والدليل على ذلك:
أن هذا الذي أشار إليه المفسرون كله مظاهر حقيقية لإِتمام النعمة، فإكمال الدين من إتمام النعمة، وإفراد المسلمين بالبيت من إتمام النعمة، ولا تضاد .. ولذلك كان من فقه ابن عباس ﵄ أن جمع المعنيين معاً فقد نقل عنه ابن جرير بإسناد واحد هذين المعنيين .. فقال عند تفسير "اليوم أكملت لكم دينكم .. " "حدثني المثنى قال ثنا عبد الله قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس، قوله: "اليوم أكملت لكم دينكم" وهو الإِسلام قال: أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإِيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً" (١) ..
ونقل عنه بالإِسناد نفسه في تفسير آخر الآية: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾، قال "كان المشركون والمسلمون يحجون جميعاً فلما نزلت براءة فنفي المشركون (٢) عن البيت وحج المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين فكان ذلك من إتمام النعمة" (٣).
فهذا المنقول عن ابن عباس في الموضعين بهذين الإِسنادين نقلهما ابن جرير في كتابه وقابل بينها واختار الثاني من دون الأول (٤)، والصواب - والله أعلم - أنه لا منافاة بين المعنيين بل أحدهما عام وهو الأول، والثاني من تطبيقاته ومفرداته، فقد أتم الله الدين لهم .. وأتم النعمة لهم بإفرادهم بالبيت وهذا من إتمام الدين لأنه حكم من أحكامه كلفهم الله به فأقاموه حيث طردوا المشركين عن البيت.
بقي أن يقال: كيف يكون الإتمام وقد نزلت أحكام بعد هذه الآية .. والجواب يأتي بعد ذكر الشبهة الثانية.
стр. 142
الشبهة الثانية: أن الله سبحانه قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ثم نزلت آيات بعد ذلك فكيف يكون الدين قد كملِ في ذلك اليوم ورضيه الله في ذلك اليوم .. قال ابن جرير: "أو ما كان الله راضياً الإِسلام لعباده إلّا يوم أنزل هذه الآية؟ " (١).
وأجاب ﵀: فقال: "لم يزل الله راضياً لخلقه الإِسلام ديناً ولكنه جل ثناؤه لم يزل يصرف نبيه محمداً ﷺ وأصحابه في درجاته (٢) ومراتبه درجة بعد درجة ومرتبة بعد مرتبة وحالًا بعد حال حتى أكمل لهم شرائعه ومعالمه وبلغ بهم أقصى درجاته ومراتبه ثم قال حين أنزل عليهم هذه الآية: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ بالصفة التي هو بها اليوم والحال التي أنتم عليها اليوم منه دينا فالزموه ولا تفارقوه" (٣).
وهذا الجواب كاف عن الشبه الثانية، واستعمله هنا جواباً عن قول من قال أن هناك آيات نزلت بعد هذه الآية فلا تكون دالة على إكمال الدين بالمعنى الأول.
فأقول: إن هذا الدين نزل حالاً بعد حال حتى أكمل الله شرائعه وإذا ارتقى الأمر من حال إلى حال ومرتبة إلى مرتبة فلم يبق له إلّا نزر يسير صح أن يقال له قد كمُل، وهذا هو المقصود بالإكمال في الآية، فلا ينافيه نزول آية أو آيتين بعد ذلك، ولعل ربط آية الإِكمال بيوم عرفة في حجة الوداع - دون أن يكون نزولها على فراش النبي ﷺ عند موته - مناسب لإِعلان البلاع لأن يوم عرفة يوم عيد يجتمع الناس فيه فَخُص بنزول هذه الآية لِتُبلِّغَ للناس بعد ذلك ولتغتبط بهذا اليوم ويغتبط بها.
الشبهة الثالثة: أنْ يقال أنا قد وجدنا من النوازل والوقائع المتجددة ما لم يكن في الكتاب ولا في السنة نص عليه ولا عموم ينتظمه.
стр. 143
ومن أمثلة ذلك المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها" (١) .. وقد أجاب الإِمام الشاطبي عن هذه الشبه بعد أن عرضها في كتابه الاعتصام بأجوبة أربعة:
١ - أن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ المراد منه إكمال الكليات "فلم يبق للدين قاعدة يحتاج إليها في الضروريات والحاجيات أو التكميليات إلّا وقد بُيّنت غاية البيان" (٢).
٢ - إن المسائل والوقائع التي لا نص فيها موجود حكمها في الكتاب والسنة، وذلك لأن قاعدة الاجتهاد ثابتة فيهما فلا بد من إعمالها، وإذا أعملنا هذه القاعدة ربطنا الجزئيات والمسائل التي لا نص فيها بالكليات الشرعية، وهذه الكليات والقواعد يجري عليها ما لا نهاية له من النوازل.
٣ - أن هذه الجزئيات المتجددة نوعان: منها ما هو محتاج إليه ومنها ما هو غير محتاج إليه .. فإن احتاجه الناس كان من مسائل الاجتهاد وهذه مرتبطة بالكليات الشرعية، تشهد لها وتحدد حكمها (٣)، وإن لم يحتاجوه فهو البدع المحدثات، فهذه هي التي لا تجد عليها دليلًا كلياً ولا جزئياً، وبهذا يدخل ما يحتاجه الناس تحت حكم الشريعة وهذا معنى الإِكمال، ولا ينازع أحد من أهل السنة رحمهم الله تعالى فِى أن رسول الله ﷺ جاء ببيان ما يحتاجه الناس في أمور دينهم (٤).
٤ - أن هذا المعنى هو الذي فهمه الصحابة - رضوان الله عليهم -، ولذلك ردوا الجزئيات إلى الكليات الشرعية فعرفوا حكمها، ولم يقل أحد منهم لِمَ لمْ ينص الشرع على حكم الجد مع الأخوة؟ مثلًا، بل نظروا في الكليات الشرعية واعتبروا معانيها، هذا في الجزئيات المتجددة التي لا نص فيها، وأما ما ورد بها
стр. 144
النص فظاهر أن حكمها ردها إلى هذا النص مباشرة، وهذا هو الكمال الذي أدركه الصحابة على التمام ﵃ أجمعين - (١).
وبالجواب عن هذه الشبه يتبين لنا على وجه اليقين معنى الإِكمال المقصود وكذلك معنى البيان والتفصيل الوارد في الآيات السابقة فإن المعنى واحد، وهو: أن هذه الشريعة وضعها الله سبحانه على حالة الكلية والأبدية وإنْ وضِعت الدنيا على الزوال والنهاية، وإن من أراد أن يتعرف على أحكامها يجب عليه أن ينظر إليها بعين الكمال، ويعتبرها اعتباراً كلياً في العبادات والعادات ولا يخرج عنها بتة، لأن الخروج عنها تيه وضلال، وكل من زعم أنه بقي في الدين شيء لم يكمل فقد كذب بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢) .. فكل ما يحتاجه الناس في أمر الدين ويشمل أمور التشريع كلها في جميع جوانب الحياة بلا استثناء قد بينته هذه الشريعة، وأن الطريق لذلك معلوم عند الصحابة - رضوان الله عليهم - كما هو معلوم عند كل من تبع طريقهم ونهج منهجهم .. وبهذا ندرك معنى الثبات والشمول وكيف بينه القرآن وطبقه رسول الله وأصحابه وكيف ينبغي أن يفهمه المسلمون ويعتقدونه ويطبقه المجتهدون في واقع المجتمع الإِسلامي ... وفي هذه العقيدة كما بينها القرآن وبينها الرسول وصحابته بأفعالهم وأقوالهم قطع لمادة الابتداع وسد لباب الشرك فلا خروج على هذه الشريعة لا بجحود ولا تكذيب لشيء منها، ولا باستكبار وإباء عن بعض أحكامها، ولا بتقديم من بين يديها ومن خلفها ولا بتغيير وتبديل لبعض أحكامها ليس شيء من ذلك كله إذا استقرت هذه العقيدة في القلوب وانجلت الشبه عنها (٣).
стр. 145
وبعد هذا ننتقل في هذا الكتاب إلى بيان مهمة الاجتهاد وموقف المجتهد الذي ينظر لهذه الشريعة بهذا المنظار، وكيف يتعرف على أحكام الشريعة سواء من نصوصها الجزئية أو من كلياتها، وكيف يُدخل الوقائع المتجددة في حياة البشرية تحت تلك النصوص أو الكليات الشرعية ويحافظ في الوقت نفسه على ثباتها وهو يدرك منزلة الشريعة وقوة أدلتها، فيطمئن إلى ثباتها وشمولها، ويستدل بها دون أن يعطل شيئاً منها أدلتها، وقبل بيان طرق الاجتهاد نختم الباب الأول بدراسة قوة الأدلة الشرعية على الاحتجاج وبيان موقف الصحابة - رضوان الله عليهم - ومن بعدهم من أئمة السلف وموقف مخالفيهم، وهو الفصل الثالث والله الموفق والمعين.
стр. 146
الفصل الثالث
الاحتجاج بالأدلة النقلية
توطئة:
نقصد بالأدلة النقلية "نصوص الكتاب والسنة" ويشمل ذلك السنة المتواترة (١) والأحادية (٢)، وقد علمنا صحة إطلاق مصطلح الشريعة عليها.
ونقصد بالأحاد ما صح سنده وسلم من الشذوذ والعلة (٣).
стр. 147
ونقصد بالاحتجاج بها أي قيام الحجة بها على الخلق على الإطلاق والعموم في العقيدة والشريعة، بحيث تثبت بها الأحكام ابتداء أو تخصيصاً ويزاد بالسنة على ما في القرآن.
وسندرس هذه القضية في هذا الفصل بما يناسب موضوع الكتاب، ذلك أن ثبات الأحكام الشرعية وشمولها يتفاوت قوة وضعفاً بحسب النظر لها.
فإن اعتقدنا قوة الأدلة على الاحتجاج أفادنا ذلك ولا شك ثباتاً وقوة في الحكم ومن جهة أخرى تحقق لنا الشمول بصورة أوسع وأعمق لأنا لم نغفل نوعاً منها ونوقف الاحتجاج به ولم نورده للاحتجاج على تحسين الظن ولم نترك العمل به في بعض المواطن، فإلى تصوير مذهب المقوين للأدلة المحتجين بها، ثم إلى تصوير مذهب مخالفيهم المضعفين لها الذين وصفوها بالظنية وأوقفوا الاحتجاج بها في الأصول وتعدى ذلك إلى تضعيف الاحتجاج بها على الأحكام الشرعية.
وسيكون منهجي في دراستها حسب التتبع التاريخي لموقف الفريقين.
وعلى ذلك فابدأ أولًا بالتعرف على عقيدة الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان وذلك من خلال دراسة الأدلة التي يمكن أن يستدل بها على هذه المسألة.
ثم أنظر في مسلك مخالفيهم وأتتبع نشأته التاريخية وأزنه بالميزان العلمي الصحيح.
وسبب اختياري لهذا الترتيب أن هذه القضية لها منزلة خطيرة في الدين، فالقرآن والسنة مرجعان لها، وللصحابة والتابعين موقف منها ومن حيث النشأة
стр. 148
التاريخية لا بد من الرجوع لهذين المصدرين (١) وبيان هذا الموقف، ثم بعد ذلك يأتي الموافقون والمخالفون، فأما الموافقون فلا نحتاج للنظر في مواقفهم إلّا زيادة بيان، وأما المخالفون فنعرض لمواقفهم، وهنا ندرس نشأة مخالفتهم وأسبابها وما لها وما عليها، وبهذا الترتيب تأخذ هذه القضية حقها من البحث والدراسة.
فإلى المبحث الأول: من هذا الفصل نبين فيه موقف المقوين للأدلة، ثم نتبعه بالمبحث الثاني وفيه عرض موقف المضعفين لها .. والله الموفق والمعين.
* * *
стр. 149
المبحث الأول
قوّة الأدلّة النقلية
ذكر الأدلة على أن الشريعة حجة على الخلق في جميع ما يحتاجون اليه وذكر أوصافها، وذلك في خمسة مطالب.
المطلب الأول
أن الرسول ﷺ جاء بالبينات وجوامع الكلم ومقتضى ذلك أن هذه الشريعة المتمثلة في الكتاب والسنة علم ويقين، لا ظن كما يقول أهل الكلام ومن تأثر بهم.
وهذا المعنى يشهد له الاستقراء، فإن الله وصف القرآن بأنه حق وعلم وبينات من الهدى، وفرقان بين الحق والباطل، فلا بد من الإِيمان بهذه الأوصاف. من ذلك قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ (١).
وقوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢).
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣).
стр. 150
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١).
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (٢).
﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٣).
﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٤).
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥).
﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٦).
وما ورد في وصف آيات القرآن بهذا الوصف أكثر من أن يحصى. والبيان في لغة العرب: "ما بين به الشيء من الدلالة وغيرها، وبان الشيء بيانًا اتضح، فهو بين".
واستبان الشيء ظهر، "وفي المثل: قد بين الصبح لذي عينين أي تبين".
"والتبيين: الإيضاح، والتبيين أيضًا: الوضوح" (٧).
стр. 151
"والبيان إظهار المقصود بأبلغ لفظ" (١).
يقول الإِمام ابن جرير الطبري: "وكذلك أنزلنا آيات بينات ... " أي "دلالات واضحات" (٢).
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣).
مبينات: "أي صارت مبينة بنفسها الحق .. " (٤) فهذه أوصاف للأدلة القرآنية بأنها حق وعلم وبينات أي توضح المقصود بأبلغ لفظ وكما قال الإِمام ابن جرير: "أنها تبين الحق بنفسها، وقد سبق وصف القرآن بأنه قول محكم (٥)، وورد وصفه بأنه قول فصل في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ ومعنى قول فصل كما قال ابن جرير: "أن هذا القول وهذا الخبر لقول فصل، يقول لقول يفصل بين الحق والباطل ببيانه، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في العبارة ... " (٦).
هذا عن القرآن كلام الله، وهو بعض الوحي، أما البعض الآخر فهو السنة وهي وحي من عند الله سبحانه إمّا ابتداء وإما إقرارًا (٧)، فقد أرسل الله
стр. 152
رسوله ليعلم الناس الكتاب والحكمة، كما قال :
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١).
وقد أدى الرسول ﵇ الأمانة فبينه وبلّغه بلاغًا مبينًا، فعرف أصحابه ﵇ الحق والعلم والهدى، وهذه مهمة الأنبياء، فقد جاءوا بالبينات التي توضح الحق ويكون بها الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما قال تعالي:
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (٢).
وإذا كان الرسول ﷺ هو سيد ولد آدم وهو أكرم الخلق على الله وأعظمهم عبادة له فذلك لأنه أعلم الخلق بالحق وأفصحهم لسانًا، وأقواهم بيانًا، وأحرصهم على هداية العباد، وهذا يوجب أن يكون بيانه أكمل من بيان كل بشر" (٣). وقد بعثه ربه سبحانه بالكتاب والحكمة كما قال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٤).
والكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة، وذلك مجموع الشرع
стр. 153
الإِسلامي الذي هو علم وقول صادق في نفسه، وهذه صفة لازمة له والعلم بها ممكن، ورد الناس إليها ممكن، ولذلك أمرهم الله بالرد إلى الشرع حين التنازع لينتفعوا بالعلم الذي جاء به (١)، لا فرق في ذلك بين أمر وأمر من شرائع الدين، سواء في ذلك دلالة السنة على الاعتقاد أو دلالتها على الأحكام مفسرة للقرآن أو زائدة عليه، وهذا كله علمه النبي ﷺ لأمته وامتن الله عليهم بهذا العلم (٢).
ولقد أوتي ﵊ جوامع الكلم، فهو كما سبق أن قلنا أقدر البشر على البيان والتعريف بما يقصده ويريده، مع حرصه الشديد على أمته حتى خفف الله عليه وقال له سبحانه:
﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ (٤).
فإذا كان الحال كذلك فإن كلامه ﵊ مبين للعلم والهدى والحق، بل هو أحق الكلام بإفادة العلم وهذا قول جميع من آمن بالله ورسوله ﷺ (٥).
стр. 154
روى البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بُعثت بجوامع الكلم ... " الحديث (١) وجوامع الكلم أن: "يتكلم بالقول الموجز القليل اللفظ الكثير المعاني" (٢) وهو يشمل القرآن والسنة كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر (٣)، وقد سبق أنّ الرسول ﵊ هو أفصح الخلق على الإِطلاق وهذا يقتضي أنْ يكون كلامه من الجوامع، فإذا لم تفد هذه الجوامع العلم فأي كلام يفيده!
وننتقل إلى المطلب الثاني لنثبت بالاستقراء أن الأحكام الشرعية لا بد من التصديق بها ونسبتها إلى الشريعة مع العمل بها، فاجتمع لها وجوب العلم بها والعمل بمقتضى ذلك العلم، والطريق لإثبات العلم والعمل واحد في هذه الشريعة، وهو هذه الأدلة من الكتاب والسنة وإليك إجراء الاستقراء وهو الدليل الثاني.
стр. 155
المطلب الثاني
الاستقراء يثبت أن هذه البينات والجوامع لا بد من العلم والعمل بها معًا
ويشهد لذلك الاستقراء الذي يوضح أن المسائل الشرعية التي دلت عليها تلك البينات والجوامع هي علمية قبل أن تكون عملية، فالذي أثبت العمل هو نفسه الذي أثبت العلم، وقد أشار الإِمام ابن القيم إلى هذا المعنى (١)، ونحن هنا نفصله ونوضحه ونورد من الأحكام العملية التطبيقية ما يدل على ذلك، ونختارها من أبواب شتى لتكون أكثر دلالة على المقصود، من ذلك:
١ - التحاكم إلى شريعة الله: فإنها وإن كانت في ظاهرها عملية إلا أنها علمية كذلك، فهي عقيدة وعلم قبل أن تكون تطبيقيًا عمليًا، فلا بد أن يصدق المرء أن الحاكم هو الله سبحانه وأن شريعته هي الحق والصدق، وأن الرسول محمد ﵊ قد بلغها كما أراد الله سبحانه، وأن التحاكم إليها والرضى بها عقيدة لا ينجو الإِنسان من عذاب الله إلا بها.
٢ - إقامة فريضة الجهاد: فهي فريضة عملية، يسبقها اعتقاد وعلم بأن الله فرضها على المسلمين، وجعلها من معالم الدين، وأنهم إذا أقاموها أطاعوا الله ورسوله ﷺ ، واستحقوا الثواب في الآخرة دار الجزاء، وإن لم يقيموها عند
стр. 156
تحقق الاستطاعة أو يعزموا على إقامتها عند القدرة استحقوا العقاب في الدنيا والآخرة.
٣ - تحريم الزنا ووجوب إقامة الحد: فإنه قبل أن يكون أمرًا عمليًا فإنه أمر علمي اعتقادي، وإلا فكيف يقيمه من لم يصدق ويؤمن بأنه الله حرمه وأنزل آيات بينات، وأنه الحق وما سواه باطل، وأن الرسول ﷺ بلّغه كما أمر الله، فهو حكم علمي عقدي قبل أن يكون حكمًا عمليًا.
٤ - تحريم الخمر ووجوب العقوبة على شاربها: وهو أيضًا حكم علمي قبل أن يكون عمليًا، وإلّا فكيف يمتنع الإِنسان عن شربها تعبدًا لله ما لم يعتقد أن الله حرمها وجعل لمن يتركها تعبدًا الأجر والثواب.
وكيف يقيم الإِمام العقوبة على شاربها ما لم يؤمن ويصدق أن الله حرمها وأمر بإقامة الحد على من شربها .. وأن الرسول ﷺ صدق في تبليغ أمر ربه.
٥ - تحريم القتل ووجوب القصاص على من قتل محمدًا عدوانًا: فهذا حكم عملي علمي، إذْ لا بد من الاعتقاد بأنه حكم الله سبحانه، أنزله بعلمه رحمة منه وعدلًا.
٦ - تحريم الغيبة: كيف يمتنع المسلم عنها تعبدًا لله مالم يعلم أن الله حرمها وكرّهها لعباده، وجعل على فاعلها العقوبة حيث توعده على ذلك.
٧ - وجوب غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه والدعاء له: كيف يتحقق ذلك من المسلمين ما لم يعلموا أن هذه الأحكام قد أوجبها الله عليهم ووعدهم بالأجر والمثوبة.
٨ - وجوب الصلاة إلى القبلة في الفرض لمن قدر عليه: كيف يلتزم المسلم بذلك ما لم يعتقد أنها عمود الدين، وأنها الصلة بينه وبين ربه الذي فرضها عليه وأمر رسوله بتبليغها له وتعليمها إياه، وأن الرسول أدى الأمانة كما أراد الله.
стр. 157
٩ - تولي المؤمنين بعضهم بعضًا: وهو أمر عملي يتمثل في تطبيقات كثيرة، ولا يتحقق إلّا أن يعلم المسلمون ويعتقدوا أن الله صبحانه جعل ذلك من الدين الذي يقبله ويرضى عنه ويثيب عليه، وأن الرسول ﵊ صدق في تبليغه وتطبيقه، وأن الولاء إنما هو لأهل الإِسلام وليس بين المؤمن والكافرين ولاء ولا محبة.
١٠ - إقامة حقوق المرأة من تعليمها دينها وحسن معاشرتها والنفقة عليها على قدر الطاقة، وقوامة الرجل عليها بالمعروف وحقها في الإِرث ...
كيف يقيم الرجل ذلك ما لم يعتقد أن الله هو الذي حكم بذلك من فوق سبع سماوات، تنزّل بذلك القرآن وبلغه الرسول وبينه للناس.
وقل مثل ذلك في جميع الحقوق التي أوجبها الله على المؤمنين بعضهم لبعض مثل حقوق الجار .. وحقوق الطريق .. وحقوق الرجل على المرأة, وحقوق الإِمام على الرعية، وحقوق الرعية على الإِمام وحقوق الأموات على الأحياء.
وقل مثل ذلك في جميع الأحكام سواء التي تخص الاقتصاد أو الجنايات أو السير والجهاد أو السياسية والحكم .. فالشريعة دالة من أولها إلى آخرها على أن الله أوجب العلم والعمل في التكاليف التي جاءت بها.
والاستقراء يفيد اليقين في هذا الباب (١) والطريق لمعرفة العلم والعمل في هذا كله هو اتباع الأدلة النقلية وهي دلالات بينات تفيد الأمرين معًا،
стр. 158
إذ لا طريق لمعرفة العلم والعمل في ذلك كله إلا طريق الكتاب والسنة، والمقصود دلالاتهما، فإما أن تفيدهما معًا وهو الحق، وأما أن لا تفيدهما معًا ولا قائل بذلك ولا واسطة بين الأمرين.
المطلب الثالث
الشريعة هي الحجة على الخلق على الإِطلاق والعموم
إن الله أنزل شريعته لتقوم بها الحجة على الخلق على الإطلاق والعموم فلو لم تكن دلالاتها تفيد ذلك والطريق الذي ثبتت به يفيده كذلك لما قامت بها الحجة على الخلق، ولما كان في إنزالها فائدة، وكذلك القول بأن جزءًا منها لايفيد ذلك يؤدي إلى أنه لا تقوم به الحجة، والفرض أنها أنزلت لتقوم بها الحجة وهذا المعنى لا ينازع فيه أحد، فدل ذلك يقينًا على أنها حجة على الخلق على الإِطلاق والعموم.
وهذه عقيدة المسلمين في القرن الذي هو خير القرون، فإنه لا يُعلم عن أحد من الصحابة - رضوان الله عليهم - خلاف ذلك البتة، وإليك نماذج من التطبيقات لهذه العقيدة، وسنختار من الوقائع ما لا يختلف في دلالته على المقصود، وذلك في فروع:
الفرع الأول
ذكر رواية البخاري عن ابن عباس ﵄ -
قال الإِمام البخاري: باب ما كان يبعث النبي ﷺ من الأمراء والرسل واحدًا بعد واحد، وقال ابن عباس بعث النبي ﷺ دحية الكلبي بكتابه إلى عظيم بصرى أن يدفعه إلى قيصر. وروى بسنده قال: أخبرني عبد الله بن عبد الله بن عتبة: "أن عبد الله بن عباس أخبره أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بعث بكتابه إلى كسرى فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، يدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه كسرى مزقه ... " (١).
стр. 159
فهؤلاء أمراء رسول الله ﷺ يبلغون الناس التوحيد وهم أحاد، وتقوم ببلاغهم الحجة عليهم، ولو لم يفد ذلك لما أرسلهم النبي ﷺ إذ لا يكون في إرسالهم حينئذ فائدة.
فكل خبر استكمل شروط صحة الإِسناد مع السلامة من الشذوذ والعلة فهو حجة على الخلق بلا ريب، لا فرق في ذلك كما ترى بين خبر الأحاد وخبر غيرهم.
الفرع الثاني
ذكر حديث معاذ كما رواه مسلم
روى الإِمام مسلم بسنده عن ابن عباس أن معاذًا قال بعثني رسول الله ﷺ قال: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" (١).
وقد اشتمل هذا الحديث على بعض أصول الدين وفرائضه، فأصوله الشهادتان، وفرائضه الصلاة والزكاة، أما الشهادتان فهي عقيدة لا ينازع في ذلك منازع ولا تثبت إِلا بما يفيد العلم، وهذا الحديث الذي أثبتها وقامت به الحجة على أهل الكتاب إِنما هو خبر واحد، وأما الفرائض فهي من الدين بمنزلة عظيمة ولا تثبت إلا بما يفيد العلم، وهذا الحديث نفسه أثبتها وقامت به الحجة، فلو كانت الأدلة النقلية لا تفيد العلم ومنها خبر الواحد لما قامت الحجة على أهل اليمن والثابت أنها قامت عليهم بهذا الحديث وهو خبر واحد ..
قال الإِمام الشافعي ﵀: "بعث رسول الله ﷺ سراياه وعلى كل
стр. 160
سرية واحد، وبعث رسله إلى الملوك إلى كل ملك واحد ولم تزل كتبه تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهي فلم يكن أحد من ولاته يترك إنفاذ أمره، وكذا كان الخلفاء بعده" (١) ويقصد الإِمام الشافعي بقوله إنفاذ أمره ما يشمل العلم والعمل، يدل على ذلك ما أشار إليه من أن الرسول ﷺ بعث رسله إلى الملوك يبلغونهم التوحيد وهم آحاد.
وفي هذا دلالة على أن الذين يفرقون بين العلم والعمل فيقولون خبر الواحد يثبت العمل ولا يثبت العلم يقعون في تناقض عجيب وهم لا يشعرون ذلك أن هذا الحديث -على سبيل المثال- تقوم به الحجة على أهل الكتاب من أهل اليمن، وهو مشتمل على الشهادتين وعلى فريضتين من فرائض الدين فإمّا يفيدنا العلم بما اشتمل عليه أو لا يفيدنا، فإن قالوا أفادنا العلم كفينا القول بالتفريق بين العلم والعمل، وإن قالوا لا يفيدهما فقد نفوا ما هو معلوم من إقامة الحجة على أهل الكتاب من أهل اليمن بخبر معاذ، وإن فرقوا فقالوا: لا يفيد العلم بالشهادتين -لأنها عقيدة- ويوجب العمل بالفريضتين تناقضوا واتبعوا مقالة لا نوافقهم عليها البتة ذلك أنه حديث واحد ثبت به مجموع الشهادتين والفريضتين وهما علم وعمل (٢)، ولا سبيل إلى التفريق بين هذا المجموع لا بشرع ولا عقل.
وبهذا نقطع بأن كل خبر عن الله ورسوله ﷺ تقوم به الحجة، ومجموع ذلك هو "الشريعة" لا فرق بين ما يسمونه اعتقادًا وما يسمون عملًا، قال الإِمام الشافعي في الرسالة: "الحجة في تثبيت خبر الواحد" وذكر أدلة كثيرة منها ما نحن بصدد الحديث عنه فقال: "وبعث معاذ بن جبل إلى اليمن وأمره أن
стр. 161
يقاتل من أطاعه من عصاه (١)، ويعلمهم ما فرض الله عليهم، ويأخذ منهم ما وجب عليهم لمعرفتهم بمعاذ ومكانه منهم وصدقه.
وكل من ولّي فقد أمره بأخذ ما أوجب الله على من ولاه عليه، ولم يكن لأحد عندنا في أحد ممن قدم عليه من أهل الصدق أن يقول: أنت واحد وليس لك أن تأخذ منا ما لم نسمع رسول الله يذكر أنه علينا، ولا أحسبه بعثهم مشهورين في النواحي التي بعثهم اليها بالصدق: إلا لما وصفت من أن تقوم بمثلهم الحجة على من بعثه إليه ...
وبعث في دهر واحد اثني عشر رسولًا إلى إثني عشر ملكًا يدعوهم إلى الإِسلام، ولم يبعثهم إلا إلى من قد بلغته الدعوة وقامت عليه الحجة فيها .. " (٢).
وقال: "وهو لا يبعث بأمره إلا والحجة للمبعوث اليهم وعليهم قائمة بقبول خبره عن رسول الله" (٣).
وهذه أخبار آحاد كما ترى قامت بها الحجة لا فرق بين ما هو من الأصول وما هو من الفروع.
ومذهب الشافعي هذا لا يعلم له مخالف من السلف، وعليه الإِمام أحمد ﵀، قال أبو بكر الخلال في كتاب "السنة": "أخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثهم قال: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تُروى "أن الله ﵎ ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا" (٤) و"أن الله يُري" (٥) و"أن الله يضع
стр. 162
قدمه" (١) وما أشبه هذه الأحاديث فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى -أي لا نكيفها ولا نحرفها بالتأويل، فنقول معناها كذا (٢)، ولا نرد منها شيئًا، ونعلم أن ماجاء به الرسول حق إذا كان بأسانيد صحاح، ولا نرد على الله قوله ... " (٣).
وهذا النص يدل على عقيدة الإِمام أحمد في وجوب اعتقاد موجب خبر الأحاد وأن رد ذلك وعدم قبوله هو رد لقول الله سبحانه.
стр. 163
الفرع الثالث
ذكر روايتي البخاري عن البراء وأنس ﵄ -
روى البخاري بسنده "عن البراء، قال: لما قدم رسول الله - صلي الله عليه وسلم - المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أوسبعة عشر شهرًا، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها﴾ فوجه نحو الكعبة، وصلى معه رجل العصر ثم خرج فمر على قوم من الأنصار فقال هو يشهد أنه صلى مع النبي ﷺ ، وأنه قد وجه إلى الكعبة، فانحرفوا وهم ركوع في صلاة العصر" (١).
فصلاة هؤلاء القوم إلى بيت المقدس ثبتت بعلم استمر تطبيقه والعمل به هذه المدة المذكورة في الحديث، ثم جاءهم من العلم ما أوجب لهم اتباع رسول الله ﷺ حين وُجه إلى الكعبة، وهذا مقتضاه أن الأدلة الشرعية تفيد العلم، وهذا قبل نشوء مسلك أهل الأهواء الذين قالوا أن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن، ولا يثبت به العلم، قال الإِمام الشافعي: "وأهل قباء أهل سابقة من الأنصار وفقه وقد كانوا على قبلة فرض الله عليهم استقبالها" (٢) ولم يكونوا ليفعلوه إن شاء الله بخبر إلّا عن علم بأن الحجة تثبت بمثله إذا كان من أهل الصدق، ولا لِيُحْدثوا أيضًا مثل هذا العظيم في دينهم إلّا عن علم بأن لهم أحداثه" (٣).
روى البخاري بسنده: "عن أنس بن مالك ﵁، قال: "كنت أسقي أبا طلحة الأنصاري وأبا عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب شرابًا من فضيخ وهو تمر، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حُرّمت، فقال أبو طلحة: يا أنس قم إلى هذه الجرار فاكسرها قال أنس فقمت إلى مهراس لنا فضربتها
стр. 164
بأسفله حتى انكسرت" (١). فترك هؤلاء الصحابة الخمر بخبر واحد، مع أنها كانت حلالًا لهم بيقين فترة طويلة من الزمن ولم يقل: "ولا واحد منهم نحن على تحليلها حتى نلقى رسول الله مع قربه منا، أو يأتينا خبر عامة" (٢) ولم يقولوا كيف نزيد على القرآن بخبر الواحد، كما أنهم لم يقولوا في تحولهم إلى الكعبة كيف نترك قبلتنا التي نصلي إليها هذه المدة الطويلة ونتبع هذه القبلة الجديدة بخبر واحد، لم يقولوا هذا ولا ذاك.
وقد استمرت هذه العقيدة وهي اتباع ما ثبت من الوحي في جميع أمور الدين، وتمسّك بها التابعون وأئمة السلف لا يغيرون فيها شيئًا أسوة بالجيل القدوة جيل الصحابة - رضوان الله عليهم -، وسنذكر بمشيئة الله اتفاقهم كما نقله العلماء الثقات على ما بيناه وبالله التوفيق.
المطلب الرابع
ذكر اتفاق الصحابة والتابعين على ذلك كما نقله الثقات من أهل العلم
سنذكر في هذا المطلب ما يدل على أن الصحابة والتابعين على تلك العقيدة ولا يعلم منهم مخالف لذلك، قال الإِمام الشافعي: "ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه، بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته: جاز لي.
стр. 165
ولكن أقول: لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد بما وصفت من أن ذلك موجودًا على كلهم" (١).
وسنعضد كلام الإِمام الشافعي بأكثر من طريق من ذلك:
الأول: ما قاله أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر بباب الأبواب (٢) وهو يتحدث عن حجية أخبار الرسول وأنها تفيد العلم.
قال: " .. وصارت أخباره ﵇ أدلة على صحة سائر ما دعانا إليه من الأمور الغائبة عن خواسنا وصفات فعله وصار خيره ﵇ عن ذلك سبيلًا إلى إدراكه وطريقًا إلى العلم بحقيقته وكان ما يستدل به من أخباره ﵇ على ذلك أوضح دلالة من دلالة الأعراض التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة ومن اتبعها من القدرية وأهل البدع المنحرفين عن الرسل ﵈" (٣).
"فأخذ سلفنا رحمة الله عليهم ومن تبعهم من الخلف الصالح بعد ما عرفوه من صدق النبي ﷺ فيما دعاهم إليه من العلم بحدثهم ووجود المحدث لهم (٤) بما نبههم عليه من الأدلة - إلى التمسك بالكتاب والسنة وطلب الحق في سائر ما دعوا إلى معرفتها منها، والعدول عن كل ما خالفها" (٥). "فلما
стр. 166
كان هذا واجبًا لما ذكرناه عند سلف الأمة والخلف كان اجتهاد الخلف - في طلب أخبار النبي ﷺ ، والاحتياط في عدالة الرواة واجبًا عندهم ليكونوا فيما يعتقدونه من ذلك على يقين، ولذلك كان أحدهم يرحل إلى البلاد البعيدة في طلب الكلمة تبلغه عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - حرصًا على معرفة الحق من وجهه وطلبًا للأدلة الصحيحة فيه حتى تثلج صدورهم بما يعتقدونه وتسكن نفوسهم إلى ما يتدينون به ويفارقوا بذلك من ذمه الله في تقليده لمن يعظمه من سادته بغير دلالة تقتضي ذلك، ولما كلفهم الله ذلك وجعل أخبار نبيه ﷺ طريقًا إلى المعارف بما كلفهم إلى آخر الزمان - حفظ أخباره ﵇ في سائر الأزمنة ومنع من تطرق الشبه عليها حتى لا يروم أحد تغيير شيء منها أو تبديل معنى كلمة قالها إلا كشف الله تعالى ستره وأظهر في الأمة أمره حتى يرد ذلك عليه العربي والعجمي ومن قَدْ أُهّل لحفظ ذلك من حملة علمه ﵇، والمبلغين عنه، كما حفظ كتابه حتى لا يطيق أحد من أهل الزيف على تحريك حرف ساكن فيه أو تسكين حرف متحرك إلا يبادر القراء في رد ذلك عليه مع اختلاف لغاتهم وتباين أوطانهم لما أراده الله من صحة الأداء عنه ووقوع التبليغ لما أتي به نبينا ﵇ إلى من يأتي في آخر الزمان لانقطاع الرسل بعده (١) واستحالة خلوهم من حجة الله عليهم حتى قد ظهر ذلك بينهم، وأيست من نيله خواطر المنحرفين عنه وجعل الله ما حفظه من ذلك وجمع القلوب عليه حجة على من تعبده بعد النبي ﵇ بشريعته ودلالة لمن دعا إلى قبول ذلك ممن لم يشاهد الأخبار وأكمل الله لجميعهم طرق الدين وأغناهم بها عن التطلع إلى غيرها من البراهين ودل على ذلك بقوله تعالى:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢).
стр. 167
ويفيدنا هذا النص الثمين مايلي:
١ - أن دلالة الأخبار تفيد العلم وهي أوضح مما يزعمه أهل البدع من أن المفيد للعلم هو النظر العقلي أما السمعيات فلا.
٢ - أن هذا هو مذهب السلف ومن تبعهم من الخلف، ولذلك كانوا يحرصون على طلب الحديث، لأن هذه الأخبار هي التي تفيد اليقين في الاعتقاد وتثلج بها الصدور.
٣ - أن أخباره محفوظة كما أن القرآن محفوظ، وما كان من الأخبار ليس بصحيح النسبة إلى الرسول ﵊ لا يمكن أن يجهله العلماء بل لا بد أن ينكشف زيفه.
٤ - إنه بهذا -أي بدلالة الأخبار التي صحت نسبتها- تقوم الحجة على الناس إلى يوم القيامة في جميع أمور دينهم لا فرق بين العقيدة وغيرها، وأن ذلك يغنيهم عن غيرها من البراهين.
الثاني: ما قاله ابن عساكر:
قال ابن عساكر (١): "عن مسلك أهل الأهواء ومنهج أهل السنة وهو يشرح قول الإِمام الشافعي: قال: "وإنما يعني -والله أعلم- بقوله من ارتدى بالكلام لم يفلح، كلام أهل الأهواء الذين تركوا الكتاب والسنة وجعلوا معولهم عقولهم وأخذوا في تسوية الكتاب عليها، وحين حُملت عليهم السنة بزيادة بيان لنقص أقاويلهم اتهموا رواتها وأعرضوا عنها، فأما أهل السنة فمذهبهم في الأصول مبني على الكتاب والسنة، وإنما أخذ من أخذ منهم في العقل إبطالًا لمذهب من زعم أنه غير مستقيم في العقل (٢).
стр. 168
وهذا النص يؤكد الذي قبله من أن مذهب أهل السنة أن الشريعة كتابًا وسنة تفيد العلم ولذلك بنوا أصولهم في الاعتقاد عليها متبعين في ذلك خبر الكتاب وخبر الرسول.
الثالث: ما قال الإِمام ابن تيمية - جوابًا عن سؤال وجه إليه عن أخبار الآحاد (١) - قال:
"وما زال العلماء من الصحابة والتابعين والفقهاء بعدهم ﵃ أجمعين في خطابهم وكتابهم يحتجون بها في موارد الخلاف وغيره، بل إذا كان في الحديث وعيد كان ذلك أبلغ في اقتضاء التحريم على ما تعرفه القلوب وقد تقدم التنبيه على رجحان قول من يعمل بها في الحكم واعتقاد الوعيد، وأنه قول الجمهور وعلى هذا فلا يقبل سؤال يخالف الجماعة" (٢).
ويقصد بالجماعة جماعة الصحابة والتابعين، وتبعهم على ذلك جمهور العلماء، ومثله قول تلميذه الإِمام ابن القيم وقد نقلته عنه سابقًا، فها هنا إذن مرحلتان: الأولى ذكر اتفاق جماعة الصحابة والتابعين وهي القاعدة التي نبني عليها وقد توطدت أركانها بهذه النقول (٣)، والمرحلة الثانية: اتباع جمهور العلماء لهم. ومن خلال مجموعة هذه النقول عن الأئمة الثقات العارفين بأصول العلم وفروعه المتثبتين في نقل الأخبار الغيورين على عقيدة الإِسلام، وبعد ذكر الأدلة من القرآن الكريم والسنة وعرض التطبيقات التي تدل على عقيدة الصحابة أستطيع أن أقول أن الشريعة الإِسلامية - وهي عبارة عن نصوص
стр. 169
الكتاب والسنة - حجة على الخلق تثبت بها العقيدة كما تثبت بها الأحكام ابتداء أو تخصيصًا للعام .. كما يزاد بالسنة على ما في القرآن، كما قد مضت الإشارة اليه، وأن هذه هي عقيدة الجيل الأول جيل القدوة الذي هو خير القرون، ومن ئم فهي الفهم الصحيح لمنهج الاستدلال في الإِسلام، وما زال الحال على ذلك حتى بزغت الأهواء والبدع، وانتشرت المسالك المخالفة في الاستدلال، وقبل أن نتحدث عنها .. نذكر أهم أوصاف الشريعة.
المطلب الخامس
ذكر أوصاف الشريعة
الفرع الأول
أوصاف الشريعة كما بينها الشاطبي
يحدثنا الإِمام الأصولي أبو إسحاق الشاطبي في المقدمة التاسعة عن حقيقة العلم وهو القسم الأول فيقول: "القسم الأول هو الأصل والمعتمد والذي عليه مدار الطلب واليه تنتهي مقاصد الراسخين وذلك ما كان قطعيًا أو راجعًا إلى أصل قطعي، والشريعة المباركة المحمدية منزلة على هذا الوجه، ولذلك كانت محفوظة في أصولها وفروعها كما قال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١).
لأنها ترجع إلى حفظ المقاصد التي بها يكون صلاح الدارين وهي الضروريات والحاجيات والتحسينات وما هو مكمل ومتمم لأطرافها وهي أصول الشريعة، وقد قام البرهان القطعي على اعتبارها وسائر الفروع مستندة إليها فلا إشكال في أنها علم أصل راسخ الأساس ثابت الأركان (٢).
стр. 170
وهذه طريقة جيدة في إثبات قطعية الشريعة ذكرها الشاطبي في أكثر من موضع، هذا أولها، وعرضها في الجزء الثالث، حيث قسم ما تشمله الشريعة إلى قسمين أصليين: الأول: أن يكون قطعيًا، والثاني أن يكون ظنيًا ويرجع إلى أصل قطعي ومثل له بحديث "لا ضرر ولا ضرار" (١) فإنه داخل تحت أصل قطعي في هذا المعنى فالضرر مبثوث منعه في الشريعة، وإذا اعتبرت أخبار الأحاد وجدتها كذلك، وهذا خلاف مقصد بعض الأصوليين حيث أقاموا الدليل القطعي على وجوب العمل بخبر الواحد، ومقصود الشاطبي أخص من مقصودهم إذ أنه يقرر أن الشريعة المباركة منها ما هو قطعي ومنها ما هو راجع إلى قطعي فهي قطعية على جمل حال، لأنها إن رجعت إلى قطعي فظاهر كونها قطعية وإن رجعت إلى ظني فإما أن يرجع الظن إلى قطعي أو إلى ظني، فإن رجع إلى قطعي فذاك، وإن لم يرجع إلى قطعي رجع إلى ظني أيضًا، وهذا إن رجع إلى قطعي فبها ونعمت وإن رجع إلى ظني وتسلسل فقد رجع إلى مطلق الظن وما هو حينئذ من الشريعة فمآل الأدلة إذن إلى القطعية (٢). والعلم بالشريعة "مستفاد من الاستقراء العام الناظم لأشتات أفرادها حتى تصير في العقل مجموعة في كليات مطردة عامة ثابتة غير زائلة ولا متبدلة وحاكمة غير محكوم عليها ... " (٣) ثم يعرض الإِمام الشاطبي هذه الخواص الثلاث وهي:
الخاصية الأولى - العموم والاطراد: بحيث لا يتصور الإِنسان حركة ولا سكونًا إلا والشريعة عليه حاكمة، وقد بينا ذلك فيما سبق بما فيه الكفاية (٤).
ولا يقال: إن في الشريعة أحكامًا خاصة مثل ضرب الدية على العاقلة (٥)
стр. 171
والصاع في المصراة (١) وأشباه ذلك، لأن هذه الأحكام راجعة إلى حفظ الأصول الحاجية أو التحسينية أو التكميلية فما يُظن خاصًا في ظاهر الأمر هو في حقيقته عام (٢) لأن الشريعة جاءت بحفظ الضروريات وهي الدين والنفس والنسل والمال والعقل هذا معنى كونها عامة، أي جاءت بأحكام تشمل جميع تصرفات المكلفين، ولا يعكر على هذا العموم أن ورد فيها بعض الأحكام الخاصة، لأنّ هذه الأحكام جاءت لحفظ الحاجيات كالرخص المخففة بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمرض والسفر.
وكل ما سبقت الإشارة إليه من الأمثلة إنما جاء ليخدم الضروري الذي هو الأصل، فالشريعة إذا ترجع إلى حفظ مقاصد الخلق (٣) وهذا معنى شمولها كما يقول الإِمام الشاطبي: "فلا عمل يفرض ولا حركة ولا سكون يدعى إلا والشريعة عليه حاكمة أفرادًا وتركيبًا وهذا معنى كونها عامة" (٤) فتصرفات الخلق وأحوال المجتمعات والجماعات إما أن تدخل تحت الضروريات أو الحاجيات والتحسينات، والشريعة جاءت بحفظ هذه المقاصد جميعًا.
الخاصية الثانية - الثبوت من غير زوال: "فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخًا ولا تخصيصًا لعمومها ولا تقييدًا لإطلاقها ولا رفعًا لحكم من أحكامها لا بحسب عموم المكلفين ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمان دون زمان ولا حال دون حال، بل ما أثبت سببًا فهو سبب أبدًا لا يرتفع وما كان واجبًا فهو واجب أبدًا، أو مندوبًا فمندوب، وهكذا جميع الأحكام فلا زوال لها
стр. 172
ولا تبدل ولو فرض بقاء التكليف إلى غير نهاية لكانت أحكامها كذلك" (١) وهذا التقرير من الإِمام الشاطبي في غاية الإِحكام.
الخاصية الثالثة - كونها حاكمة غير محكوم عليها: ومعنى ذلك أن الله أنزل هذه الشريعة لتحكم الناس جميعًا لا فرق بين كبير وصغير ولا تابع ومتبوع وفي جميع شؤونهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية .. وعليهم أن يخضعوا لأحكامها بقلوبهم وعقولهم وجوارحهم (٢)، وقد ذكرت قول الإِمام الشاطبي في التمهيد كما ذكرت أقوال أئمة السلف ﵏ جميعًا، وفي هذا الموضع يتبين لنا بعد أن عرضت مذهب الصحابة والتابعين وأئمة السلف من بعدهم مستدلين بالواقع العملي للنبي القدوة ﷺ وبما جاء به من الوحي على أن هذه الشريعة جاءت لتكون هي الحجة على الخلق في الاعتقاد وسائر الأحكام، وأن الأدلة النقلية الثابتة تقوى على إقامة هذه الحجة على ما بيناه فيما سبق، وأجيب عن اعتراض يمكن يرد على ذهن القارئ ونحتاج إلى الجواب عنه في هذا الموضع ثم نجيب عن الاعتراضات الأخرى عند - عرض مسلك المضعفين للأدلة النقلية - إن شاء الله تعالى.
الفرع الثاني
اعتراض وجوابه
حاصل هذا الاعتراض أن من الأدلة الثابتة في هذه الشريعة ما يتردد المجتهد في معرفة دلالته، إما لكون اللفظ مشتركًا أو لأسباب أخرى وهذا يعكر على القول بأن الأدلة النقلية تفيد الحجة وتقوى على إثبات أمور الدين عقيدة وأحكامًا.
والجواب من أربعة أوجه:
الأول: أن ما كان ظني الدلالة مستند ولا بد إلى قطعي فمآله إلى القطعية فالشريعة قطعية وذلك هو تقرير الإِمام الشاطبي.
стр. 173
الثاني: أن الشريعة في نفسها تفيد العلم بصرف النظر عن إدراك المجتهد لذلك أو تردده فيه، كما نقول عنها أنها ثابتة ومعصومة من أن يضيع من أحكامها شيء أو يفوت، ولا يلزم من ذلك أن يعلم المجتهد جميع نصوصها (١).
الثالث: أنا لو سلمنا أن الشارع وضع بعض نصوصه محتملة لمعاني متعددة لمصلحة العباد (٢) وذلك يقتضي تردد المجتهد في تعيين المقصود منها وهذا ينافي القول بأن الشريعة تفيد العلم.
فالجواب أن ذلك لا ينافي إفادة الشريعة العلم تمامًا كما نقول أن "الشريعة محكمة" مع أن "المتشابه" موجود فيها، فكما لا يمنع وجود المتشابه إطلاق لفظ "الإِحكام" على الشريعة فكذلك لا يمنع وجود الظواهر المحتملة القول بأن "الشريعة تفيد العلم".
وسواء قلت أن الشريعة قطعية كما قال الشاطبي، أو قلت أنها تفيد العلم -بالشرط المذكور- كما قال أئمة السلف، سواء قلت هذا أو ذاك، فإن الذي أقصد إلى تقريره في هذا المبحث قد اتضح -والحمد لله- ألا وهو قوة الأدلة النقلية على إثبات الحجة على الخلق في العقيدة وسائر الأحكام، وبهذا نستفيد من نصوص الشريعة كتابًا وسنة دون أن نفرق بينها أو نضعف نوعًا منها، وهذا من أهم قواعد الثبات والشمول، وسيأتي لذلك زيادة بيان عند الحديث عن طرق الاجتهاد إن شاء الله.
* * *
стр. 174
المبحث الثاني
نشأة القول بتضعيف الأدلة النقلية
توطئة:
إن تحديد نشأة هذه المقالة ضرورة علمية ذلك لما قد تبين أن من الحق الذي لا ريب فيه كون الأدلة النقلية تفيد العلم، وعلى ذلك اتفاق السلف من الصحابة والتابعين، فمن أين إذًا جاءت تلك المقالة.
أمر آخر ضروري جدًا ذلك أن معالجة هذه المقالة تبدو للباحث كأنها عسيرة لكثرة انتشار هذه المقالة في كتب الأصول وغيرها. ومما يساعد على الوصول إلى نتيجة مرضية تسهّل على كثير من الباحثين مراجعة صحة هذه المقالة أن نحدد نشأتها (١)، ذلك أن اعتبار الشريعة لأمر من الأمور يلاحظ فيه شأن من تكلم فيه وأظهره، فظهور السنة على يد مالك وأحمد والشافعي وأبي حنيفة يسهّل على النفس قبولها مهما عارضتها العوارض ووقفت في وجهها العوائق، ونشأة أمر حادث معارض للسنة على أيدي أهل الأهواء والزنادقة والفلاسفة المنكرين للرسل والرسالات يهوّن على النفس رفضه مهما خُدعت به الأقلام وإن عظمت، وسارت به الكتب في الآفاق وإن كثُرت، ومن جهة أخرى يهوّن على
стр. 175
الباحث إظهار زيف هذا الأمر فيوفّر جهده حينئذ على بيان الأسباب التي ساعدت على انتشاره لأن معرفتها معينة على التخلص من آثاره.
وأمر ثالث ضروري أيضًا ألا وهو إدراك الفائدة العلمية على صورة أوسع وأشمل فإن تحديد النشأة يجمع لنا أطراف القضية ويعطينا حجمها الحقيقي، بخلاف ما لو أُخذت من طرفها الأخير فإن ذلك لا يمكن تحقيقه، أضف إلى ذلك إدراك الروافد الفكرية التي غذّت هذه المقالة.
وفي الصفحات القادمة أعرض -ما تمكنت من تتبعه- لتحديد حجم تلك المقالة ونشأتها وأسباب انتشارها وما توفيقي إلّا بالله.
المطلب الأول
حقيقة هذه المقالة وموقف الخوارج والمرجئة منها
إن القول بالظنية يشمل الأدلة النقلية من الكتاب والسنة، وقد انتشرت هذه المقالة انتشارًا واسعًا في أكثر كتب العقيدة وأصول الفقه (١)، ويدخل فيها القول بظنية الأدلة القرآنية والسنة النبوية ما كان منها متواترًا وما كان منها آحادًا.
ولقد تم نقل الاتفاق من الصحابة والتابعين على أن الأدلة النقلية تفيد العلم ونتتبع الآن نشاة الأهواء لنتعرف على يد من نشأت تلك المقالة - ونتجاوز فرقة الخوارج (٢) لما ثبت بالأدلة التاريخية المعلومة أن الخوارج أول ما نشأت كانت
стр. 176
في شغل شاغل بالتكفير والقتال (١) فلم يكن عندهم من الوقت ما يمكنهم من الاشتغال بالفلسفة، وطبيعتهم الخاصة لا تساعدهم على ذلك، فهم كما ثبت في الحديث: "يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم" (٢)، وفي هذا إشارة إلى عدم اشتغالهم بالتفكر والتدبر في المعاني الشرعية التي هي قاعدة المنهج الصحيح فإذْ لم يفعلوا ذلك وبعدوا عنه فهم إذًا أشد بعدًا عن النظر الفلسفي، لأن الطريقة الشرعية في التدبر والتفكر سهلة ميسرة، وتقرير مسائل العلم ميسر أيضًا لمن صبر على التعلم والتفقه .. أما مسالك النظر الفلسفي فعلى الضد من ذلك، وكان من صفاتهم بعد ذلك التعلق بالنظر الأول عند تقرير مسائل الدين وعند الحكم على الأحداث والوقائع (٣). وذلك هو السبب الأول الذي حملهم على تأسيس قواعد منحرفة، ثم البناء عليها فلم يمكنهم بعد ذلك التصحيح لتزيدهم في الغلو.
ومنها: أنهم أصحاب عبادة وتزهد وعمل دائب لا ينقطع وشدة تفان في نصرة مذهبهم يحقر المحسن عمله مع عملهم (٤) وهذا مانع آخر من انشغالهم بالفكر الفلسفي (٥).
стр. 177
بقي أن نفسر مسلكهم في رد السنة ونختار تحليل ابن تيمية لهذا المسلك وذلك قوله بأن الخوارج إنما ردت السنة لأنها تطعن في السند وهم الصحابة - رضوان الله عليهم - (١). وإلّا فإنهم يقبلون خبر الواحد العدل عندهم (٢).
ولهذا كله سأعتبر مسلك الخوارج مساعدًا على انتشار تلك المقالة، أما أنها نشأت عندهم فذلك لا أملك عليه دليلًا، وإليك تحليل شيخ الإِسلام لننتقل بعده إلى مرحلة أخرى.
يقول ﵀ (٣): "ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من
يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة (٤) حدثوا في آخر خلافة
стр. 178
علي (﵁) والمرجئة (١) والقدرية (٢) حدثوا في أواخر عصر الصحابة وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص وششدلون بها على قولهم، لا يدّعون أنهم (٣) عندهم عقليات تعارض النصوص (٤).
стр. 179
ولكن لما حدثت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم المعارضين للنصوص برأيهم ومع هذا فكانوا قليلين مقموعين في الأمة، وأولهم (١) الجعد بن درهم" (٢).
وعلى هذا الأساس يمكننا الانتقال إلى النظر في أقوال الجهمية من المعتزلة متتبعين أقوال بعض أئمة الاعتزال المشهورين وهم واصل بن عطاء (٣) وأبو الهذيل العلاف (٤) والنظام (٥).
стр. 180
المطلب الثاني
نشأة هذه المقالة على يد المعتزلة
الفرع الأول
مقالة واصل بن عطاء رأس المعتزلة (٨٠ - ١٥١)
قال: "إنّ كل خبر لا يمكن فيه التواطؤ والتراسل والاتفاق على غير (١) التواطؤ فهو حجة، وما يصح ذلك فيه فهو مطرح" (٢) وهذا النص نقلته على هذا النحو من مصدره، ومعناه أن كل خبر -وإن كان خبر الرسول- لا يمكن - والمقصود الِإمكان العقلي - أن يتم عليه الاتفاق على التراسل والتواطؤ من ناقليه فهو حجة، وما أمكن فيه ذلك فهو مطرح أي ليس بحجة.