← Язык

Язык · id 17819

المذكر والمؤنث

ابن الأنباري

Полный текст (893 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والوجه الثالثُ: أن يكون النعتُ غير مبنيٍّ على الفعل، فلا تدخلُه الهاءُ؛ كقولك: رجلٌ صبورٌ وشكورٌ وامرأةٌ صبورٌ وشكورٌ. لا تدخله الهاء؛ لأنه غير مبنيٍّ على الفعل. ألا ترى أنه لو بُنيَ على الفِعْلِ لقيل فيه: رجُلٌ صابرٌ وشاكرٌ، وامرأةٌ صابرةٌ وشاكرةٌ. وكذلك قولهم: امرأةٌ مِعطارٌ ومهذارٌ. لم يُدخلوا الهاء في هذا؛ لأنه ليس بمبني على الفِعل. ومن ذلك قولهمك رجلٌ منطيق، ورجلٌ مِعطيرٌ، وامرأةٌ مِعطيرٌ. لم يُدخلوا الهاء في مِفعيل؛ لأنه لم يُبن على الفعل. والوجه الرابعُ: أن يكون النعت مصروفاً من مفعول إلى فَعيل، فلا تدخلُه الهاءُ؛ كقولك: كفٌّ خضيبٌ، وعينٌ كحيلٌ، ولحيةٌ دهينٌ. الأصلُ فيه: عين مكحولة، وكفٌ مخضوبة، ولِحيةٌ مدهونة. فلما عُدِلَ عن مفعول إلى فعيلٍ لم تدخله الهاءُ؛ ليكون ذلك فرقاً بينه وبين ما الفِعلُ له؛ كقولك: امرأةٌ كريمةٌ وأديبةٌ وظريفةٌ. والوجه الخامس: أن تنعت الاسم بالمصدر؛ فيكونُ لفظه مع المذكر والمؤنث واحداً؛ كقولك: رجُلٌ صوم، وامرأة صومٌ، ورجُلٌ

стр. 72

فطْرٌ وامرأةٌ فِطرٌ، وكذلك رجُلٌ عدلٌ ورضىً، وامرأةٌ عدلٌ ورضىً. وقد يكون النعتُ الذي فيه هاءُ التأنيثِ نعتاً للمذكر والمؤنث على جهة المدح والذم. فأما المدحُ فقولك: رجلٌ علامةٌ ونسابةٌ وراويةٌ. وأما الذمُّ فقولك: رجلٌ فقاقة، ورجُلٌ هِلباجةٌ، إذا كان

стр. 73

أحمق، وكذلك يقولون: رجلٌ زُميلةٌ وتِلقامةٌ وتِلعامةٌ. قال الفراءُ: إذا مُدِحَ الرجُلُ بالنعتِ الذي فيه الهاءُ ذُهِبَ به للمبالغةِ في مَدحِهِ إلى الداهية، وإذا ذُمَّ الرجُلُ بالنعتِ الذي فيه الهاءُ ذُهِبَ به للمبالغة في ذمّه إلى معنى البهيمة، وقد يُسقطون الهاء، فيقولون: رجلٌ علامٌ ونسابٌ وراوٍ، ورجلٌ هِلباجٌ وزُميلٌ وزُمالٌ وتلقامٌ. وأما قولُ الفرزدق: أما كان في معدان والفيل شاغلٌ ... لعنبسةَ الراوي عليَّ القصائدا

стр. 74

فذكَّر (الراوي) لأن معناه: الذي يروى على القصائد أو الذي روى، فصار بمنزلة قولك: القائمُ والقاعدُ والضاربُ. فهذه جملٌ من المذكر والمؤنث ابتدأنا بها مختصرين لها؛ لينتفع المتعلم بمعرفتها وحفظها، ونحن نُوضحها، ونستقصي عللها في بابها إيضاحاً شافياً واستقصاءً كافياً إن شاء الله. وإذا سميت امرأة بنعتٍ مذكر لم تُجره؛ كقولك: قامت خائنُ وظالمُ، وأكرمتُ خائنَ وظالمَ، ومررت بخائنَ وظالمَ، وكذلك تقول: قامت سنيحُ، وقعدت مُدِلُّ، وأكرمتُ سَنِيحَ، ورأيت مُدِلَّ، ومررت بسنيح ونظرت إلى مُدِلَّ، فلا تُجرى النعوت المذكرة إذا علقتها على الإناث؛ لأنها ثقُلت؛ إذ عُلِّقت على ما لا يُشاكلها، فاجتمع يها هذا الثِّقلُ مع ثقل التعريف، فلم تُجرها لهاتين العلتين. فإن كانت نكرةً أجريتها؛ كقيلك: قامت مُدلُّ ومُدِلٌّ أخرى، وأكرمت مُدِلَّ ومُدلاً أخرى، ومررت بمدلَّ ومُدلٍّ أخرى. لم تُجرِ الأولى لأنها معرفة، وأُجريت الثانية لأنها نكرة. وإذا سميت المرأة بنعتٍ يكونُ للمذكرِ والمؤنث بلفظٍ واحدٍ لم تُجره؛ كقولك: قامت ظلومُ وقتولُ وغضُوبُ، وأكرمتُ ظلُومَ وقتُولَ وغضُوبَ، ومررت بظلومَ وقتُولَ وغضُوبَ. وإنما لم تُجره؛ لأنه لا يخلو من أن يكون نعتاً لمذكر أو مؤنث. فإن كنت سميتها بنعتِ المؤنثِ لم تُجره؛ لأن الثِّقلَ لزمه من وجهين: أحدهما: التعريفُ، والآخر: التأنيثُ.

стр. 75

وإن كنت سميتها بنعتِ الرجُل لم تُجرهُ؛ لأن الثقل أيضاً لزمه من وجهين: أحدهما: التعريفُ، والآخرُ: التعليقُ على ما لا يُشاكله. وقال الفراءُ: إذا سميتَ رجُلاً بظلوم وقتولٍ وغضوبٍ، فنويت أنك سميته بنعت المذكر أجريته؛ لأنه ذكرٌ عُلِّق على ذكرٍ، وإن نويت أنك سميته باسم امرأة اسمها ظلومُ أو غضوب جاز ألا تُجريه. قال الفراءُ: والاختيار إجراؤه؛ لأنك لا تقدرُ على أن تُفرِّقَ بين مذكره وبين مؤنثه إلا بالنية، ومبنى الكلام على الظاهر أكثرُ، لا على النيات، وقال: ألا ترى أنك لو سميتَ رجلاً بعُمر وأنت تريد به جمع عُمرة لكان تركُ الجري أغلب عليه؛ لأنه بالعدل عن عامرٍ أشبه منه بجمع عُمرة، وهو بذلك أعرفُ؟ وإذا سميت امرأةً بنعتٍ لاحظ فيه للرجال لم تُجره، فتقول: قامت طالقُ وطاهرُ وحائضُ، ومررت بطالِقَ وطاهرَ وحائضَ، فلا تُجرِه؛ لأن معنى التأنيث قائمٌ فيه، فاجتمع فيه هذا التعريفُ. هذا مذهب الفراءُ وأبي العباس.

стр. 76

وقال الفراءُ: إن سميت بهذه النعوت رجلاً لم تُجرِه؛ لأنه عُلِّق على ما لا يُشاكله. وقال سيبويه: إذا سميت رجلاً بحائض وطالق وطامِثٍ صرفته؛ لأنها مذكرتةٌ وُصِفَ بها المؤنث؛ كما يُوصفُ المذكرُ بمؤنثٍ لا يكون إلا لمذكر؛ مثل نُكحةٌ، وكأن هذا المذكرَ عنده نعتٌ لشيء. كأن معنى قولهم: عنده هذه حائض: هذه شخصٌ حائضٌ، وهذه شيءٌ حائض، وسنستقصي تفسير هذا في بابه إن شاء الله. وأما (طاهرٌ) فإن فيه معنيين، إذا نويت به الطهر من الأدناس، والذنوب أجريته اسماً لرجل ولم تُجره اسماً لامرأةٍ، فتقول: قام طاهرٌ، وأكرمت طاهرا، ومررت بطار، وتقول في المؤنث: قامتْ طاهرُ، وأكرمتُ طاهرَ، ومررت بطاهرَ، فلا تُجرِه؛ كما لا تُجري مُدلَّ إذا سميت به امرأة. وغذا نويت بطاهر الطُّهرَ من الحيض لم تُجرِه من قول الفراء اسماً لرجل ولا لامرأة؛ لأنه بمنزلة حائض وطالق وطامث.

стр. 77

وقال البصريون: إذا سميت رجُلا باسم مؤنثٍ على ثلاثة أحرف صرفته؛ كرجلُ سميته ريجاً وناراً وفَخِذا. تقول في قولهم: قام ريحٌ، وأكرمت ريحا، ومررت بريح، واحتجوا بأن ما كان على ثلاثة أحرُفٍ ليس في الأسماء اسم "أقلُّ حروفاً منه، فاحتمل التنوين؛ لتمكنه وخِفَّته في الكلام. وقال الفراءُ: كلُّ ما كان في التأنيث أشهر، فقد ثَقُلَ، إذ صار مؤنثاً؛ لأن التأنيث أثقلُ من التذكر، فلما وُقِّتَ صار فيه ثِقَلانِ، فلم تُجرِه. وقال أبو العباس: قولُ الفراءِ هو القياسُ، فعلى مذهبِ الفراء وأبي العباس إذا سميت رجلاً بمؤنث على ثلاثة أحرُف لم تُجرِه، فتقول: قام ريحُ وفخِذُ، وأكرمتُ رِيحَ وفَخِذَ، ومررت بريحَ وفَخِذَ. وإنما منعته الإجراء؛ لأن فيه أمرين يُوجبان له الثِّقل: التعريفَ والتعليق على ما لا يشاكله في الثِّقَل.

стр. 78

وإذا سميت رجلاً بشمالٍ وجنوبٍ ودبورٍ وحرُور أجريتهن من قول سيبويه، ولم يُجرِهُن من قول الفراء. فأما سيبويه فقال: هنّ صِفاتٌ في كلام العربِ. سمعناهم يقولون: ريحٌ حرورٌ، وكذلك سائرها. يذهب إلى أن حرورا ودبُورا بمنزلة طَلوم وغَضُوبٍ وقَتُولٍ. وقال سيبويه: جَنُوبٌ وشمالٌ ودبُورٌ يكن أسماءً. فمن جعلها أسماءً لم يُجرِها اسماً لرجل. وأما الفراءُ فكان يذهب إلى أن الجنوبَ والشمالَ والدبُورَ مؤنثاتٌ عُلِّقَتْ على مذكرٌ، فمنعت الإجراء للتعريف والتأنيث. وقال سيبويه: إذا سميت رجلاً بذراع صرفته؛ لأنهُ تمكن في أسمائهم ومع هذا أنهم يصفون به المذكر، فيقولون: هذا ثوبٌ ذِراعٌ، فقد تمكَّنَ هذا الاسم في المذكر.

стр. 79

وقال الفراءُ: قال الكسائي: إنه وجده مُجرى في كلِّ اللغات إذا سُميَ به رجلاً، وقال: شُبه بالمصدر؛ لكثرة ما تقول العرب: ذرعت الثوب ذراعين وذرعا. وعاب الفراءُ قول الخليل: إنه يُوصفُ به المذكرُ، وقال: قد يُوصفُ به الذكر والأنثى. وقال الفراءُ: قول الكسائي: من مذهب المصدر أشبه لأن قولك هذا سبع في ثمانيةٍ قد نعتَّ به المذكر والمؤنث، وليس ذلك بمانعه أن يُجريه إذا سُمِّي به. وقال الفراءُ في سُويد بن كُراع: "الكُراعُ" يذكر ويؤنث، وكذلك الذراع قال: وكُراع اسم رجل يُجْرَى ولا يُجرَى، فمن أجراه ذهب إلى أنه مذكَّر، ومن لم يُجرِه قال: قد فارق الكُراع الذِّراع من قِبَلِ أنه لا يُشبهُ المصدر؛ كما يُشبه الذراعُ المصدر.

стр. 80

ألا ترى أنهم لا يقولون: كرعتُ كرعا؛ كما يقولون: ذرعتُ الثوب ذرعاً، فلما لم يَحسُنْ منه فعلتُ زال عنه شَبَهُ المصدرِ، فذهب إلى أنه مؤنث، فلم يُجرِ، إذ كان قد يؤنث، فمن أجراهُ قال: سويدُ ابنُ كُراع، ومن لم يُجره قال: ابن كُراع. ويجوز لمن سمَّى رجلاً بذراع ألا يُجريه، ويذهب إلى أنه مؤنث. وقال سيبويه: كُراعٌ: "الوجهُ فيه تركُ الصرفِ [و] من العرب من يصرفُه يُشبهه بذراع؛ لأنه من أسماء المذكر. قال: وهو أخبثُ الوجهين". وقال محمد بن يزيد: ذكر سيبويه واتبعه قوم كثيرٌ أنه لو سمى رجلاً ذراعا لصرفه في المعرفة، وحُجته أنه قال: كثرت تسميةُ الرجال به. فكأنه اسم صِيغ للمذكر. قال محمد بن يزيد: قال سيبويه: وبعضهم يصرف كُراعا، وترك الصرف فيه أجود؛ لأنه لم تَكثُر التسميةُ به، وقد سمّوا به، فمن صرف فالحجة فيه من باب الحجة في ذِراع. فافهم ما وصفت لك واقتبس عليه إن شاء الله.

стр. 81

باب ذِكْرِ ما تدخله علامة التأنيث و [ما] لا تدخله من النعوت التي جاءت على مثال فاعل اعلم أن (فاعلاً) إذا اشترك فيه الرجالُ والنساءُ دخلته هاءُ التأنيثِ؛ كقِيلك: رجل قائم، وامرأة قائمة. وإذا انفرد به النساءُ دُونَ الرجالِ لم تدخله هاءُ التأنيثِ؛ كقيلك: امرأة حائض وطالق وطامث. فإن قال قائل: لم قالت العرب: امرأة حائض وطالق وطامِث؟، فلم يُدخلوا الهاء في هؤلاء النعوت، وقالوا: امرأة قائمةٌ وجالسةٌ وقاعدةٌ، فأدخلوا الهاء في هؤلاء النعوتِ وما أشبههن؟ قيل له: في هذا ثلاثة أقوال: قال الفراءُ وأصحابه: الهاء تَثبتُ في قائمةٍ وقاعدةٍ فرقاً بين المذكر والمؤنث؛ لأنهم لو قالوا: امرأة قائمٌ لالتبس بقولهم: رجلٌ قائمٌ، فلما كان ذلك كذلك احتاجوا إلى هاءٍ تفصِلُ بها بين فِعْلِ المذكرِ والمؤنثِ، ولما قالوا امرأةٌ حائضٌ وطالقٌ وطامِثٌ لم يحتاجوا إلى هاءٍ تَفْصِلُ بين فِعلِ المذكرِ والمؤنثِ؛ لأن المذكر لا حظَّ له في هذا الوصفِ. وأنكر هذا على الفراء وجماعةٌ من النحويين، ونسبوه في ذلك إلى

стр. 82

الخطأ الفاحش، وأبدوا فيه، وأعادوا، وقال بعضُهم: هو بَيِّنُ الانتقاض. وقال الذي ينقُضُ قولهُ: إن في الكلام شيئاً كثيراً يشتركُ فيه المذكر والمؤنثُ لا تثبُت فيه الهاءُ في المؤنث؛ نحو قولهم: بَعِير ضامرٌ، وناقةٌ ضامرٌ، وبعير ساعِلٌ، وناقة ساعِلٌ. قال: فلو كان على ما ذكر الفراءُ لوجب أن يُقال: ناقة ضامِرة وساعِلة؛ لأن السعال يشترك فيه المذكرُ والمؤنثُ. وقال فريق منهم: الذي يَنقُضُ على الفراءِ قوله أن العرب تقول: طلقتْ جاريتُك، وحاضت هندٌ، فيُدخلون هاء التأنيث في هذين الفعلين وفيما أشبههما، ولا حظَّ للرجال فيهن، فلو كان على ما ذكر الفراء لوجب أن يقال: طلق جاريتُك، وحاض هندٌ، وطمث جُملٌ؛ لأن الرجال لا حظ لهم في هذه الأفعال. وقال آخرون منهم: الذي ينقُضُ على الفراء قوله إسقاطهم الهاء مما يشتركُ فيه الرجالُ والنساءُ، فمن ذلك قولهم: غلام بالغٌ، وجاريةٌ بالغٌ، ورجل أيمٌ، وامرأةٌ أيمٌ. والأيمُ من النساء: التي لا زوج لها. والأيمُ من الرجال: الذي لا امرأة له.

стр. 83

ورجل عانسٌ، إذا أخر التزويج بعدما أدرك قال الشاعر: مِنّا الذي هو ما إن طرَّ شاربُه ... والعانسون ومنا المُرْدُ والشيبُ ويقال: امرأة عانس، إذا حُبست بعد إدراكها، فلم يُدخلوا الهاء في هؤلاء النعوتِ اللاتي يشترك فيهن الرجالُ والنساءُ. قال أبو بكر: والقولُ عندي في هذا الذي لا يجوز غيرُه هو قولُ الفراءِ؛ لأن كلام العرب يشهدُ به، والقياسُ يُوجبه، والعارضون

стр. 84

للفراء في قوله بالحجج التي قدمناها أخطئوا من حيثُ لا يشعرون؛ وذلك أنهم ظنوا أن قول العرب: بعيرٌ ضامرٌ وناقةٌ ضامرٌ وبعير ساعلٌ، وناقةٌ ساعلٌ يلزمُ الفراءُ به أن يقولَ: رجل قائمٌ، وامرأة قائمٌ، وهذا خطأ منهم؛ لأن الهاء التي في الناقة لا تُوجِبُ التأنيث الحقيقي، وذلك أن نجدُ مِثلَ الناقةِ تكونُ فيها هاء التأنيث وهي واقعةٌ على المذكرِ. من ذلك "الشاة" تقع على المذكرِ والمؤنث، وفيها علامةُ التأنيث، و"الأروية" تقع على المذكرِ والمؤنثِ وفيها علامةُ التأنيثِ قائمةٌ، وكذلك "العظاءة" حكى هشامُ بن مُعاوية: رأيت عظاءةً على عظاءةٍ، والجدايةُ تقع على المذكرِ والمؤنثِ. قال الشاعر: يُريحُ بَعدَ النفسِ المحفوزِ ... إراحة الجدايةِ النفوزِ

стр. 85

النفوز: القفوز. والجِداية: الصغير من الظباء، وهذا أكثر من أن يُحصى، فلما كان كذلك كانت الناقةُ بمنزلة البعير وكان قولهم: ناقة ضامرٌ بمنزلة قولهم: بعيرٌ ضامرٌ، والمرأةُ لا تقع هي ولا أمثالُها على مذكر في حالٍ. فالتأنيث الذي فيها تأنيثٌ حقيقيٌ. ومما يدلك على ما وصفنا أنهم يقولون: الدابةُ اشتريته، والعظاءةُ رأيته، والشاة أعجبني. قال الشاعر: وكان انطلاقُ الشاةِ من حيثُ خيَّما فكفى بهذا فرقاً بين الناقةِ والشاةِ والدابة وبينَ المرأة والجارية وما أشبههما. وأما الذين ألزموا الفرَّاء أن يقولك طلق امرأتُك، وحاض جاريتُك، وطمثَ هندٌ؛ لأن الرجال لا حظ لهم في هؤلاء الأفعال فقولهم واضحُ الفسادِ؛ لأن التاء فرقُ فِعلٍ. لو أُلقيت التاء من فعلت، فقيل: طلق جاريتُك، وحاض هندٌ للزمنا أن نقول في المستقبل يطلقُ هندٌ، ويحيضُ جاريتُك، وهذا لا يجوز؛ لأن الياء علامةُ المذكرِ؛ فلا يجوز أن تُدخل علامة المذكر في فِعلِ المؤنث، فلما لم

стр. 86

تجد بداً من أن تقول في المستقبل: تطلقُ هندٌ، وتحيض جاريتُك كرِهنا أن نقول في الماضي: طلَق هندٌ، وحاضَ جاريتُك، فتختلفُ الفروق والعلاماتُ ويُخالفُ الماضي المستقبل، فلما كان ذلك كذلك وفَّقوا بين الماضي والمستقبل، فقالوا: طلقت هندٌ، وتطلُقُ هندٌ، وحاضت جاريتُك، وتحيضُ جاريتُك، فإذا بُنيَ الدائمُ على المستقبل قيل: هِندٌ حائضةٌ، وجُملٌ طالقةٌ على معنى تحيضُ وتطلُقُ. أنشدنا أبو العباس عن سلمة عن الفراء للأعشى: يا جارتي بيني فإنك طالقه ... كذاك أُمورُ الناس غادٍ وطارقه

стр. 87

وقال السجستاني: حدثني الأصمعي قال: أنشدنية أعرابيٌّ من شِق اليمامة بغير هاءٍ: بيني فإنك طالقٌ. جعله بيتاً غير مصرع، وأراد: أنك قد طلقت. وأنشدنا أبو العباس عن سلمة عن الفراء للفرزدق: رأيتُ خُتُونَ العام والعام قبلهُ ... كحائضةٍ يُزنى بها غير طاهر فأدخل هاء التأنيث في حائضة؛ لأنه بناه على المستقبلِ، وذكَّرَ (طاهراً)؛ لأنه أخرجه على حقِّه، ولم يبنِه على المستقبلِ. ويجوز في (غير طاهر) الخفضُ والنصبُ، فمن نصبه نصبه على الحال من الهاء، ومن خفضه جعله نعتاً لحائضة. وأما الذين نسبوا قول الفراء إلى التناقض في هذا الباب، واحتجوا عليه بأن العرب تقول: رجل بالغٌ، وامرأة بالغ، ورجُلٌ سافِرٌ، إذا

стр. 88

سَفَر عن وجهه، وامرأةٌ سافِرٌ، ورجُلٌ أيِّمٌ، وامرأةٌ أيِّمٌ، ورجُلٌ عاشقٌ، وامرأةٌ عاشقٌ، فلا يدخلون الهاء في نعت الأنثى، وهو نعتٌ يشترك فيه الرجالُ والنساءُ فأخطئوا. هذا الاحتجاجُ لا يلزمُ الفراء منه شيءٌ؛ لأن بالِغا وسافِرا وعاشِقا نُعوتٌ مذكرةٌ وُصِف بهن الإناثُ، فلم يؤنثن؛ إذ كان أصلُهن التذكير. والدليل على أن أصلَهن التذكيرُ أن الرجال يُوصفون بهذه الأوصاف أكثر مما يُوصفُ بهن النساءُ، وذلك أن قولهم: رجلٌ سافِرٌ أكثرُ من قولِهم: امرأة سافِرٌ، وقولُهم: رجُلٌ بالِغٌ أكثرُ من قولهم: امرأةٌ بالغٌ؛ لأنهم إذا أرادوا أن يصفوا المرأة بهذا قالوا: امرأةٌ "مُعصِرٌ"، فلا يُدخلُون الهاء في "مُعصِر"؛ لأنه لا حظ للرجال فيه، ويقال: قد أعصرت المرأةُ، إذا أدركت. أنشد الفراءُ لعمر بن أبي ربيعة: قلت: أجيبي عاشقا ... بحُبِّكُم مُكلفٌ فيها ثلاثٌ كالدمى ... وكاعبٌ ومُسلفُ

стр. 89

الكاعِبُ: التي قد كَعَبَ ثدياها. يقال: قد كَعَبَ ثدياها وكعَّب، ولم تدخُل علامةُ التأنيثِ في كاعبٍ؛ كما لم تدخل في حائض، ويقال: امرأة كاعبٌ وكعابٌ. قال الشاعر: أزمان ليلى كعابٌ غيرُ غانية ... وأنت أمردُ معروفٌ لك الغزلُ والغانية فيها ثلاثةُ أقوال: يقال: الغانية ذات الزوج كما قال الشاعر: أُحِبُّ الأيامى إذ بُثينةُ أيِّمٌ ... وأحببتُ لمّا أن غنيت الغوانيا

стр. 90

وقال عُمارة: الغانيةُ: الشابةُ التي تُعجِبُ الرجالَ، ويُعجبها الرجالُ، ويقال: الغانية: التي استغنت بجمالها عن الزينة. والمُسلِف: قال الكسائي: هي التي بلغت خمساً وأربعين سنة ونحوها و"النصفُ" نحوها. وقولهم: امرأةٌ عاشقٌ لم يُدخلوا علامة التأنيثِ فيه؛ لأنه مُذكر في الأصل، وذلك أن الرجُلَ يوصفُ بهذا أكثر مما تُوصفُ به المرأة، ومن العرب من يقول: امرأة عاشقةٌ، فيبنيه على تعشقُ. وقولهم: امرأةٌ عانسٌ لم يُدخلوا فيه علامة التأنيثِ؛ لأن النساء أغلبُ على هذا الوصف، فصار بمنزلة طالقٍ وحائض. وقولهم: رجل أيِّمٌ، إذا كان لا زوج له، وامرأة أيِّمٌ، إذا كان لا زوج لها لم يُدخلُوا الهاء في نعت الأنثى؛ لأن الغالب على هذا الوصفِ أن يكون للمؤنثِ، فكان بمنزلة قولهم: هند حائضٌ، وجُمل طالقٌ، وقال أبو عُبيدة: يقال: امرأة أيِّمٌ وأيِّمَةٌ، وأنشد أبو عُبيدة: ألا ليت شِعرِي هل أبيتنَّ ليلةً ... بوادي القُرى إني إذا لسعيدُ

стр. 91

وهل آتين سُعدى به وهي أيمٌ ... وما رث من حَبْلِ الوصال جديدُ وقال أبو عُبيدة: قال بعضُ الشعراء لسعد بن أبي وقاص: فأُبنا وقد آمت نساءُ كثيرةٌ ... ونِسوانُ سعدٍ ليس فيهن أيمُ ويقال: رجلٌ أيمانُ، إذا ماتت امرأتُه، وامرأةٌ أيمى، والجمع في ذلك كله أيامى. قال الأحنفُ بنُ قيسٍ: لأفعى تحكَّكُ في بيتي أحبُّ إلي من أيم رددت عنها كُفؤا. وقال الأحنف أيضاً: ثلاث لا أناة عندي فيهن: الصلاةُ إذا جاء وقتُها أن أصليها، ومَيِّتي إذا مات أن أواريه، وأيمي إذا جاء كُفؤها أن أُزوجها.

стр. 92

ويقال: رجل أيمانُ عيمانُ للذي يعام إلى اللبن، أي يشتهيه، فلا يقدرُ عليه ويقال: امرأةٌ أيمى عيمى. والعقيمُ بمنزلة الأيم. يقال: رجل عقيمٌ، وامرأة عقيمٌ، ولا يقال: عقيمة. وقولهم: رجُلٌ بادنٌ، وامرأة بادِنٌ، لم يُدخلوا فيه الهاء؛ لأن المؤنث أغلبُ عليه، فكان بمنزلة طالقٍ وحائض. ومما وصفوا به الأنثى ولم يُدخلوا فيه علامة التأنيثِ- لأن أكثر ما يوصف به المذكر- قولهم: أمير بني فلان امرأة ووصيّ، وفلانة وصيّ فلان، ووكيل فلان. ألا ترى أن الإمارة والوصية والوكالة الغالب عليها أن تكون للرجال دون النساء. وكذلك يقولون: مؤذن بني فلان امرأة، وفلانة شاهد فلان؛ لأن الغالب على الآذان والشهادة أن يكون للرجال دون النساء، ولو أفردت لجاز أن تقول: أميرة ووكيلة ووصية. أنشد سلمة عن الأحمر:

стр. 93

نَزُور أميرنا خبزا بسمنٍ ... وننظرُ كيف حادثت الربابُ فليت أميرنا وعُزِلت عنا ... مُخضبةً أناملُها كعابُ

стр. 94

المعنى: فليت أميرنا امرأةً كعابٌ مُخضبةٌ أنامُلها، فالكعاب خبر (ليت) و (مخضبة) كان نعتاً للكعاب، فلما تقدم عليها نصب على الحال؛ كما قال الشاعر: وبالجِسم منى بيناً لو علمته شُحوبٌ وإن تستشهدي العين تشهدي معناه: وبالجسم منى شُحوبٌ بينٌ لو نظرته، فلما تقدم نعتُ النكرةِ نُصِبَ على الحال. والأناملُ مرفوعةٌ بمعنى مخضبة. وربما أدخلوا الهاء، وأضافوا، فقالوا: فلانة أميرةُ بني فلان، ووكيلةُ بني فلان، ووصيةُ بني فلان. أنشدنا أبو العباس عن سلمة عن الفراء لعبد الله بن همام السلولي: فلو جاءوا بِسبَرَّةَ أو بهندٍ ... لبايعنا أميرةَ مؤمنينا وكذلك يقولون: فلانة كفيلةُ بني فلان، فيدخلون الهاء؛ لأن الكفالة تكون من الرجال والنساء، وكان السجستاني يسوي بين كفيلٍ وأميرٍ، وهذا غلط منه؛ لأن الإمارة لا تكاد تكونُ في النساء، والكفالة تكون في الرجال والنساء.

стр. 95

وقال أبو زيد الأنصاري: سمعت العرب تقول: وكيلات، فهذا يدل على وكيلة. وقال سيبويه في قولهم: امرأة حائضٌ وطالقٌ وطامثٌ: هي نُعوتٌ مذكرةٌ وُصِفَ بهن الإناثُ؛ كما يُوصفُ المذكر بمؤنث لا يكون إلا لمذكر؛ كقولهم: رجلٌ نُكحةٌ، وكان يذهب إلى أنهم ذكروا هذه النعوت؛ لأنها نعتٌ لشخصٍ وشيءٍ، فإذا قالوا: هندٌ حائضٌ أرادوا: هندٌ شخصٌ حائضٌ، وكذلك طالقٌ وطامثٌ، وما أشبه ذلك، وإذا قالوا: زيد نُ: حةٌ فهو في معنى زيد نسمةٌ نُكحةٌ. هذه ترجمة محمد ابن يزيد البصري.

стр. 96

قال أبو بكر: وهذا كله عندي خطاء؛ لأنا لو قلنا: هند حائضٌ ونحن نريد: هند شخصٌ حائضٌ، وشيءٌ حائضٌ للزمنا أن نقول: هندٌ قائم، وجُعلٌ جالسٌ على معنى: هندٌ شخصٌ قائمٌ، وجُملٌ شيء جالسٌ، وفي إجازة هذا خروجٌ عن العربية. وقال الفراءُ: يلزم من قال: حائضٌ وصفٌ لشيءٍ أن يقول: هذه امرأةٌ جالس ولا يقولُ: (هذه) بل يقول: هذا، وقال الفراءُ: يلزمه أن يقول: الحائضُ يحيض على معنى الشخص يحيض، وقال: لم نجد لهذا القول مذهبا. قال أبو بكر: ولو قلنا أيضاً: زيدٌ نُكحةٌ، ونحن نريد زيد نسمةٌ نكحةٌ للزمنا أن نقول: زيد قائمة على زيد نسمة قائمة، وهذا كلُّه محالٌ. ومذهب الفراء في نُكحةٍ وفي كلَّ نعتٍ لمذكرٍ دخلته هاءُ التأنيث أنه لا يخلو من أن يكون مدحاً أو ذماً. فإن كان مدحاً فهو مشبه بالداهية، وإن كان ذماً فهو مشبه بالبهيمة. واحتج بعضهم لسيبويه بقول الله ﵎: (فلمَّا رأى الشمس بازغةً قال: هذا ربي)، فقال: الشمسُ مؤنثةٌ أشار إليها

стр. 97

بالتذكير، ولم يُشر بالتأنيث، فيقول: هذه ربي؛ لأن المعنى: قال: هذا النور ربي، وهذا الضياء ربي، فلما ذكَّر الشمس وهي مؤنثة، وأشار إليها بالتذكير على معنى النور جاز أن تقول: هندٌ قائمٌ فتذكرَ اسماً مؤنثاً، ثم تَرجِعُ إلى معنى الشخص. وهذا احتجاج فاسد؛ لأن (هنداً) اسمٌ لمؤنثٍ حقيقيِّ التأنيثِ، والشمس ليس تأنيثُها تأنيثاً حقيقياً؛ لأنها من غير الحيوان، وكل ما كان من غير الحيوان فلا حقيقة لتأنيثه. ألا ترى أنه جائز أن يُقال: موعظتُك يُعجبني على معنى وعظُك يُعجبني، ولا يجوز: جاريتُك يُكرمُني على معنى: عَبدُك يُكرمني، واحتج أيضاً بقول عُروةَ بن حزام: فعفراءُ أرجى الناس عندي مودةً ... وعفراءُ عني المُعْرِضُ المتواني فقال: معناه: وعفراء عني الشخصُ المعرِضُ، وهذا غير جائز عند الكوفيين، وقالوا: إنما ذكَّر (المعرض)؛ لأنه أراد التشبيه، وعفراءُ عني مثلُ المعرض، والمؤنث قد يُشبه بالمذكر، وكذلك المذكر يُشبَّه بالمؤنث

стр. 98

ألا ترى أنك تقول: هندٌ الظالمُ على معنى: هندٌ مثلُ الظالم، وتقول: زيدٌ الشمسُ على معنى: زيد مثلُ الشمس. واحتجوا أيضاً بقول الآخر: ألا ما للوجيهة لا تعودُ ... أبُخلٌ بالوجيهةِ أم صدود فلو كنت المريض لجئتُ أسعى ... إليك وما تهددني الوعيد قال معناه: فلو كنتِ الشخص المريض. والقول عندي في هذا أنه أراد التشبيه، أي فلو كنتِ مثلَ المريض، أي لو أشبهتِ المريض لفعلت هذا، فكيف لو كنت مريضة على حقيقة المرض. واحتج أيضاً بقول امرأة من العرب: قامت تُبكيهِ على قبرِهِ ... من لي بعدك يا عامرُ تركتني في الدار ذا غُربةٍ ... قد ذلَّ من ليس له ناصرُ قال: أرادت: تركتني في الدار شخصاً ذا غُربةٍ. وهذا الجواب عند الكوفيين خطاءٌ، والذي عندهم في هذا أنه ذكَّر ذا، لأنه للنون والياء. والنونُ والياءُ تكون اسم المتكلِّم والمتكلِّمة. ألا ترى أن الرجُلَ يقول: كلِّمني محمدٌ، فيكون اسمُه النون والياء، وتقول المرأة: كلمني محمد، فيكون اسمُها النون والياء، فلما كان ذلك كذلك أخرجوا (ذا) على لفظ النون والياء؛ إذ كانت تكون للمذكر والمذكَّرُ هو الأصلُ.

стр. 99

وحكى الفراءُ عن الكسائي أنه سمع امرأة من العرب تقول: أنا امرؤ أُريد الخيرَ، فقالت: أنا امرؤ، ولم تَقُلْ: أنا امرأة؛ لأنها أخرجته على لفظ (أنا) ولفظ (أنا) مذكر. وقال الأخفشُ وغيرُه من البصريين: إنما قالت العربُ: هندٌ حائضٌ، فذكروا (حائضاً)؛ لأنهم أرادوا: هند ذاتُ حيضٍ، ولم يُريدوا هندٌ حاضت أمس، أو تحيض غدا. قالوا: ولو أردت هذا المعنى لأدخلت عليه علامة التأنيث؛ كما تُدخِلُها في قائمة وقاعدة، وكذلك قولهم: امرأة طالقٌ وطامِثٌ معناه عندهم: ذاتُ طلاق وذاتُ طمث. وهذا القول عندي غلطٌ؛ لأنه يلزم قائليه أن يقولوا: هندٌ قائمٌ، وجُمْلٌ امرأةٌ جالسٌ على معنى: هي ذاتُ قيام، وجلوسٍ، فيكونُ في (قائم) عندهم وجهان؛ كما كان في حائض وجهان: إذا بُني على الفعلِ قيل: امرأة قائمةٌ؛ كما يقال: امرأة حائضةٌ، وإذا لم يُبنَ على الفعلِ قيل: هذه امرأة قائمٌ على معنى: هذه ذاتُ قيام؛ كما يُقالُ: هذه امرأةٌ حائضٌ، على معنى: هذه ذاتُ حيضٍ. ومن أجاز: هذه امرأةٌ قائمٌ فقد خرج عن العربية. ومما يدلُّ على صحة قولِ الفراء وعلى فسادِ القولين الآخرين أنهم يقولون: امرأة قاعدةٌ بالهاء إذا أرادوا الجلوس فيدخلون الهاء في هذا النعتِ؛ لأنه يشترك فيه الرجالُ والنساءُ، ويقولون: امرأةٌ قاعدٌ

стр. 100

التي قعدت عن الحيض، فلا يُدخِلُونَ الهاء في هذا النعتِ؛ لأنه لا حظٌ للرجال فيه، وكذلك يقولون: امرأة قاعدٌ، إذا أرادوا أنها قعدت عن الولد، ويئست منه، فهذا وصفٌ لا يكونُ إلا للنساء، ولا يُحتاجُ فيه إلى علامةِ التأنيث. قال حُميد بن ثور: إزاءُ معاشٍ ما يزالُ نطاقها ... شديداً وفيها سؤرةٌ وهي قاعدُ فذكَّر؛ لأن المعنى: وهي قاعدٌ عن الولد والحيض. والسؤرة: البقية من الشباب، فلو كان على ما قاله سيبويه والأخفشُ لوجب أن يقال: هندٌ قاعدٌ على الأرض، بمعنى جالسة، وهند قاعدٌ عن الولد، فيُسوى بين هذين النعتين؛ لأنهماوصفان لشخصٍ وشيء، أو يكونُ معناهما: هي ذاتُ قُعود على الأرض وذات قُعود عن الحيض، ففرقُ العربِ بين هذين المعنيين يدل على صحةِ قول الفراء.

стр. 101

ومما يدل أيضاً على صحة قوله وفساد القولين الآخرين أن يعقوب ابن السكيت حكى عن الأصمعي أنه قال: يُقال: امرأةٌ طاهر، إذا أردت الطُهر من الحيض، فإذا أردت أنها نقيةٌ من العُيوبِ والدنس قلت: طاهرة. قال أبو بكر: ففرقُهم بين هذين المعنيين بتذكير ما ليس للرجال فيه حظٌّ، وتأنيث ما يشترك فيه الرجالُ والنساءُ يدل على صحة قول الفراء، وقد كان أبو حاتم سهلُ بن محمد السجستاني على شدة تعصبه على الكوفيين وادعائه عليهم الأباطيل انكشف له عُوار قولِ أصحابه في هذا، فرفضه، ورغِبَ عنه، وأخذ بقول الفراء. والقاعدةُ أيضاً بالهاء: واحدة القواعد، وهي الأساسُ. قال الله تعالى: (وإذ يرفعُ إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيلُ) معناه: يرفعان الأساس، وقال الكُميتُ: في ذروةٍ من يفاع أولهم ... زالت عواليها قواعدها وأنشد أبو عُبيدة: وعاديةٍ من بناء الملو ... كِ تمت قواعد منها وسورا وقول الله : (والقواعدُ من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً)

стр. 102

واحدُ القواعد ها هنا: قاعدٌ بغير هاء؛ لأنه من القعود عن الحيض. ويقال: امرأة ناتقٌ، إذا كانت كثيرة الولدِ، وامرأة عارِكٌ، إذا حاضت. وقال الفراءُ: يجوز أن تقولَ: زيد حائضٌ، إذا أردت أنه يحوضُ حَوضَه، أي يُصلحه، فإذا أردت هذا المعنى قلت: امرأة حائضةٌ، إذا أردت أنها تحُوضُ حوضها، ولا يجوز أن تقول على هذا المعنى: امرأةٌ حائضٌ؛ لأن هذا مما يشترك فيه الرجالُ والنساءُ. ويقالُ: امرأةٌ حادُّ، إذا تركت الكُحلَ على زوجها.

стр. 103

ويقال: جارية ناهدٌ إذا نَهَدَ ثدياها. ويقال: ريح عاصفٌ وعاصفةٌ، فمن قال: عاصفٌ بغير هاء قال: العُصوف لا يكون إلا للربح، وهي أنثى، ومن قال: عاصفةٌ بناه على المستقبل، أي تعصفُ. قال الله جل ثناؤه: (جاءتها ريحٌ عاصفٌ)، على معنى قد عصفت، وانقطع العصوف، وقال الله جل وعز في موضع آخر: (ولسليمان الريح عاصفة)، على معنى تعصفُ، إذا أمرها سُليمان صلى الله عليه بإذن الله ، وقال الفراء: يقال: عصفتِ الريحُ بغير ألف. قال: وبنو أسدٍ يقولون: أعصفت الريحُ بالألف. قال: وأنشدني بعضُ بني دُبيرٍ: حتى إذا أعصفت ريحٌ مزعزعةٌ ... فيها قطارٌ ورعدٌ صوته زجِلٌ

стр. 104

ويقال: امرأة ناشزٌ وناشصٌ، إذا نشزت على زوجها، وامرأة جامحٌ، بمعنى ناشز، وامرأة عاطلٌ، لا حلىَ عليها، ويقال: ظبيةٌ فاقدٌ، إذا فقدت ولدها، وشاةٌ

стр. 105

والدٌ، ويقال: امرأة فاركٌ، إذا أبغضت زوجها، ويقال في الجمع: فواركُ، فإذا أغضها قيل: قد صلفتْ عنده تصلف صلفا، ويقال: قد فرِكَتْه تَفْرَكُهُ فِركا، إذا أبغضتهُ. أنشدنا أبو الحسن بنُ البراء قال: أنشدني محمد بن حفص اليمامي لمتمم بن نُويرة: أقولُ لهندٍ حين لم أرض فعلها ... أهذا دلالُ العشقِ أم فعلُ فارِكِ أم الصرمُ ما تهوين كُلُّ مفارقٍ ... يسيرٌ علينا فقدُه بعد مالك

стр. 106

ويقال: ناقة عائذٌ إذا كانت حديثة النتاج ويقال في الجمع: عوائذ وعُوذٌ قال ابن هرمة: لا أُمتِعُ العُوذَ بالفصال ولا ... أبتاعُ إلا قريبةَ الأجلِ

стр. 107

ويقال: ناقة ماخِض إذا ضربها المخاضُ، وناقة شامذ، إذا لقحت فشالت بذنبها، ويقال لها أيضاً - إذا شالت بذنبها للقاح- شائل والجمع شوَّلٌ. قال أبو النجم: كأن في أذنابهن الشول

стр. 108

فإذا أتى على الناقة سبعةُ أشهرٍ من نتاجها أو ثمانيةٌ، فخفِّ لبنُها وضرعُها فهي شائلة، والجمع: شولٌ، وهذا مما شذ عن الباب، وجاء على غير القياس، وذلك أن الأول يشتركُ فيه المذكر والمؤنثُ. يقال: شال البعيرُ بذنبهِ، وشالت الناقةُ ذنبها، والثاني تنفرد به الأنثى دون الذكرِ، فكان يجب ألا تدخله علامةُ التأنيث. ويقال: ناقةٌ بائكٌ، إذا كانت فتيةٌ حسنةٌ، والجمع بوائكُ. ويقال: ناقةٌ واسقٌ، وقد وسقتْ تَسِقُ وسقا، ونُوق مواسيقُ وهو جمع على غير القياس، إذا أغلقت الرحم على ماء الفحلِ.

стр. 109

ويقال: ناقة قارحٌ، وقد قرحت تقرحُ قروحاً؛ حين يستبينُ حملُها. ويقال: ناقةٌ حائلٌ، إذا لم تحمِلْ عامها، ويقال: ناقة خادجٌ إذا ألقتْ ولدها قبل تمام الحملِ. قال أبو عبيد: يقال: خدجت

стр. 110

الناقة، إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج، وإن كان تام الخلق، ويقال: أخدجت الناقة، إذا ألقت ولدها ناقصَ الخَلق، وإن كان لتمام الحملِ، ويقال: أخدج الرجل صلاتهُ فهو مُخدجٌ، وهي مُخدجةٌ، إذا نقصها، والخداجُ: النُقصان. قال النبي ﷺ : (كل صلاة لا يقرأُ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِداجٌ)، ومنه قول النبي ﷺ في ذي الثدُية (إنه مُخدجُ اليد). معناه: ناقص اليد، والثديَّة صُغرت بالهاء والثدي مذكر، لأنه ذُهِبَ إلى لحمةٍ من الثدي أو قطعةٌ من الثدي، وبعضُهم يرويه: ذا اليُدية، بالياء، فيجعله تصغير اليد. ويقال: ولدٌ تَمامٌ وتِمامٌ، وقمَر تَمامٌ وتِمامٌ، بالفتح والكسر
следующие страницы →