← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17817

الغنية لطالبي طريق الحق

عبد القادر الجيلاني

Полный текст (666 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وفي لفظ آخر عن ابن عباس ﵄ -قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام يوم عاشوراء كتب الله له عبادة ستين سنة بصيامها وقيامها، ومن صام يوم عاشوراء أعطى ثواب ألف شهيد، ومن صام يوم عاشوراء كتب الله له أجر أهل سبع سموات، ومن فطر مؤمنًا يوم عاشوراء فكأنما أفطر عنده جميع أمة محمد ﷺ -وأشبع بطونهم، ومن مسح رأس يتيم في يوم عاشوراء رفعت له بكل شعرة على رأسه درجة في الجنة، فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله لقد فضلنا الله تعالى بيوم عاشوراء، قال ﷺ : خلق الله تعالى السموات يوم عاشوراء والأرض كمثله، وخلق الجبال يوم عاشوراء والنجوم كمثله، وخلق العرش يوم عاشوراء والكرسي كمثله، وخلق اللوح يوم عاشوراء والقلم كمثله، وخلق جبريل يوم عاشوراء والملائكة كمثله، وخلق آدم في يوم عاشوراء، وولد إبراهيم في يوم عاشوراء، ونجاه الله من النار يوم عاشوراء، وفدى الله ابنه يوم عاشوراء، وأغرق فرعون في يوم عاشوراء، ورفع إدريس في يوم عاشوراء، وكشف الضر عن أيوب في يوم عاشوراء، ورفع عيسى في يوم عاشوراء، وولد عيسى في يوم عاشوراء، وتاب الله على آدم في يوم عاشوراء، وغفر ذنب داود في يوم عاشوراء، وأعطى الله الملك لسليمان في يوم عاشوراء، وولد نبيكم محمد ﷺ -في يوم عاشوراء، واستوى الرب ﵎ على العرش في يوم عاشوراء، ويوم القيامة في يوم عاشوراء، وأول مطر نزل من السماء يوم عاشواء، وأول رحمة نزلت في يوم عاشوراء، ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض مرضًا إلا مرض الموت، ومن اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم ترمد عينه تلك السنة كلها، ومن عاد مريضًا يوم عاشوراء فكأنما عاد ولد آدم، ومن سقى شربة من ماء يوم عاشوراء فكأنما لم يعص الله طرفة عين، ومن صلى أربع ركعات يوم عاشوراء يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وخمسين مرة ﴿قل هو الله أحد ...﴾ غفر الله تعالى له ذنوب خمسين عامًا ماضيًا وخمسين عامًا مستقبلاً، وبنى له في الملأ الأعلى ألف منبر من نور". وقد ورد في حديث آخر "من صلى يوم عاشوراء أربع ركعات، بتسليمتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة واحدة، و ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها ...﴾ مرة، و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ مرة، و ﴿قل هو الله أحد ...﴾ مرة، ويصلى على النبي ﷺ -سبعين مرة إذا فرغ منها" مروى ذلك في حديث أبى هريرة ﵁.

стр. 422

وعن أبي هريرة ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "افترض على بني إسرائيل صوم يوم في السنة وهو يوم عاشوراء العاشر من المحرم فصوموه ووسعوا فيه على عيالكم، ومن وسع على عياله من ماله في يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته، ومن صام هذا اليوم كان كفارة أربعين سنة، وما من أحد أحيا ليلة عاشوراء وأصبح صائمًا مات ولم يدر بالموت". وفي حديث على -كرم الله -وجهه قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحيا ليلة عاشوراء أحياه الله تعالى ما شاء". وعن سفيان بن عيينة عن جعفر الأحمر الكوفي عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر -وكان من أفضل من رؤى بالكوفة على ما قيل في زمانه -أنه بلغه: أن من وسع على عياله في يوم عاشوراء وسع الله تعالى عليه سائر سنته. قال سفيان ﵀: فجرينا ذلك منذ خمسين سنة فلم نر إلا سعة. وعن عبد الله ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "من وسع على أهله في يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته". وقيل عن بعض السلف أنه قال: "من صام يوم الزينة، يعنى يوم عاشوراء أدرك ما فاته. من صام السنة، ومن تصدق فيه يومئذ أدرك ما فاته من صدقة السنة". وقال يحيى بن أبى كثير ﵀: من اكتحل يوم عاشوراء بكحل فيه مسك لم يشتك عينه إلى قابل من ذلك اليوم. وأخبرنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن أبى غليظ بن أمية بن خلف الجمحى قال: "رأى النبي ﷺ -على بيتي صردًا فقال: هذا أول طائر صام يوم عاشوراء". وقال قيس بن عباد: كانت الوحش تصوم يوم عاشوراء. وعن أبى هريرة ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل صيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي يدعونه المحرم، وأفضل الصلاة بعد المفروضة وفي جوف الليل.

стр. 423

الصلاة يوم عاشوراء". وعن علي -كرم الله وجهه -قال: إن النبي ﷺ -قال: "في شهر الله المحرم تاب الله على قوم ويتوب على آخرين". وعن ابن عباس ﵄ -قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام آخر يوم من ذي الحجة وأول يوم من المحرم فقد ختم السنة الماضية بصوم واستفتح السنة المستقبلة بصوم، وجعل الله -له كفارة خمسين سنة". وعن عروة عن عائشة ﵂ -قالت: "كان عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ -يصومه بمكة، فلما قدم المدينة فرض صيام رمضان، قال: فمن شاء صام يوم عاشوراء ومن شاء تركه". وعن ابن عباس ﵄ -قال: "قدم رسول الله ﷺ -المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسأل عن ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله -فيه موسى ﵇ -وبنى إسرائيل على قوم فرعون فنحن نصومه تعظيمًا له، فقال النبي ﷺ : نحن أولى بموسى منكم، فأمر بصومه". (فصل) واختلف العلماء ﵏ -في تسميته بيوم عاشوراء: فقال أكثرهم: إنما سمى يوم عاشوراء، لأنه عاشر يوم من أيام المحرم. وقال بعضهم: إنما سمى عاشوراء، لأنه عاشر الكرامات التي أكرم الله -هذه الأمة بها: أولها: رجب، وهو شهر الله تعالى الأصم، وإنما جعله كرامة لهذه الأمة وفضله على سائر الشهور كفضل هذه الأمة على سائر الأمم. الكرامة الثانية: شهر شعبان، وفضله على سائر الشهور كفضل النبي ﷺ -على سائر الأنبياء. والثالثة: شهر رمضان وفضله على سائر الشهور كفضل الله تعالى على خلقه.

стр. 424

والرابعة: ليلة القدر، وهي خير من ألف شهر. والخامسة: يوم الفطر، وهو يوم الجزاء الأوفى. والسادسة: أيام العشر، وهي أيام ذكر الله تعالى. والسابعة: يوم عرفة، وصومه كفارة سنتين. والثامنة: يوم النحر، وهو يوم القربان. والتاسعة يوم الجمعة، وهو سيد الأيام. والعاشرة: يوم عاشوراء، وصومه كفارة سنة. فلكل وقت من هذه الأيام كرامة جعلها الله تعالى لهذه الأمة تكفيرًا لذنوبهم وتطهيرًا لخطاياهم. وقال بعضهم: إنما سمى عاشوراء، لأن الله تعالى أكرم فيه عشرة من الأنبياء ﵈ بعشر كرامات: إحداها: أنه -تاب على آدم ﵇ -فيه. والثانية: رفع الله -إدريس النبي ﵇ -فيه مكانًا عليًا. والثالثة: استوت سفينة نوح ﵇ فيه على الجودى. والرابعة: ولد إبراهيم ﵇ -فيه، واتخذ الله تعالى خليلاً وأنجاه من نار نمرود فيه. والخامسة: تاب الله -على داود ﵇ -فيه، ورد الملك على سليمان ﵇ -فيه. والسادسة: كشف الله ضر أيوب ﵇ -فيه. والسابعة: نجى الله -موسى ﵇ -من البحر، وأغرق فرعون في البحر فيه. والثامنة: نجى الله -يونس ﵇ -من بطن الحوت فيه. والعاشرة: ولد نبينا محمد ﷺ -فيه. * * *

стр. 425

(فصل) واختلفوا في أي يوم هو من المحرم: فقال أكثرهم: اليوم العاشر من المحرم وهو الصحيح لما تقدم. وقال بعضهم: هو الحادي عشر منه. ونقل عن عائشة ﵂ -أنه هو التاسع منه. وعن الحكيم بن الأعرج أنه سأل ابن عباس ﵄ -عن أي يوم يصام عاشوراء؟ فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، ثم أصبح صائمًا من تاسعه. قلت: أكذلك كان يصومه محمد ﷺ ؟ قال: نعم. وفي حديث آخر عن ابن عباس ﵄ -أيضًا، أنه صام رسول الله ﷺ -يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ : إذا كان العام المقبل إن شاء الله تعالى صمنا يوم التاسع، فلم يأت العام المقبل حتى توفى رسول الله ﷺ . قال ابن عباس ﵄ -في لفظ آخر: "قال رسول الله ﷺ : لئن عشت إلى قابل إن شاء الله تعالى صمت يوم التاسع، مخافة أن يفوته يوم عاشوراء". (فصل) ونذكر من فضائل يوم عاشوراء أن الحسين بن علي -رضي الله تعالى عنهما -قتل فيه. روى عن أم سلمة ﵂ -قالت: "كان رسول الله ﷺ -في منزلي، إذ دخل عليه الحسين ﵁ -فطالعتهما من الباب وإذا الحسين ﵁ -على صدر النبي ﷺ -يلعب، وفي يد النبي ﷺ -قطعة من طين ودموعه تجرى، فلما خرج الحسين ﵁ -دخلت فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله طالعتك وفي يدك طينة وأنت تبكي، فقال ﷺ -لي: لما فرحت به وهو على صدري يلعب أتاني جبريل ﵇، وناولني الطينة التي يقتل عليها، فلذلك بكيت". وروى عن الحسن البصري ﵀ -أنه قال: إن سليمان بن عبد الملك رأى النبي ﷺ -في المنام يبشره ويلاطفه، فلما أصبح سأل الحسن ﵁ -عن ذلك، فقال له

стр. 426

الحسن ﵁: لعلك فعلت إلى أهل بيت رسول الله ﷺ -معروفًا، فقال: نعم، وجدت رأس الحسين بن علي ﵁ -في خزانة يزيد بن معاوية، فكسوته خمسة أثواب من الديباج، وصليت عليه مع جماعة من أصحابي وقبرته، فقال له الحسن ﵀: لقدر رضى النبي ﷺ -عنك بسبب ذلك، فأحسن إلى الحسن ﵀، وأمر له بالجوائز. وروى عن حمزة الزيات قال: رأيت النبي ﷺ -وإبراهيم الخليل ﵇ -في المنام يصليان على قبر الحسين بن علي ﵄. وأخبرنا أبو نصر عن والده بإسناده عن أبى أسامة عن جعفر بن محمد ﵀ -قال: هبط على قبر الحسين بن علي ﵄ -يوم أصيب سبعون ألف ملك يبكون عليه إلى يوم القيامة. (فصل) وقد طعن قوم على من صام هذا اليوم العظيم وما ورد فيه من التعظيم وزعموا أنه لا يجوز صيامه لأجل قتل الحسين بن علي ﵄ -فيه. وقالا: ينبغي أن تكون المصيبة فيه عامة لجميع الناس لفقده فيه، وأنتم تتخذونه يوم فرح وسرور، وتأمرون فيه بالتوسعة على العيال والنفقة الكثيرة، والصدقة على الفقراء والضعفاء والمساكين، وليس هذا من حق الحسين ﵁ -على جماعة المسلمين. وهذا القائل خاطئ ومذهبه قبيح فاسد، لأن الله تعالى اختار بسبط نبيه محمد ﷺ -الشهادة في أشرف الأيام وأعظمها وأجلها وأرفعها عنده، ليزيده بدلك رفعة في درجاته وكراماته، مضافة إلى كرامته وبلغه منازل الخلفاء الراشدين الشهداء بالشهادة، ولو جار أن يتخذ يوم موته يوم مصيبة لكان يوم الإثنين أول بذلك، إذ قبض الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ -فيه، وكذلك أبو بكر الصديق ﵁ -قبض فيه، وهو ما روى هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ -قالت: قال لي أبو بكر ﵁. أي يوم توفي النبي ﷺ -فيه؟ قلت: يوم الإثنين، قال ﵁: إني أرجو أن أموت فيه، فمات ﵁ -فيه، وفقد رسول الله ﷺ -وفقد أبى بكر ﵁ -أعظم من فقد غيرهما. وقد اتفق الناس على شرف يوم الإثنين وفضيلة صومه، وأنه تعرض فه الأعمال، وفي يوم الخميس ترفع أعمال العباد، وكذلك يوم عاشوراء لا يتخذ يوم مصيبة، ولأن

стр. 427

يوم عاشوراء أن يتخذ يوم مصيبة ليس بأولى من أن يتخذ يوم فرح وسرور لما قدمنا ذكر وفضله، من أنه نجى الله تعالى فيه أنبياءه من أعدائهم، وأهلك فيه أعداءهم الكفار من فرعون وقومه وغيرهم، وأنه تعالى خلق السموات والأرض والأشياء الشريفة فيه، وآدم ﵇ -وغير ذلك، وما أعد الله تعالى لمن صامه من الثواب الجزيل والعطاء الوافر الكثير، وتكفير الذنوب وتمحيص السيئات فصار عاشوراء بمثابة بقية الأيام الشريفة كالعيدين والجمعة وعرفة وغيرها، ثم لو جاز أن يتخذ هذا اليوم مصيبة لاتخذه الصحابة والتابعون ﵃، لأنهم أقرب إليه منا وأخص به. وقد ورد عنهم الحث على التوسعة على العيال فيه والصوم فيه، من ذلك ما روى عن الحسن ﵀ -أنه قال: "صوم يوم عاشوراء فريضة". وكان علي ﵁ -يأمر بصيامه فقالت لهم عائشة ﵂: "من يأمركم بصوم يوم عاشوراء؟ قالوا: علي ﵁، قالت: أما إنه أعلم من بقى بالسنة". وروى عن علي ﵁ -أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحيا ليلة عاشوراء أحياه الله تعالى ما شاء" فدل على بطلان ما ذهب إليه القائل، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 428

مجلس في فضائل يوم الجمعة قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [الجمعة: ٩]. قال عبد الله بن عباس ﵄: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ يعنى أقروا وصدقوا بوحدانية الله تعالى: ﴿إذا نودى للصلاة﴾ يعنى إذا دعيتم بالأذان يوم الجمعة ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ يعنى فامشوا إلى صلاة الجمعة ﴿وذروا البيع﴾ يعنى واتركوا البيع بعد النداء ﴿ذلكم﴾ يعنى الصلاة ﴿خير لكم﴾ من الكسب والتجارة ﴿إن كنتم تعلمون﴾ يعنى تصدقون. وسبب نزول هذه الآية أن اليهود افتخروا على المسلمين بأشياء ثلاثة: أحدها: قالوا: نحن أولياء الله وأحباؤه دونكم. والثاني: لنا كتاب ولا كتاب لكم. والثالث: لنا سبت ولا سبت لكم. فرد الله عليهم وكذبهم في هذه السورة، فقال لنبيه ﷺ : ﴿قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾ [الجمعة: ٦] بقولكم نحن أولياء الله من دونكم. وأنزل الله -لقولهم أنتم أميون لا كتاب لكم، قوله -جل وعلا -: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم﴾ [الجمعة: ٢] وذمهم فقال تعالى: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا﴾ [الجمعة: ٥]. وأنزل ﵎ لقولهم لنا سبت ولا سبت لكم: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة ...﴾ إلى قوله: ﴿ذلكم خير لكم﴾. ثم قال : ﴿وإذا رأو تجارة أو لهوًا انفضوا إليها﴾ [الجمعة: ١١]. وذلك أن العير كانت إذا قدمت المدينة استقبلوها بالطبل والتصفيق، فيخرج الناس من المسجد، فلما كان ذات يوم جاءت العير فخرج الناس من المسجد، غير اثنى عشر

стр. 429

رجلاً وامرأة، ثم جاءت عير أخرى فخرجوا أيضًا إلا اثنى عشر رجلاً وامرأة، ثم إن دحية بن خليفة الكلبى من بنى عامر بن عوف أقبل بتجارة من الشام قبل أن يسلم، وكان يحمل معه من أنواع التجارة، وكان يتلقاه أهل المدينة بالطبل والتصفيق، فوافق قدومه يوم الجمعة والنبي ﷺ -قائم على المنبر يخطب، فخرج إليه الناس، فقال النبي ﷺ : انظروا كم بقى في المسجد؟ فقالوا: اثنا عشر رجلاً وامرأة، فقال النبي ﷺ : لولا هؤلاء لقد سومت عليهم الحجارة، يعنى علم على الحجارة لهم، فأنزل الله : ﴿وإذا رأو تجارة أو لهوًا انفضوا إليها وتركوك قائمًا﴾ [الجمعة: ١١] على المنبر ﴿قل ما عند الله خير من اللهو﴾ [الجمعة: ١١] يعنى من الطبل والتصفيق ﴿ومن التجارة﴾ [الجمعة: ١١] التي جاء بها دحية ﴿والله خير الرازقين﴾ [الجمعة: ١١] من غيره. وقيل: من الاثنى عشر رجلاً الذين بقوا في المسجد أبو بكر وعمر ﵄. (فصل: في فضائل يوم الجمعة من طريق الآثار) من ذلك ما روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة ﵁ -قال: إن النبي ﷺ -قال: "لم تطلع الشمس ولم تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة، وما من دابة إلا وهى تفزع من يوم الجمعة إلا الثقلان الجن والإنس، وعلى كل باب من أبواب المسجد ملكان يكتبان الناس الأول فالأول، كرجل قرب بدنة، وكرجل قرب بقرة، وكرجل قرب شاة، وكرجل قرب دجاجة، وكرجل قرب بيضة، فإذا قام الإمام طريت الصحف". وعن أبى سلمة عن أبى هريرة ﵁ -عن النبي ﷺ -قال: "إن خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق الله تعالى آدم، وفيه أدخله الجنة وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يصادفها مؤمن يسأل الله تعالى فيها شيئًا إلا أعطاه إياه". قال أبو سلمة: قال عبد الله بن سلام ﵁: قد عرفت تلك الساعة، وهى آخر ساعة من النهار، وهى الساعة التي خلق فيها آدم ﵇، قال الله :

стр. 430

﴿خلق الإنسان من عجل﴾ [الأنبياء: ٣٧]. وروى عبد الله بن منذر قال: قال رسول الله ﷺ : "يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله تعالى من يوم الفطر، وفيه خمس خلال: فيه خلق الله تعالى آدم ﵇، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه توفى، وفيه ساعة لا يسأل العبد ربه فيها شيئًا إلا أعطاه إياه ما لم يسأل حرامًا، وفيه تقوم الساعة، وما من ملك مقرب عند ربه -إلا وهو يفزع من يوم الجمعة، ولا سماء ولا أرض إلا وهى تشفق من يوم الجمعة". وعن أبى هريرة ﵁ -عن النبي ﷺ -أنه قال: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم ﵇، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة". وعن أبى هريرة ﵁ -أيضًا عن النبي ﷺ -أنه قال: "اليوم الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، والموعود يوم القيامة، ما طلعت شمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله تعالى فيها خيرًا إلا أعطاه أو يستعيذه من شر إلا يعيذه". أخبرنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن علي بن أبى طالب ﵁ -قال: "إذا كان يوم الجمعة خرجت الشياطين يزفون الناس إلى أسواقهم ومعهم الرايات، وتخرج الملائكة على أبواب المساجد يكتبون الناس على قدر منازلهم، السابق والمصلى والذي يليه، حتى يخرج الإمام، فمن دنا من الإمام فنصت واستمع ولم يلغ كان له كفلان من الأجر، ومن نأى عنه فاستمع ونصت ولم يلغ كان له كفل من الأجر، ومن دنا من الإمام فلغا ولم ينصت ولم يستمع كان عليه كفلان، ومن نأى عنه فلغا ولم ينصت ولم يستمع كان عليه كفل من الوزر، ومن قال صه فقد تكلم، ومن تكلم فلا جمعة له، ثم قال علي ﵁: هكذا سمعت من نبيكم محمد ﷺ ".

стр. 431

فقوله: فلا جمعة له أي جمعة كاملة من الأجر والثواب ومعناه ناقص الأجر والثواب. وعن أبى هريرة ﵁ -قال: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغوت". وعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ -قال: إن رسول الله ﷺ -قال: "تقف الملائكة على أبواب المساجد يوم الجمعة يكتبون مجيء الناس حتى يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام طويت الصحف ورفع الأقلام". قال: "فتقول الملائكة بعضهم لبعض: ما حبس فلانًا وما حبس فلانًا؟ قال: فتقول الملائكة بعضهم لبعض: اللهم إن كان مريضًا فاشفه، وإن كان ضالاً فاهده، وإن كان غائبًا فأعنه". وقال جعفر: حدثنا ثابت. قال: بلغنا أن الله تعالى ملائكة معهم ألواح من فضة وأقلام من ذهب يكتبون من صلى ليلة الجمعة ويوم الجمعة في جماعة. أخبرنا الشيخ أبو نصر عن والده، بإسناده عن أبى الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄: قال: إن رسول الله ﷺ -قال: "من كان يؤمن بالله والبوم الآخر فعليه الجمعة في يوم الجمعة، إلا مريضًا أو مسافرًا أو امرأة أو صبيًا أو مملوكًا، ومن استغنى عنها بلهو أو تجارة استغنى الله عنه، والله غنى حميد". وعن أبى الجهد الضمرى عن النبي ﷺ -أنه قال: "من ترك الجمعة ثلاثًا تهاونًا بها طبع الله تعالى على قلبه". وأخبرنا الشيخ أبو نصر عن والده بإسناده عن سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله ﵄ -قال: سمعت رسول الله ﷺ -يقول على منبره: "يا أيها الناس توبوا إلى الله تعالى قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له تسعدوا، وأكثروا من الصدقة في السر والعلانية تؤجروا

стр. 432

وتحمدوا وترزقوا، واعلموا أن الله تعالى قد فرض عليكم الجمعة فريضة مكتوبة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة، من وجد إليها سبيلاً وتركها في حياتي أو بعدي جحودًا بها أو استخفافًا بها، وله إمام جائز أو عادل، فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره، ألا فلا صلاة له، ألا فلا وضوء له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا بركة له حتى يتوب، فإن تاب تاب الله عليه، ألا ولا تؤمن امرأة رجلاً ولا يؤمن أعرابي مهاجرًا، ألا ولا يؤمن فاجر مؤمنًا إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه وسوطه". وأخبرنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن ثابت البنانى عن طاوس عن أبى موسى الأشعري ﵁ -قال: إن النبي ﷺ -قال: "إن الله يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها، ويبعث الجمعة وهي زاهرة منيرة، أهلها يحفون بها كالعروس تهدى إلى كريمها تضيء لهم، يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج وريحهم كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، وينظر إليهم الثقلان، ما يطرفون تعجبًا حتى يدخلوا الجنة، لا يخالطهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون". وأخبرنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن ثابت البنانى، عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ -أنه قال: "إن لله تعالى ستمائة ألف عتيق من النار في كل يوم، وليلة الجمعة ويوم الجمعة أربع وعشرون ساعة، في كل ساعة ستمائة ألف عتيق من النار". وفي لفظ آخر عن ثابت عن أنس ﵁ -عن النبي ﷺ -قال: "إن لله في كل ساعة من ساعات الدنيا ستمائة ألف عتيق من النار يعتقهم كلهم، قد استوجبوا النار يوم القيامة، وفي يوم الجمعة وليلة الجمعة أربع وعشرون ساعة، ليس فيها ساعة إلا ولله -فيها ستمائة ألف عتيق يعتقهم من النار كلهم قد استوجبوا النار". وعن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أبى الدرداء ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى يوم الجمعة في جماعة كتبت له حجة متقبلة، وإن صلى العصر كانت

стр. 433

له عمرة، وإن تمسى في مكانه لم يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه". وعن أبى أمامة الباهلى ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام يوم الجمعة وصلى مع الإمام وشهد جنازة وتصدق بصدقة وعاد مريضًا وشهد نكاحًا وجبت له الجنة". وأخبرنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁، عن النبي ﷺ -أنه قال: "يحضر الجمعة ثلاثة نفر: فرجل حضرها بلغو فذاك حظه، ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله تعالى، فإن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدًا، فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، فإن الله -يقول: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦]. وقد ورد في الحديث عنه ﷺ -أنه قال: "ما من دابة إلا وهي قائمة على ساق يوم الجمعة مشفقة من قيام الساعة إلا الشياطين وشقي بني آدم". ويقال: إن الطير والهوام تلقى بعضها بعضًا في يوم الجمعة، فتقول: سلام عليكم يوم صالح. وفي بر آخر: "إن جهنم تسعر في كل يوم قبل الزوال عند استواء الشمس في كبد السماء، فلا تصلوا في هذه الساعة إلا يوم الجمعة، فإنها صلاة كلها وإن جهنم لا تسعر فيه". (فصل) روى عن أبى صالح عن أبى هريرة ﵁ -أن النبي ﷺ -قال: "من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما فرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة،

стр. 434

فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر". فالساعة الأولى تكون بعد صلاة الصبح، والساعة الثانية تكون عند ارتفاع الشمس، والثالثة عند انبساطها وهي الضحى الأعلى إذا مضت الأقدام بحر الشمس، والساعة الرابعة تكون قبل الزوال، والخامسة إذا زالت الشمس أو مع استوائها. وعن نافع عن ابن عمر ﵄ -قال: قال رسول الله ﷺ : "اغتسل في كل يوم جمعة أخرجه الله تعالى من ذنوبه ثم قيل له: استأنف العمل". وروى عن رسول الله ﷺ -أنه قال: "من غسل واغتسل وغدا وابتكر ودنا من الإمام ولم يلغ، كان له بكل خطوة صيام سنة وقيامها". وقوله ﷺ : "من غسل" بالتشديد: أي غسل أهله كناية عن الجماع، ولهذا يستحب عند أهل العلم إتيان الزوجة في يوم الجمعة، كان بعض السلف يفعله إتباعًا لهذا الحديث. ومن روى بالتخفيف: أي غسل رأسه ثم غسل جسده. وعن الحسن عن أبى هريرة ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا هريرة اغتسل كل يوم جمعة، ولو صار أن تشترى الماء بقوت يومك". فغسل الجمعة مستحب عند أكثر الفقهاء، وواجب عند داود، فلا ينبغي أن يتركه من يأتي الجمعة. ووقته: بعد طلوع الفجر الثاني، والأولى له له أن يعقبه بالرواح إلى المسجد ليخرج من الخلاف، وأن يتحفظ من نقض الطهارة حتى يصلى الجمعة وينوى بالغسل خدمة مولاه، فإن أصبح جنبًا فتوضأ واغتسل ناويًا بهما الجنابة والجمعة جاز، ويتنظف بأخذ شعره وظفره وقطع رائحته: أي الكريهة، ويلبس أحسن ثيابه وأفضلها البياض ويتعمم ويرتدي، فإنه جاء في الحديث: "إن الملائكة تصلي على أصحاب العمائم يوم الجمعة" ويتطيب بأطيب طيبه مما يظهر ريحه ويخفى لونه، وليخرج من بيته إلى الجامع وعليه

стр. 435

السكينة والوقار خاشعًا متواضعًا مخبتًا مفتقرًا مكثرًا من الدعاء والاستغفار، والصلاة على رسول الله ﷺ ، وينوى بخروجه زيارة مولاه في بيته والتقرب إلى الله تعالى بأداء فرائضه، والعكوف في المسجد إلى حين انقلابه إلى بيته، وينوى كف جوارحه عن اللهو واللغو في الطريق والجامع، وليترك راحته يوم الجمعة وحظوظ دنياه، وليواصل الأوراد والعبادة فيه، فيجعل أول نهاره إلى انقضاء صلاة الجمعة للخدمة، ثم يجعل وسط النهار إلى صلاة العصر لاستماع العلم ومجالس الذكر، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس للتسبيح والاستغفار، وأفضل ما يشتغل به في هذا الوقت وفي كل يوم وليلة من الأذكار أن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، مائتي مرة، سبحان الله العظيم وبحمده مائة مرة، لا إله إلا الله الملك الحق المبين مائة مرة، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي مائة مرة وأستغفر الله العظيم الحي القيوم وأسأله التوبة مائة مرة، وما شاء الله لا قوة إلا بالله مائة مرة فذلك سبعمائة مرة من أنواع الأذكار. وقد نقل عن بعض الصحابة ﵃، أنه كان يسبح في كل يوم اثنى عشر ألف تسبيحة، وعن بعض التابعين أنه كان يسبح كل يوم ثلاثين ألفًا، كل قد علم صلاته وتسبيحه، فاحذر أن تكون من المحرومين، فلا تذكر ولا تذكر، والمؤمن أولاً يكون ذاكرًا لله ، ثم مذكورًا له، قال الله تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم﴾ البقرة: ١٥٢]. وأما قبل الصلاة فلا يستحب له حضور القاص، لأن القصص بدعة وكان ابن عمر وغيره من الصحابة ﵃ -يخرجون القصاص من الجامع، اللهم إلا أن يكون عالمًا بالله تعالى من أهل المعرفة واليقين، فيكون حضور مجلسه أفضل من صلاته لحديث أبى ذر ﵁: "حضور مجلس العلم أفضل من صلاة ألف ركعة". وفي حديث آخر: "لئن يتعلم أحدكم بابًا من العلم أو يعلمه خير له من صلاة ألف ركعة". وإذا أتى الجامع لا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إمامًا أو مؤذنًا، لما روى عن النبي ﷺ -أنه قال لرجل رآه يتخطى رقاب الناس: "يا فلان ما منعك أن تصلي معنا

стр. 436

الجمعة؟ فقال: أولم ترنى يا رسول الله؟ قال ﷺ : رأيتك تلبثت وآذيت" أي تأخرت عن البكور، وآذيت الحضور. وفي حديث آخر قال النبي ﷺ : "ما منعك اليوم أن تجمع؟ قال: يا نبي الله قد جمعت، قال ﷺ : أولم أرك تتخطى رقاب الناس". وقد قيل: إن من فعل ذلك جعل جسرًا يوم القيامة على جهنم يتخطاه الناس. ولا تمرن بين يدى المصلى، لأن في الخبر "لأن يقف أحدكم أربعين سنة خير له من أن يمر بين يدى المصلى". وفي لفظ آخر "لأن يكون الرجل رمادًا تذروه الرياح خير له من أن يمر بين يدي المصلى". ولا يقيمن أحدًا من موضعه ويجلس مكانه، لما روى عن النبي ﷺ -أنه قال: "لا يقيمن أحدكم أخاه من مجلسه ثم يجلس فيه". وكان ابن عمر ﵄ -إذا قام له الرجل من مجلسه لم يجلس فيه حتى يعود إليه. وإن رأى بين يديه فرجة فهل يجوز له أن يتخطى رقاب الناس فيجلس فيها؟ على روايتين عند إمامنا أحمد -رحمه الله تعالى -، فإن قدم صاحبًا له فجلس في موضعه، فإذا جلس هناك جاز وإن بسط له شيئًا فهل لغيره أن يرفعه ويجلس هناك؟ على وجهين عند أصحابنا. ويجتهد أن يدنو من الإمام فينصت إلى الخطبة فلا يتكلم، فإن تكلم أثم في إحدى الروايتين، ولا يحرم الكلام قبل الشروع في الخطبة وبعد الفراغ منها. (فصل) أخبرنا الشيخ أبو نصر عن والده، قال: أنبأنا أبو القاسم عبد الله بن عمر الفقيه الشافعي -رحمه الله تعالى -، قال: حدثنا حبيب بن الحسن القزاز، قال: حدثنا

стр. 437

جعفر بن محمد بن الحسين الخراساني، قال: حدثنا أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، قال: حدثنا محمد بن شعيب، عن عمر بن عبد الله مولى عفرة، عن أنس ابن مالك ﵁، عن النبي ﷺ -قال: "أتاني جبريل ﵇ -في كفه كمأة بيضاء فيها نكتة سوداء، فقلت: ما هذه يا جبريل؟ قال: هذه الجمعة، لكم فيها خير كثير، قلت: وما هذه النكتة السوداء؟ قال: هذه الساعة، تقوم يوم الجمعة، وهو سيد الأيام، ونحن نسميه عندنا يوم المزيد، قلت: ولم تسمونه يوم المزيد يا جبريل؟ قال: ذلك لأن ربك -اتخذ في الجنة واديًا أفيح من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة من أيام الآخرة هبط الجبار ﵎ من عرشه إلى كرسيه إلى ذلك الوادي، وقد حف الكرسي بمنابر من نور يجلس عليها النبيون، وحفت المنابر بكراسي من ذهب مكللة بالجواهر يجلس عليها الصديقون والشهداء، ثم جاء أهل الغرف حتى حفوا بالكثيب، فيقول الله : أنا الذي صدقتكم وعدى وأتممت عليكم نعمتي وأحللتكم كرامتي، ثم يقول: فسلوني، فيقولون بأجمعهم: نسألك الرضا عنا، فيقول: رضاي عنكم أحلكم داري وأنيلكم كرامتي، ثم يقول: سلوني، فيعيدون فيقولون: ربنا نسألك الرضا، ثم يقول: سلوني، فيسألونه حتى تنتهي أمنية كل عبد منهم، ثم يقولون: حسبنا ربنا، فيفتح لهم بقدر انصرافهم من يوم الجمعة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم، غرفة من لؤلؤة بيضاء، وياقوتة حمراء وزمردة خضراء، ليس فيها فصم ولا وصم، مطردة فيها الأنهار متدلية فيها ثمارها وفيها أزواجها وخدمها ومساكنها، فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة، ليزدادوا فضلاً من ربهم ورضوانًا". وأخبرنا أبو نصر عن والده، قال: حدثنا محمد بن أحمد الحافظ، قال: حدثنا أبو علي محمد بن أحمد الصواف، قال: حدثنا أبو العباس عبد الله بن الصقر، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم أبو صالح الخزاز، قال: حدثنا عمرو بن شمس عن سعد بن طريف الإسكاف، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم الجمعة غدا أمين الله جبريل ﵇ -إلى المسجد الحرام، فركز لواء فيه، وغدا سائر الملائكة إلى المساجد التي يجمع فيها، فركزوا ألويتهم وراياتهم

стр. 438

بأبواب المساجد، ثم ينشرون قراطيس من فضة وأقلاماً من ذهب، ثم يكتبون الأول فالأول من بكر إلى الجمعة، فإذا دخل كل مسجد سبعون رجلاً ممن بكر إلى المسجد طويت القراطيس، وكان أولئك السبعون الذين بكروا كالذين اختار موسى ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلاً﴾ [الأعراف: ١٥٥] والذين اختارهم موسى من قومه كانوا أنبياء" ثم يتخلل الملائكة الصفوف فيتفقدون الرجال، ويقول بعضهم لبعض: ما فعل فلان؟ فيقولون: مات، فيقولون. رحمه الله تعالى، فإنه كان صاحب جمعة، ويقولون: ما فعل فلان؟ فيقولون: غائب، فيقولون: حفظه الله فإن كان صاحب جمعة، فيقولون: ما فعل فلان؟ فيقولون: مريض، فيقولون: عافاه الله فإنه كان صاحب جمعة". (فصل) وفي يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد يدعو الله تعالى إلا استجيبت دعوته. أخبرنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: "أتيت الطور فوجدت فيه كعباً، فحدثته عن النبي ﷺ وحدثني عن التوراة، قال: فما اختلفنا في شيء حتى انتهينا إلى حديث، فقلت: قال رسول الله ﷺ "في الجمعة ساعة لا يوافقها مؤمن يصلي فيسأل الله تعالى فيها خيراً إلا أعطاه إياه" فقال كعب: في كل سنة، قال: فقلت بل في كل جمعة، كذلك قال ﷺ ، فذهب قليلاً ثم رجع فقال: صدقت والله، إنها لكما قال رسول الله ﷺ في كل جمعة، وإنه سيد الأيام وأحبها إلى الله تعالى. فيه خلق آدم ﵇، وفيه أسكن الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، ما من دابة إلا وهي مصيخة تنتظر ما يكون في يوم الجمعة إلا الثقلين، فرجعت فلقيت عبد الله بن سلام ﵁ فحدثته بحديثي وحديث كعب، قال: فقال عبد الله ﵁: كذب كعب هو كما قال رسول الله ﷺ وهو في التوراة، قال: فقلت: إنه قد رجع، فقال عبد الله بن سلام ﵁: إني لأعلم تلك الساعة، قلت: أي ساعة هي؟ قال: آخر ساعة من نهار يوم الجمعة، قال: فقلت: وكيف وقد سمعت النبي ﷺ قال: "لا يوافقها مؤمن يصلي" ولات حين صلاة قال: أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من انتظر صلا فرض فهو

стр. 439

في صلاة، قلت: بلى، قال: فهي كذلك". وفي لفظ عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه، وقال: بيده يقللها". وقد روى عن بعض السلف أنه قال: إن لله ﵎ فضلاً من الرزق سوى أرزاق العباد ولا يعطى من ذلك الفضل إلا لمن سأله عشية الخميس ويوم الجمعة. وأخبرنا أبو النصر عن والده، بإسناده عن سعيد بن راشد، عن زيد بن على عن مرجانة، عن فاطمة بنت النبي ﷺ ﵂، عن أبيها ﷺ قال: "إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه" قلت: يا أبت أية ساعة هي؟ قال ﷺ : "إذا تدلى نصف الشمس للغروب" قالت: فكانت فاطمة ﵂ إذا كان يوم الجمعة أمرت غلاماً لها يقال له زيد تقول: اصعد إلى الضراب، فإذا تدلى نصف الشمس للغروب فآذني وأعلمني، فكان يصعد، فإذا كانت تلك الساعة آذنها وأعلمها، فتقوم وتدخل المسجد حتى تغرب الشمس وتصلي. وفي حديث كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه عن جده ﵁، قال: إن رسول الله ﷺ قال: "في الجمعة ساعة من نهار ولا يسأل الله فيها عبد شيئاً إلا أعطاه سؤله، قيل له: وأية ساعة هي يا رسول الله؟ قال ﷺ : حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها". قال كثير بن عبد الله المزني: يعني بذلك رسول الله ﷺ الجمعة. وأخبرنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ يقول: عرض هذا الدعاء على رسول الله ﷺ فقال: "لو دعى الله به على كل شيء بين المشرق والمغرب في ساعة يوم الجمعة لاستجيب لصاحبه:

стр. 440

سبحانك لا إله إلا أنت يا حنان يا منان، يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام. وقال صفوان بن سليم: بلغني أن من قال حين يجلس الإمام على المنبر يوم الجمعة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير، غفر له. وقال البراء بن عازب ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "فضل يوم الجمعة في رمضان على سائر الأيام كفضل رمضان على سائر الشهور". (فصل: في الصلاة على النبي ﷺ في يوم الجمعة) أخبرنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثروا من الصلاة علىَّ يوم الجمعة، فإنه يوم تضاعف فيه الأعمال، وسلوا الله لي الدرجة الوسيلة من الجنة، قيل: يا رسول الله: وما الدرجة الوسيلة من الجنة؟ قال: هي أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا نبي، وأرجو أن أكون هو". وعن محمد بن المنكدر عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، حلت له الشفاعة يوم القيامة". وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أكثروا الصلاة على نبيكم في الليلة الغراء واليوم الأزهر، ليلة الجمعة ويوم الجمعة". وعن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت واقفاً بين يدي رسول الله ﷺ فقال: "من صلى علىَّ في كل جمعة ثمانين مرة غفر الله تعالى له ذنوب ثمانين سنة، قلت: يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ قال ﷺ : تقول اللهم صل

стр. 441

على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وتعقد واحدة". وعن مكحول الشامي عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثروا من الصلاة علىَّ في يوم الجمعة، فإن صلاة أمتي تعرض على في كل يوم جمعة، فمن كان أكثرهم علىَّ صلاة كان أقربهم مني منزلة يوم القيامة". (فصل: فيما يستحب أن يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة) أخبرنا أبو نصر عن والده بإسناده عن أبي الأحوص، عن عبد الله ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الصبح يوم الجمعة: الم السجدة، وهل أتى". وروى عنه ﷺ "أنه كان يقرأ في المغرب ليلة الجمعة: ﴿قل يا أيها الكافرون ...﴾، و ﴿قل هو الله أحد ...﴾، وفي العشاء بسورة الجمعة والمنافقين". وقيل: إنه ﷺ كان يقرأ ذلك في صلاة الجمعة. وعن الحسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ ليلة الجمعة سورة يس وحم الدخان أصبح مغفوراً له". وقيل: إن من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة كان كمن تصدق بعشرة آلاف دينار سوية. ويستحب أن يصلي ليلة الجمعة ويوم الجمعة أربع ركعات بأربع سور: سورة الأنعام، وسورة الكهف، وسورة طه، وسورة الملك، فإن لم يحسن القرآن قرأ جميع ما يحسن منه، فذلك له ختمة، فقد قيل: ختمة من حيث علمه، وإن كان يحسن القرآن يستحب له أن يختم في يوم الجمعة، فإن لم يقدر يشفع إليه ليلة الجمعة، فإن جعل آخر ختمته في ركعتي المغرب أو ركعتي الفجر كان أحسن، وكذلك إن جعل ختمته بين الآذان والإقامة يوم الجمعة كان فيه فضل كبير، وإن قرأ ألف مرة ﴿قل هو الله أحد ...﴾ يوم الجمعة في عشر ركعات أو عشرين أو في غير صلاة كان أفضل من ختمة القرآن. ويستحب الصلاة على النبي ﷺ ألف مرة يوم الجمعة، وكذلك التسبيح ألف مرة، وهي بالكلمات الأربع التي تقدمت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

стр. 442

(فصل: في تسميته بيوم الجمعة) أخبرنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن سلمان ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أتدري لم سمى يوم الجمعة؟ قلت: لا، قال: لأن فيه جمع أبوكم آدم. قال لكني أقول: لا يتطهر رجل يوم الجمعة فيتوضأ ويحسن وضوءه، ثم يأتي الجمعة، إلا كفّر له ما بينها وبين الجمعة الأخرى ما اجتنب الكبائر". وقال بعضهم: هو من الاجتماع، وهو اجتماع قالب آدم وروحه بعد أن كان ملقى أربعين سنة، وقال آخرون: لاجتماع آدم وحواء لما خلقها الله تعالى من ضلع آدم ﵇، وقال آخرون: لاجتماع آدم وحواء بعد الفرقة الطويلة. وقيل: إنما سمي بذلك لاجتماع أهل البلد والرسانيق فيه. وقيل: لأنه تقوم فيه القيامة، وهو يوم الجمع، قال الله : ﴿يوم يجمعكم ليوم الجمع﴾ [التغابن:٩]. (فصل) وجميع ما ذكرناه من صيام الأشهر والأضحية والعبادات من الصلاة والأذكار وغير ذلك ، وما سنذكر إن شاء الله تعالى، لا يقبل إلا بعد التوبة وطهارة القلب وإخلاص العمل لله تعالى وترك الرياء والسمعة. أما التوبة: فقد تقدم بيانها ونزيد عليه بأن الله يحب التوابين ويحب كل قلب طاهر من الذنوب، فقال : ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢]. قال عطاء ومقاتل والكلبي ﵏: إن الله يحب التوابين من الذنوب، والمتطهرين بالماء من الأحداث والمحيض والجنابات والنجاسات، بيانه قصة أهل قباء، حيث ذكرهم الله بقوله تعالى: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ [التوبة: ١٨] سألهم النبي ﷺ عما يعملون، فقالوا: نتبع الماء الأحجار في الاستنجاء. وقال مجاهد ﵀: يحب التوابين من الذنوب والمتطهرين عن أديار السماء أن يأتوها، من أتى امرأة في دبرها فليس من المتطهرين، فإن دبر المرأة مثله من الرجل. وقيل: التوابين من الذنوب والمتطهرين من الشرك.

стр. 443

وروي عن أبي المنهال ﵀ أنه قال: كنت عند أب العالية فتوضأ وضوءًا حسنًا، فقلت: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾، فقل: الطهور ممه، إن الطهور حسن، ولكنهم المتطهرون من الذنوب. وعن سعيد بن جبير ﵀ قال: إن الله تعالى يحب التوابين من الشك، والمتطهرين من الذنوب. وقيل: التوابين من الكفر، والمتطهرين بالإيمان. وقيل التوابين من الذنوب لا يعودون فيها، والمتطهرين منها لم يصيبوها. وقيل: التوابين من الكبائر، والمتطهرين من الصغائر. وقيل: التوابين من الأفعال، والمتطهرين من الأقوال. وقيل: التوابين من الأقوال والأفعال، والمتطهرين من العقود والإضمار. وقيل: التوابين من الآثام، والمتطهرين من الأجرام. وقيل: التوابين من الجرائر، والمتطهرين من خبث السرائر. وقيل: التوابين من الذنوب، والمتطهرين من العيوب. وقيل: التواب الذي كلما أذنب تاب، قال الله : ﴿فإنه كان للأوابين غفوراً﴾ [الإسراء: ٢٥]. وعن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مر رجل ممن كان قبلكم بجمجمة، فنظر إليها فقال: أي رب أنت أنت وأنا من أنا، أنت العواد بالمغفرة وأنا العواد بالذنوب، ثم خر ساجداً، فقيل له: ارفع رأسك فأنا العواد بالمغفرة، وأنت العواد بالذنوب فرفع رأسه فغفر له". (فصل) وأما الإخلاص: فقد قال الله : ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٥]، وقال جلا وعلا: ﴿ألا لله الدين الخالص﴾ [الزمر: ٣]. وقال تعالى: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن ينال التقوى منكم﴾ [الحج:٣٧]. وقال ﷻ : ﴿ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون﴾ [البقرة: ١٣٩].

стр. 444

اختلف الناس في معنى الإخلاص: قال الحسن ﵀: سألت حذيفة ﵁ عن الإخلاص ما هو؟ قال: "سألت النبي ﷺ عن الإخلاص ما هو؟ قال ﷺ : سألت جبريل ﵇ عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت رب العزة جل وعلا عن الإخلاص ما هو؟ فقال : هو سر من سرى استودعته قلب من أحببت من عبادي". وعن أبي إدريس الخولاني ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل حق حقيقة وما يبلغ عبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب أن يحمد على شيء من عمل عمله لله ". وقال سعيد بن جبير ﵀: الإخلاص أن يخلص العبد دينه لله وعمله لله تعالى، ولا يشرك به في دينه، ولا يرائي بعمله أحداً. وقال الفضيل رحمه الله تعالى: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص هو الخوف من أن يعاقبك الله تعالى عليهما. وقال يحيى بن معاذ ﵀: الإخلاص: تمييز العمل من العيوب، كتمييز اللبن من الفرث والدم. وقال أبو الحسن البوشنجي ﵀: هو ما لا يكتبه الملكان، ولا يفسده الشيطان، ولا يطلع عليه الإنسان. وقال رويم ﵀: هو ارتفاع رؤيتك من الفعل. وقيل: هو ما يراد به الحق ويقصد به الصدق. وقيل: هو ما لا تشوبه الآفات ولا يتبعه رخص التأويلات. وقيل: هو ما استنر من الخلائق واستصفى من العلائق. وقال حذيفة المرعشي: هو أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن. وقال أبو أيوب المكفوف: هو أن يكتم حسناته كما يكتم سيئاته. وقال سهل بن عبد الله: هو الإفلاس.

стр. 445

عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين". وقيل: الإخلاص: إفراد الحق في الطاعة بالقصد، وهو إرادة العبد بطاعته القرب إلى مولا" دون أحد من خلقه، فلا يتصنع للخلق، ولا يكتسب منهم الحمد، ولا يتسجلب منهم الحب، ولا يدفع بها عن نفسه اللوم والذم. وقيل: الإخلاص: تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين. وقال ذو النون المصري ﵀: الإخلاص لا يتم إلا بالصدق فيه والصبر عليه، والصدق لا يتم إلا بالإخلاص فيه والمداومة عليه. وقال أبو يعقوب السوسي: متى شهدوا في إخلاصهم احتاج إخلاصهم إلى إخلاص. وقال ذو النون ﵀ أيضاً: ثلاث من علامات الإخلاص. استواء المدح والذم من العامة، ونسيان رؤية الأعمال، واقتضاء ثواب العمل في الآخرة. وقال ذو النون أيضاً ﵀: الإخلاص: ما حفظ من العدو أن يفسده. قال أبو عثمان المغربي ﵀: الإخلاص ما لا يكون للنفس فيه حظ بحال، وهذا إخلاص العوام. وأما إخلاص الخواص فهو ما يجرى عليهم لا بهم، فتبدوا عنهم الطاعات وهم عنها بمعزل، ولا يقع لهم عليها رؤية ولا بها اعتداد، فذلك إخلاص الخواص. وقال أبو بكر الدقاق ﵀: نقصان كل مخلص في إخلاصه رؤية إخلاصه، فإذا أراد الله تعالى أن يخلص إخلاصه، ويسقط عن إخلاصه رؤية إخلاصه، فيكون مخلصاً لا مخلصاً. وقال سهل ﵀: لا يعرف الرياء إلا مخلص. وقال أب سعيد الخراز ﵀: رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين. وقال أبو عثمان ﵀: الإخلاص: نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق. وقيل: الإخلاص ما أريد به الحق وقصد به الصدق. وقيل: هو الإغماض عن رؤية الأعمال.

стр. 446

وقال سري السقطي ﵀: من تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله تعالى. وقال الجنيد ﵀: الإخلاص سر بين الله تعالى وبين العبد، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده ولا هوى يميله. وقال رويم ﵀. الإخلاص في العمل هو الذي لا يريد صاحبه عليه عوضاً في الدارين، ولا حظاً من الملكين. وسئل سهل بن عبد الله ﵀: أي شيء أشد على النفس؟ فقال: الإخلاص، لأنه ليس لها منه نصيب. وقيل: هو ألا يشهد على عملك أحد غير الله . وقال بعضهم: دخلت على سهل بن عبد الله ﵀ يوم جمعة قبل الصلاة، فرأيت في البيت حية، فجعلت أقدم رجلاً وأؤخر أخرى، فقال: ادخل لا يبلغ أحد حقيقة الإيمان وعلى وجه الأرض شيء يخافه، ثم قال: هل لك في صلاة الجمعة؟ فقلت: بيننا وبين المسجد مسيرة يوم وليلة، فأخذ بيدي، فما كان إلا قليلاً حتى رأيت المسجد، فدخلنا وصلينا الجمعة ثم خرجنا، فوقف ينظر إلى الناس وهم يخرجون، فقال: أهل لا إله إلا الله كثير ولكن المخلصون منهم قليل, كنت مع إبراهيم الخواص ﵀ في سفر، فجئنا إلى موضع فيه حيات كثيرة، فوضع ركوته وجلس وجلست، فما كان برد الليل وبرد الهواء، خرجت الحيات، فصحت بالشيخ، فقال: اذكر الله تعالى، فذكرت فرجعت، ثم عادت، فصحت به، فقال مثل ذلك، فلم أزل إلى الصباح في مثل تلك الحالة، فلما أصبحنا قام ومشي ومشيت معه، فسقطت من وطائه حية عظيمة قد تطوقت، فقلت: ما أحسست بها؟ فقال: لا، منذ زمان ما بت ليلة أطيب من البارحة. وقال أبو عثمان رحمه الله تعالى: من لم يذق وحشة الغفلة لم يجد طعم أنس الذكر. (فصل) وينبغي لكل متعبد وعارف أن يحذر في جميع أحواله من الرياء ورؤية الخلق والعجب . فإن النفس خبيئة، وهي منشأ الأهوية المضلة والشهوات المردية واللذات الحائلة بين

стр. 447

العبد وبين الحق ، لا طريق إلى الأمن من غوائلها ما دام الروح في جسد ابن آدم، وإن بلغ العبد إلى حالة البدلية والصديقية، وإن كانت هذه الحالة أسلم من الابتداء وآمن من شرها ودواهيها، والخير أغلب والنور أكثر، والهداية متحققة بسبيل الله، والتوفيق شامل والحفظ موجود، غير أن العصمة ليست لنا، إنما ذلك مختص بالأنبياء ﵈، ليقع الفرق بين النبوة والولاية. وقد توعد الله أهل الرياء والسمعة، ونبه على شؤم النفس وغوائلها، ونهى عن إتباعها وأمر بمخالفتها في القرآن تارة، وفيما نطق به رسول الله ﷺ من الأخبار والسنة أخرى. من ذلك قال الله : ﴿فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون* الذين هم يراءون* ويمنعون الماعون﴾ [الماعون: ٤ - ٧]. وقال جل وعلا: ﴿يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون﴾ [آل عمران: ١٦٧]. وقال تعالى: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً * مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾ [النساء: ١٤٢ - ١٤٣]. وقال تعالى: ﴿إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله﴾ [التوبة: ٣٤] الأحبار: هم العلماء، والرهبان: العباد. وقال : ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلوان * كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ [الصف: ٢ - ٣]. وقال تعالى: ﴿وأسروا قولكم أو أجهروا به إنه عليم بذات الصدور﴾ [الملك: ١٣]. وقال جل وعلا: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال تعالى: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾ [يوسف: ٥٣]. وقال تعالى: ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾ [النساء: ١٢٨]. وقال لداود ﵇: يا داود اهجر هواك فإنه لا منازع ينازعني في ملكي غير الهوى، وقال تعالى: ﴿ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾ [ص: ٢٦]. وأما السنة فمن ذلك ما روى عن شداد بن أوس ﵁ أنه قال: "دخلت

стр. 448

على النبي ﷺ فرأيت في وجهه ما ساءني، فقلت: ما الذي بك يا رسول الله؟ فقال ﷺ : أخاف على أمتي الشرك بعدي، فقلت: أيشركون من بعدك يا رسول الله؟ فقال ﷺ : أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً ولا حجراً، ولكنهم يراءون في أعمالهم، والرياء: هو الشرك، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾ [الكهف: ١١]. وقال ﷺ : "يجاء يوم القيامة بصحف مختومة، فيقول الله للملائكة: القوا هذا واقبلوا هذا، فيقولون: وعزتك ما علمنا إلا خيراً، فيقول تعالى: نعم، ولكن هذا عمل لغيري، ولا أقبل إلا ما ابتغى به وجهي". وكان النبي ﷺ يقول في دعائه: "اللهم طهر لساني من الكذب، وقلبي من النفاق، وعملي من الرياء، وبصري من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين، وما تخفى الصدور". وقال ﷺ : "لا تقعدوا إلا إلى عالم يدعوكم من خمس إلى خمس: من الرغبة إلى الزهد، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الكبر إلى التواضع، ومن المداهنة إلى المناصحة، ومن الجهل إلى العلم". وقال ﷺ : "إن الله تعالى يقول: أنا خير شريك: من أشرك معي شريكاً في عمله فهو لشريكي دوني، إني لا أقبل إلا ما أخلص لي، يا ابن آدم أنا خير قسيم، فانظر عملك الذي عملت لغيري، فإنما أجرك على الذي عملت له". وقل ﷺ : "بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة في الدين والتمكين في البلاد، ما لم يعملوا عمل الآخرة للدنيا، ومن يعمل عمل الآخرة للدنيا لم يقبل منه وما له في الآخرة من نصيب".

стр. 449

وقال ﷺ : "إن الله يعطى الدنيا على نية الآخرة، ولا يعطى الآخرة على نية الدنيا". وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مررت ليلة أسرى بي بقوم تقرض شفاهم بمقاريض من نار، فقلت لجبريل ﵇، من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون الشيء ولا يعملون به، يقولون ما يعرفون، ويفعلون ما ينكرون، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم". وقال ﷺ : "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان، والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يكون عليكم أمراء كذبة، ووزراء فجرة، وأعوان خونة، وعرفاء ظلمة، وقراء فسقة، وعباد جهال، يفتح الله تعالى عليهم فتنة غبراء مظلمة، فيتهوكون فيها تهوك اليهود الظلمة، فحينئذ ينقض الإسلام عروة عروة حتى لا يقال الله الله". وعن عدى بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بناس يوم القيامة في أعظم نكال، فيقول الله تعالى: إنكم كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين، هم الناس ولم تهابوني، وأجللتم الناس ولم تجلوني، وعزتي لأذيقنكم أليم العذاب". وعن أسامة بن زيد ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يلقى رجل في النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدار به كما تدار الرحى بصاحبها، فيقال له، أليس كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر ولا أجتنبه". وقال النبي ﷺ : "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر".

стр. 450

وقال النبي ﷺ : "اهتز لذلك العرش وغضب له الرب ﵎". وقال النبي- ﷺ : "بئس العبد عبد حال بينه وبين ثواب الله عبد من خلق الله تعالى، يتعبد له رجاء ما في يديه، فيتعب بدنه في مرضاته، فيخرج دينه، وتضيع مروءته، حتى يحول بينه وبين ربه، لا يرجو الله تعالى في الكبير، ويرجو العبد في الصغير، يعطي العبد من خدمته ما لا يعطي الله تعالى من طاعته". وعن مجاهد ﵀ أنه قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني أتصدق بصدقة فألتمس بها وجه الله تعالى، وأحب أن يقال لي خيراً، فنزل قوله سبحانه: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾ [الكهف: ١١٠]. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يخرج في آخر الزمان أقوام يختلون الدنيا بالدين، فيلبسون للناس جلود الضأن من اللين، وألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله تعالى: أبي يفترون أم علي يجترؤن؟ بي حلفت لأبعثن على أولئك فتنة تدع الحليم فيها حيران". وعن ضمرة عن أبي حبيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الملائكة يرفعون عمل عبد من عباد الله فيستكثرونه ويزكونه حتى ينتهوا به إلى حيث شاء الله تعالى من سلطانه، فيوحي الله تعالى إليهم إنكم حفظة على عمل عبدي وأنا رقيب على ما في نفسه إن عبدي هذا لم يخلص لي عمله فاكتبوه في سجين، ويصعدون بعمل عبد من عباده يستقلونه ويحقرونه حتى ينتهوا به إلى حيث شاء الله من سلطانه، فيوحى الله إليهم إنكم حفظة على عمل عبدي وأنا رقيب على ما في نفسه، إن عبدي هذا أخلص لي عمله فاكتبوه في عليين". وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله ﵎ إذا كان يوم القيامة يقضي بين خلقه وكل أمة جائية، فأول من يدعى به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله تعالى للقارئ: ماذا عملت فيما

стр. 451

علمت؟ فيقول: كنت أقوم به آناء الليل وأطراف النهار، فيقول ﵎، كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، بل أردت أن يقال فلان قارئ، فق قيل ذلك، ويقال لصاحب المال: ماذا عملت فيما آتيتك؟ فيقول: كنت أصل الرحم وأتصدق به، فيقول الله ﵎: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، بل أردت أن يقال فلان جواد، وقد قيل ذلك، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله تعالى، فيقول الله تعالى: لماذا قاتلت؟ فيقول: قاتلت حتى قتلت في سبيلك، فيقول الله ﵎: كذبت، وتقول الملائكة، كذبت، بل أردت أن يقال فلان جرئ، وقد قيل ذلك، ثم ضرب رسول الله ﷺ بيديه على ركبتيه وقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلاق الله تسعر بهم النار يوم القيامة". قال: فبلغ هذا الخبر إلى معاوية ﵁: فبكى بكاء شديداً وقال: صدق الله تعالى وصدق رسوله ﷺ وقرأ هذه الآية: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾ [هود: ١٥ - ١٦]، ﴿أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون﴾ [النمل: ٥]. وعن عدي بن حاتم الطائي ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "يؤمر بناء يوم القيامة من أهل النار إلى الجنة، حتى إذا دنوا منها واستنشقوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله تعالى لأهلها نودوا: أن اصرفوهم لا نصيب لهم فيها، فيرجعون بحسرة وندامة ما رجع الأولون والآخرون بمثلها، فيقولون: يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثواب ما أعددت لأوليائك، فيقول الله تعالى: ذلك أردت بكم كتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين متواضعين، وأجللتم الناس ولم تجلوني، وتركتم للناس ولم تتركوا لي، فاليوم أذيقكم أليم عقابي مع ما حرمتكم من جزيل ثوابي". وعن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لما خلق الله تعالى

стр. 452

جنة عدن، خلق فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم قال لها: تكلمي، فقالت: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ [المؤمنون: ١] ثلاثاً، ثم قالت: إني حرام على كل بخيل ومراء". وسأل رجل رسول الله ﷺ : "فيم النجاة غداً؟ قال: لا تخادع الله تعالى، قال: وكيف أخادع الله ؟ قال: أن تعمل بما أمرك وتريد به غير وجه الله تعالى، قال: فاتقوا الرياء فإنه الشرك بالله تعالى، فإن المرائي ينادي يوم القيامة بأربعة أسماء على رؤوس الخلائق: يا كافر، يا فاجر، يا غادر، يا خاسر، ضل عملك وبطل أحرك، فلا خلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع". فتعوذ بالله من الرياء والسمعة والنفاق، فإن ذلك عمل أهل النار، قال الله : ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ [النساء: ١٤٥] يعني في الهاوية مع فرعون وهامان وقومهما. فإن قيل: قد جاء في بعض الأخبار ما يدل على أن رؤية الخلق للعمل لا تضر، وهو ما روى عن وكيع عن سفيان عن حبيب عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني أعمل العمل أسره، فيطلع عليه فيعجبني، ألى فيه أجر؟ فقال: لك أجران أجر السر وأجر العلانية". قيل: هذا محمول على أن ذلك الرجل كان يعجبه اقتداء الناس به في عمله، وعلم ذلك رسول الله ﷺ منه، فقال له: لك أجران أجر لعملك، وأجر لاقتداء الناس بك، كما قال ﷺ : "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ... " الحديث إلى آخره. وأما إذا تجرد العجب من الاقتداء به، فإنه لا أجر له، لأن العجب يسقط العبد من عين الله. وقال الحسن البصري ﵀: إذا شئت لقيت أبيض بيضاء ذليق اللسان، حديد النظر، ميت القلب، ترى أبداناً ولا قلوب، وتسمع الصوت ولا أنيس، أخصب ألسنة

стр. 453

وأجدب قلوب، حتى لقد حدثني جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ : أنه لا تزال هذه الأمة تحت يد الله في كنفه ما لم تمال قراؤها أمراءها، ولم يترك صلحاؤها فجارها، وما لم يأمن خيارها شرارها، فإذا هم فعلوا ذلك رفع الله تعالى عنهم يده، وضربهم بالفاقة والفقر، وملأ قلوبهم رعباً، وسلط عليهم جبابرهم فساموهم سوء العذاب". وقال أيضاً ﵀: بئس العبد عبد يسأل المغفرة وهو يعمل بالمعصية، يخشع ليحسب عنده أمانة وإنما يتصنع بالخيانة، ينهى ولا ينتهي، يأمر ولا يفعل، إن أعطى قتر وإن منع لم يعذر، وإن صح آمن وإن سقم ندم، وغن افتقر حزن، وإن استغنى فتن، يرجو النجاة ولا يعمل، ويخاف العذاب ولا يحذر، يريد الزيادة ولا يشكر، ويؤثر الثواب ولا يصبر، يعجل النوم ويؤخر الصوم. وقال يوماً لفرقد السبخي وهو جالس في مجلسه وعليه ثياب فاخرة وعلى فرقد جبة من صوف: ثيابي ثياب أهل الجنة، وثيابك ثياب أهل النار، وجعلوا زهدهم في ثيابهم، وكبرهم في صدورهم، والله لأحدهم أعجب بصوفه من صاحب المطرف بمطرفه ما له تفاخر، البسوا ثياب الملوك وأميتوا قلوبكم بالخشية. وقال عمر ﵁: البس من الثياب ما لم تستهزئ به القراء ولا يزدريك السفهاء. وكان يقال: كن صوفي القلب قطني الثياب. وفي الجملة: الناس في اللباس على ثلاثة أضرب: الأتقياء، والأولياء، والبدلاء. فلباس الأتقياء: هو الحلال الذي ليس للخلق عليه تبعة ولا للشرع فيه مطالبة، فكل حلال، سواء كان لباسهم قطناً أو كتاناً أو صوفاً، زرقاً أو بيضاً. ولباس الأولياء: ما وقع به الأم، وهو أدنى ما يستر به العودة والجسد مما لابد منه وتدعو إليه بالضرورة، ليتحقق بذلك كسر أهويتهم، فيبلغوا إلى درجة الأبدال. ولباس البدلاء: ما جاء به القدر مع حفظ الحدود، قميص بقيراط أو حلة بمائة دينار، فلا إرادة، تسموا إلى الأعلى، ولا هوى يكسر بالأدنى، بل ما تفضل به المولى من جميع ما أحل وأعطى من غير نصب ولا عناء، ولا بشرف من النفس ولا منى، وما سوى هذه الوجوه فهو من الجاهلية الأولى، ورعونة النفس واتباع الهوى. * * *

стр. 454

القسم الرابع في فضائل الأعمال

стр. 455

باب في ذكر فضائل أيام الأسبوع والأيام البيض وما ورد في صيام ذلك من التخصيص وذكر أوراد الليل والنهار فيها من ذلك ما أخبرنا أبو نصر عن والده وبإسناده، قال أنبأنا أبو الحسن على بن أحمد المقري، قال: حدثنا أبو الحسين أحمد بن عثمان بن يحيى الآدمي، قال: حدثنا عباس ابن محمد بن حاتم الدوري، قال: حدثنا حجاج بن محمد الأعور، قال: حدثنا ابن جريح، قال: أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد، عن عبيد الله بن رافع مولى أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: "أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: خلق الله تعالى التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق الخير يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل". وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "سئل رسول الله ﷺ عن الأيام، فسئل عن يوم السبت فقال: يوم مكر وخديعة، قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال ﷺ : لأن فيه مكرت قريش بي في دار الندوة، وسئل رسول الله ﷺ عن يوم الأحد، فقال- ﷺ : يوم غرس وعمارة قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال ﷺ ، لأن فيه ابتداء الدنيا وعمارتها، وسئل ﷺ عن يوم الاثنين، قال ﷺ : يوم سفر وتجارة، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال ﷺ : لأن فيه سافر شعيب النبي ﵇ واتجر، وسئل ﷺ عن يوم الثلاثاء، قال ﷺ : يوم دم، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال ﷺ : لأن فيه حاضت حواء، وقتل ابن آدم أخاه، وسئل ﷺ عن يوم الأربعاء، قال ﷺ : يوم نحس وشؤم، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال ﷺ : لأن فيه أغرق الله تعالى فرعون وقومه، وأهلك عاداً وثمود، وسئل ﷺ عن يوم الخميس، فقال ﷺ : فيه قضاء

стр. 456

الحوائج، والدخول على السلاطين، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال ﷺ : فيه دخل إبراهيم خليل الرحمن على نمرود فقضى حوائجه، وأخذ منه هاجر، وسئل ﷺ عن يوم الجمعة، فقال ﷺ : يوم خطبة ونكاح، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال ﷺ : لأن فيه كانت الأنبياء تنكح". وروى عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه، عن جده ﵁ قال: "ما كان رسول الله ﷺ يخرج في سفر إلا يوم الخميس". وعن معاوية بن قرة عن أنس ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ قال: "من احتجم يوم الثلاثاء لسبعة عشر من الشهر أخرج الله تعالى منه داء سنة". وقيل: إن الله تعالى أعطى يوم السبت لموسى ولخمسين نبياً مرسلاً، وأعطى يوم الأحد لعشرين نبياً ولعيسى ﵇، وأعطى يوم الاثنين لمحمد ﷺ ولثلاثة وستين مرسلاً، وأعطى يوم الثلاثاء لسليمان ﵇ ولخمسين مرسلاً، وأعطى يوم الأربعاء ليعقوب ﵇ ولخمسين مرسلاً، وأعطى يوم الخميس لآدم ﵇ ولخمسين نبياً، ويوم الجمعة لله وتقدس، قال النبي ﷺ : "إلهي ما حظ أمتي؟ قال ﵎: يا محمد الجمعة لي والجنة لي، فأعطيت الجمعة لأمتك والجنة معها، وأنا مع الجمعة والجنة لأمتك". وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام يوم الأربعاء والخميس والجمعة بنى الله تعالى له قصراً في الجنة من لؤلؤ وياقوت وزمرد، وكتب الله تعالى له براءة من النار". وفي لفظ آخر عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام ثلاثة أيام من الشهر الحرام، الخميس والجمعة والسبت، كتب الله له عبادة تسعمائة سنة".

стр. 457

وقال ﷺ : "صوموا يوم السبت والأحد، وخالفوا اليهود والنصارى". وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: تفتح أبواب السماء كل اثنين وخميس، فيغفر الله تعالى في ذلك اليوم لكل عبد لا يشرك بالله تعالى شيئاً، إلا امرأ كان بينه وبين أخيه شحناء، يقول تعالى: انظروا هذين حتى يصطلحا". وروى "أنه ﷺ لم يدع صومها حضراً ولا سفراً، ويقول: إنهما يومان تعرض فيهما الأعمال". (فصل) وأما صيام الأيام البيض ففيها فضل كثير . من ذلك ما أخبرنا أبو نصر عن والده قال: أنبأنا هلال بن محمد، قال حدثنا النقاش، قال: حدثنا الحسين بن سفيان، قال: حدثنا سليمان بن يزيد مولى بن هاشم، قال: حدثنا على بن يزيد، عن عبد الملك بن هارون، عن سعيد بن عثمان، عن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "صوم يوم الثالث عشر يعدل صيام ثلاثة آلاف سنة، وصوم الرابع عشر يعدل صوم عشرة آلاف سنة، ومن صام يوم الخامس عشر يعدل صوم مائة ألف سنة، فذلك مائة ألف سنة وثلاثة عشر ألف سنة". وعن أبي إسحاق عن جرير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صيام ثلاثة أيام من كل شهر ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر صوم الدهر كله". وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام ثلاثة أيام من الشهر صام الدهر" وقد صدقه الله في كتابه العزيز بقوله : ﴿من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وعن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ لا يدع صيام الأيام

стр. 458

البيض في سفر ولا حضر". وعن الشعبي ﵀ قال: سمعت ابن عمر ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من صام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلى ركعتي الفجر، ولم يترك الوتر في سفر ولا حضر، كتب له أجر شهيد". وعن سعيد بن أبي هند عن أبي هريرة ﵁ قال: "أوصاني حبيبي رسول الله ﷺ بثلاث لا أدعهن حتى ألقاه: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، والوتر قبل النوم، وصلاة الضحى". وعن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده قال: سمعت على بن أبي طالب ﵁ يقول: "أتيت رسول الله ﷺ ذات يوم عند انتصاف النهار وهو في الحجرة، فسلمت عليه، فرد النبي ﷺ علىّ ثم قال: يا علي، هذا جبريل يقرئك السلام، فقلت: عليك وعليه السلام، يا رسول الله، فقال: ادن مني، فدنوت منه، فقال: يا على يقول لك جبريل ﵇: صم من كل شهر ثلاثة أيام يكتب لك بأول عشرة آلاف سنة، وباليوم الثاني ثلاثين ألف سنة، وباليوم الثالث مائة ألف سنة، فقلت: يا رسول الله هذا الثواب لي خاصة أم للناس عامة، قال ﷺ : يا على يعطيك الله هذا الثواب ولمن يعمل مثل عملك بعدك، قلت: يا رسول الله وما هي؟ قال ﷺ : الأيام البيض ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر". قال عنترة: قلت لعلي ﵁، لأي شيء سميت هذه الأيام البيض؟ فقال على بن أبي طالب ﵁: لما أهبط الله آدم ﵇ من الجنة إلى الأرض أحرقته الشمس فاسود جسده، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا آدم أتحب أن يبيض جسدك؟ قال: نعم، قال: فصم من الشهر ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر، فصام آدم ﵇ أول يوم فابيض ثلث جسده، ثم صام اليوم الثاني فابيض ثلثا جسده،

стр. 459

ثم صام اليوم الثالث فابيض جسده كله، فسميت الأيام البيض". وعن زر بن حبيش ﵀ قال: سألت ابن مسعود ﵁ عن الأيام البيض قال: سألت رسول الله ﷺ عنها فقال: "إن آدم ﵇ لما عصى وأكل من الشجرة، أوحى الله تعالى إليه: يا آدم اهبط من جواري، وعزتي وجلالي لا يجاورني من عصاني، قال: فهبط إلى الأرض مسوداً، قال: فبكت الملائكة وضجت وقالت: يا رب خلقت خلقته بيدك، وأسكنته جنتك، وأسجدت له ملائكتك، في ذنب واحد حولته بياضه سواداً، فأوحى الله تعالى إليه: يا آدم صم لي هذا اليوم، يوم ثالث عشر فصامه فأصبح ثلثه أبيض، ثم أوحى الله تعالى إليه: يا آدم صم لي هذا اليوم، يوم ثالث عشر فصامه فأصبح ثلثه أبيض، ثم أوحى الله تعالى إليه: يا آدم صم هذا اليوم، يوم رابع عشر، فصامه فأصبح ثلثاه أبيض، ثم أوحى الله تعالى إليه يا آدم صم هذا اليوم، يوم خامس عشر، فصامه فأصبح كله أبيض، فسميت الأيام البيض". وقال القتبي في أدب الكاتب: العرب تسميتها الأيام البيض، لأن لياليها تبيض بطلوع القمر من أولها إلى آخرها. باب في صيام الدهر وما لمن صامه من الثواب والأجر أخبرنا أبو نصر عن والده، قال: حدثنا أبو الحسن على بن أحمد المقرى، قال: حدثنا إبراهيم بن أحمد القرمسيني، قال: حدثنا الحسن بن سهل، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي نجا عن صفوان بن سليم، عن علقمة بن أبي علقمة، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصيام صيام داود، ومن صام الدهر كله فقد وهب نفسه لله تعالى".

стр. 460

وعن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا، وعقد تسعين". وعن شعيب عن سعد بن إبراهيم قال: "كانت عائشة ﵂ تصوم الدهر". وعن يعقوب قال: حدثنا أبي، قال: "سرد سعد ﵁ الصم قبل أن يموت أربعين سنة". وعن أبي إدريس عائذ الله قال: "صام أبو موسى الأشعري ﵁ حتى صار كأنه خلال، قال: فقلت: يا أبا موسى لو أجممت؟ أي أرحت نفسك، فقال: إجمامها أريد، إني رأيت السابق من الخيل الضامرة". وعن أبي إسحاق بن إبراهيم قال: حدثني عمار الراهب قال: رأيت مسكينة الظفارية في منامي، وكانت تحضر معنا مجلس عيسى بن زاذان بالأبلة، تنحدر من البصرة حتى تأتيه قاصدة، قال عمار: فقلت لها: يا مسكينة ما فعل عيسى؟ فضحكت ثم قالت: قد كسى حلة البهاء وطافت بأباريق حوله الخدم، ثم حلى، وقيل: يا قارئ أرق فلعمري لقد برك الصيام. وكان عيسى قد صام حتى انحنى وانقطع صوته. وعن أنس ﵁ قال: كان أبو طلحة ﵁ لا يصوم على عهد رسول الله ﷺ من أجل الغزو، فلما مات رسول الله ﷺ ، لم أره مفطراً إلا يوم الفطر ويوم النحر. وعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام قال: "حدثني من رأى رسول الله ﷺ في يوم صائف يصب على رأسه الماء من شدة الحر والعطش وهو صائم". وعن سفيان عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يصوم يوماً ويفطر يوماً" وما نقل في حديث جابر ﵁ قال: "إن النبي ﷺ قال لما سأله عمر ﵁: يا نبي الله أخبرني عن رجل يصوم الدهر كله؟ قال ﷺ : لا صام ذلك ولا أفطر" فمحمول على رجل صام الدهر ولم يفطر يومي العيدين وأيام التشريق، كذا
следующие страницы →