألت الله لكم خير الدنيا والآخرة، وقال أنس ﵁، كان رسول الله ﷺ -يكثر أن يدعو بها فيقول: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ ".
وقد ذكر الله تعالى من دعا بهذا الدعاء وجعل له نصيبًا وحظًا من فضله ورحمته، قال الله : ﴿فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا﴾ [البقرة: ٢] أي أعطنا إبلاً
стр. 398
وغنمًا وبقرًا وعبيدًا وإماءً وذهبًا وفضة، ينوى الدنيا في كل شيء ولها ينفق ولها يعمل ولها نصيب، فهي همه وسؤله وطلبته، فقال الله : ﴿وما له في الآخرة من خلاق﴾ [البقرة: ٢٠٠] يعني حظًا ولا نصيبًا ﴿ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ [البقرة: ٢٠١] وهم النبي ﷺ -والمؤمنون -رضوان الله عليهم -.
واختلف العلماء في معنى الحسنيين:
فقال علي بن أبى طالب -كرم الله -وجهه قوله: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة﴾ امرأة صالحة ﴿وفي الآخرة حسنة﴾ الحور العين (وقنا عذاب النار﴾ وهي المرأة السوء.
وقال الحسن ﵀: ﴿في الدنيا حسنة﴾ الجنة.
وقال السدى وبان حبان: ﴿فى الدنيا حسنة﴾ أي رزقاً حلالاً واسعًا وعملاً صالحًا ﴿وفي الآخرة حسنة﴾ هي المغفرة والثواب.
وقال عطية ﵀: ﴿في الدنيا حسنة﴾ العلم والعمل به ﴿وفي الآخرة حسنة﴾ تيسير الحساب ودخول الحساب.
وقيل: ﴿في الدنيا حسنة﴾ التوفيق والعصمة ﴿وفي الآخرة حسنة﴾ النجاة والرحمة.
وقيل: ﴿في الدنيا حسنة﴾ أولادًا أبرارًا ﴿وفي الآخرة حسنة﴾ مرافقة الأنبياء.
وقيل: ﴿في الدنيا حسنة﴾ المال والنعمة ﴿وفي الآخرة حسنة﴾ تمام النعمة، وهو الفوز من النار ودخول الجنان.
وقيل: ﴿في الدنيا حسنة﴾ الثبات على الإيمان ﴿وفى الآخرة حسنة﴾ السلامة والرضوان.
وقيل: ﴿في الدنيا حسنة﴾ الإخلاص ﴿وفى الآخرة حسنة﴾ الخلاص.
وقيل: ﴿في الدنيا حسنة﴾ حلاوة الطاعة ﴿وفي الآخرة حسنة﴾ لذة الرؤية.
وقال قتادة ﵀: في الدنيا عافية، وفي الآخرة عافية. والذي يؤيد هذا التأويل ما روى ثابت البنانى عن أنس ﵁: "أن رسول الله ﷺ -عاد رجلاً مريضًا قد صار مثل الفرخ المنتوف، فقال رسول الله ﷺ : هل كنت تدعو الله بشيء أو تسأله شيئًا؟ فقال: كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبى به في الآخرة، فعجله لي في الدنيا،
стр. 399
فقال ﷺ : سبحان الله إذن لا تستطيعه أو لا تطيقه، هلا قلت: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟ فدعا الله -بها فشفاه".
وقال سهل بن عبد الله ﵀: في الدنيا: السنة، وفي الآخرة: الجنة.
وعن المسيب عن عوف ﵀ -أنه قال: في هذه الآية من آتاه الله -الإسلام والقرآن وأهلاً ومالاً، فقد أوتى في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة.
وعن عبد الأعلى بن وهب قال: سمعت سفيان الثورى ﵀ -يحدث في هذه الآية قال: ﴿فى الدنيا حسنة﴾ الرزق الطيب ﴿وفى الآخرة حسنة﴾ الجنة.
* * *
стр. 400
مجلس في فضائل يوم الأضحى ويوم النحر
قول الله : ﴿إنا أعطيناك الكوثر * فصل لربك وأنحر * إن شائنك هو الأبتر﴾ [الكوثر: ١ - ٣].
قال عبد الله بن عباس ﵄: الكوثر هو الخير الكثير، منه القرآن والنبوة والنهر الذي في الجنة، وهو نهر يجرى من بطنان الجنة، باطنه الدر المجوف، وعلى حافتيه قباب من الياقوت الأخضر، ماؤه أحلى من العسل وألين من الزبد، حمأته المسك الأذفر، وترابه الكافور الأبيض، وحصاه الدر والياقوت، يطرد مثل السهام، أعطاه الله تعالى لنبيه محمد ﷺ .
وقال مقاتل ﵀: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ هو نهر في بطنان الجنة.
وإنما سمى الكوثر لأنه أكثر أنهار الجنة خيرًا.
ولذلك النهر عجاج يطرد مثل السهام، طينه المسك الأذفر ورضراضه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ، أشد بياضًا من الثلج وألين من الزبد وأحلى من العسل، حافتاه قباب الدر المجوف، كل قبة طولها فرسخ في فرسخ، عليها أربعة آلاف مصراع من ذهب، في كل قبة زوجة من الحور العين، لها سبعون خادمًا، فقال النبي ﷺ : "ليلة الإسراء قلت لجبريل: ما هذه الخيام؟ فقال جبريل ﵇: هذه مساكن لأزواجك في الجنة".
ويتفجر من الكوثر أربعة أنهار لأهل الجنان التي ذكرها الله -في سورة محمد ﷺ -أحدها: الماء، والثاني: الخمر، والثالث: اللبن، والرابع: العسل.
قوله : ﴿فصل لربك وأنحر﴾ قال مقاتل ﵀: يعنى صل لربك الصلوات الخمس، وأنحر البدن يوم النحر.
وقيل: ﴿فصل لربك): يعنى صلاة العيد ﴿وأنحر﴾: يعنى البدن بمنى.
وقيل: ارفع يدك بالتكبير إلى نحرك. قيل: ﴿وأنحر﴾ يعنى استقبل القبلة بنحرك.
وقوله : ﴿إن شائنك هو الأبتر﴾ [الكوثر: ٣] وذلك أن النبي ﷺ -دخل المسجد.
стр. 401
الحرام من باب بنى سهم بن عمرو بن هصيص والناس من قريش جلوس في المسجد، فمضى النبي ﷺ -فسلم ولم يجلس حتى خرج من باب الصفا، فنظروا إليه حين خرج ولم يروه حين دخل، فلم يغرفوه، فتلقاه العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد بن سهم على باب الصفا وهو يدخل والنبي ﷺ -يخرج، وكان النبي ﷺ -توفى ابنه عبد الله ابن محمد، وكان الرجل إذا مات ولم يكن له منه من بعده ابن يرثه يسمى الأبتر، فلما انتهى العاص بن وائل إلى القوم، فقالوا له: من ذا الذي تلقاك، فقال: الأبتر، فنزل قوله : ﴿إن شانئك﴾ يعنى عدوك ومبغضك ﴿هو الأبتر﴾ يعنى مقطوع من الخير الذي هو العاص بن وائل، وأما أنت يا محمد فستذكر معي إذا ذكرت، فرفع الله -ذكره ﵇ -في الناس عامة.
قال الله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك﴾ [الشرح: ١ - ٤] فيذكر ﷺ -في كل عيد وجمعة على المنابر والمساجد والأذان والإقامة والصلاة وكل موطن، حتى في خطبة النكاح وخطبة الكلام وفي الحاجات ﷺ ، وجعل مأواه الفردوس الأعلى وما ضره قول شانئه وعدوه، وجعل مأوى العاص بن وائل النار، وأنواع العذاب والنكال لقوله للنبي ﷺ -ذلك، وكفره بالله ، فهكذا يجازى الله -كل محب النبي ﷺ -من المؤمنين من أمته بالجنة، ومبغضه ﵇ -من المنافقين والكفار بالنار.
(فصل) فأما الذكر:
فقوله : ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١].
وقوله : ﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لى ولا تكفرون﴾ [البقرة: ١٥٢].
اختلف العلماء في ذلك:
فقال ابن عباس ﵄: اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي، كما قال الله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال سعيد بن جبير ﵀: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي، كما قال الله تعالى: ﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وقال فضيل بن عياض ﵀: فاذكروني بطاعتي أذكركم بثوابي، كما قال الله : ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً *
стр. 402
أولئك لهم جنات عدن﴾ [الكهف: ٣٠ - ٣١].
وقال النبي ﷺ : "من أطاع الله فقد ذكر الله، وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن، ومن عصى الله فقد نسى الله، وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن".
وقال أبو بكر الصديق ﵁: كفى بالتوحيد عبادة وكفى بالجنة ثوابًا.
وقال ابن كيسان ﵀: فاذكروني بالشكر أذكركم بالزيادة، لقوله تعالى: ﴿ولئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم: ٧].
وقيل: اذكروني بالتوحيد والإيمان أذكركم بالدرجات والجنان، لقوله : ﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار﴾ [البقرة: ٢٥].
وقيل: اذكروني على ظهر الأرض أذكركم في بطنها إذا نسيكم أهل الدنيا، كما قال الأصمعى: رأيت أعرابيًا واقفًا يوم عرفة بعرفات وهو يقول: إلهي عجت إليك الأصوات بضروب اللغات يسألونك الحاجات، وحاجتي إليك أن تذكرني عند البلاء إذا نسيني أهل الدنيا.
وقيل: اذكروني في الدنيا أذكركم في العقبى.
وقيل: اذكروني بالطاعات أذكركم بالمعافاة، دليله قوله تعالى: ﴿من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ [النحل: ٩٧].
وقيل: اذكروني في الخلاء والبلاء والملاء، كما روى في الخبر أن الله تعالى قال في بعض الكتب: "أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء، وأنا معه إذا ذكرني، فمن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم، ومن تقرب إلى شبرًا، تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إلى ذراعًا، تقربت إليه باعًا، ومن أتاني ماشيًا، أتيته هرولة، ومن أتاني بقراب الأرض خطيئة، أتيته بمثلها مغفرة، بعد ألا يشرك بى شيئًا".
وقيل: اذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء، كما قال الله : ﴿فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤].
стр. 403
وقال سلمان الفارسي ﵁: إن العبد إذا كان دعا في السراء فإذا نزل به البلاء قالت الملائكة: يا ربنا عبدك ق نزل به البلاء فيشفعون له، فيجيبهم الله تعالى، وإذا لم يكن دعى قالوا: الآن فلا تشفعون له، بيانه قصة فرعون ﴿الآن وقد عصيت قبل﴾ [يونس: ٩١].
وقيل: اذكروني بالتسليم والتفويض أذكركم بأصلح الاختيار، بيانه قوله : ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ [الطلاق: ٣].
وقيل: اذكروني بالشوق والمحبة أذكركم بالوصل والقربة.
وقيل: اذكروني بالحمد والثناء أذكركم بالمن والجزاء.
وقيل: اذكروني بالتوبة أذكركم بغفران الحوبة، اذكروني بالدعاء أذكركم بالعطاء، اذكروني بالسؤال أذكركم بالنوال، اذكروني بلا غفلة أذكركم بلا مهلة، اذكروني بالندم أذكركم بالكرم، اذكروني بالمعذرة أذكركم بالمغفرة، اذكروني بالإرادة أذكركم بالإفادة، اذكروني بالتنصل أذكركم بالتفضل، اذكروني بالإخلاص أذكركم بالخلاص، اذكروني بالقلوب أذكركم بكشف الكروب، اذكروني بلا نسيان أذكركم بالأمان، اذكروني بالافتقار أذكركم بالاقتدار، اذكروني بالاعتذار والاستغفار أذكركم بالرحمة والاغتفار، اذكروني بالإيمان أذكركم بالجنان، اذكروني بالإسلام أذكركم بالإكرام، اذكروني بالقلب أذكركم بكشف الحجب، اذكروني ذكرًا فانيًا أذكركم ذكرًا باقيًا، اذكروني بالابتهال أذكركم بالإفضال، اذكروني بالتذلل أذكركم بعفو الزلل، اذكروني بالاعتراف أذكركم بمحو الاقتراف، اذكروني بصفاء السر أذكركم بخالص البر، اذكروني بالصدق أذكركم بالرفق، اذكروني بالصفو أذكركم بالعفو، اذكروني بالتعظيم أذكركم بالتكريم، اذكروني بالتكبير أذكركم بالنجاة من السعير، اذكروني بترك الجفاء أذكركم بحفظ الوفاء، اذكروني بترك الخطأ أذكركم بأنواع العطاء، اذكروني بالجهد في الخدمة أذكركم بإتمام النعمة، اذكروني من حيث أنتم أذكركم من حيث أنا، ولذكر الله أكبر.
وقال الربيع ﵀ -في الآية: إن الله تعالى ذاكر من يذكره، وزائد من يشكره، ومعذب لمن يكفره.
وقال السدى ﵀ فيها -: ليس من عبد يذكر الله تعالى إلا ذكره، لا يذكره مؤمن إلا ذكره بالرحمة، ولا يذكره كافر إلا ذكره بالعذاب.
стр. 404
وقال سفيان بن عيينة ﵀: بلغنا أن الله -قال: أعطيت عبادي ما لو أعطيته جبريل وميكائيل كنت قد أجزلت لهما، قلت: اذكروني أذكركم، وقلت لموسى: قل للظلمة لا يذكروني فإني أذكر من ذكرني، وإن ذكرى إياهم أن ألعنهم.
وقال أبو عثمان النهدى ﵀: إني أعلم حين يذكرني ربي، قيل: كيف ذلك؟ فقال: إن الله -قال: ﴿فاذكرونى أذكركم﴾ [البقرة: ١٥٢] فإذا ذكرت الله ذكرنى.
وقيل: أوحى الله -إلى داود ﵇: يا داود بي فافرحوا، وبذكري فتنعموا.
وقال الثورى ﵀: لكل شيء عقوبة، وعقوبة العارف انقطاعه عن الذكر.
وقيل: إذا تمكن الذكر من القلب فإذا دنا منه الشيطان صرع كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان، فيقولون: ما لهذا؟ فيقال: قد مسه الإنس.
وقال سهل بن عبد الله ﵀: ما أعرف معصية أقبح من نسيان هذا الرب الكريم.
وقيل: الذكر الخفي لا يرفعه الملك لأنه لا اطلاع له عليه، فهو سر بين العبد وبين الله تعالى.
وقال بعضهم: وصف لي ذاكر في الأجمة فأتيته، فبينما هو جالس وإذا سبع عظيم ضربه ضربة ونهش منه قطعة، فغشى عليه وعلى، فلما أفقت قلت له: ما هذا؟ فقال: قيض الله على هذا السبع فكلما دخلتنى فترة عن ذكرى جاءني فعضني كما رأيت.
(فصل) وأما الدعاء:
فقوله : ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠]
وقوله تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب﴾ [الشرح: ٧ - ٨] أي إذا فرغت من صلاتك فانصب للدعاء له ﵎.
وقوله : ﴿وإذا سالك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ [البقرة: ١٨٦].
اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية.
فروى الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس ﵄ -أنه قال: "سألت يهود أهل المدينة النبي ﷺ -كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة
стр. 405
خمسمائة عام، وأن غلظ كل سماء مثل ذلك؟ فنزلت هذه الآية: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾ [البقرة: ١٨٦].
وقال الحسن ﵀: سأل أصحاب رسول الله ﷺ : أين ربنا؟ فأنزل الله هذه الآية.
وقال عطاء وقتادة -رحمهما الله -: لما نزلت هذه الآية: ﴿وقال ربكم ادعونى أستجب لكم﴾ [غافر: ٦] قال رجل: يا رسول الله كيف ندعو ربنا ومتى ندعوه؟ فأنزل الله هذه الآية: ﴿وإذا سألك عبادى عني فإني قريب﴾.
وقال الضحاك ﵀: سأل بعض الصحابة رسول الله ﷺ : قريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية: ﴿وإذا سألك﴾ يا محمد ﴿عبادى عني فإني قريب﴾.
قال أهل المعاني: فيه إضمار كأنه قال: فقل لهم أو فأعلمهم أنى قريب منهم بالعلم.
وقال أهل الإشارة: رفع الواسطة إظهار للقدرة.
قوله: ﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجبوا لى﴾ [البقرة: ١٨٦] أي فليستجيبوا لي بالطاعة، يقال: أجاب واستجاب بمعنى واحد.
وقال أبو رجاء الخرساني ﵀: يعنى فليدعوني.
والإجابة في اللغة الطاعة وإعطاء ما سئل، يقال: أجابت السماء بالمطر وأجابت الأرض بالنبات: أي سئلت السماء المطر فأعطت، وسئلت الأرض النبات فأعطت.
والإجابة من الله : هو الإعطاء ومن العبد الطاعة.
قوله: ﴿وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون﴾ [البقرة: ١٨٦] أي لكى يهتدوا.
فإن سأل سائل عن قوله: ﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ وقوله: ﴿ادعونى أستجب لكم﴾ وقال: قد نرى كثيرًا من خلق الله تعالى يدعون فلا يجاب لهم:
قيل: اختلف أهل العلم في وجه الآيتين وتأويلهما.
فقال بعضهم: معنى الدعاء هاهنا: الطاعة، ومعنى الإجابة: الثواب كأنه قال : أجيب دعوة الداع بالثواب إذا أطاعني.
стр. 406
وقال بعضهم: معنى الآيتين خاص وإن كان لفظهما عامًا، تقديرهما أجيب دعوة الداع إن شئت، وأجيب دعوة الداعى إذا وافق القضاء، وأجيب دعوة الداع إذا لم يسأل محالاً، وأجيب دعوة الداع إذا كانت الإجابة له خيرًا.
يدل على ذلك ما روى عن علي بن أبى المتوكل عن أبى سعيد ﵁، قال رسول الله ﷺ : "ما مسلم دعا الله -بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم إلا أعطى الله تعالى بها صاحبها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها، قالوا. يا رسول الله إذا نكثر، قال ﷺ : الله أكثر".
وقال بعضهم: إن الآية عامة ليس فيها أكثر من إجابة الدعوة، فإما إعطاء المنية وقضاء الحاجة فليس بمذكور في الآية، وقد يجيب السيد عبده والوالد ولده ولا يعطيه سؤاله.
فالإجابة كائنة لا محالة عند حصول الدعوة، لأن قوله: أجيب وأستجب خبر، والخبر لا يعترض عليه النسخ، لأنه إذا نسخ صار المخبر كذابًا، وتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وخبر الله تعالى لا يقع بخلاف مخبره.
والذي يؤيد هذا التأويل ما روى نافع عن ابن عمر ﵄ -عن النبي ﷺ -أنه قال: "من فتح له باب الدعاء فتحت له أبواب الإجابة".
وأوحى الله تعالى إلى داود ﵇: قل للظلمة لا يدعوني فإني أوجبت على نفسي أن أجيب من دعاني، وإني إذا أجبت الظالمين لعنتهم.
وقيل: إن الله تعالى يجيب دعوة المؤمن في الوقت إلا أنه يؤخر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته.
يدل عليه ما روى عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ﵄ -قال: قال رسول الله ﷺ : "إن العبد ليدعو الله -وهو يجيبه، فيقول الله تعالى: يا جبريل اقض لعبدي هذا حاجته وأخرها، فإني أحب أن لا أزال أسمع صوته، وإن العبد ليدعو الله -وهو يبغضه فيقول: يا جبريل اقض لعبد هذا حاجته بإخلاصه
стр. 407
وعجلها، فإني أكره أن أسمع صوته".
وقيل: إن يحيى بن سعيد ﵀ -قال: رأيت رب العزة في المنام فقلت: يا رب كم أدعوك فلا تستجيب لي، قال: يا يحيى إني أحب صوتك.
وقال بعضهم: إن للدعاء آدابًا وشرائط وهي أسباب الإجابة ونيل المنى، فمن راعاها واستكملها كان من أهل الإجابة، ومن أغفلها أو أخل بها فهو من أهل الاعتداء في الدعاء.
وقيل: إنه سئل إبراهيم بن أدهم ﵀ -فقيل له: ما بالنا ندعو الله فلا يستجيب لنا؟ فقال: لأنكم عرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم ترهبوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس.
(فصل) وأما النحر:
فقوله : ﴿وأنحر﴾.
والأصل في النحر أمر الله تعالى لخليله إبراهيم النبي ﷺ -وذلك ن إبراهيم خليل الرحمن لما أنجاه الله تعالى من نار نمرود الجبار وسلمه من كيده وعذابه، قال: ﴿إني ذاهب إلى ربى﴾ [الصافات: ٩٩] يعني مهاجرًا إلى ربي، يعني إلى رضا ربي بالأرض المقدسة ﴿سيهدين﴾ [الصافات: ٩٩] لدينه، وهو ﵇ -أول من هاجر من خلق الله في دين الله ، فهاجر ومعه لوط وسارة أخت لوط، وهو ابن خال إبراهيم عليه السلم، فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه الولد قال: ﴿رب هب لى من الصالحين﴾ [الصافات: ١٠٠].
يقول: هبب لي ولدًا صالحًا، فاستجاب الله له ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ [الصافات: ١٠١] يعنى عليم وهو العالم، وهو إسحاق بن سارة، ﴿فلما بلغ معه السعى﴾ [الصافات: ١٠٢] يعني المشى إلى الجبل ﴿قال يا بنى إني أرى في المنام أني أذبحك﴾ [الصافات: ١٠٢] يعنى أمرت في المنام بذبحك وذلك لنذر كان عليه في ﵇ ﴿فانظر ماذا ترى﴾ [الصافات: ١٠٢] فرد عليه إسحاق ﵇ -بقوله: ﴿يا أبت أفعل ما تؤمر﴾ وأطع
стр. 408
ربك، فمن ثم لم يقل إسحاق لإبراهيم افعل ما رأيت في المنام، ورأى ذلك إبراهيم ﵇ -ثلاث لبال متتابعات، وكان إسحاق صام وصلى قبل الذبح فقال: ﴿ستجدنى إن شاء الله من الصابرين﴾ [الصافات: ١٠٢] على الذبح ﴿فلما أسلما﴾ [الصافات: ١٠٣] يقول: أسلما لأمر الله تعالى وطاعته ﴿وتله للجبين﴾ [الصافات: ١٠٣] يقول كبه على جبهته، فلما أذخ بناصيته ليذبحه لله، علم الله منهما الصدق، وقال الله : ﴿وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥] في ذبح ابنك، فخذ الكبش واذبحه فداء عن ولدك، قال الله : ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ [الصافات: ١٠٧] واسم الكبش زرير، وكان من الوعول يرعى في الجنة أربعين سنة قبل أن يذبح.
وقيل: إنه هو الكبش الذي قربه هابيل بن آدم المقتول شهيدًا ﵇، وكان يرعى في الجنة قد فدى به إسحاق النبي ﵇ -من الذبح، قال الله : ﴿إنا كذلك نجزى المحسنين﴾ [الصافات: ١٠٥] يعنى هكذا نجزى كل محسن، فجزاه الله خيرًا بإحسانه بطاعته لأمر الله تعالى في الذبح لابنه إسحاق.
وقيل: إن المأمور بذبحه إنما هو إسماعيل بن إبراهيم ﵇، ثم قال الله : ﴿إن هذا لهو البلاء المبين﴾ [الصافات: ١٠٦] يعني النعيم المبين حين عفا عنه وفداه بالكبش.
وقيل: إنه لما وضع الخليل ﵇ السكين على حقل ولده نودي: ﴿أن يا إبراهيم﴾ [الصافات: ١٠٤] خل ولدك، فإن مرادنا لم يكن قربانًا للولد، وإنما كان مرادنا خلو القلب عن محبة الولد، ولهذا قيل: إنه ذكر في بعض الكتب أن إبراهيم ﵇ -لما أراد أن يذبح ولده قال في سره: يا رب، أيش لو كان هذا الذبح على يدي غيري، قال الله تعالى: لا يكون إلا على يدك، فقالت الملائكة: يا ربنا لم فعلت هكذا؟ قال: حتى يزيد بلاء على بلاء، فقالت الملائكة: لم؟ قال: حتى لا يحب أحدًا غيري، فإني لا أقبل الشريك في الحب، فإبراهيم ﵇ -أحب ولده فابتلى بذبحه، ويعقوب أحب يوسف فغاب عنه أربعين سنة وابتلى بفراقه، ونبينا محمد ﷺ -أحب الحسن والحسين ﵄ -وعلقا بقلبه، فجاء جبريل ﵇ -وأخبره بأن أحدهما يسم والآخر يقتل حتى لا يحب مع الحبيب سواه.
стр. 409
(فصل) ويستحب إذا خرج المؤمن إلى صلاة العيد في طريق أن يرجع في طريق أخرى .
لما روى ابن عمر ﵄ -أن النبي ﷺ -أخذ يوم العيد في طريق ورجع في آخر.
وفي حديث آخر أنه كان يخرج في طريق ويرجع في طريق آخر، فاختلف الناس في ذلك، فقال أكثرهم: إنما أراد بذلك اختلاف حرز المشركين لعسكره، فخالف بين الطريقين ليختلف الحرز.
وقال آخرون: إنما قصد بذلك الاختصار في الرجوع كأنه سلك الطريق الأطول في الممر لكثرة الحسنات ورجع في الأقصر.
وقال آخرون: لما مضى في طريق شهدت له الأرض، ثم رجع في طريق آخر لتشهد له الأرض الثانية.
وقيل: إنه ﵇ -مضى على حي من الأحياء ثم رجع على غيرهم ليساوى بينهم في الإكرام، لأن رؤيته ﵇ -كانت رحمة، قال الله تعالى: ﴿وما أرسلناك إل رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وقيل: إن الأرض تفتخر بوطء النبي ﷺ -وغيره من الأنبياء والأولياء وسعيهم عليها، فأراد أن يساوى بين البقعتين لكي لا تفتخر بعضها على بعض.
وقيل: إنه ﵇ -كان قد سلك إلى المصلى من طريق وقصده الحقيقة إلى الله تعالى، ثم أراد الرجوع إلى الأهل والوطن والطين والماء المعروف المعهود، فكره أن يسلك إلى الله تعالى طريقًا ثم يسلكه إلى غيره، فرجع من طريق آخر.
وقيل: إنه ﵇ -لو لم يرجع في طريق آخر لوجب على الناس الاستنان به ﵇، وتعذر عليهم التفرق بعد صلاة العيد إلى منازلهم، فأراد أن يبين التوسعة عليهم في الرجوع في أي طريق شاءوا.
وقيل: إنه ﷺ -فزع من مكيدة الكفار والمنافقين.
وقيل: إنه كان يتصدق على من كان معه، فكان يرجع في طريق آخر حتى تتوفر
стр. 410
الصدقة على الفقراء.
وقيل: إنه كان يفعل ذلك لأجل ازدحام الناس عليه ﷺ .
(فصل: في فضيلة يوم النحر والأضحية)
روى عبد الله بن قرط ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "أعظم الأيام عند الله يوم النحر".
وروى أن النبي ﷺ -قال لفاطمة ﵂: "قومي إلى أضحيتك فاشهديها، فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها كا ذنب عملت، وقولي: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين".
وروى عن النبي ﷺ -قال: "إن داود ﵇ -قال: إلهي ما ثواب من ضحى من أمة محمد ﷺ -قال: ثوابه أن يعطى بكل شعرة منها عشر حسنات، ويمحى عنه عشر سيئات، ويرفع له عشر درجات، فقال: إلهي فما ثوابه إذا شق بطنها؟ قال: إذا انشق القبر عنه أخرجه الله تعالى آمنًا من الجوع والعطش ومن أهوال القيامة، يا داود له بكل بضعة من لحمها طير في الجنة كأمثال البخت، وبكل كراع منها مركب من مراكب الجنة، وبكل شعرة على جسدها قصر في الجنة، وبكل شعرة على رأسها جارية من الحور العين.
أما علمت يا داود أن الضحايا هي المطايا، وأن الضحايا تمحو الخطايا وتدفع البلايا، مر بالضحايا فإنها فداء المؤمن كفداء إسحاق من الذبح".
وقال النبي ﷺ : "أحسنوا ضحاياكم فإنها مطاياكم يوم القيامة".
وروى أن عليًا ﵁ -قرأ: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدًا﴾ [مريم: ٨٥] ثم قال: وهل يكون الوفد إلا ركبانًا على نجائبهم، ونجائبهم صحاياهم يؤتون بنوق لم ير الخلائق مثلها عليها أرحلة من الذهب، وأمتها من الزبرجد، ثم تنطلق بهم إلى الجنة حتى يقرعوا بابها.
وروى عن النبي ﷺ -أنه قال: "ضحوا وطيبوا بها نفسًا فإنه من أخد أضحيته
стр. 411
فاستقبل بها القبلة كان دمها وشعرها محصورين له يوم القيامة، فإن الدم إذا وقع في التراب فإنما يقع في حرز الله، انفقوا يسيرًا تؤجروا كثيرًا".
وروى "أن النبي ﷺ -دعا بكبشين أملحين أقرنين عظيمين، فأضجع أحدهما وقال: بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عن محمد وعن أهل بيته، ثم ثنى بالآخر وقال: بسم الله والله أكبر اللهم هذا عن محمد وعن أمته".
وعن جابر بن عبد الله ﵄ -عن النبي ﷺ "أنه ضحى بكبشين يوم النحر".
وأخبرنا هبة الله عن محمد بن أحمد الخارون المعدل الكوفى، قال: أنبأنا القاضي محمد بن عبد الله الجعفى، أنبأنا محمد بن جعفر الأشجعى، أنبأنا على بن المنذر الطرفى، أنبأنا ابن فضيل عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة ﵂ -عن النبي ﷺ -أنه قال: "من قرب أضحيته يوم النحر لينحرها، قربة الله تعالى إلى الجنة، فإذا نحرها غفر الله له بأول قطرة تقطر من دمها، وجعلها الله تعالى له مركبًا يوم القيامة إلى المحشر، ويعطى بعدد شعرها وصوفها حسنات".
وروى عن أنس بن مالك ﵁: "أن النبي ﷺ -ضحى بكبشين أقرنين أملحين، فكان يذبح ويسمى ويضع رجله على صفحتها".
قال أبو عبيدة: الأملح ما فيه بياض وسواد، والسواد أغلبه.
وروت عائشة ﵂ -أنه "أمر النبي ﷺ -بكبش أقرن بطأ في سواد وينظر في سواد ويبرك في سواد، فأتى به فضحى به فأضجعه وذبحه فقال: بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد".
قال أصحاب الحديث: قوله: "وبطأ في سواد وينظر في سواد معناه: لكثرة شحمه ولحمه ما يظل في ظل نفسه وينظر فيه ويبرك فيه".
стр. 412
وقال أهل اللغة: معنى السواد في هذا الموضع: أنه كان أسود اليدين والعينين والركبتين.
(فصل: في صلاة ليلة الأضحى)
وهو أن يصلى ركعتين في كل ركعة فاتحة الكتاب خمس عشرة مرة، و ﴿قل هو الله أحد ...﴾ كذلك، و ﴿قل أعوذ برب الفلق ...﴾ مثل ذلك، و ﴿قل أعوذ برب الناس ...﴾ كذلك، فإذا سلم قرأ آية الكرسى ثلاث مرات، واستغفر الله خمس عشر مرة، ثم يدعو بما شاء من خير الدنيا والآخرة.
(فصل) والأضحية سنة:
لا يستحب تركها لمن قدر عليها عند الإمام أحمد ومالك والشافعي ﵏، وعند غيرهم هي واجبة.
والأصل في استحبابها دون وجوبها ما روى عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ -أنه قال: "أمرت بالنحر وهو لكم سنة".
وفي خبر آخر: "ثلاث على فرض، ولكم تطوع: النحر، والوتر، وركعتا الفجر ... ".
وفي حديث أم سلمة ﵂ -قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحى فلا يمس من شعره ولا بشرته شيئًا".
فعلق ﷺ -الأضحية بالإرادة، وما كان واجبًا بالشرع لا يتعلق بالإرادة.
(فصل) وأفضلها الإبل ثم البقر ثم الغنم، ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثنى مما سواه .
أما الجذع فهو ما كمل له ستة أشهر، والثنى من المعز ما كمل له سنة، ومن البقر ما كمل له سنتان، ومن الإبل ما كمل له خمس سنين، وتجزئ الشاة عن واحد، والبدنة من الإبل والبقر عن سبعة.
وأفضل الضحايا الشهب ثم الصفر ثم السود، والأفضل أن يذبحها بنفسه، فإن لم
стр. 413
يحسن فليشاهد ذبحها، ويأكل ثلثها، ويهدى ثلثها، ويتصدق بثلثها، ويجتنب فيها المعيبة.
والعيوب خمسة، فلا يضحى بعضباء القرن والأذن وهي ما ذهب أكثر أذنها أو قرنها، وقيل: ما ذهب ثلث أذنها وقرنها.
وكذلك لا يضحى بالجماء، لأنها كالعضباء في أصح القولين، ولا بالعوراء البين عورها، وهي ما انخسفت عينها وذهبت، ولا بالعجفاء التي لا تنقى، وهي الهزيلة التي لا مخ فيها، وال بالعرجاء البين عرجها، وهي التي لا تقدر على المشي مع المسرح، ولا المشاركة في العلف لضعفها، ولا بالمريضة البين مرضها، ولا بالجرباء، لأن جربها يفسد اللحم.
وقد نهى النبي ﷺ -أن يضحى بالمقابلة، وهي ما قطع شيء من مقدم أذنها وبقى معلقًا، ولا بالمدابرة، وهي ما قطع شيء من خلف أذنها، ولا بالخرقاء، وهي ما ثقب الكي أذنها، ولا بالشرقاء، وهي ما شق الكي أذنها، وذلك محمول على نهي تنزيه لا على نهي تحريم، والأولى أن يجتنب ذلك، وإن ضحى بها جاز.
وأيام النحر ثلاثة: يوم العيد بعد الصلاة أو قدرها، ويومان بعده، وهو مذهب أكثر الفقهاء، وقال الشافعي ﵀: يوم العيد وأيام التشريق الثلاثة.
والذي ذكرناه من أنه ثلاثة أيام منقول عن عمر وعلي وابن عباس وأبى هريرة ﵃.
ومن ضحى قبل صلاة الإمام فهي شاة لحم لا يحصل بذلك ثواب الأضحية لما روى منصور عن الشعبي عن البراء بن عازب ﵄ -قال: خطبنا رسول الله ﷺ -يوم النحر بعد الصلاة -فقال: "من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم، فقام أبو بردة بن نبار ﵁ -فقال: يا رسول الله لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب فعجلت وأكلت وأطعمت أهلي وجيراني، فقال رسول الله ﷺ : تلك شاة لحم فقال: إن عندي عناقًا جذعة وهي خير من شاتي لحم فهل تجزئ عني؟ فقال ﷺ : نعم، ولا تجزئ عن أحد بعدك".
стр. 414
وعن الأسود بن قيس ﵁ -قال: شهدت النبي ﷺ -يوم النحر مر بقوم ذبحوا قبل الصلاة، فقال ﷺ : "من ذبح قبل الصلاة فليعد".
وفي بعض الأخبار "من كان ذبح قبل أن يصلي فليعد أخرى مكانها ومن لم يكن ذبح فليذبح".
(فصل: في ذكر أيام التشريق)
قال الله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ [البقرة: ٢٠٣] يعني بالذكر: التكبير إدبار الصلوات، وعند الجمرات يكبر مع كل حصاة وغيرها من الأوقات، يستحب ذلك من أول العشر إلى آخر أيام التشريق.
قوله: ﴿في أيام معدودات﴾ يعنى أيام التشريق أيام منى الثلاث، وأما المعلومات. فهي أيام العشر، وعلى هذا أكثر العلماء، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ٢٠٣] وإنما يكون الصدر في أيام التشريق في يومين منها أو جميع الثلاث.
قال ابن عباس ﵄: أمر الله تعالى بذكره في الأيام المعدودات وهي أيام التشريق ثلاثة أيام بعد النحر، وجعلها معدودة لقلتها من بين الشهور، وكما قال تعالى: ﴿وشروه بثمن بخس دراهم معدودة﴾ [يوسف: ٢٠].
وقيل: إنما سميت معدودة، لأنها تعد من أيام الحج، فيفرغ فيها مما عليه من أفعال الحج من رمي الجمار والبيتوتة بمزدلفة.
وقال الزجاج: تستعمل المعدودات في اللغة للشيء القليل فسميت بذلك لأنها ثلاث أيام، فالأيام المعدودات، أيام التشريق، والذكر المأمور فيها: التكبير.
وعن نافع عن ابن عمر ﵄ -أنه قال: الأيام المعدودات ثلاثة أيام، يوم النحر ويومان بعده.
وقال إبراهيم النخعى ﵀: الأيام المعدودات: أيام العشر، والمعلومات. أيام النحر.
стр. 415
وسبب أمر الله تعالى المسلمين بالذكر في هذه الآية والتي قبلها قوله : ﴿فاذكروا الله كذكركم آباءكم﴾ [البقرة: ٢٠٠] على ما ذكر المفسرون أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم وقفوا عند البيت وذكروا مآثر آبائهم ومفاخرهم، وكان الرجل يقول إن أبى كان يقرى الضيف، ويطعم الطعام، وينحر الجزور، ويفك العانى، ويجز النواصى، ويفعل كذا وكذا، ويتفاخرون بذلك، فأمرهم الله -بذكره، فنزل الله : ﴿فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] إلى قوله تعالى: ﴿واذكروا الله فى أيام معدودات﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وقال -جل وعلا -: ﴿فاذكرونى﴾ [البقرة: ١٥٢] فأنا الذي فعلت ذلك بكم وبآبائكم وأحسنت إليكم وإليهم.
وقال السدى ﵀: كانت العرب إذا قضت مناسكها وأقاموا بمنى يقوم الرجل فيسأل الله -ويقول: اللهم إن أبى كان عظيم الجفنة عظيم القبة كثير المال، فأعطني مثل ذلك، وليس يذكر الله ، إنما يذكر أباه، ويسأل أن يعطى في دنياه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال ابن عباس وعطاء والربيع والضحاك معناه: فاذكروا الله تعالى كذكر الصبيان الصغار الآباء، وهو قول الصبي أول ما يفصح ويفقه كلام أبيه وأمه، ثم يلهج بأبيه وأمه.
وعن عمر بن مالك عن أبى الجوزاء قال: قلت لابن عباس ﵄: أخبرني عن قول الله : ﴿فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾ البقرة: ٢] وقد يأتي على الرجل يوم لا يذكر فيه أباه، فقال ابن عباس ﵄: ليس كذلك، ولكن أن تغضب لله -إذا عصى أشد من غضبك لوالديك إذا شتما.
وعن محمد بن أبى حميد عن محمد بن كعب القرظى ﵀ ﴿فاذكروا الله كذكركم آباءكم﴾ أي كذكر آباءكم إياكم ﴿أو أشد ذكرًا﴾ يعنى بل أشد كقوله: ﴿أو يزيدون﴾ [الصافات: ١٤٧] أي بل يزيدون.
قال مقاتل ﵀: ﴿أو أشد ذكرًا﴾ يعنى أكثر ذكرًا كقوله: ﴿أو أشد قسوة﴾ [البقرة: ٧٤] ﴿أو أشد خشية﴾ [النساء: ٧٧].
стр. 416
(فصل) وقد سمى الله -أشياء في القرآن ذكرًا:
- من ذلك أنه سمى التوراة ذكرًا، فقال : ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [الأنبياء: ٧، والنحل: ٤٣].
- وسمى القرآن ذكرًا، قوله : ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ [الأنبياء: ٥].
- وسمى اللوح المحفوظ ذكرًا، قوله تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر﴾ [الأنبياء: ١٠٥] يعنى من بعد اللوح المحفوظ.
- وسمى الموعظة ذكرًا، قوله : ﴿فلما نسوا ما ذكروا﴾ [الأنعام: ٤٤، والأعراف: ١٦٥].
- وسمى الرسول ذكرًا، قوله : ﴿قد أنزل الله إليكم ذكرًا * رسولاً﴾ [الطلاق: ١٠ - ١١].
- والخبر ذكرًا، قوله : ﴿هذا ذكر من معي وذكر من قبلي﴾ [الأنبياء: ٢٤].
- والشرف ذكرًا، قوله : ﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾ [الزخرف: ٤٤].
- والتوبة ذكرًا، قوله : ﴿ذلك ذكرى للذاكرين﴾ [هود: ١١٤].
- والصلاة ذكرًا، قوله : ﴿فاذكروا الله كما علمكم﴾ [البقرة: ٢٣٩].
- وسمى صلاة العصر ذكرًا، قوله : ﴿إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي﴾ [ص: ٣٣] يعني صلاة العصر.
- والجمعة أيضًا ذكرًا، قوله : ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩].
- والشفاعة ذكرًا، قوله : ﴿اذكرني عند ربك﴾ [يوسف: ٤٢].
- وسمى الطاعة ذكرًا، قوله : ﴿فاذكروني أذكركم﴾ [البقرة: ١٥٢] معناه: اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة.
- وسمى الندامة ذكرًا، قوله تعالى: ﴿أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥] أي ندموا بالقلب واستغفروا باللسان.
- وسمى التكبير ذكرًا، قوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ [البقرة: ٢٠٢] يعني أيام التشريق.
* * *
стр. 417
(فصل) واختلف لم سميت أيام التشريق:
فقال قوم إن المشركين كانوا يقولون أشرق ثبير كيما نفير، يعني ادخل في الشرق يا ثبير، وهو اسم جبل، كيما نغير أي كيما ندفع، لأنهم كانوا لا يدفعون ولا يفيضون من المزدلفة إلا بعد أن تشرق الشمس فجاء الإسلام فأبطل ذلك.
وقيل: إنما سميت أيام التشريق لأنهم كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحي، وتشريق اللحم: أن يشرح ويشرق في الشمس، ويسمى القديد شرائق اللحم.
وقيل: بل سميت الصلاة يوم النحر، والتشريق صلاة العيد، وإنما أخذ من شروق الشمس لأن ذلك يكون وقتها، وسمى المصلى المشرق لأن الناس يبرزون فيه للشمس، فسمى يوم العيد يوم التشريق لهذا المعنى، ثم صارت أيام التشريق تبعًا للعيد.
وقيل لذى النون المصري ﵀: لم سمى الموقف بالمشعر ولم يسم بالحرم؟ فقال: لأن الكعبة بيته، والحرم حجابه، والمشعر بابه، فلما قصده الوافدون أوقفهم بالباب الأول يتضرعون إليه، ثم أوقفهم بالحجاب الثاني وهو المزدلفة، فلما نظر إلى تضرعهم أمرهم بتقريب قربانهم، فلما أن قربوها وتطهروا من الذنوب أمرهم بالزيارة على الطهارة.
فقيل له: لم كره الصيام في أيام التشريق؟ قال: لأن القوم زاروا الله تعالى وهم في ضيافته، ولا ينبغي للضيف أن يصوم عند من أضافه.
فقيل له: يا أبا الفيض ما معنى تعلق الرجل بأستار الكعبة؟ قال: مثله كمثل رجل بينه وبين صاحبه جناية، فهو متعلق بذيل رجال يشفعون له أن يهب له جرمه.
(فصل) واختلف في قدر التكبير في هذه الأيام:
قال نافع ﵀: كان عمر وعبد الله ابنه ﵄ -يكبران بمنى هذه الأيام عقيب الصلاة، وفي المجلس، وعلى الفرش، والفسطاط، وفي الطريق، ويكبر الناس بتكبيرها، ويتلوان هذه الآية، فالاتفاق حاصل على كون التكبير سنة، وإنما الخلاف في قدره.
وكان علي ﵁ -يكبر من صلاة الغداة من يوم عرفة، إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وهو مذهب إمامنا أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى -، وأحد أقوال الشافعي ومذهب أبى يوسف ومحمد بن الحسن، وهو أولى الأقاويل وأجمعها
стр. 418
وكان عبد الله بن مسعود ﵁ -يكبر من صلاة الغداة يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر، وهو مذهب الإمام الأعظم أبى حنيفة النعمان -رحمه الله تعالى -.
وكان ابن عباس وزيد بن ثابت ﵃ -يكبران من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وهو قول عطاء ﵀.
والأظهر من مذهب الشافعي ﵀ -أن يبدأ بالتكبير من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق اقتداء بالحاج، وهو مذهب الإمام مالك، وللشافعي قول ثالث: أوله من صلاة المغرب ليلة النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق.
وأما لفظ التكبير، فكان ابن مسعود ﵁ يكبر اثنين: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد، وهو مذهب إمامنا أحمد وأبى حنيفة -رحمهما الله -وأهل العراق.
وعن مالك -رحمه الله تعالى -أنه كان يقول: الله أكبر الله أكبر، ثم يقطع فيقول: الله أكبر لا إله إلا الله.
وكان سعيد بن جبير والحسن -رحمهما الله تعالى -يقولان: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثًا نسقًا ثم يسوق التكبير إلى آخره على ما ذكرنا أولاً وهو مذهب الشافعي ﵀ -وأهل المدينة.
وعن قتادة ﵀ -أنه كان يقول: الله أكبر كبيرًا، الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر ولله الحمد.
وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ -قال: "أيام منى أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى".
وعن جعفر بن محمد ﵀ -أنه قال: "إن رسول الله ﷺ -بعث مناديًا فنادى في أيام التشريق. إنها أيام أكل وشرب وبعال".
(فصل) وإن كان محرمًا فمن صلاة الظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق عند إمامنا أحمد -رحمه الله تعالى-، وكذلك في الصحيح عنه لا يكبر إلا إذا صلى الفرض في
стр. 419
جماعة، ولا يكبر إذا كان وحده ولا عقيب النوافل.
(فصل) وهذا التكبير الذي ذكرناه في عيد الأضحى في عيد الفطر بل هو آكد في الفطر ليلة الفطر لقول الله : ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥]. غير أن ابتداءه من بعد غروب الشمس ليلة الفطر إلى أن يفرغ الإمام من خطبتي العيد يوم العيد ثم ينقطع.
وقال الإمام أبو حنيفة ﵀: ليس في الفطر تكبير مسنون.
وقال مالك ﵀: يكبر يوم الفطر دون ليلته ويكون وقته إلى أن يأتي المصلى ويخرج الإمام ويظهر الناس للصلاة.
وقال الشافعي ﵀: يكبر من غروب الشمس ليلة الفطر إلى أن يفرغ الإمام من خطبتي العيد ثم ينقطع.
وقال في قول: يكبر من غروب الشمس ليلة العيد إلى أن يظهر الإمام في المصلى.
وقال في قول: إلى أن يحرم بالصلاة. وفي قول: إلا أن يفرغ من الصلاة.
* * *
стр. 420
مجلس في فضائل يوم عاشوراء
قال الله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله ...﴾ إلى قوله: ﴿منها أربعة حرم﴾ [التوبة: ٣٦] وقد تقدم ذكر ذلك.
وإن منها المحرم، فهذا الشهر من الأشهر المحرمة عند الله تعالى، وفيه يوم عاشوراء الذي عظم الله تعالى أجر من أطاعه فيه.
من ذلك ما أخبرنا به أبو نصر عن والده، بإسناده عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ -قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام يومًا من المحرم فله بكل يوم ثلاثون يومًا".
ومن ذلك ما روى عن ميمون بن مهران عن ابن عباس ﵄ -قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام يوم عاشوراء من المحرم أعطى ثواب عشرة آلاف ملك، ومن صام يوم عاشوراء من المحرم أعطى ثواب عشرة آلاف شهيد وثواب عشرة آلاف حاج ومعتمر، ومن مسح بيده على رأس يتيم يوم عاشوراء رفع الله تعالى له بكل شعرة على رأسه درجة في الجنة، ومن فطر مؤمنًا ليلة عاشوراء فكأنما أفطر عنده جميع أمة محمد ﷺ -وأشبع بطونهم.
قالوا: يا رسول الله لقد فضل الله تعالى يوم عاشوراء على سائر الأيام؟ قال ﷺ : نعم خلق الله تعالى السموات في يوم عاشوراء، وخلق الجبال يوم عاشوراء، وخلق البحار يوم عاشوراء، وخلق القلم يوم عاشوراء، وخلق اللوح يوم عاشوراء، وخلق آدم يوم عاشوراء، وأدخله الجنة يوم عاشوراء، وولد إبراهيم ﵇ -يوم عاشوراء، ونجاه الله من النار يوم عاشوراء، وفدى ابنه من الذبح يوم عاشوراء، وأغرق فرعون يوم عاشوراء، وكشف الله تعالى البلاء عن أيوب يوم عاشوراء، وتاب الله تعالى على آدم يوم عاشوراء، وغفر الله تعالى ذنب داود ﵇ -يوم عاشوراء، وولد عيسى يوم عاشوراء، ويوم القيامة في يوم عاشوراء".
стр. 421
وفي لفظ آخر عن ابن عباس ﵄ -قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام يوم عاشوراء كتب الله له عبادة ستين سنة بصيامها وقيامها، ومن صام يوم عاشوراء أعطى ثواب ألف شهيد، ومن صام يوم عاشوراء كتب الله له أجر أهل سبع سموات، ومن فطر مؤمنًا يوم عاشوراء فكأنما أفطر عنده جميع أمة محمد ﷺ -وأشبع بطونهم، ومن مسح رأس يتيم في يوم عاشوراء رفعت له بكل شعرة على رأسه درجة في الجنة، فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله لقد فضلنا الله تعالى بيوم عاشوراء، قال ﷺ : خلق الله تعالى السموات يوم عاشوراء والأرض كمثله، وخلق الجبال يوم عاشوراء والنجوم كمثله، وخلق العرش يوم عاشوراء والكرسي كمثله، وخلق اللوح يوم عاشوراء والقلم كمثله، وخلق جبريل يوم عاشوراء والملائكة كمثله، وخلق آدم في يوم عاشوراء، وولد إبراهيم في يوم عاشوراء، ونجاه الله من النار يوم عاشوراء، وفدى الله ابنه يوم عاشوراء، وأغرق فرعون في يوم عاشوراء، ورفع إدريس في يوم عاشوراء، وكشف الضر عن أيوب في يوم عاشوراء، ورفع عيسى في يوم عاشوراء، وولد عيسى في يوم عاشوراء، وتاب الله على آدم في يوم عاشوراء، وغفر ذنب داود في يوم عاشوراء، وأعطى الله الملك لسليمان في يوم عاشوراء، وولد نبيكم محمد ﷺ -في يوم عاشوراء، واستوى الرب ﵎ على العرش في يوم عاشوراء، ويوم القيامة في يوم عاشوراء، وأول مطر نزل من السماء يوم عاشواء، وأول رحمة نزلت في يوم عاشوراء، ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض مرضًا إلا مرض الموت، ومن اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم ترمد عينه تلك السنة كلها، ومن عاد مريضًا يوم عاشوراء فكأنما عاد ولد آدم، ومن سقى شربة من ماء يوم عاشوراء فكأنما لم يعص الله طرفة عين، ومن صلى أربع ركعات يوم عاشوراء يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وخمسين مرة ﴿قل هو الله أحد ...﴾ غفر الله تعالى له ذنوب خمسين عامًا ماضيًا وخمسين عامًا مستقبلاً، وبنى له في الملأ الأعلى ألف منبر من نور".
وقد ورد في حديث آخر "من صلى يوم عاشوراء أربع ركعات، بتسليمتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة واحدة، و ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها ...﴾ مرة، و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ مرة، و ﴿قل هو الله أحد ...﴾ مرة، ويصلى على النبي ﷺ -سبعين مرة إذا فرغ منها" مروى ذلك في حديث أبى هريرة ﵁.
стр. 422
وعن أبي هريرة ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "افترض على بني إسرائيل صوم يوم في السنة وهو يوم عاشوراء العاشر من المحرم فصوموه ووسعوا فيه على عيالكم، ومن وسع على عياله من ماله في يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته، ومن صام هذا اليوم كان كفارة أربعين سنة، وما من أحد أحيا ليلة عاشوراء وأصبح صائمًا مات ولم يدر بالموت".
وفي حديث على -كرم الله -وجهه قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحيا ليلة عاشوراء أحياه الله تعالى ما شاء".
وعن سفيان بن عيينة عن جعفر الأحمر الكوفي عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر -وكان من أفضل من رؤى بالكوفة على ما قيل في زمانه -أنه بلغه: أن من وسع على عياله في يوم عاشوراء وسع الله تعالى عليه سائر سنته.
قال سفيان ﵀: فجرينا ذلك منذ خمسين سنة فلم نر إلا سعة.
وعن عبد الله ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "من وسع على أهله في يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته".
وقيل عن بعض السلف أنه قال: "من صام يوم الزينة، يعنى يوم عاشوراء أدرك ما فاته.
من صام السنة، ومن تصدق فيه يومئذ أدرك ما فاته من صدقة السنة".
وقال يحيى بن أبى كثير ﵀: من اكتحل يوم عاشوراء بكحل فيه مسك لم يشتك عينه إلى قابل من ذلك اليوم.
وأخبرنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن أبى غليظ بن أمية بن خلف الجمحى قال: "رأى النبي ﷺ -على بيتي صردًا فقال: هذا أول طائر صام يوم عاشوراء".
وقال قيس بن عباد: كانت الوحش تصوم يوم عاشوراء.
وعن أبى هريرة ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل صيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي يدعونه المحرم، وأفضل الصلاة بعد المفروضة وفي جوف الليل.
стр. 423
الصلاة يوم عاشوراء".
وعن علي -كرم الله وجهه -قال: إن النبي ﷺ -قال: "في شهر الله المحرم تاب الله على قوم ويتوب على آخرين".
وعن ابن عباس ﵄ -قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام آخر يوم من ذي الحجة وأول يوم من المحرم فقد ختم السنة الماضية بصوم واستفتح السنة المستقبلة بصوم، وجعل الله -له كفارة خمسين سنة".
وعن عروة عن عائشة ﵂ -قالت: "كان عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ -يصومه بمكة، فلما قدم المدينة فرض صيام رمضان، قال: فمن شاء صام يوم عاشوراء ومن شاء تركه".
وعن ابن عباس ﵄ -قال: "قدم رسول الله ﷺ -المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسأل عن ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله -فيه موسى ﵇ -وبنى إسرائيل على قوم فرعون فنحن نصومه تعظيمًا له، فقال النبي ﷺ : نحن أولى بموسى منكم، فأمر بصومه".
(فصل) واختلف العلماء ﵏ -في تسميته بيوم عاشوراء:
فقال أكثرهم: إنما سمى يوم عاشوراء، لأنه عاشر يوم من أيام المحرم.
وقال بعضهم: إنما سمى عاشوراء، لأنه عاشر الكرامات التي أكرم الله -هذه الأمة بها:
أولها: رجب، وهو شهر الله تعالى الأصم، وإنما جعله كرامة لهذه الأمة وفضله على سائر الشهور كفضل هذه الأمة على سائر الأمم.
الكرامة الثانية: شهر شعبان، وفضله على سائر الشهور كفضل النبي ﷺ -على سائر الأنبياء.
والثالثة: شهر رمضان وفضله على سائر الشهور كفضل الله تعالى على خلقه.
стр. 424
والرابعة: ليلة القدر، وهي خير من ألف شهر.
والخامسة: يوم الفطر، وهو يوم الجزاء الأوفى.
والسادسة: أيام العشر، وهي أيام ذكر الله تعالى.
والسابعة: يوم عرفة، وصومه كفارة سنتين.
والثامنة: يوم النحر، وهو يوم القربان.
والتاسعة يوم الجمعة، وهو سيد الأيام.
والعاشرة: يوم عاشوراء، وصومه كفارة سنة.
فلكل وقت من هذه الأيام كرامة جعلها الله تعالى لهذه الأمة تكفيرًا لذنوبهم وتطهيرًا لخطاياهم.
وقال بعضهم: إنما سمى عاشوراء، لأن الله تعالى أكرم فيه عشرة من الأنبياء ﵈ بعشر كرامات:
إحداها: أنه -تاب على آدم ﵇ -فيه.
والثانية: رفع الله -إدريس النبي ﵇ -فيه مكانًا عليًا.
والثالثة: استوت سفينة نوح ﵇ فيه على الجودى.
والرابعة: ولد إبراهيم ﵇ -فيه، واتخذ الله تعالى خليلاً وأنجاه من نار نمرود فيه.
والخامسة: تاب الله -على داود ﵇ -فيه، ورد الملك على سليمان ﵇ -فيه.
والسادسة: كشف الله ضر أيوب ﵇ -فيه.
والسابعة: نجى الله -موسى ﵇ -من البحر، وأغرق فرعون في البحر فيه.
والثامنة: نجى الله -يونس ﵇ -من بطن الحوت فيه.
والعاشرة: ولد نبينا محمد ﷺ -فيه.
* * *
стр. 425
(فصل) واختلفوا في أي يوم هو من المحرم:
فقال أكثرهم: اليوم العاشر من المحرم وهو الصحيح لما تقدم.
وقال بعضهم: هو الحادي عشر منه.
ونقل عن عائشة ﵂ -أنه هو التاسع منه.
وعن الحكيم بن الأعرج أنه سأل ابن عباس ﵄ -عن أي يوم يصام عاشوراء؟ فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، ثم أصبح صائمًا من تاسعه.
قلت: أكذلك كان يصومه محمد ﷺ ؟ قال: نعم.
وفي حديث آخر عن ابن عباس ﵄ -أيضًا، أنه صام رسول الله ﷺ -يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ : إذا كان العام المقبل إن شاء الله تعالى صمنا يوم التاسع، فلم يأت العام المقبل حتى توفى رسول الله ﷺ .
قال ابن عباس ﵄ -في لفظ آخر: "قال رسول الله ﷺ : لئن عشت إلى قابل إن شاء الله تعالى صمت يوم التاسع، مخافة أن يفوته يوم عاشوراء".
(فصل) ونذكر من فضائل يوم عاشوراء أن الحسين بن علي -رضي الله تعالى عنهما -قتل فيه.
روى عن أم سلمة ﵂ -قالت: "كان رسول الله ﷺ -في منزلي، إذ دخل عليه الحسين ﵁ -فطالعتهما من الباب وإذا الحسين ﵁ -على صدر النبي ﷺ -يلعب، وفي يد النبي ﷺ -قطعة من طين ودموعه تجرى، فلما خرج الحسين ﵁ -دخلت فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله طالعتك وفي يدك طينة وأنت تبكي، فقال ﷺ -لي: لما فرحت به وهو على صدري يلعب أتاني جبريل ﵇، وناولني الطينة التي يقتل عليها، فلذلك بكيت".
وروى عن الحسن البصري ﵀ -أنه قال: إن سليمان بن عبد الملك رأى النبي ﷺ -في المنام يبشره ويلاطفه، فلما أصبح سأل الحسن ﵁ -عن ذلك، فقال له
следующие страницы →