Полный текст (893 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
أنثه على معنى: ستدعوه ميتةٌ، وقال النابغة:
حتى استغثن بأهل الملح ضاحيةٌ ... يركضن قد قلقت عقد الأطانيب
أراد: قد قلقَت الأطانيبُ. والأطانيب: سيورٌ تُجعل في أطراف الحُزُمِ تُشد في الحلقة التي في الحزام يثنونها بعد ما يعقد حتى لا تنحل أخذت من إطنابة الوتر التي تعقد في السية. وقال جري ﴿:
لما أتى خبر الزبير تواضعتْ ... سور المدينة والجبالُ الخشعُ
أراد: تواضعت المدينةُ، وقال الفراء: أنشدني أبو ثروان:
стр. 737
أرى مر السنين أخذن مني ... كما أخذ السرار من الهلال
أراد: أرى السنين أخذن مني، والبيت لجرير، وقال طفيل:
مضوا سلفاً قصدُ السبيل عليهم ... وصرفُ المنايا بالرجال تقلبُ
أراد: والمنايا تقلبُ، وقال الآخر:
إذا بعضُ السنين تعرقتنا ... كفى الأيتام فقدُ أبى اليتيم
أراد: إذا السنون تعرقتنا، وقال الآخر:
ومر الليالي وتكرارها ... يدنيه لانقطاع الأجلْ
وأنشد أبو عبيدة:
طول الليالي أسرعتْ في نقضي ... طوين طولي وطوين عرضي
стр. 738
وقال الآخر:
مشين كما اهتزتْ رماحٌ تسفهتْ ... أعاليها مر الرياح النواسمِ
أراد: تسَفَهَتْها الرياحُ.
ومن قال: بعضُ جُبّتِكَ متحرقٌ ومتحرقةٌ، ثم كنى عن الجب الجبة فقال: بعضها متحرقٌ، ولا يجوز: بعضها متحرقةٌ، ومن قال: كما شرقت صدرُ القناة، ثم كنى عن القناة قال: كما شرق صدرها، ولا يجوز: كما شرقتْ صدرها؛ لأن البعض إذا أضيف إلى ظاهر جاز أن يصرف الفعل إلى المضاف إليه، ويكون الأول كالملغي؛ لأنه منفصل مما بعده يحسن السكوت عليه دونه والمضاف إلى المكنى لا يجوز أن يُنْوَى به الإلغاءُ؛ لأنه متصل بما بعده غير منفصل منه، ولا يحسن السكوت عليه دونه. وقال الفراء: إنما منعهم من حمل الفعل على الثاني إذا كنوا؛ لأن الفعلين ربما ارتفع بهما جميعاً الظاهر، ولا يجوز أن يرتفع بهما المكنى. ألا ترى أنك تقول: أقبل وأدبر عبد الله، ولا يجوز أنْ تقول: أقبل وأدبرتْ. ولا أقبل وأدبر أنت، ويجوز أنْ تقول: هذا أخو وأبو زيدٍ، ولا يجوز أنْ تقول هذا أخو وأبوك، وتقول:
стр. 739
لك نصف وربع الدرهم، ولا يقولون: لك نصف وربعه. فهذا الذي فسره الفراء معناه: أن المضاف إلى المكنى لا يحسن السكوتُ عليه دونه، ولا ينفصل منه، وقال الفراء: أنشدني الرؤاسي:
يا من رأى عارضاً أكفكفهُ ... بين ذراعي وجبهة الأسد
أراد: بين ذراعي السد وجبهة الأسد، فاكتفى بإضافة الثاني من إضافة الأول، ومن أجاز هذا لم يُجِزْ: بين ذراعي الأسد وجبهته؛ لأنه إذا كان المعنى: بين ذراعيه وجبهته لم يحسن حذفُ الهاء، وقال هشام: حكى الكسائي عن العرب: اللهم صل على محمدٍ كأفضل وأطيب ما صليت على نبي من أنبيائك على معنى: كأفضل ما صليت وأطيب ما صليت، فاكتفى بإضافة الثاني من إضافة الأول، وأنشد الفراء وهشام للأعشى:
стр. 740
إلا علالة أو بُداهة سارحٍ نهدِ الجُزارةْ
ولو كنى لم يجز للعلة التي ذكرناها. وقال الفراء: سمعت أبا ثروان يقول: قطع الله الغداة يد ورجل من قاله، على معنى: يد من قاله ورجل من قاله فاكتفى بإضافة الثاني من إضافة الأول.
قال الفراء: زعم الكسائي أنه سمع: برئتُ إليك من خمس وعشري النخاسين على معنى: خمس النخاسين وعشري النخاسين، فاكتفى بإضافة الثاني من إضافة الأول، وقال الفراء: هذا قبيح إلا في الشعر.
* * *
стр. 741
باب
ما جاء على مثال فعال من الأسماء والنعوتِ
اعلم أن كل اسمٍ مؤنثٍ على مثال فَعَالِ مما لم يكن اسما لشيء قبل أنْ يعلق على المؤنث فأهل الحجاز يلزمونه الكسر في كل حال، وبنو تميمٍ ينزلونه منزلة زينب وسعاد ونوار فيرفعونه بلا تنوين، وينصبونه في موضع النصب والخفض بغير تنوين. فمن ذلك: قطامِ وحذامِ ورقاشِ وغلابِ وجعارِ وهو الضبع وسفارِ وهو ماء لبنى مازن، وحضار وهو كوكب، ووبار وهي أرضٌ، وحلاق وهي المنيةُ. فيقول أهل الحجاز: قامتْ قَطامِ، وأكرمتُ قطامِ، ويقول بنو تميم: قامتْ قطامُ، وأكرمتُ قطام. قال النابغة:
أتاركةٌ تدللها قطام ... وضنا بالتحية والكلامِ
وقال الآخر:
إذا قالتْ حذامِ فصدقُوها ... فإن قالقول ما قالت حذامِ
стр. 742
وهذه الأسماء لا يُختلفُ في تعريبها وإجرائها إذا كانت نكراتٍ؛ كقولك: قامت قطام، وقطامٌ أخرى، وأكرمتُ قطام وقطاماً أخرى.
فإن قال قائل: لِمَ ألزم أهلُ الحجازِ هذه الأسماء الخفض.
فقل كان حقها أن تكون ساكنةٌ؛ لأن معناها الأمرُ، وهو أصلها، وذلك أنها بمنزلة قولهم في الأمر: قوال قوال، ونظار نظار، وبداد بداد، ونزال نزال، يريدون: قاول قاول، وناظر ناظر، وقال الفراء: الأصل فيها أنْ تكون مصادر؛ كقولك: قاولتُ قوالا، ونازلتُ نزالا، فلما نقلوا المصادر إلى باب الأمر فتح أوائلها؛ ليفرق بين المصدر والأمر، وكُسِرت الميم من قطام وحذام والشين من رقاشِ؛ لاجتماع الساكنين.
وأما بنو تميم فلم يلتفتُوا إلى أن أصلها الأمرُ، وأجرَوْها مُجْرَى زينبَ.
قال الشاعر في الأمر بفعالٍ:
دراكِها مِنْ إبلٍ دراكها ... ألا ترى الموت لدى أوراكِها
стр. 743
وقال الآخر:
مناعها من إبل مناعها ... ألا ترى الموت لدى أرباعها
وقال الآخر:
ولأنت أشجعُ من أسامة إذْ ... دُعيتْ نزال ولُجَّ في الذعرِ
стр. 744
وقال الآخر:
وذكرتُ من لبن المحلق شربةً ... والخيلُ تعدو بالصعيد بداد
وقال رؤبة يعاتب أباه:
فليت حظي من جداك الضافي ... والنفع أن تتركني كفاف
وقال المهلهل:
ما أرجي بالعيش بعد ندامى ... قد أراهم سقوا بكأس حلاق
أراد بكأس المنية؛ لأن (حَلاقِ) اسمٌ من أسماء المنية بمنزلة حذام. ورواه أبو عمرو: بكأسِ خلاقِ. وقال: يعني بكأس نصيبهم من الموت؛ كما قال: (فاستمتعوا بخلاقهم) على معنى: بنصيبهم، وقال الآخر:
стр. 745
وكنت إذا مُنيت بخصم سوءٍ ... دلفتُ له فأكويه وقاع
وقال الآخر:
فقلت امكثي حتى يسار لو أننا ... نحُج معا قالتْ: أعامٌ وقابله
وقال البصريون: إنما ألزم الحجازيون هؤلاء الأسماء الخفض؛ لأنها معدولةٌ عن جهتها، فحذام معدولةٌ عن حاذمةٍ، وقطام معدولة عن قاطمة، ورقاش معدولةٌ عن راقشةٍ، وغلابِ عن غالبة في حال المعرفة والتسمية، ولم يُعدلْ وهو نكرةٌ، وقالوا: إنما خُصَّتْ هذه الأسماء المكسورة بالكسر دون غيرها من المعدولات؛ لأنها اجتمع فيها التأنيث والعدلُ، والمؤنثُ كله لا ينصرف، فلما عدلوها كانت أثقل من جميع المؤنث، فحطوها منزلةً، فبنوها على الكسر ولم يصرفوها، فإن سميت امرأةً بربابٍ وصلاحٍ لم
стр. 746
تكسرْ آخرها؛ لأنها ليس فيها معنى أمرٍ، وقد كانتْ اسماً لشيء قبل أن يكون اسماً للمرأة، وإن سميتها بسعاد وشمالٍ لم يجز أن تكسر آخرها؛ لأن الكسر إنما يكون في باب فعال، ولا يكون في غيره.
وما كان من النعوت على مثال فعالٍ عربته بحقيقة الإعراب، فتقول: امرأةٌ حصانٌ، إذا كانت عفيفةً، وقد حصُنتْ تحصُنُ حُصْنا، ونسوةٌ حواصِنُ. قال الشاعر:
الحُصْنُ أدنى لو تآيبتهِ ... من حَيك الترب على الراكب
وامرأةٌ رزانٌ للرزينةِ في مجلسها قال حسانُ:
стр. 747
حصانٌ رزانٌ لا تُزَنُّ بريبةٍ ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
وامرأةٌ نوارٌ، إذا كانت نفورا من الريبة. والنوار: النفارُ. قال العجاج:
يخلطن بالتأنس النوارا
وقال مُضرس:
تدلتْ عليها الشمسُ حتى كأنها ... من الحر ترمي بالسكينة نورها
стр. 748
ويقال: النفر من الوحش صارت عليها السكينة من شدة الحرب. وقال مالك بن زغبة الباهلي:
أنورا سرع ماذا يا فروق ... وحبل الوصل منتكثٌ حذيقُ
وامرأةٌ روادٌ، إذا كانت طوافةً، وشفرةٌ كهامٌ، إذا كانت كليلا. قال جرير:
стр. 749
تلفتْ إنها تحت ابن قين ... حليف الكير والفأس الكهامِ
ويقال: فرسٌ وساعٌ، إذا كانت واسعة الانبساط في المشي والسرعة، ويقال: ناقةٌ جمادٌ، إذا كانت قليلة اللبن، وسنةٌ جمادٌ، إذا كانت قليلة المطر. ويقال: رجلٌ ذريعٌ في العمل، وامرأةٌ ذراعٌ؛ سريعةٌ في العمل وغيره، ويقال: رجلٌ ثقيلُ المشي، وامرأةٌ ثقيلةُ المشي، فإذا كان ثقيلاً في الجسم قيل: هذا رجلٌ ثقيلٌ، وامرأةٌ ثقالٌ، ويقال: امرأةٌ صناعٌ، إذا كانت حاذقةً بالعمل، ورجلٌ صنعٌ، مفتوحةٌ، إذا كانت مفردةً فهي مفتوحةٌ
стр. 750
محركةٌ، ويقال: رجلٌ صِنْعُ اليدين مخففةٌ مكسورة الصاد إذا أضيفت، وأنشد:
صنعُ اليدين بحيث يكوى الأصيدُ
وقال الأصمعي: يقال: ناقةٌ بهاءٌ: التي تستأنسُ إلى الحالب. قال: ونُرى أنه من قول العرب: بهاتُ بفلان، أي استأنستُ إليه.
* * *
стр. 751
باب
المذكر الذي يُجعل اسم (كان)
ويُجعل خبره مؤنثاً مقدماً عليه
اعلم أن اسم (كان) إذا كان مذكراً والخبر مؤنثاً مقدماً عليه كان لك في (كان) وجهان: التذكير والتأنيث. تقول من ذلك: كان رحمةً المطرُ الذي أصابنا البارحة، وكانت رحمةً، فمن ذكر (كان) قال: المطر مذكرٌ، والرحمةُ مؤنثة ومعناها التأخير، فكما أقول: كان المطرُ الذي أصابنا البارحة رحمةٌ؛ كذلك أفعلُ إذا قدمتُ الخبر.
ومن أنُ قال: لما كان الخبرُ قد وَلِيَ (كان) وهو مؤنثٌ أنثتُ (كان) تقديرا، أن الاسم مؤنثٌ؛ لأن الأخبار سبيلها أنْ تكون موافقةً للأسماءِ، وكذلك تقول: كان رحمةً رزقُ الله، وكانت رحمةً رزقُ الله، على ما مضى من التفسير. ومن قال هذا لم يقل: كانت شمساً وجهُك، وكان بليةً علينا عبد الله؛ لأن هذا إنما يجوز في المصادر التي تذكيرها وتأنيثها بمعنى، ولا يجوز في الأسماء التي ليست بمأخوذةٍ من فعلٍ.
فإنْ أنكر عليك التأنيث في المسألتين الأوليين منكرٌ فاحتج عليه بقول الله : (ثم لم يكن فتنتهم إلا أن قالوا). قرأ أهل المدينة وعاصمٌ وأبو عمرو بتأنيث (تكن) وهي لأنْ (وأنْ) مُذكرٌ؛ لأن خبر (كان) قد تقدم على اسمها وهو مؤنثٌ، فقُدِّرَ بتأنيثِ الخبر أن الاسم مؤنثٌ، ومن
стр. 752
ذلك أيضاً قول لبيد:
فمضى وقدمها وكانت عادةً ... منه إذا هي عردت إقدامها
قال الكسائي: أنث (كان) لأن الخبر مؤنثٌ متقدمٌ على الاسم والاسمُ مصدرٌ، وهذا مطابق لما مضى من المسائل، وقال الفراء: قال غير الكسائي: إنما بنى الشاعر كلامه على: وكانت عادةً تقدمتُها؛ لأن التقدمة مصدرٌ (قدمها) إلا أنه انتهى إلى القافية فلم يجد القافية تصلحُ لها التقدمة، فقال: إقدامُها. قال الفراء: واحتج الكسائي بقول الشاعر:
أزيدُ بن مصبوح فلو غيركم صبا ... غفرنا وكانت من سجيتنا الغفر
стр. 753
أنث (كانت)؛ لأنه أراد: كانت سجيةٌ من سجايانا الغَفْرُ، واحتج عليه من خالفه بقول الشاعر:
أجرت عليهم فأبوا وكانت ... بديعاً أن يكون ولي أمر
فزعم أنه أراد: وكانت بديعاً كينونته ولي أمرٍ فلم يستقم البيتُ بالكينونة؛ إذا كانت تفسد القافية فقال: أن يكون؛ إذ كان في معناها، فقال الكسائي: البديع مؤنث بمنزلة البدعة، واحتج عليه الذي خالفه بقول حاتم:.
أماوي قد طال التجنبُ والهجرُ ... وقد عذرتني في طلابكم عذرُ
فقال: أراد عُذْرَى، فانتهى إلى القافية و (عُذْرَى) لا تصلح فيها؛ كما قال الآخر:
لله در لداتي قد رميتهمُ ... لولا حُددتُ ولا عُذرَى لمحدودِ
стр. 754
فقال الكسائي: العذْرُ: مؤنثةٌ؛ لأن الله قد قال: (حكمةٌ بالغةٌ فما تغني النذر). والنذر: جماع نذير؛ كما قال في (تبارك): (فكيف كان نذير)؛ أي إنذاري، والله أعلم؛ كما قال: من عذيري، فالعذر والنذر جماع عذير ونذير كالمصدرين مثل الصريخ والنكير. قال الفراء: وكل قد ذهب مذهبا. قال: وكأن قول الكسائي أشبه بمذاهب العرب.
ومعنى قول لبيد: فمضى، مضى الحمار وقدم الأتان، ومعنى عردتْ: تركت الطريق، وعدلت عنه، وأصل التعريد: الفِرار.
* * *
стр. 755
باب
من نداء المذكر والمؤنث
إذا ناديت مذكراً بغير التصريح باسمه قلت: يا هن أقبِلْ، وللرجلين: يا هنان أقبلا، وللرجال: يا هنون أقبلوا، وللمرأة: يا هنتُ أقبلي، وللمرأتين: يا هنتان أقبلا، وللنسوة: يا هناتُ أقبلنَ. ومنهم من يزيد الألف والهاء، فيقول: يا هناهُ أقبِلْ بضم الهاء وخفضها حكاهما الفراء، فمن ضم الهاء قدر أنها آخر الاسم، ومن كسرها قال: كسرتُها لاجتماع الساكنين، ويقال في الاثنيين على هذا المذهب: يا هنانيه أقبلا، وإن شئت قلت: يا هناناه أقبلا، فمن قال: يا هنانيه أقبلا قال: جعلت الألف ياء على الإتباع لكسرة النون، ومن قال يا هناناه قال: ألفُ النداء تفتح النون، وقال الفراء: كسر النون وإتباعها الياء أكثر من فتحها وإتباعها الألف، ويقال في الجمع على هذا: يا هنوناه أقبلوا. قال الفراء: والرفع في الهاء جائزٌ في كلام العرب، وهو قليلٌ ليس بالكثير، وذلك أن يا هناه تستعملُ فجرى به الكلام ولم يكثر بالاثنين ولا الجميع، فآثروا في الاثنين والجمع أن تركوه على أصله.
ومن قال للذكر: يا هناه ويا هناهُ قال للأنثى: يا هنتاه أقبلي ويا هنتاه، وللاثنين: يا هنتانيه أقبلا ويا هنتاه، وللجمع من النساء: يا هناتوه ويا هناتاه، قال امرؤ القيس:
стр. 756
وقد رابني قولها يا هنا ... هـ ويحك ألحقت شرا بشر
وإذا ناديت وأضفت إلى نفسك قلت: يا هن أقبلْ، وإن شئت: يا هَنَ أقبل، وإن شئت: يا هَنُ أقبلْ.
فمن كسر النون قال: الكسرةُ تدل على الياء وتخلفها، ومن فتحها قال: أردتُ الندبة يا هناه، ومن ضمها قال: أعطيتُ المفرد المنادى ما يستحق من الإعراب. وأجودُ الوجوه الكسر، وتقول للاثنين: يا هنى أقبلا، وتقول للجمع: يا هنى أقبلوا فتفتح النون في التثنية، وتكسرها في الجمع، وتحتج في التثنية والجمع بأن الياء الأولى ياء التثنية والنصب، وياء الجمع والتذكير والنصب، والثانية ياء الإضافة، وياء التثنية ما قبلها مفتوحٌ، وياء الجمع ما قبلها مكسورٌ. وقال الفراء: سمعت أبا القمقام يقول: يا هنوى أقبلا، ويقول للأنثى في الإضافة: يا هنت أقبلي، وللاثنين: يا هنتي أقبلا، وللجميع: يا هنات أقبلن بكسر التاء بغير ياء.
وقال السجستاني: وقومٌ كثيرٌ يقولون: يا هياه، وليس من كلام العرب. هو مولدٌ والدليل على ذلك أنهم لا يؤنثون ولا يثنون، ولا يجمعون. قال:
стр. 757
وأظنه بالعبرانية أو بالسريانية يقولون: يا هيا شراهيا في غير ذا المعنى. قال: وسألت الأصمعي فلم يعرفه حسناً، وقال: أظن الصواب: يا هياه بفتح الهاء الأولى.
قال أبو بكر: وهذا غلطٌ من السجستاني، وحكى الكسائي والفراء جميعاً: يا هياه وقال الفراء: العربُ لا تثنيها، ويدعون بها الجمع والمؤنث، فيقولون: يا هياه أقبل ويا هياه أقبلا قال: فهذا الذي سمعتُ. قال: وزعم الكسائي أنه سمع: يا هياه أقبل. قال الفراء: وقول الشاعر:
تلوم يهياهٍ بياهٍ وقد مضى ... من الليل جوزٌ واسبطرتْ كواكبه
قال الفراء: ليس هو في معنى يا هياه. إنما هو صوتٌ. تقول العرب: يهياهٍ ولهم فيه لغتان: منهم من يجعله خفضا أبدا؛ كما يقولون: سمعتُ منه غاقٍ وأهلُ الحجاز يقولون: تلوم يهيها بياهٍ فيجرونه في الخفض والنصب.
ويقال للرجل في النداء: يا لُكَعٌ. يا فسقُ. يا غدرُ. ولا يتكلم به في غير النداء. لا يقال: هذا رجلٌ فسقٌ، ولا غدرٌ، ولا لكعٌ.
وقالوا للمرأة: يا لكاع. يا خباث. يا فساق على وزن يا قطام، وربما
стр. 758
احتاج الشاعر فجاء بشيء من هذا في غير باب النداء. قال الحطيئة:
أطوف ما أطوفُ ثم آوي ... إلى بيتٍ قعيدته لكاع
وقال الفراء: يقال للرجلين: يا ذوي لكيعةَ ولكاعةٍ، ولكاعةٌ يُجرى؛ لأنه مصدرٌ بمنزلة الشجاعة والسماحة، ولكيعة لا تجزى.
وتقول للجمع: يا أولي لكيعة ولكاعةٍ أقبلوا، وللمرأتين: يا ذائي لكيعة ولكاعةٍ أقبلا، وللمؤنثات: يا أولات لكاعةٍ ولكيعة أقبلنَ.
* * *
стр. 759
باب
ذكرِ أفعال المؤنث إذا لاصقتها
وإذا فُصِلَ بينها وبينها بشيء
اعلم أن أفعال المؤنثِ إذا لاصقتها كان الاختيارُ إثبات التاء، وكان حذفها قبيحا؛ كقولك: قامتْ هند وفاطمة وعائشة، وإنما قَبُح؛ لأن التأنيث باب مضاد باب التذكير، فيفرق بين فعل المذكر والمؤنث لاختلافهما. فإذا فصلت بين فعل المؤنث وبينه بشيء اعتدل التذكير والتأنيث؛ كقولك: ضرب زيداً هندٌ، وضربت زيداً هند.
فمن أنث لزم القياس، ومن ذكر قال: لما حجز بين الفعل والمؤنث حاجزٌ رجع الفعل إلى أصله، والقياس التأنيث، والتذكير جائزٌ، وكذلك تقول: وصلت إلى رُقْعَتُك، فيحسن فيه التذكير والتأنيث؛ لأنك فرقت بين الفعل والمؤنث، فإن قلت: وصلتْ رُقْعَتُك إليَّ كان التذكيرُ قبيحاً؛ لأن المؤنث
стр. 760
لاصق فعله وحُكِيَ عن العرب: حضر القاضي امرأةٌ، ويجوزُ: حضرتْ القاضي امرأةٌ على ما مضى من التفسير. وقال السجستاني: حسُنَ التذكير في هذه المسألة؛ لأنها جرتْ على ألسنتهم، فصارتْ كالمثل، وقال: إذا فُصِلَ بين المؤنث وفعله بشيء كان الحاجز بينهما عوضا من تاء التأنيث المحذوفة، وكذلك تقول: جلست في الدار جاريتك، وجلس في الدار جاريتك، ولبستْ الثوب هندٌ، ولبس الثوب هندٌ.
وقال أبو عبيد والليث والأخفش: إذا فرق بين الفعل والمؤنث كان التذكير حسناً؛ كقولك: تكلم في البيت أختك، واحتج أبو عبيد بقول الله : (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها) فقال: اجتمعت القراء على تذكير الفعل، واللحوم مؤنثةٌ لما فرق بينها وبين الفعل. وقال: الفراء وأبو العباس: إنما حسن تذكير الفعل في هذه الآية؛ لأن الجحد تقدم، فكأن المعنى: لن ينال الله شيء من لحومها، وكان يعقوب الحضرمي يقرأ: (لن تنال الله لحومها ولا دماؤها ولكن تناله التقوى منكم) بالتاء في الفعلين جميعا، فأنث فعل اللحوم، ولم يلتفت إلى التفريق والجحد، وقال الشاعر في تذكير فعل المؤنث لما فصل بينهما. أنشد الفراء:
стр. 761
إن امرأ غرهُ منكن واحدةٌ ... بعدي وبعدكِ في الدنيا لمغرورُ
فذكر الفعل للعلةِ التي تقدمتْ، وأنشد الفراء أيضاً:
لقد ولد الأخيطل أم سوءٍ ... على قمع استها صلبٌ وشامُ
وتقول: قدْ تخرقَتْ جُبَّتُك، وقد تخرق جبتُك، فمن أنث قال: أنثتُ الفعل؛ لأن الجبة مؤنثةٌ، ومن ذكر قال: الجبة في معنى التجبب، وكذلك تقول: وافقت زيداً محبتُك، ووافق زيداً محبتُك، فمن أنث الفعل قال: هو للمحبة، والمحبة فيها علامة التأنيث، ومن ذكر الفعل قال: المحبة مصدرٌ والمصادر ليس تأنيثها تأنيثاً حقيقيا، فحملته على معنى: وافق زيداً سرورك، وكذلك يقال: أعجبتْ زيداً كلمتُك، وأعجب زيداً كلمتك، فمن أنث الفعل أخرجه على لفظ الكلمة، ومن ذكر الفعل أخرجه على المعنى؛ لأن معنى الكلمة الكلام، وقال الله : (وأخذ الذين ظلموا الصيحة)، فذكر الفِعْلَ؛ لأن الصيحة بتأويل الصياح، وقال: (فمنْ جاءه موعظةٌ). قال الشاعر:
стр. 762
إن السماحة والمروءة ضُمنا ... قبراً بمرو على الطريق الواضح
فقال: ضُمنا، ولم يقل: ضُمِّنَتَا؛ لأنه حمله على معنى: إن السماح والمروءة، وقال الله : (ولا يقبل منها شفاعةٌ)، فقرأت العوامُّ بالتذكير على معنى: ولا يُقبلُ منها شفعٌ، وقرأ أبو عمرو: (ولا تقبل منها شفاعةٌ) فأخرج الفعل مؤنثاً على لفظ الشفاعة.
وكذلك تقول: أعجبتني ضربتك، وأعجبني ضربتُك، على ما مضى من التفسير، ومثلها: أفزعتني صيحتك، وأفزعني صيحتك. قال الله : (زُين للذين كفروا الحياة الدنيا) فذكر (زين) والحياة مؤنثة على معنى: زين للذين كفروا البقاء ومثله: (قد جاءكم بصائر من ربكم).
وإذا تأخر الفعل بعد هذه الأشياء أنث وقبح تذكيره؛ كقولك: ضربتك أوجعتني، وصيحتك أفزعتني، ويجوز أنْ تذكر الفعل حملاً على المعنى، فتقول: ضربتك أوجعني، وصيحتك أفزعني.
стр. 763
وإنما صار التأنيث أجود؛ لأن الفعل إذا أتى بعد الاسم كان فيه مكنى من الاسم فاستقبحوا أن يُضمروا مذكرا، وقبله مؤنثٌ. والذين استجازوا ذلك قالوا: نذهب إلى المعنى، وقالوا: هو في التقديم والتأخير سواءٌ. وقال الله : (فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا) فقرأت العوام بتذكير (يؤخذ)؛ لأن المعنى: فاليوم لا يؤخذ منكم افتداء، وقرأ أبو جعفر المدني: (فاليوم لا تؤخذ منكم فدية) فأنث الفعل للفظ الفدية، وقال : (فقد جاء أشراطها)، فذكر لأنه جمع، والجموع يجوز في فعلها التذكير والتأنيث، وكذلك: (جاءهم البينات) (وجاءتهم البينات) وجاءتني كتب فلانٍ وجاءني، وكثُرتْ الحياتُ وكثر.
وقال السجستاني: مما حسن التذكير في قولهم: حضر القاضي امرأةٌ، أن القاضي متقدم على المرأة لا يؤخر عن موضعه إرادة التعظيم له بالتقديم؛ كما يعظم الخليفة أن يقدم على اسمه اسمُ أحدٍ.
стр. 764
وتقول: قامتْ هندٌ فضربتْ زيدا، ولا يجوز أنْ تقول: فضرب زيدا، فإذا قلت: وصلت رقعتك فأعجبتْ زيدا، وسرتْ عمرا كان لك أن تقول: وصلتْ رقعتك فأعجب زيداٍ وسر عمرا. من أنث قال: السرورُ والإعجابُ للرقعةِ، ومن ذكر قال: أردت وصلت رقعتك، فأعجب وصولها زيدا، وأعجب مجيئها عمرا.
وتقول: شربتُ فأروتني قربتك، فيكون لك فيها ثلاثة أوجه:
أحدهن: شربتُ فأروتني قربتك على معنى شربتُ قربتَك، فأروتني قربتك، فاكتفيت بذكرك الفاعل من ذكرك المفعول؛ إذ كان هو هو في المعنى. وإن شئت قلت: شربت، فأروتني قربتك على معنى: شربتُ قربتك، فأروتني هي.
والوجه الثالث: شربتُ فأرواني قربتك على معنى: شربت قربتك فأرواني ماؤها.
واعلم أن الواو والنون لجمع المذكر، والألف والتاء لجمع المؤنث. تقول: الزيدون والعمرون والبكرون والهنداتُ والجملاتُ والزينباتُ. والواو يكون في جمع فعل المذكرين، والنون يكون في فعل المؤنثات. تقول: الرجال قاموا وقعدوا، والنسوة قمن وقعدن. وجمع غير الناس بمنزلة جمع المؤنث. تقول: الأكبُشُ أعجبن زيدا، وتقول: الرجال ضربتهم، والنسوة ضربتهن، والأكبُشُ ذبحتهن.
стр. 765
فإن قال قائل: كيف قال جل ثناؤه: (قالت نملةٌ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم) فأدخل الواو في جمع المؤنث، ولم يقل ادخلن مساكنكن؟
قيل له: لما خبر عن النمل بالقول، والقول سبيله أن يكون للناس أجراهن مجرى الناس، وكذلك قال : يعني الأصنام: (هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون) ولم يقل: هل يسمعنكم أو ينفعنكم أو يضررنكم لما ذكرنا من أنهن إذا وصفن بأوصاف الناس جرين مجرى الناس، وكذلك قال جل ثناؤه: (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا، قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء) ولم يقل: شهدْتُنَّ، وقال: (قالوا أنطقنا الله) ولم يقل: قلن لما مضى من التفسير، وقال تعالى: (إني رأيتُ أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) ولم يقل: رأيتهن ساجدات؛ لأنه لما أخبر عنهن بالسجود جرين مجرى الناس.
ويقال: هبت الرياحُ، وهب الرياحُ؛ لأن الجمع يجوز في فعله التذكيرُ والتأنيث. قال الشاعر:
إذا هب أرواحُ الشتاء الزعازعُ
стр. 766
باب
ذكر عدد المذكر والمؤنث
اعلم أن الهاء تثبت في عدد المذكر من الثلاثة إلى العشرة وتسقط من عدد المؤنث من الثلاث إلى العشر. تقول: عندي ثلاثةُ رجالٍ وأربعة غلمانٍ، وخمسةُ أقمصةٍ وسبعة أرديةٍ.
وتقول في عدد المؤنث: عندي ثلاثُ نسوةٍ وأربع جوارٍ، وخمسُ نعالٍ وسبع جبابٍ. قال الله : (سخرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيامٍ حسوما) فلم يأت بالهاء في السبع؛ لأن الليالي مؤنثةٌ، وأتى بها في الثمانية؛ لأن الأيام مذكرةٌ.
فإن قال قائل: لم صارت الهاء تثبت في عدد المذكر من الثلاثة إلى العشرة، ولا يدخل في عدد المؤنث من الثلاث إلى العشر.
قيل له في هذا ثلاثة أقوالٍ: قال الفراء ومن قال بقوله: تثبتُ في عدد المذكر من الثلاثة إلى العشرة ولم تثبت في عدد المؤنث من الثلاث إلى العشر؛ لأن العدد مبني على الجمع فلما كانوا يثبتون الهاء في جمع المذكر، فيقولون: صبي وصبيةٌ، وغلام وغلمة، ورغيف وأرغفةٌ، وقرد وقردةٌ وحجر
стр. 767
وحجارةٌ - أثبتوها في عدده؛ لأن العدد مبنيٌّ على الجمع، ولما كانوا لا يدخلون الهاء في عدد المؤنث فيقولون: ركبةٌ وركبٌ، وقردة وقرد لم يدخلوها في عدد المؤنث؛ لأن العدد مبني على الجمع، ولم يحك في الاعتلال لهذا عن الخليل ويونس وسيبويه والأخفش وغيرهم من شيوخ البصريين شيءٌ.
وقال أبو حاتم السجستاني: إنما أدخلوا الهاء في عدد المذكر ولم يدخلوها في عدد المؤنث؛ لأن المؤنث أثقل من المذكر، وأكثر المؤنث فيه هاء التأنيث، فجعلوا جمع المؤنث بلا هاء؛ ليكون أخف له؛ لأن الهاء لزمت الواحدة، وذلك ثقلٌ، فكرهوا أن يمكنوا ذلك الثقل حتى ينتقل من الواحدة إلى الجماعة، ففروا من ذلك، فحذفوا الهاء من الجمع؛ ليعتدل الجمع فيكون ثقيل من خفيفٍ، وأما المذكر فخفيفٌ، فأدخلوا الهاء في جمعه، فقالوا: ثلاثةٌ؛ ليكون ثقيلٌ مع خفيفٍ فيعتدل، وكرهوا أن يجمعوا بين الثقيلين، فجعلوا ثقيلاً مع خفيف فيعتدل، وكرهوا أن يجمع بين الثقيلين، فجعلوا ثقيلاً وخفيفاً مع ثقيل. قلت: ثم نقض أبو حاتم هذا القول على نفسه بأن قال: الثلاث إلى العشر مؤنثٌ على كل حالٍ، إلا أنه مؤنثٌ لا علامة للتأنيث فيه فهو أخف لفظاً، وأيسر مما فيه حروف التأنيث، فهذا تناقض؛ لأنه زعم أنهم لم يدخلوا الهاء في عدد المؤنث؛ لأن المؤنث ثقيلٌ، فأرادوا أنْ يكون خفيفٌ مع ثقيلٌ، وأدخلوا الهاء في عدد المذكر؛ لأنه خفيفٌ فأرادوا أنْ يكون ثقيلٌ مع خفيفٍ، فدل هذا الكلام على أن عدد المذكر مؤنثٌ، وعدد المؤنث مذكرٌ.
стр. 768
فإن قال: عدد المؤنث وعدد المذكر جميعاً مؤنثان إلا أن عدد المؤنث أخف، لأنه لا علامة للتأنيث فيه.
قيل له: المؤنث الذي على أربعة أحرفٍ لا علامة للتأنيث فيه بمنزلة ما فيه العلامةُ؛ لأن معنى التأنيث قائم فيه، فهو بمنزلة ما العلامة موجودة في لفظه لا يحكم عليه بأنه أخف منه.
الدليل على هذا أن عمرة وزينب من أجل أن علامة التأنيث موجودةٌ في لفظ عمرة وليست في زينب علامةٌ للتأنيث موجودة في لفظها، فهذا يدل على أن الثلاث - إذا كانت مؤنثةً - بمنزلة الثلاثة؛ لأن معنى التأنيث قائمٌ فيهما، وبهذا ينتقض قوله في الخفة والثقل.
وقال محمد بن يزيد البصري: إن قال قائل: ما بالُ علامة التأنيث لحقتْ ما كان مذكراً وإنما حدها أن تلحق المؤنث، فتفصله من المذكر؟
قيل له: العلةُ في هذا: أن التأنيث والتذكير إذا وقعا لما حقيقته التأنيث والتذكير كان حق المذكر أن يجري على أصله ويكون المؤنث بائناً منه بعلامة. والعلامة على ثلاثة أضربٍ:
يكون هاء؛ نحو قولك: امرأةٌ، وذاهبةٌ، ومنطلقةٌ.
ويكون ألفاً إما مقصورة وإما ممدودةً؛ نحو حمراء وصفراء، هذا الممدودة، والمقصورة؛ نحو سكرى وغضبى. هذه المقصورة.
ويكون للمؤنث لفظٌ ثالثٌ لا علامة فيه، فيكون تأنيثه بالبنية المصوغة للتأنيث التي لا يشركها فيها المذكرُ، فالاختصاص يدل على مثل ما دلت عليه العلامة، وذلك نحو قولك: عناقٌ. هذا لا يكون إلا للمؤنث، وكذلك حجر، وأتانٌ. فهذه أقسام ثلاثةٌ مفهومةٌ معروفةٌ.
стр. 769
فإن كان المذكر والمؤنثُ جاريين على فِعْلِ فالعلاقة لازمةٌ؛ كما لزمتْ في الفعل. لا يكون إلا ذلك وإلا كان نقضاً وفساداً. تقول: قام الرجل فهو قائمٌ، وقامت المرأة فهي قائمةٌ، وكذلك جميع الأفعال.
فأما الأسماء الواقعة على غير أفعالٍ فجائزٌ أنْ تقع على المذكر وفيها علامةٌ التأنيث على أحد أمرين:
إما أنْ يكون النعت في الأصل لمؤنثٍ، فيشركه فيه المذكرُ على غير فعلٍ فتكون الهاء للمؤنث أصلاً وللمذكر على معنى التأنيث الذي يلحقه، لأنه تعتوره أسماءٌ مؤنثةٌ؛ كما تعتورُ المؤنث أسماءٌ مذكرةٌ. فمن ذلك قولك: رجل ربعةٌ ويفعةٌ ونُكَحةٌ. إنما كان ذلك في الأصل لسلعةٍ أو نسمةٍ أو نفسٍ؛ لأنه على غير فعلٍ. فإن قلت: رجلٌ ناكحٌ لم يصلح أنْ تقول ناكحةٌ؛ لأن المؤنث تلحقه الهاء على فعله، فلا يجوز أنْ يدخل فعلٌ على فعلٍ، فيكون لبسا.
والوجه الآخر: أن تدخل الهاء للمبالغة؛ نحو قولك: رجلٌ نسابةٌ وعلامةٌ. فإن قال قائل: هذا لمبالغة الفعل فكيف لحقته الهاء؟
فإن الجواب في ذلك إنها لحقته لتوكيد المبالغةِ. ألا تراها إنما تلحق في فعالٍ وفعولٍ؛ نحو قولك: رجلُ فروقةٌ وملولةٌ، فيوضح التذكير ما قبله؛ لأنها نعوتٌ، وليستْ جاريةً على فعلٍ. ألا ترى أنك تقول: ضرب فهو مضرب،
стр. 770
وقتل فهو مُقتِّلٌ، وإنما فعال وفعول في معنى مفعلٍ غيرُ جاريين على فعله.
وأما قولهم راويةٌ فإن هذا باب لا يُنعتُ به النساء فيُلبس؛ ألا ترى أنك تقول: فارسٌ وفوارسٌ، فتجمع فاعلا على فواعل؛ لأنه لا يكون من نعت النساء ولا يجوز أنْ تقول في جمع ضارب: ضوارب فيلتبس بجمع ضاربةٍ، فإذا قلت في غير ما تأنيثه حقيقي؛ كقولك: بلدٌ وبلدةٌ والأمرُ واحد وإنما هذا لاتساع اللفظ ولم يكن تحت واحدٍ منهما ما يستحق به تأنيثاً ولا تذكيراً. قال: فثلاثةٌ وأربعةٌ في بابه بمنزلة نفس للمذكر وبمنزلة يفعةٍ وربعةٍ، وثلاثٌ للمؤنث وأربعٌ ونحو ذلك مما تأنيثه للنية؛ كقعربٍ وعناقٍ وعقاربٍ ونحو ذلك.
قال أبو بكر: فهذا القول عندي لا يصح؛ لأنه زعم أن الهاء دخلت في يفعةٍ وريعةٍ على معنى النسمة، فلا يجوزُ أن تشبه الثلاثة والأربعة بيفعةٍ وربعةٍ؛ لأن الثلاثة والأربعة ليس فيهما معنى نسمةٍ؛ فلا وجه لدخول علامةِ التأنيث فيها على أصله.
فإن قال قائلٌ: زعمت أن التاء تدخُلُ في عدد المذكر من الثلاثة إلى العشرة ولا تدخل في عدد المؤنث من الثلاث إلى العشر فما تقول في قول الله : (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) لِمَ لَمْ يُدخِل الهاء في العشر؛ لأن الأمثال جمع مثل والمِثْلُ مذكر؟ فيقال له: العلة في هذا أن المثل أصله النعت، والعدد واقعٌ على النوع لا على النعت، فالتقدير - والله أعلم: مَنْ جاء بالحسنة فله عشر حسناتٍ أمثالها، فلم تُدْخَل الهاء في (عَشْر)؛ لأن العشر واقعٌ على الحسنات وهي مؤنثةٌ، وكذلك تقول: عندي ثلاثةُ
стр. 771
نساباتٍ، وخمسةُ علاماتٍ، فتُدْخِلَ الهاء؛ لأن المعنى: عندي ثلاثة رجالٍ نساباتٍ وخمسةُ رجالٍ علاماتٍ، فتُدْخِلَ الهاء في الثلاثة والخمسةِ؛ لأنهما واقعان على رجال، ونساباتٌ نعتٌ للرجال، وكذلك علاماتٌ. قال الشاعر:
فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
فأنث؛ لأنه ذهب بالشخوص إلى المؤنث؛ لأن الشخص يقع على المذكر والمؤنث. وتقول: عندي ثمانية رجال، وعندي ثماني نسوةٍ، فعلامة الرفع في (ثماني) سكون الياء، وكان الأصل فيه ثماني نسوة، فاستثقلت الضمة في الياء، فحذفت فبقيت الياء ساكنةً، وتقول في الفض: مررت بثماني نسوةٍ فعلامة الخفض في ثماني سكون الياء، والأصل فيه: ثماني نسوةٍ، فاستثقلت الكسرة في الياء فحذفت، فبقيت الياء ساكنةً، وتقول في النصب: رأيت ثماني نسوةٍ، فعلامة النصب فتحة الياء وسكون التنوين، وتقول في النصب: رأيت ثمانياً، فتثبت الفتحة في الياء لخفتها، وتثبت الألف؛ لأنها بدلٌ من التنوين.
стр. 772
وتقول: عندي ثلثمائة، وأربعمائةٍ، وخمسمائةٍ، فلا تُدْخِلُ هاءٌ في العدد من الثلاث إلى العشرِ؛ لأن المائة مؤنثة.
وتقول: عندي ثلاثة آلافٍ وأربعةُ آلافٍ وسبعةُ آلافٍ، فتثبت الهاء في العدد من الثلاثة إلى العشرة، لأن الألف مذكرٌ، وتقول: عندي ثمانية آلاف، ونظرتُ إلى ثمانية آلافٍ، وقبضتُ ثمانية آلافٍ، فتثبت الهاء؛ لأن الألف مذكر، وتقول: عندي ثمانمائةٍ، ونظرت إلى ثمانمائةٍ، وقبضت ثماني مائةٍ فإن أفردت قلت: عندي ثمانٍ، ونظرتُ إلى ثمانٍ، وقبضتُ ثمانيا.
وإذا سميت رجلاً بثلاثٍ، وخمسٍ وست وسبع وثمانٍ وتسعٍ، وعشرٍ أجريته إلا ثمانيا فإنه لا يجري في المعرفة، فقلت: هذا ثلاثٌ، وأكرمت ثلاثاً، ومررت بثلاثٍ؛ لأنه جمعٌ مذكرٌ. يقال في تصغيره: ثلثياتٌ. قال الفراء: من سمى بخمس وما أشبهه رجلاً أجراه؛ لأنه بمنزلة صُفْرٍ وحُمْرٍ، وقال: هو جمعٌ تصغيره: خميسات.
وقال سيبويه: إذا سميت رجلاً بثلاث لم تصرفه؛ لأنه بمنزلة عناقٍ، وكان يذهب إلى أنه واحدٌ، والفراء يذهب إلى أنه جمع.
стр. 773
وقال السجستاني: إذا سميت رجلاً بثمانٍ صرفته صرف علةٍ؛ كما أنك إذا سميت رجلاً بجوارٍ، وسوارٍ صرفته في الرفع والجر صرف علةٍ، ولم تصرفه في النصب، فتقول في الرفع: هذا جوار وسوار وثمان، وفي الخفض: مررت بجوارٍ وسوارٍ وثمانٍ، وفي النصب: رأيتُ جواري وسواري وثماني. تذهب إلى أن الياء تستثقلُ الضمة والكسرة فيها، فتسقطان منها ثم تسقط هي لسكونها وسكون التنوين، وفي النصب لا تستثقل الفتحة فيها فتثبتُ، ولا يدخل التنوين؛ لأن الجمع إذا كنا بعد ألفه حرفان لم ينصرف، وكان سيبويه يقول: التنوين في جوار بدل من الياء، وقال أصحابه: أراد أن النون بدلٌ من حركة الياء. وقال الفراء: الياء في جوار مشبهة بياء الصلة؛ فحُذفتْ لاجتماع الساكنين، وإذا سميت رجلاً بثمانٍ لم تجره في المعرفة؛ لأنه جمع بعد الألف منه حرفان، وتجريه في النكرة؛ لأن ياءه مشبهةٌ بياء الإعراب.
стр. 774
وقال محمد بن يزيد: لو سميت رجلاً بثلاث التي تقع في قولك: ثلاث نسوةٍ لم ينصرف في المعرفة؛ كما لم ينصرف عقربُ وعناقُ في المذكر في المعرفة، ولو سميته بثلاثٍ من قولك ثلاثةٌ بعد نزعك الهاء صرفته في المعرفة والنكرة، ووقع الفصل بين ما يقع على المؤنث وما يقع على المذكر. هذا الدليل القائم.
وإذا سميت رجلاً بإحدى لم ينصرف في معرفة ولا نكرة؛ لمكان ألف التأنيث المقصورة اللازقة بالمؤنث، وليست كالهاء. ما كانت فيه الهاء لا يُجرى في المعرفة ويُجرى في النكرة.
فإذا جزت العشرة قلت: عندي أحد عشر رجلاً، واثنا عشر رداء، وثلاثة عشر خُفا، وكذلك: أربعة عشر وخمسة عشر وستة عشر وسبعة عشر وثمانية عشر وتسعة عشر، وتُلزم ما بين أحد عشر وتسعة عشر الفتح إلا اثنيْ عشر فإنك تُعرب الاثنيين، وتفتح العشر، فتقول: عندي اثنا عشر رجلا، وضربت اثني عشر رجلا، ومررت باثني عشر رجلا.
стр. 775
فإن قال قائل: لم ألزموا أحد عشر وأخواتها الفتح؟
قيل له: الأصل عندي: واحد وعشرة، وثلاثة وعشرة، فحذفوا الواو، وجعلوا الاسمين اسماً واحداً، واختاروا للاسم - لما طال - الفتحة؛ لأنها أخف الحركات، وكان الأصل في أحد عشر: واحد عشر، فحذفوا الألف الزائدة من واحد، وأبدلوا من الواو المفتوحة همزةً؛ كما قالوا: امرأة أناةٌ، والأصل فيها: وناةٌ؛ لأنها من ونى يني، إذا فتر قال نصيب:
أناة كأن الحقو منها بربوةٍ ... تأزرها ردفٌ من الرمل مسهلُ
ويقال: عندي أحد عشر رجلا، بتسكين العين، والاختيار فتحها. قرأت العوام: (إني رأيت أحد عشر كوكبا) بفتح العين، وقرأ أبو جعفر المدني: (أحد عشر كوكبا) بتسكين العين.
وتقول في المؤنث: عندي إحدى عشرة جاريةً، واثنتا عشرة جاريةً،
следующие страницы →