← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17821

الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية

عابد السفياني

Полный текст (594 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (١). والصادقون هم أصحاب رسول الله ﷺ ، فأبوا إلّا مخالفتهم فذاقوا وبال أمرهم .. وأصاب المجتمع الإِسلامي بسبب تغييرهم وتبديلهم وتلقيهم من روافد خارجية وعدم اكتفائهم بالوحي فتن أشدها الاضطرابات الفكرية .. ولولا أن قيّض الله لهذا الدين من ينفي عنه تأويل وتحريف أهل الأهواء ويذكّر المسلمين بثبات هذا الدين عقيدة وشريعة وكفايته عن جاهليات الأرض لعصفت تلك الأهواء بالمجتمع الإِسلامي، وقد كان من آثارها أن انشغل الناس بما يضرهم ولا ينفعهم وذهب جهد المصلحين في درء هذا الخطر الجديد -ولو أن المجتمع الإِسلامي سلم من شر الأهواء والفتن لتوفّر جهد المصلحين وانطلق بالأمة لنشر الحق في الأرض- ومن يدري فلعل هذا الجهد لو سلم من تلك العقبات لكفى في إقامة الخلافة في جميع بقاع العالم .. ولكن الأمر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢). ولقد استمر المجتمع الإِسلامي في أداء مهمته ومتابعة الجيل الأول وإنْ لم يبلِغ مبلغه .. وما زالت الأهواء يحرسها الشيطان ويربي لها أتباعه فهي تَكْمُن حيناً وتظهر حيناً آخر لعلها تجعل الانحراف أصلاً وخاصة بعد أن جاءت ثقافات الأمم الجاهلية المتمثلة في المذاهب الفكرية المعاصرة تنادي بتغيير الدين وتبديله وتدعوا للتلقي من روافد خارجية عن الإِسلام -تتمثل في المذاهب المعاصرة وأنظمتها الوضعية- التي يُطلق عليها "الغزو الفكري" فجاء الغزو الحديث يريد أن يسعى لتغيير المفاهيم والأحكام كما سعى من قبل الغزو القديم فغير منهج التلقي عند أتباعه في قاعدة هي عمدة المنهج القرآني في التربية ألا وهي تذْكِير الناس بصفات الله سبحانه وصفات شريعته .. فإلى الحديث عن معنى الثبات والشمول في الشريعة، وتجلية موقف السلف من المفسرين والفقهاء والأصوليين من خلال دراسة بعض الآيات القرآنية والقواعد المقررة من الشريعة. * * *

стр. 107

المبحث الأول المقصود من الثبات والأدلة على ذلك وفيه مطالب: المطلب الأول معنى الثبات في اللغة جاء في لسان العرب: "تقول ثبت الشيء يثبت ثباتاً وثُبوتاً فهو ثابت" (١). وكل ذلك مأخوذ من الثبات، وجاء في الصحاح للجوهري: "ثبت الشيء ثباتاً وثبوتاً وأثْبَتَهُ غيره وثبّته بمعنى" (٢) .. ومنه قولهم: "قول ثابت" (٣). قال ابن القيم: "ومادة التثبيت أصله ومنشأه من القول الثابت .. والقول الثابت هو القول الحق والصدق وهو ضد القول الباطل الكذب، فالقول نوعان: ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له، وأثبت القول كلمة التوحيد ولوازمها" (٤). فقول الله سبحانه وقول رسول الله ﷺ هما الحق الثابت الذي لا يتغير ولا يتبدل، وقد ختم الله سبحانه شرائعه بهذه الشريعة التي أرسل بها نبيه - عليه

стр. 108

الصلاة والسلام -، فأحكمها سبحانه فهي موصفة بصفة الثبات والبقاء" (١). هذا ما ورد في اللغة عن معنى الثبات، وهو المعنى الشرعي الذي أقصده هنا، فما جاء به الوحي من عند الله سواء باللفظ أو المعنى دون اللفظ وانقطع الوحي عن الرسول ﷺ وهو لم ينسخ فهو ثابت محكم له صفة البقاء والدوام لا تغيير له ولا تبديل، وهو كذلك أبداً إلى يوم القيامة، وإليك الأدلة في المطالب الآتية. المطلب الثاني الدليل الأول على ثبات الشريعة قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢). قال الإِمام ابن كثير ﵀ مبيناً معنى هذه الآية: "صدقاً فيما قال وعدلاً فيما حكم، يقول: صدقاً في الأخبار وعدلاً في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه ولا شك وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلّا عن مفسدة، كما قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣). إلى آخر الآية. ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي ليس أحد يعقب حكمه تعالى لا في الدنيا ولا في الأخرة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوال عباده ﴿الْعَلِيمُ﴾ بحركاتهم وسكناتهم الذي يجازي كل عامل بعمله" (٤). وهذا الحق والصدق والعدل الثابت التام الذي لا مبدّل له والذي تمثله هذه "الشريعة الربانية" يقابله الضلال والظنون والباطل الذي تحمله شرائع

стр. 109

البشر وأهوائهم. فبعد أن قرر الله سبحانه أن كتابه هو الحق الثابت الذي لا مبدّل له. بيّن سبحانه أن أكثر أهل الأرض لا يتبعون إلّا الظن والأوهام والباطل والضلال. ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (١). وهذا الظن والوهم باطل وضلال لا قرار له ولا ثبات. وترجم الأستاذ سيد قطب هذا المعنى في تفسيره فقال: "لقد تمت كلمة الله سبحانه صدقاً فيما قال وقرر، وعدلاً فيما شرع وحكم فلم يبق بعد ذلك قول لقائل في عقيدة أو تصور أو أصل أو مبدأ أو قيمة أو ميزان ولم يبق قول لقائل في شريعة أو حكم أو عادة أو تقليد ... إنه ليس "المجتمع" هو الذي يُصْدر هذه الأحكام وفق اصطلاحاته المتقلبة ... ليس المجتمع الذي تتغير أشكاله ومقوماته المادية فتتغير قيمه وأحكامه ... حيث تكون قيم وأخلاق للمجتمع الزراعي، وقيم وأخلاق أخرى للمجتمع الصناعي، وحيث تكون هناك قيم وأخلاق للمجتمع الرأسمالي البرجوازي، وقيم وأخلاق أخرى للمجتمع الاشتراكي أو الشيوعي ... ثم تختلف موازين الناس وموازين الأعمال وفق مصطلح هذه المجتمعات! الإِسلام لا يعرف هذا الأصل ولا يقره .. الإِسلام يعين قيماً ذاتية له يقررها الله - سبحانه - وهذه القيم تثبت مع تغيّر "أشكال" المجتمعات" (٢). هذا هو الأصل الذي يقرره القرآن، وهذه هي العقيدة التي يتميز بها الإِسلام عن سائر المذاهب البشرية، وتتميّز به شريعته كذلك عن سائر القوانين

стр. 110

البشرية ... إن البشر وهم يضعون الأحكام لا يدركون طبيعتهم ولا حقيقة الفطرة ولا حقيقة الإِنسان ولا حقيقة الكون ومن ثم تحملهم الظنون والأوهام فيضعون الأحكام التي تحكم الإِنسان والمجتمع على غير علم ولا بصيرة .. ويلجؤون أمام هذا الوهم والظن والجهل إلى تغيير هذه الأحكام وتبديلها حسب تغيّر نظرتهم للإِنسان وفطرته ... وُيصرّون على أن يدركوا حقيقة الفطرة وحقيقة الكون والحياة وهم لا يملكون القدرة على ذلك .. فلا يزالون يخرجون من قانون إلى قانون ومن فكرة إلى فكرة ومن مذهب إلى مذهب يتخبطون وتتخبط معهم مجتمعاتهم وتضطرب أفئدتهم ونفوسهم فلا يزالون منحرفين تلعب بهم رياح المذاهب المختلفة المتناقضة المضطربة المتبدلة المتغيّرة لا تأوي بهم إلى قرار ولا تخرجهم من حيرة ولا تمنعهم من شقوة. والله العليم الخبير الحكيم الرحيم يدعوهم -وهو العليم بهم وبما حولهم من خلق السماوات والأرض- يدعوهم إلى الكلمة الثابتة والمنهج المستقر التام الذي شرعه الله لنفوسهم وعقولهم وأرواحهم وأبدانهم ومجتمعاتهم يكفل لهم ولفطرهم ولهذه الحياة والأحياء العدل والصدق في العقيدة والشريعة .. فلا ظنون ولا أوهام ولا جهل ولا ضلال ولا ضياع ولا تغيير ولا تبديل .. "وتمت كلمة ربك عدلًا وصدقاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم". المطلب الثالث الدليل الثاني وهو دليل يتكون من مقدمتين: الأولى: أن هذه الشريعة شرعها الله العليم الحكيم لتحقيق مصالح العباد. الثانية: يلزم من ذلك أن لا يختل لها به نظام لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء، وهذا معنى الثبات. دليل المقدمة الأولى: استقرأ الإِمام الشاطبي الشريعة من أكثر من موضع، فوجد أن تفاصيل

стр. 111

العلل للأحكام قد انتشرت في القرآن والسنة، وأن ذلك يفيد أنها شرعت لمصالح العباد، وهذا الاستقراء - كما يقول ﵀ لا يستطيع أن ينازع فيه أحد (١). إجراء الاستقراء: وردت آيات كثيرة في القرآن تفيد بأن الأحكام شرعت لمصالح العباد، ومن هذه الآيات: ١ - ما ورد في بعثة الرسل الذين بلغوا الشرائع وهم الأصل ومن ذلك قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٢).

стр. 112

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١). فالرسل بعثوا رحمة للعباد، والرحمة بهم هي حفظ مصالحهم فشرائع الرسل جاءت إذاً بمصالح العباد العاجلة والآجلة. ٢ - ما ورد في أصل الخلقة: فقد امتن الله على عباده بأنه إنّما خلقهم لعبادته ووعدهم على ذلك الحياة الطيبة في الدنيا والثواب المقيم في الآخرة، وهذا معنى أن هذه الشرائع التي جاءت تحمل تكاليف العباد إنّما جاءت لمصالحهم. ومن هذه الآيات الدالة على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٢). ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣). ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٤). ٣ - وأما التعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة فأكثر من أن تحصى، منها: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ (٥).

стр. 113

والآية جاءت بعد آية الوضوء، وقال في الصيام: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١). وفي الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٢). ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٣). وفي القصاص: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤). ومقصود الإِمام الشاطبي من هذه الآيات والأمثلة التنبيه كما قال (٥) وأما حصر الآيات الواردة في الحكمة من إرسال الرسل ومن خلق الإِنسان والحياة والموت وكذلك ما ورد فيها من ذكر تفاصيل العلل فإن ذلك يحتاج إلى كتاب جامع يحصرها لكثرة انتشارها في نصوص الكتاب والسنة، ولذلك نجد الحافظ ابن القيم ﵀ قد ذكر آيات وأحاديث كثيرة جداً تدعم هذا الاستقراء وتقويه وتؤكده (٦). وأما دليل المقدمة الثانية: فإن الشريعة لو وُضِعتْ على غير حالة الثبات لأدى ذلك إلى تغييرها، فإذا تغير منها شيء اختل، ولأن تغيّر شيء منها موجب

стр. 114

لأن تنتقل من حالة كونها مشروعة للمصالح على الإِطلاق إلى الضد من ذلك -وهوخلاف الدليل، لأن الشارع قاصد بها أن تكون مصالحٍ على الإِطلاق- "فلابد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبدياً وكلياً وعاماً في جميع أنواع التكليف والمكلفين وجميع الأحوال" (١). المطلب الرابع الدليل الثالث إن العصمة ثابتة لهذه الشريعة ولرسولها ﷺ ولهذه الأمة فيما اجتمعت عليه: وهذا يؤكد معنى ثبات الشريعة، فهي معصومة أبداً من الخطأ والزلل والعبث، ومنزهة عن كل عيب، فكما أن الله سبحانه الذي أنزلها منزه عن كل نقص موصوف بكل كمال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢). فكذلك هذه الشريعة منزهة عن الخلل والاختلاف ومبرئة من كل نقص وموصوفة بكل كمال. فمن آمن بأن الله منزه عن الظهير والشريك والند والمثيل وجب عليه أن يؤمن بان شريعته هي الحق وما خالفها هو الباطل. وإذا انتفى النقص والخلل في الشريعة انتفى التعقيب عليها، فهي إذن شريعة ربانية موصفة بكل كمال، فلا يسوى بها غيرها أو يقدم عليها. ويؤكد ملازمة هذا الوصف لها أن الله ختمها وأخبرنا بحفظها وجعل نبيها معصوماً، وأمته فيما اجتمعت عليه معصومة، وسيأتي الحديث عن الإِجماع في موضعه ونكتفي هنا ببيان كيفية الحفظ الذي وعد الله به عباده من خلال دراسة بعض الآيات ومن ذلك قوله تعالى:

стр. 115

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١). فقد حفظ الله هذا القرآن من أن يزاد فيه أو ينقص منه: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٢). ومَنْعُ القرآن من الخلل والفساد وحفظه واتقانه كل ذلك من معنى الإِحكام الوارد في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ (٣). فالإحكام الاتقان والمنع من الفساد كما ورد في لسان العرب (٤) وأحكم الله آياته أي منعها من الفساد والخلل والدخل والباطل وهو تفسير قتادة واختيار الطبري وقال عنه القرطبي وهو أحسن ما قيل في تفسير الآية (٥). ومثلها في إفادة هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ (٦). قال الشاطبي عند هذه الآية مبيناً أنّ الحفظ يشمل السنة كذلك، قال: "فأخبر أنه يحفظ آياته ويُحْكمها حتى لا يخالطها غيرها، ولا يداخلها التغيير ولا التبديل، والسنة وإنْ لم تُذكر فإنها مُبيّنةُ له ودائرة حوله، فهي منه، وإليه

стр. 116

ترجع في معانيها، فكل واحد من الكتاب والسنة يعضد بعضه بعضاً، ويشد بعضه بعضاً" (١). ثم ذكر أدلة أُخرى على الحفظ (٢)، ثم قال: "وهو كله من جملة الحفظ، والحفظ دائم إلى إن تقوم الساعة، فهذه الجملة تدلك على حفظ الشريعة وعصمتها عن التغيير والتبديل" (٣). قال الغزالي في المستصفى: "السلف من الأئمة مجمعون على دوام التكليف إلى يوم القيامة" (٤) ولا يتحقق ذلك إلا بثبوت الشريعة وسلامتها من التغيير والتبديل، وإلّا فإنها لو تغّيرت وتبدّلت لانقطع التكليف بها. ولقد تحقق حفظ هذه الشريعة من التغيير والتبديل وذلك بما يسره الله حيث قيّض لها من يحفظها، فجعل الأمة بمجموعها حافظة للشرع، فالعصمة في الحفظ ثابتة لكل طائفة بحسب ما حملته من الشرع، وهذا واقع مشهود تحقق به وعد الله سبحانه الذي تكفل بحفظ هذه الشريعة: ١ - فالقراء معصومون في حفظ القرآن وتبليغه. ٢ - والمحدثون معصومون في حفظ الحديث وتبليغه. ٣ - والفقهاء معصومون في فهم الكلام والاستدلال في الأحكام وهذا هو الواقع المعلوم .. (٥).

стр. 117

نعم هذا هو الواقع المعلوم الممتد من زمن رسول الله ﷺ إلى الآن واسمع للإِمام الشاطبي يُبين هذا في عبارة رصينة مستدلاً به على عصمة الشريعة وحفظها من التبديل والتغيير، فيقول: "الاعتبار الوجودي الواقع من زمن رسول الله ﷺ إلى الآن، وذلك أن الله وفّر دواعي الأمة للذب عن الشريعة والمناضلة عنها بحسب الجملة والتفصيل: أمّا القرآن الكريم فقد قيّض الله له حفظه بحيث لو زِيدَ فيه حرف واحد لأخرجه الآلاف من الأطفال الأصاغر فضلاً عن المَراء الأكابر، وهكذا جرى الأمر في جملة الشريعة، فقيّض الله لكل علم رجالاً حَفِظَهُ على أيديهم، فكان منهم قوم يذهبون الأيام الكثيرة في حفظ اللغات والتسميات الموضوعة في لسان العرب حتى قرروا لغات الشريعة في القرآن والحديث وهو الباب الأول مر أبواب الشريعة إذْ أوحاها الله إلى رسوله على لسان العرب. ثم قيض رجالًا يبحثون عنِ تصاريف هذه اللغات في النطق فيها رفعاً ونصباً وجراً وجزماً وتقديماً وتأخيراً وإبدالاً وقلباً واتباعاً وقطعاً وإفراداً إلى غير ذلك من وجوه تصاريفها في الِإفراد والتركيب، واستنبطوا لذلك قواعد ضبطوا بها قوانين الكلام العربي على حسب الإمكان، فسهّلَ الله بذلك الفهم عنه في كتابه وعن رسوله ﷺ في خطابه. ثم قيّض الحق سبحانه رجالاً يبحثون عن الصحيح من حديث رسول الله ﷺ وعن أهل الثقة والعدالة من النقلة حتى ميّزوا بين الصحيح والسقيم وتعرفوا التواريخ وصحة الدعاوى في الأخذ لفلان من فلان حتى استقر الثابت المعمول به من أحاديث رسول الله ﷺ . وكذلك جعل الله العظيم لبيان السنة من البدعة ناساً من عبيده بحثوا عن أغراض الشريعة كتاباً وسنة، وعما كان عليه السلف الصالحون وداوم عليه الصحابة والتابعون، وردوا على أهل البدع والأهواء حتى تميز أتباع الحق عن أتباع الهوى.

стр. 118

وبعث الله تعالى من عباده قراء أخذوا كتابه تلقياً من الصحابة وعلّموه لمن يأتي بعدهم، حرصاً على موافقة الجماعة في تأليفه في المصاحف حتى يتوافق الجميع على شيء واحد ولا يقع في القرآن اختلاف من أحد من الناس. ثم قيّض الله تعالى أناساً يناضلون عن دينه ويدفعون الشبه ببراهينه ... وبعث الله من هؤلاء سادة فهموا عن الله وعن رسول الله ﷺ فاستنبطوا أحكاماً فهموا معانيها من أغراض الشريعة في الكتاب والسنة: تارة من نفس القول وتارة من معناه، وتارة من علة الحكم حتى نزلوا الوقائع التي لم تُذْكر على ما ذُكِر وسهّلوا لمن جاء بعدهم طريق ذلك .. وهكذا جرى الأمر في كل علم توقف فهم الشريعة عليه أو احْتِيجَ في ايضاحها إليه وهو عين الحفظ الذي تضمنته الأدلة المنقولة وبالله التوفيق" (١). ولا يقال كيف يتم الحفظ - الذي هو قاعدة من قواعد الثبات والشمول مع أنه لايمكن لأحد من أهل العلم بالعربية أن يجمع لغة العرب، ولا يمكن لمحدّث أن يجمع الحديث كله، وهكذا في سائر العلوم التي تخدم الشريعة. لأنّا نجيب بما ذكره الإِمام الشافعي ﵀ في الرسالة حيث أشار إلى أن الله قد حفظ علم الشريعة حيث قيض له رجالاً يقومون بجمعه وحفظه، فلا يضيع منه شيء. فلسان العرب محفوظ لا يجمعه عالم واحد ولا يضيع علمه عن علماء اللغة، وكذلك علم الحديث محفوظ لا يجمعه عالم بالحديث ولا يضيع علمه عن علماء الحديث. وما ذكره الإِمام ابن تيمية وفضّله الشاطبي أصله في الرسالة للإِمام الشافعي عند كلامه على أن القرآن إنما نزل بلسان العرب، فمن علم لسان العرب أمكنه أن يعلم كتاب الله .. فقال: "ولسان العرب أوسع الألسنة مذهباً

стр. 119

وأكثر ألفاظاً ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها حتى لا يكون موجوداً فيها من يعرفه. والعلم به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه: لا نعلم رجلاً جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء، فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن وإذا فُرّق عِلْمُ كلِ واحدٍ منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب عليه منها موجوداً عند غيره .. " (١). وبهذا حفظ الله دينه فلم يذهب من علم الحديث على المحدّثين شيء، ولا من علم الفقه على الفقهاء شيء، ولا من علم التفسير على المفسرين شيء، ولا من علم العربية على علمائها شيء ... وهكذا في سائر العلوم وهذا متحقق ومشاهد والحمد لله، وهو آية من آيات الله دالة على بقاء هذا الدين ما بقيت الحياة على هذه الأرض ولقد كان للقراء والمحدثين والفقهاء .. أسوة في صحابة رسول الله ﷺ حيث كانوا محافظين على هذه الشريعة من حيث ثبات نصوصها وثبات الفهم الصحيح لها، وإذا كنا تحدثنا عن الأول في هذا المطلب فلنتحدث عن الثاني في المطلب الآتي وبالله التوفيق. المطلب الخامس تطبيقات على منهج الصحابة - رضوان الله عليهم - في المحافظة على ثبات الأحكام إن جيل الصحابة - رضوان الله عليهم - أعلم أجيال هذه الأمة بالوحي ولغة العرب، وأصدقها في الفهم والنقل، وأحرصها على حراسة هذه الشريعة ونصرتها ودفع الشبه عنها بحيث صار هذا الجيل هو القدوة العملية والحجة على كافة الأجيال بعد ذلك، تحقيقاً لقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢).

стр. 120

فقد وصفهم الله بالصدق فمن أراده فليلزمْ طريقَهم، ويتبعْ منهجهم فلقد كانوا حريصين حرصاً بالغاً على المحافظة على هذه الشريعة، وشمل هذا الحرص المحافظة على نصوصها والمحافظة على فهمها، ليتحقق لهم وللأجيال من بعدهم ثباتاً في النص وثباتاً في الفهم (١). فكان من كبار الصحابة - رضوان الله عليهم - من يترك "المندوب" المستحب مخافة أن يعتقد الناس أنه واجب، وهذا منهم محافظة على ثبات الحكيم الشرعي، لأن ما كان مستحباً ينبغي أن يكون كذلك ومن اعتقد أنه واجب بُيّن له بالقول وبالفعل أنه غير واجب، فَتَرْكُ بعض الصحابة له بيانٌ بالعمل على أنه ليس بواجب، وهذا البيان -وهو المحافظة على ثبات الحكم آكد- فهو إذن مقدم على فعل المستحب.

стр. 121

ونضرب لذلك مثالاً يثبت ما نقصد إليه، ونكتفي ببيان موقفهم من "الأضحية" وهي مستحبة عند أكثر أهل العلم (١)، وقد كان أبو بكر وعمر وأبو مسعود الأنصاري لا يُضَحون لكي لا يظُن الناسُ أن الأضحية واجبة وحتم عليهم، روى أبو سريحة الغفاري قال: "ما أدركت أبا بكر أو رأيت أبا بكر وعمر ﵄ كانا لا يضحيان -في بعض حديثهم- كراهية أن يُقْتدى بهما" (٢). وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: "إنّي لأدع الأضحى وإني لموسر مخافة أن يرى جيراني أنه حَتْمٌ عليّ" (٣). وهذا من الصحابة محافظة بالعمل -على ثبات الحكم- الذي هو مطلوب من كل من يُقْتدى به فإن القول قد لا يكفي في البيان في بعض الأحيان فلا بد من الفعل. وهذا دليل على أن الحكم يجب أن يبقى على الصفة التي شُرِعَ عليها وهذا هو معنى ثبات الحكم، فالأضحية مثلاً مندوب إليها وقد يظن بعض الناس أنها واجبة فبيّن كثير من الصحابة حكمها بالعمل، والبيان آكد، وذلك ليعلم من ظن وجوبها أنها ليست واجبة، إذْ لو كانت واجبة ما تركها هؤلاء الأئمة الذين يُقْتدى بهم.

стр. 122

وكما لا يُسوى بين المندوب والواجب حتى لا تتغيّر الأحكام وتتبدّل كذلك لا يُسوى بين المباحات والمندوبات ولا بينها وبين الكروهات، قال الإِمام الشاطبي: "المباحات من حقيقة استقرارها مباحات أنْ لا يُسوى بينها وبين المندوبات ولا المكروهات" (١). و"المكروهات من حقيقة استقرارها مكروهات أن لا يسوى بينها وبين المحرمات ولا بينها وبين المباحات" (٢). ومن أمثلة ذلك: قول النبي ﷺ عن كراهيته لأكل الضب: " ... لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه" (٣)، وأُكِلَ على مائدته فأقر ذلك، فظهر أنه مباح الأكل، فلمْ يُسو بينه وبين الحرام أو المكروه، وكذلك المكروهات لو سُوّي بينها وبين المحرمات لتوهمها الناس محرمات فإذا طال عليهم العهد صيّروا تركها واجباً (٤). وهذا التقرير من الإِمام الشاطبي حسن، ولا يُقال إن في ذلك ارتكاباً للمكروه أو تركاً لمندوب. فقد أجاب ﵀: بأن البيان آكد، وذلك أن المحافظة على استقرار الأحكام - بحيث يبقى الحرام حراماً فلا يلتبس بغيره من الأحكام الأخرى، ويبقى الواجب واجباً فلا يلتبس بغيره، وكذلك المندوب والمكروه والمباح - المحافظة هذه آكد لأنها بيان -ممن يُقْتدى بهم- لازم لاستقرار أحكام الشريعة (٥)، وبعدم تحقق ذلك يتحقق الضد وهو عدم استقرار الأحكام فيلْحقها التغيير والتبديل، فيكون المندوب واجباً وهو ليس كذلك وهكذا في بقية الأحكام.

стр. 123

ومقصود الشارع كما تبين من قبل هو المحافظة على ثبات الأحكام واستقرارها ولذلك فإن البيان الذي تمثل في فعال الصحابة كما ورد في الأمثلة السابقة آكد لتحقيق ذلك المقصود. وقد توسع الشاطبي في عرض الأمثلة في المسألة السادسة والسابعة والثامنة (١). ويصرح الإِمام الشاطبي بهذا المعنى أيضاً في المسألة التاسعة فيقول عن الواجبات والمحرمات: "فمن حقيقة استقرار كل واحد من القسمين أن لا يُسوّى بينه وبين الأخر لأن في تغيير أحكامها تغيرها في أنفسها" (٢). فالأحكام ثابتة والبيان -مع ما فيه من بعض المحذورات- آكد للمحافظة على استقرار الأحكام وعدم تغييرها، وبهذا الدليل يتقرر أن الصحابة كانوا ملاحظين لها المعنى مثابرين على هذا البيان لكي تسقر أحكام الشريعة فما كان حراماً فهو حرام إلى يوم القيامة وما كان واجباً فهو واجب إلى يوم القيامة وما كان مندوباً فهو مندوب إلى يوم القيامة وقدوتهم في ذلك هو رسول الله ﷺ كما مر في حديث أكل الضب .. وكما في تركه الصلاة بالناس في التهجد في رمضان مخافة أن يظن الناس أن مداومته عليها دليل على وجويها وهو تأويل متمكن (٣). وقد تكلم الشافعي عن سنة رسول الله ﷺ فذكر أنها بيان للقرآن، وذكر من الأمثلة ما يؤكد ذلك ثم قال: "وفيه دلائل على أن ما حرم رسول الله ﷺ حرام بإذن الله تعالى إلى يوم القيامة بما وصفت وغيره من افتراض الله تعالى طاعته في غير آية من كتابه .. " (٤).

стр. 124

وكلام الشافعي في معنى ما نقل عن الصحابة - رضوان الله عليهم -، فقد كانوا يقتدون برسول الله ﷺ فيحافظون على استقرار الأحكام لتكون ثابتة حتى في أفهام العامة وذلك لأن عدم استقرارها يؤدي إلى تغييرها في نفسها. وبعد عصر الصحابة تجد عمر بن عبدالعزيز ﵀ يذكر بهذا المعنى في خطبته لما بايعه الناس حيث قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: "أيها الناس إنه ليس بعد نبيكم نبي ولا بعد كتابكم كتاب ولا بعد سنتكم سنة، ولا بعد أمتكم أمة، ألا وإن الحلال ما أحل الله - في كتابه على لسان نبيه حلال إلى يوم القيامة ألا وإن الحرام ما حرم الله في كتابه على لسان نبيه حرام إلى يوم القيامة، ألا وإني لست بمبتدع ولكن متّبع، ألا، وإني لست بقاضي (١) ولكني منفذ، ألا وإني لست بخازن ولكني أضع حيث أُمرت ألا وإني لست بخيركم ولكني أثقلكم حملًا، ألا ولاطاعة لمخلوق في معصية الخالق، ثم نزل" (٢). وفي هذه الخطبة يبْرز موقف السلف من المحافظة على ثبات الأحكام وأنهم يجعلون ذلك عقيدة لهم يدعون إليها ويربون الأمة عليها، ولو أن المسلمين أدركوا ذلك كما أدركه السلف الصالح واعتقدوه ودعوا إليه وحافظوا عليه لاستقرت الأحكام في مجتمعاتهم ولصدو هجوم الغزو الفكري المتمثل في القوانين الوضعية ونبذوها ولقالوا للناس كافة أنه ليس بعد هذا الكتاب كتاب ولا بعد السنة سنة ولا بعد هذه الأمة أمة .. لو فعلوا ذلك لكانت هذه الأمة بيدها مقاليد البشرية تعلمها الحق وتحكمها بهذه الشريعة .. ولكن التغيير والتبديل الذي وقعت فيه طوائف كثيرة من هذه الأمة جعلها تتبع غير سبيل المؤمنين وجعل الغزو الفكري ينفد إلى أهم مواقعها ويحيط هذه الأمة بشبه كثيرة وينشر بينها أفكار المذاهب المعاصرة وأنظمتها بدعوى عدم شمولية الشريعة للأحوال المتجددة (٣)، ونحن نذكّر بعقيدة الصحابة والتابعين على هذا النحو ونؤكد على

стр. 125

"ثبات الشريعة" كليات وجزئيات (١) لأن ذلك هو الطريق لإقامة أحكام الشريعة، فلا نستطيع أن نتصور شمولاً لأحكامها بغير ثبات لها، والأمر هنا أمر عقيدة، ولذلك اجتهد الصحابة في المحافظة على ثبات الأحكام لأنه لا بد أن يعتقد المسلمون أن الحرام حرام إلى يوم القيامة وأن الواجب واجب إلى يوم القيامة، وأن المندوب مندوب إلى يوم القيامة، فيتضح الحق في نفوسهم ويميّزون بينه وبين أحكام الجاهلية ويحولون بينها وبين مجتمعاتهم وقلوبهم وعقولهم وينفرون ويتبرؤون من أهلها مهما بلغوا من القوة المادية تماماً كما فعل السلف الصالحٍ - رحمهم الله تعالى - حيث حالوا بين السنة والبدعة وجعلوا بينهما حجراً محجورا لكي ينجلي الحق وتندفع الشبه. ومن كلام عمر بن عبد العزيز الذي حفظه العلماء - وكان يعجب مالكاً جداً - قوله ﵀: "سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سنناً (٢) الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، من عمل بها مهتد ومن انتصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً" (٣) وإذا تأملنا في كلامه ﵀ وجدنا الربط بين الشريعة والعقيدة جلياً واضحاً وتظهر معالمه في هذه الأمور: الأول: أن الوقوف عند الفهم الصحيح للإِسلام كتاباً وسنة تصديق بالوحي وقوة في الدين.

стр. 126

الثاني: أن على المسلمين أن يعتقدوا أنه ليس لأحد أن يغيّر أو يبدّل من أحكام هذه الشريعة فمن فعل ذلك ساء مصيره واتبع غير سبيل المؤمنين فعليهم أن يتبرؤا منه لأنه سلك طريقاً غير طريقهم واتبع منهجاً غير منهجهم. الثالث: يجب عليهم أن يعتقدوا أنه ليس لأحد منهم أن ينظر فيما خالفها ومن فعل ذلك اتبع غير سبيل المؤمنين. وهذا الثبات الذي حافظ عليه التابعون تعلموه من الصحابة - رضوان الله عليهم - وقد تعلموه جميعاً من هذا القرآن الذي دل على ثبات هذه الشريعة، فإن نزولها بالحق وعصمتها وعصمة رسولها وعصمة الأمة في مجموعها كل ذلك من قواعد الثبات سواء في الكليات أو الجزئيات، مع العلم أن كلياتها قد استقرت سواء الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات، لأن كل ما يعود بالحفظ على الدين والعقل والنفس والعرض والمال ثابت، وذلك في جميع الرسالات (١) ثم تتابع نزول الجزئيات فكملت الشريعة قبل وفاة الرسول ﷺ فحفظت الأمة الكليات والجزئيات معاً، وحفظ الله كتابه وسنة رسوله ﷺ من سابق الأزل كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ وانقطع الوحي بعد وفاة الرسول ﷺ لأن الوحي إنَّما هو من الله، والرسول بشر يوحى إليه:

стр. 127

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١). فلما انقطع الوحي انقطع التشريع ومثله النسخ والتبديل والتغيير، فما كان حكماً لله فهو كذلك إلى يوم القيامة لأن هذه الشريعة وُضعت على الكلية والأبدية، فلو تصور أحد بقاء الدنيا إلى غير نهاية لكانت هذه الشريعة حجة على الخلق على الإِطلاق والعموم. * * *

стр. 128

المبحث الثاني المقصود من الشمول والأدلة على ذلك أعرض في هذا المبحث لبيان مقصدي من "الشمول" هنا، وأذكر بعض الآيات القرآنية الدالة على ذلك: وأبدأ بتعريفه لغة وبيان وجه المناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى المقصود في هذا الموضع، فأقول: الشمول في لغة العرب هو العموم والسعة، تقول العرب: "شملهم الأمر يشملهم إذا عمّهم" (١) ومنه قولهم: "الشملة وهي كساء يُشْتمل به"، ويقال: "اشتريت شملة تشملني" (٢). وأما السعة فمن قول العرب: "هذه شملة تشملك أي تسعك" (٣). فإذا عم الشيء ووسع قوماً أو فرداً أوأشياء قالت العرب شملهم وشمله وشملها هذا هو المعنى اللغوي. وأما ما أقصده في هذه الدراسة فهو على وجه التحديد شمول الشريعة الإِسلامية لكل ما يحتاجه الناس على الإِطلاق فلا تخلو حادثة واحدة عن حكم

стр. 129

الشريعة في جميع الأعصار والأقطار والأحوال، فالمعاني التي تضمنتها الشريعة تعم جميع الحوادث وتسعها إلى يوم القيامة. والمعنى اللغوي وهو العموم والسعة مناسب للمعنى المقصود هنا، فإذا شمل الأمر قالت العرب عم ووسع فكذلك الشريعة شاملة أي تعم وتسع جميع الوقائع والحوادث كما أسلفت آنفاً، وساذكر الأدلة القرآنية على تقرير هذا المعنى وذلك في المطلب الثاني والثالث والرابع. المطلب الثاني الدليل الأول على الشمول وذلك قوله : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١). ومعنى هذه الآية أن الله سبحانه لم يترك شيئاً إلّا وبينه للناس، وجعل في هذا الكتاب دلالة عليه: "إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول ﵊ أو من الإِجماع أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب" كما يقول الإِمام القرطبي (٢). وقد جمع ﵀ مع هذه الآية قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣). وهو صنيع الإِمام الشاطبي في الموافقات حيث قال: "المسألة السادسة القرآن فيه بيان كل شيء ... والدليل على ذلك أمور منها:

стр. 130

النصوص القرآنية .. قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١). وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢). ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٣). يعني الطريقة المستقيمة، ولو لم يكمل فيه جميع معانيها لما صح إطلاق هذا المعنى عليه حقيقة وأشباه ذلك من الأيات الدالة على أنه هدى وشفاء لما في الصدور ولا يكون شفاء لجميع ما في الصدور إلّا وفيه تبيان كل شيء" (٤). والآيات المذكورة تدل على ما قالاه، إلّا قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فإنها لا تساعدهما على المعنى السابق إلاّ على تفسير من قال أن الكتاب هنا هو القرآن، وأما على الوجه الثاني وهو تفسير الكتاب بأنه اللوح المحفوظ فلا تفيد المطلوب (٥). وأما الآيات الأخرى فمنها ما ذكر فيه "القرآن"

стр. 131

صراحة، ومنها ما قرن فيها الكتاب بلفظ الإِنزال، وقد أنزل الله على نبيه ﵊ القرآن. وقال الإِمام الشافعي ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: "فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلّا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها" (١) والدلالة هنا إما نصاً أو جملة (٢)، وهو المعنى الذي أشار إليه القرطبي آنفاً. ويقول الإِمام الطبري عند تفسير هذه الآية: إنّ الله نزل هذا القرآن على محمد ﷺ "بياناً لكل ما بالناس إليه الحاجة من معرفة الحلال والحرام والثواب والعقاب "وهدى" من الضلالة "ورحمة" لمن صدّق به وعمل بما فيه من حدود الله، وأمره ونهيه فأحل حلاله وحرّم حرامه "وبشرى للمسلمين" يقول: وبشارة لمن أطاع الله وخضع له بالتوحيد وأذعن له بالطاعة يبشره بجزيل ثوابه في الآخرة وعظيم كرامته، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل" (٣). وهذه الأدلة تدل دلالة قاطعة على شمول هذه الشريعة لجميع ما يحتاجه الناس في جميع المجتمعات على مر العصور وتغيّر الأحوال. ولذلك سمّي القرآن: "فرقاناً وهدى وبرهاناً وبياناً وتبياناً لكل شيء وهو حجة الله على الخلق على الجملة والتفصيل والإِطلاق والعموم" (٤).

стр. 132

المطلب الثالث الدليل الثاني على الشمول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١). قال ابن جرير: "يقول تعالى ذكره" اقسم يا محمد لقد جئنا هؤلاء الكفرة بكتاب يعنى القرآن الذي أنزله إليهم، يقول: "لقد أنزلنا هذا القرآن مفصلاً مبيناً فيه الحق من الباطل" (٢). ومثلها في المعنى عند القرطبي قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ (٣). والمعنى أن هذا الكتاب جاء بتفصيل أحكام التكليف (٤). ومثلها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥). قال الإِمام القرطبي: "وتفصيل كل شيء" مما يحتاج العباد إليه من الحلال والحرام والشرائع والأحكام" (٦). وقد أمر الله رسوله محمداً ﵊ أن يعلن هذه الحقيقة

стр. 133

للناس كافة، لأنها من المعاني التي تضمنتها شهادة أن لا إله إلّا الله وأن محمداً رسول الله، وأن يستنكر ابتغاء غير الله حكماً كما قال سبحانه: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ (١) الآية. والمعنى: قل يا محمد لمن يعدل بالله غيره: "ليس لي أن أتعدى حكمه وأتجاوزه، لأنه لا حكم أعدل منه، ولا قائل أصدق منه، وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً، يعني القرآن مفصلاً، يعني مبيناً فيه الحكم فيما تختصمون فيه من أمري وأمركم .. " (٢). وهذه الدعوة التي خاطب بها النبي ﷺ مخالفيه من أهل الشرك، ما زالت تُعرض على البشرية من خلال هذا القرآن، وعن طريق حملته الصادقين، أنه لا حكم أعدل من الله ولا قائل أصدق منه، ولا قبول ولا إذعان إلّا للشريعة الإِسلامية التي جاء بها هذا الكتاب الذي فصله الله فجعل فيه ما تحتاجه البشرية في عالم العقائد والقيم والأحكام. ولا يحتاج من ابتغى الله حكماً لأي كتاب غير هذا الكتاب ولا لشريعة غير هذا الشريعة ولا لنظام غير نظام الإِسلام، ذلك لأن الله قد كفى المؤمنين مؤنة المسألة لمّا أنزل لهم تلك الآيات في ذلك الكتاب الذي فصله وبينه كما قال القرطبي (٣). وكفاية الشريعة أمر عقيدة لا يصح إسلام بدونه فمن ابتغى غير الله حكماً راضياً مختاراً فقد أعرض عن هذه الشريعة التي كفته مؤنة المسألة وكان من الممترين، والممتري هو الشاك وقد شهد المؤمنون وغير المؤمنين من أهل الكتاب بأن هذه الشريعة هي الحق وأمر الله نبيه -والخطاب يشمل المؤمنين- أن

стр. 134

لا يكونوا من الممترين، وأخبرهم سبحانه أن أهل الكتاب يعلمون أن هذه الشريعة هي الفيصل بين الحق والباطل في حياة الناس، وإن لم يتبعوها (١) كما قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (٢). المطلب الرابع الدليل الثالث على الشمول وذلك قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣). الفرع الأول ذكر كلام المفسرين في معنى الإكمال والمعنى الذي تدل عليه هذه الآية كما قال ابن عباس والسدي ﵄ وغيرهما أن الله أتم لعباده هذا الدين وأكمله فلا يحتاجون إلى غيره أبداً، ولا يحتاجون إلى زيادة فيه أبداً. وترجم له الطبري بقوله: "اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُم أَيُّها المؤمنون فرائضي عليكم وحدودي، وأمري إياكم ونهيي وحلالي وحرامي وتنزيلي من ذلك ما أنزلت منه بوحي على لسان رسولي والأدلة التي نصبتها لكم على جميع ما بكم الحاجة إليه من أمر دينكم فأتممت لكم جميع ذلك فلا زيادة فيه بعد اليوم ... " (٤).

стр. 135

وهو اختيار ابن كثير كما نقله عن ابن عباس قال: "اليوم أكملت لكم دينكم" وهو الإِسلام أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإِيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبداً وقد رضيه الله فلا يسخطه أبداً" (١). وقد فصل الأستاذ سيد قطب هذا المعنى فقال: "أكمل الله هذا الدين فما عادت فيه زيادة لمستزيد وأتم نعمته الكبرى على المؤمنين بهذا المنهج الكامل الشامل، ورضي لهم "الإِسلام" ديناً فمن لا يرتضيه منهجاً لحياته إذن فإنما يرفض ما ارتضاه الله للمؤمنين ... إن المؤمن يقف أولًا: أمام إكمال هذا الدين يستعرض موكب الإِيمان وموكب الرسالات، وموكب الرسل منذ فجر البشرية ومنذ أول رسول - آدم ﵇ إلى هذه الرسالة الأخيرة، رسالة النبي الأمي إلى البشر أجمعين ... فماذا يرى؟ .. يرى هذا الموكب المتطاول المتواصل، موكب الهدى والنور ويرى معالم الطريق على طول الطريق ولكنه يجد كل رسول - قبل خاتم النبيين - إنما أرسل لقومه، ويرى كل رسالة - قبل الرسالة الأخيرة - إنما جاءت لمرحلة من الزمان .. رسالة خاصة لمجموعة خاصة في بيئة خاصة .. ومن ثم كانت كل تلك الرسالات محكومة بظروفها هذه متكيفة بهذه الظروف .. كلها تدعوا إلى إله واحد -فهذا هو التوحيد- وكلها تدعوا إلى التلقي عن هذا الإِله الواحد والطاعة لهذا الإله الواحد - فهذا هو الإِسلام - ولكن لكل منها شريعة للحياة الواقعية تناسب حالة الجماعة وحالة البيئة وحالة الزمان والظروف ... حتى إذا أراد الله أن يختم رسالاته إلى البشر أرسل إلى الناس كافة رسولًا خاتم النبيين برسالة "للإِنسان" لا لمجموعة من الأناسي في بيئة خاصة في زمان خاص في ظروف خاصة .. رسالة تخاطب الإِنسان من وراء الظروف والبيئات والأزمنة لأنها تخاطب فطرة الإِنسان التي لا تتبدل ولا تتحور ولا ينالها التغير:

стр. 136

﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (١) ... وفصّل في هذه الرسالة شريعة تتناول حياة "الإِنسان" من جميع أطرافها، وفي كل جوانب نشاطها، وتضع لها المبادئ الكلية والقواعد الأساسية فيما يتطور فيها ويتحور بتغير الزمان والمكان، وتضع لها الأحكام التفصيلية والقوانين الجزئية فيما لا يتطور ولا يتحور بتغير الزمان والمكان ... وكذلك كانت هذه الشريعة بمبادئها الكلية وبأحكامها التفصيلية محتوية كل ما تحتاج إليه حياة "الإِنسان" منذ تلك الرسالة إلى آخر الزمان من ضوابط وتوجيهات وتشريعات وتنظيمات لكي تستمر وتنمو وتتطور وتتجدد حول هذا المحور وداخل هذا الإِطار وقال الله سبحانه للذين آمنوا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢). فأعلن لهم إكمال العقيدة وإكمال الشريعة معاً فهذا هو الدين .. ولم يعد للمؤمن أن يتصور أن بهذا الدين - بمعناها هذا - نقصاً يستدعي الإِكمال ولا قصوراً يستدعي الإضافة (٣) ولا محلية أو زمانية تستدعي التطوير أو التحوير .. وإلّا فما هو بمؤمن وما هو بمقر بصدق الله وما هو بمرتض ما ارتضاه الله للمؤمنين! إن شريعة ذلك الزمان الذي نزل فيه القرآن هي شريعة كل زمان لأنها بشهادة الله شريعة الدين الذي جاء "للإِنسان" في كل زمان وفي كل مكان

стр. 137

لا لجماعة من بني الإِنسان في جيل من الأجيال في مكان من الأمكنة كما كانت تجيء الرسل والرسالات. الأحكام التفصيلية جاءت لتبقى كما هي، والمبادئ الكلية جاءت لتكون هي الإطار الذي تنمو في داخله الحياة البشرية إلى آخر الزمان دون أن تخرج عليه إلّا أن تخرج من إطار الإِيمان. والله الذي خلق "الانسان" ويعلم من خلق، هو الذي رضي له هذا الدين المحتوي على هذه الشريعة فلا يقول: إن شريعة الأمس ليست شريعة اليوم إلّا رجل يزعم لنفسه أنه أعلم من الله بحاجات الإِنسان وبأطوار الإنسان! " (١). الفرع الثاني ذكر كلام الشاطبي في معنى الإِكمال وننتقل من كتب التفسير إلى ما قاله الإِمام الشاطبي في المسألة الخامسة: حيث بيّن أن تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلي لا جزئي (٢)، وما يزال الحديث مستمراً عن تفسير معنى الِإكمال الوارد في الآية، واستدل الإِمام الشاطبي على ذلك بهذه الأدلة: ١ - بالاستقراء، وذلك أن من استقرء السنة وجدها على كثرة نصوصها وكثرة مسائلها بياناً للكتاب، ولذلك وصفها الله بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣). وهذا دليل على أن القرآن جمع الكليات، ولذلك احتاج الناس إلى السنة

стр. 138

لبيانه، فمن كليات القرآن مثلاً الصلاة والزكاة والجهاد والنكاح والعقود والقصاص والحدود وغيرها كثير، وبيانها إنما جاء في السنة (١). ٢ - أن كليات الشريعة المعنوية وهي الضروريات والحاجيات والتحسينيات راجعة إلى القرآن وقد تضمنها على الكمال (٢). ٣ - أن الأدلة المعروفة وهي السنة والإجماع والقياس ترجع إلى القرآن، فالسنة ترجع إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣). والإجماع راجع إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٤). والقياس راجع إلى قوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٥). وبنى الإِمام الشاطبي المسألة السادسة على هذا المعنى وهي: أن "القرآن فيه بيان كل شيء على ذلك الترتيب المتقدم" (٦) .. وهذا معنى الإِتمام الوارد في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية ..

стр. 139

الفرع الثالث حاصل كلام أهل العلم في معنى الإِكمال وتفسير أهل العلم من السلف لمعنى الِإكمال يفيدنا أموراً: منها: ١ - أن القرآن أوجب اتباع السنة، ولذلك فإن هذه الشريعة "وهي نصوص الكتاب والسنة" قد تمت وكملت، فكما أن القرآن موصف بالكمال والعصمة فكذلك السنة (١)، وإجماع الأمة. ٢ - أن السنة تفسر الكتاب وتبينه، كما أن الإِجماع والقياس طريقان للتعرف على ما تضمنته الشريعة من المعاني الكلية والجزئية، وهذا هو معنى إكمال الدين الوارد في الآية. فإذا قلنا أن القرآن فيه بيان كل شيء كان المقصود أن دلالة السنة والإِجماع والقياس قد أوجب القرآنُ اتباعها، فكل حكم نتج عن ذلك صح أن نقول عنه أن القرآن دل عليه (٢) .. مثال ذلك ما ورد في الصحيح عن ابن مسعود قال: "لعن الله الواشمات والمستوشمات" الخ .. فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن، فأتته، فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت كذا وكذا؟ فذكرته، فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله، فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته، فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) ..

стр. 140

ولهذا امتن الله على عباده بهذه النعمة وهي إتمام الدين، ورضيه لهم فلا يحتاجون لمعرفة أمر من أمور الدين يحكمون به مجتمعاتهم وما فيها من الوقائع والأحوال إلّا وجدوه في هذه الشريعة إمّا من طريق القرآن أو من طريق ما أوجب القرآن اتباعه مثل السنة الصحيحة أوما دل عليه هذان الأصلان من وجوب اتباع الإِجماع والقياس. وبعد تقرير هذا المعنى نجيب عن بعض الشبه التي يمكن أن تثار عليه .. وذلك في الفرع الرابع. الفرع الرابع ذكر بعض الشبه والجواب عنها الشبهة الأولى: تفسير "الإِكمال" بإتمام الحج ونفي المشركين عن البيت، فقد نقل ابن جرير عن سعيد بن جبير وقتادة ﵄ أنهما فسرا الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ قالا: أكمل لهم دينهم أن حجوا ولم يحج معهم مشرك" (١). وهو اختيار ابن جرير، والذي حمله على ذلك أن هناك بعض الآيات نزلت بعد نزول آية الإكمال فحملها ﵀ على أن الإِكمال إنما كان بإفرادهم بالبلد الحرام وإجلاء المشركين عنه (٢). والجواب عن ذلك كما يلي: ١ - أن نسلم بما قاله ابن جرير من أن هناك آيات نزلت بعد آية الإِكمال وأن الله أتم النعمة للمسلمين بأن أجلى المشركين عن البيت. ٢ - أن التسليم بهذا المعنى لا يتنافى مع المعنى الذي أشار إليه ابن عباس والسدي واختاره ابن كثير (٣).

стр. 141

والدليل على ذلك: أن هذا الذي أشار إليه المفسرون كله مظاهر حقيقية لإِتمام النعمة، فإكمال الدين من إتمام النعمة، وإفراد المسلمين بالبيت من إتمام النعمة، ولا تضاد .. ولذلك كان من فقه ابن عباس ﵄ أن جمع المعنيين معاً فقد نقل عنه ابن جرير بإسناد واحد هذين المعنيين .. فقال عند تفسير "اليوم أكملت لكم دينكم .. " "حدثني المثنى قال ثنا عبد الله قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس، قوله: "اليوم أكملت لكم دينكم" وهو الإِسلام قال: أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإِيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً" (١) .. ونقل عنه بالإِسناد نفسه في تفسير آخر الآية: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾، قال "كان المشركون والمسلمون يحجون جميعاً فلما نزلت براءة فنفي المشركون (٢) عن البيت وحج المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين فكان ذلك من إتمام النعمة" (٣). فهذا المنقول عن ابن عباس في الموضعين بهذين الإِسنادين نقلهما ابن جرير في كتابه وقابل بينها واختار الثاني من دون الأول (٤)، والصواب - والله أعلم - أنه لا منافاة بين المعنيين بل أحدهما عام وهو الأول، والثاني من تطبيقاته ومفرداته، فقد أتم الله الدين لهم .. وأتم النعمة لهم بإفرادهم بالبيت وهذا من إتمام الدين لأنه حكم من أحكامه كلفهم الله به فأقاموه حيث طردوا المشركين عن البيت. بقي أن يقال: كيف يكون الإتمام وقد نزلت أحكام بعد هذه الآية .. والجواب يأتي بعد ذكر الشبهة الثانية.

стр. 142

الشبهة الثانية: أن الله سبحانه قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ثم نزلت آيات بعد ذلك فكيف يكون الدين قد كملِ في ذلك اليوم ورضيه الله في ذلك اليوم .. قال ابن جرير: "أو ما كان الله راضياً الإِسلام لعباده إلّا يوم أنزل هذه الآية؟ " (١). وأجاب ﵀: فقال: "لم يزل الله راضياً لخلقه الإِسلام ديناً ولكنه جل ثناؤه لم يزل يصرف نبيه محمداً ﷺ وأصحابه في درجاته (٢) ومراتبه درجة بعد درجة ومرتبة بعد مرتبة وحالًا بعد حال حتى أكمل لهم شرائعه ومعالمه وبلغ بهم أقصى درجاته ومراتبه ثم قال حين أنزل عليهم هذه الآية: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ بالصفة التي هو بها اليوم والحال التي أنتم عليها اليوم منه دينا فالزموه ولا تفارقوه" (٣). وهذا الجواب كاف عن الشبه الثانية، واستعمله هنا جواباً عن قول من قال أن هناك آيات نزلت بعد هذه الآية فلا تكون دالة على إكمال الدين بالمعنى الأول. فأقول: إن هذا الدين نزل حالاً بعد حال حتى أكمل الله شرائعه وإذا ارتقى الأمر من حال إلى حال ومرتبة إلى مرتبة فلم يبق له إلّا نزر يسير صح أن يقال له قد كمُل، وهذا هو المقصود بالإكمال في الآية، فلا ينافيه نزول آية أو آيتين بعد ذلك، ولعل ربط آية الإِكمال بيوم عرفة في حجة الوداع - دون أن يكون نزولها على فراش النبي ﷺ عند موته - مناسب لإِعلان البلاع لأن يوم عرفة يوم عيد يجتمع الناس فيه فَخُص بنزول هذه الآية لِتُبلِّغَ للناس بعد ذلك ولتغتبط بهذا اليوم ويغتبط بها. الشبهة الثالثة: أنْ يقال أنا قد وجدنا من النوازل والوقائع المتجددة ما لم يكن في الكتاب ولا في السنة نص عليه ولا عموم ينتظمه.

стр. 143

ومن أمثلة ذلك المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها" (١) .. وقد أجاب الإِمام الشاطبي عن هذه الشبه بعد أن عرضها في كتابه الاعتصام بأجوبة أربعة: ١ - أن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ المراد منه إكمال الكليات "فلم يبق للدين قاعدة يحتاج إليها في الضروريات والحاجيات أو التكميليات إلّا وقد بُيّنت غاية البيان" (٢). ٢ - إن المسائل والوقائع التي لا نص فيها موجود حكمها في الكتاب والسنة، وذلك لأن قاعدة الاجتهاد ثابتة فيهما فلا بد من إعمالها، وإذا أعملنا هذه القاعدة ربطنا الجزئيات والمسائل التي لا نص فيها بالكليات الشرعية، وهذه الكليات والقواعد يجري عليها ما لا نهاية له من النوازل. ٣ - أن هذه الجزئيات المتجددة نوعان: منها ما هو محتاج إليه ومنها ما هو غير محتاج إليه .. فإن احتاجه الناس كان من مسائل الاجتهاد وهذه مرتبطة بالكليات الشرعية، تشهد لها وتحدد حكمها (٣)، وإن لم يحتاجوه فهو البدع المحدثات، فهذه هي التي لا تجد عليها دليلًا كلياً ولا جزئياً، وبهذا يدخل ما يحتاجه الناس تحت حكم الشريعة وهذا معنى الإِكمال، ولا ينازع أحد من أهل السنة رحمهم الله تعالى فِى أن رسول الله ﷺ جاء ببيان ما يحتاجه الناس في أمور دينهم (٤). ٤ - أن هذا المعنى هو الذي فهمه الصحابة - رضوان الله عليهم -، ولذلك ردوا الجزئيات إلى الكليات الشرعية فعرفوا حكمها، ولم يقل أحد منهم لِمَ لمْ ينص الشرع على حكم الجد مع الأخوة؟ مثلًا، بل نظروا في الكليات الشرعية واعتبروا معانيها، هذا في الجزئيات المتجددة التي لا نص فيها، وأما ما ورد بها

стр. 144

النص فظاهر أن حكمها ردها إلى هذا النص مباشرة، وهذا هو الكمال الذي أدركه الصحابة على التمام ﵃ أجمعين - (١). وبالجواب عن هذه الشبه يتبين لنا على وجه اليقين معنى الإِكمال المقصود وكذلك معنى البيان والتفصيل الوارد في الآيات السابقة فإن المعنى واحد، وهو: أن هذه الشريعة وضعها الله سبحانه على حالة الكلية والأبدية وإنْ وضِعت الدنيا على الزوال والنهاية، وإن من أراد أن يتعرف على أحكامها يجب عليه أن ينظر إليها بعين الكمال، ويعتبرها اعتباراً كلياً في العبادات والعادات ولا يخرج عنها بتة، لأن الخروج عنها تيه وضلال، وكل من زعم أنه بقي في الدين شيء لم يكمل فقد كذب بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢) .. فكل ما يحتاجه الناس في أمر الدين ويشمل أمور التشريع كلها في جميع جوانب الحياة بلا استثناء قد بينته هذه الشريعة، وأن الطريق لذلك معلوم عند الصحابة - رضوان الله عليهم - كما هو معلوم عند كل من تبع طريقهم ونهج منهجهم .. وبهذا ندرك معنى الثبات والشمول وكيف بينه القرآن وطبقه رسول الله وأصحابه وكيف ينبغي أن يفهمه المسلمون ويعتقدونه ويطبقه المجتهدون في واقع المجتمع الإِسلامي ... وفي هذه العقيدة كما بينها القرآن وبينها الرسول وصحابته بأفعالهم وأقوالهم قطع لمادة الابتداع وسد لباب الشرك فلا خروج على هذه الشريعة لا بجحود ولا تكذيب لشيء منها، ولا باستكبار وإباء عن بعض أحكامها، ولا بتقديم من بين يديها ومن خلفها ولا بتغيير وتبديل لبعض أحكامها ليس شيء من ذلك كله إذا استقرت هذه العقيدة في القلوب وانجلت الشبه عنها (٣).

стр. 145

وبعد هذا ننتقل في هذا الكتاب إلى بيان مهمة الاجتهاد وموقف المجتهد الذي ينظر لهذه الشريعة بهذا المنظار، وكيف يتعرف على أحكام الشريعة سواء من نصوصها الجزئية أو من كلياتها، وكيف يُدخل الوقائع المتجددة في حياة البشرية تحت تلك النصوص أو الكليات الشرعية ويحافظ في الوقت نفسه على ثباتها وهو يدرك منزلة الشريعة وقوة أدلتها، فيطمئن إلى ثباتها وشمولها، ويستدل بها دون أن يعطل شيئاً منها أدلتها، وقبل بيان طرق الاجتهاد نختم الباب الأول بدراسة قوة الأدلة الشرعية على الاحتجاج وبيان موقف الصحابة - رضوان الله عليهم - ومن بعدهم من أئمة السلف وموقف مخالفيهم، وهو الفصل الثالث والله الموفق والمعين.
следующие страницы →