في شغل شاغل بالتكفير والقتال (١) فلم يكن عندهم من الوقت ما يمكنهم من الاشتغال بالفلسفة، وطبيعتهم الخاصة لا تساعدهم على ذلك، فهم كما ثبت في الحديث: "يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم" (٢)، وفي هذا إشارة إلى عدم اشتغالهم بالتفكر والتدبر في المعاني الشرعية التي هي قاعدة المنهج الصحيح فإذْ لم يفعلوا ذلك وبعدوا عنه فهم إذًا أشد بعدًا عن النظر الفلسفي، لأن الطريقة الشرعية في التدبر والتفكر سهلة ميسرة، وتقرير مسائل العلم ميسر أيضًا لمن صبر على التعلم والتفقه .. أما مسالك النظر الفلسفي فعلى الضد من ذلك، وكان من صفاتهم بعد ذلك التعلق بالنظر الأول عند تقرير مسائل الدين وعند الحكم على الأحداث والوقائع (٣). وذلك هو السبب الأول الذي حملهم على تأسيس قواعد منحرفة، ثم البناء عليها فلم يمكنهم بعد ذلك التصحيح لتزيدهم في الغلو.
ومنها: أنهم أصحاب عبادة وتزهد وعمل دائب لا ينقطع وشدة تفان في نصرة مذهبهم يحقر المحسن عمله مع عملهم (٤) وهذا مانع آخر من انشغالهم بالفكر الفلسفي (٥).
стр. 177
بقي أن نفسر مسلكهم في رد السنة ونختار تحليل ابن تيمية لهذا المسلك وذلك قوله بأن الخوارج إنما ردت السنة لأنها تطعن في السند وهم الصحابة - رضوان الله عليهم - (١). وإلّا فإنهم يقبلون خبر الواحد العدل عندهم (٢).
ولهذا كله سأعتبر مسلك الخوارج مساعدًا على انتشار تلك المقالة، أما أنها نشأت عندهم فذلك لا أملك عليه دليلًا، وإليك تحليل شيخ الإِسلام لننتقل بعده إلى مرحلة أخرى.
يقول ﵀ (٣): "ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من
يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة (٤) حدثوا في آخر خلافة
стр. 178
علي (﵁) والمرجئة (١) والقدرية (٢) حدثوا في أواخر عصر الصحابة وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص وششدلون بها على قولهم، لا يدّعون أنهم (٣) عندهم عقليات تعارض النصوص (٤).
стр. 179
ولكن لما حدثت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم المعارضين للنصوص برأيهم ومع هذا فكانوا قليلين مقموعين في الأمة، وأولهم (١) الجعد بن درهم" (٢).
وعلى هذا الأساس يمكننا الانتقال إلى النظر في أقوال الجهمية من المعتزلة متتبعين أقوال بعض أئمة الاعتزال المشهورين وهم واصل بن عطاء (٣) وأبو الهذيل العلاف (٤) والنظام (٥).
стр. 180
المطلب الثاني
نشأة هذه المقالة على يد المعتزلة
الفرع الأول
مقالة واصل بن عطاء رأس المعتزلة (٨٠ - ١٥١)
قال: "إنّ كل خبر لا يمكن فيه التواطؤ والتراسل والاتفاق على غير (١) التواطؤ فهو حجة، وما يصح ذلك فيه فهو مطرح" (٢) وهذا النص نقلته على هذا النحو من مصدره، ومعناه أن كل خبر -وإن كان خبر الرسول- لا يمكن - والمقصود الِإمكان العقلي - أن يتم عليه الاتفاق على التراسل والتواطؤ من ناقليه فهو حجة، وما أمكن فيه ذلك فهو مطرح أي ليس بحجة.
стр. 181
والنص ظاهر الدلالة على أن اعتبار حجة الخبر إنما يكون في حالة دون حالة ولا عبرة بصحة السند وعدالة رواته وحفظهم وضبطهم فإن ذلك وحده لا يكفي (١)، بل لا بد من الاستناد إلى حجة العقل وهي إثبات عدم إمكان التوافق والتراسل وذلك إنما يكون في بعض الأخبار، وحينئذ تثبت بها الحجة، أما النوع الثاني فلا تثبت به.
ونلاحظ هنا أنه لم يستعمل اصطلاح المتواتر والأحاد بما يشعر بأنه لم يكن معروفًا حينذاك، وتفيدنا هذه الملاحظة هنا أن رفع الحجية عن الخبر لا يقتصر على الأحاد بالاصطلاح المتأخر بل هو أوسع من ذلك، يدل عليه قوله: "إن كل خبر لا يمكن فيه التواطؤ فهو حجة" وخبر الواحد أو الجماعة التي تزيد عن الواحد يمكن فيه التواطؤ وحينئذ ترتفع عنه الحجية، ولذلك نجد المتكلمين تواضعوا - كما يقول القاضي ابن الباقلاني: "على تسمية كل خبر قصر عن إيجاب العلم بأنه خبر واحد، وسواء عندهم رواه الواحد أو الجماعة التي تزيد عن الواحد" (٢).
ولنا أن نلاحظ أيضًا أن قوله: "وما أمكن فيه ذلك فهو مطّرح" أن الاطراح يشمل عدم إفادته العلم والعمل معًا، لأنه لم يفرق في النص المذكور بينها، ولو كان يفيد العمل لما طرحه مطلقًا.
والحاصل أن هذا يعتبر من أول نصوص أهل الأهواء من ناحية اشتراط الإمكان وعدمه في صحة الخبر وحجيته، ونستفيد منه على وجه التحديد الأمور التالية:
١ - أن الاتجاه العقلي بدأ يتحكم في الأخبار الشرعية عند إمام المعتزلة.
٢ - أن النتيجة المترتبة على ذلك هو اطّراح جميع الأخبار ما لم يقرر
стр. 182
العقل عدم إمكان التواطؤ والتراسل .. يستوي رد خبر الواحد أو أكثر من الواحد، ويستوي عدم إفادتها للعلم والعمل أيضًا.
٣ - أن الأصول الأولى في بناء فكر المعتزلة قامت على هذا الأساس.
الفرع الثاني
تطور فكر المعتزلة على يد أبي الهذيل العلاف
(توفي سنة ٢٣٢ ه ـ)
ويعتبر أبو الهذيل -كما سبق من ترجمته- المناظر والمقرر لطريقة شيوخه في الاعتزال، وهو الأداة التي تم عن طريقها ربط الفكر المعتزلي بالفكر الفلسفي.
وإليك ما يثبت هذه القضية من الأدلة المنقولة عن كتب المعتزلة:
(أ) أنه أول معتزلي استفاد من الكتب التي ترجمت أفكار الفلاسفة والتي تُرجمت في عهد المأمون سنة ٢١٨ ونقل آثارها إلى الإِسلام وخلط كلامه بها ونثبت هذا بطريقين:
الأول: شهادة النظام وهو تلميذ من تلامذة أبي الهذيل، وقد نقلها القاضي عبد الجبار، وحاصلها أن النظام نظر في كتب الفلسفة ودقيق الكلام ثم علم أن أبا الهذيل شيخه يجمع ذلك كله وأكثر منه، بل إن النظام - مع أنه من أكبر أنصار عقيدة المعتزلة - يعتبر من غلمان أبي الهذيل (١).
الثاني: قول الشهرستاني في الملل والنحل حيث ذكر أنه أول من استفاد من كتب الفلاسفة التي تُرجمت وخلط كلامه بها (٢).
(ب) أنه دعم مقالة مؤسس فرقتهم وطورهما حيث جعل الرواية للأخبار ريبة، وجعل الحق في اتباع المقاييس (٣)، وهو أول من قال بوجوب النظر (٤).
стр. 183
وبذلك نستطيع أن نقرر هنا. أن مقالة واصل بن عطاء تطورت على يد أبي الهذيل لتصبح الحجة فقط في اتباع المقاييس العقلية، وهنا التقى فكر المعتزلة بفكر الفلاسفة.
ولا يعكّر على هذا التقرير القول بأن أبا الهذيل اشترط للمتواتر شروطًا ليحتج به، وهذا يفيد أنه لا يعتمد على المقاييس العقلية فقط، ذلك لأن شروطه من أعجب الشروط ولا تدل بحال على أنه يسلّم بحجية الأخبار ويكفي أن نعلم أنه يشترط لحجية الخبر أن يكون متواترًا وأن يكون أحد رواته من أهل الجنة (١)، وهذا يدل على تلاعبه وعبثه، ويؤكد اعتقاده الخبيث: "من أن الرواية ريبة والحجة في المقاييس".
الفرع الثالث
تطورها مرة أخرى على يد النظام
وإذا صرنا إلى "النظام" نجده قد حفظ كتاب "أرسطاطليس" في الفلسفة والمنطق (٢)، وقد قال عنه تلميذه الجاحظ ما رأيت أعلم بالكلام من النظام (٣)، وقد شهد النظام على نفسه بذلك (٤).
وكان من ثمرة ذلك كله أن قَوي اتجاه فكر المعتزلة نحو فكر الفلاسفة واشتد تمسكهم بمنهجهم العقلي الذي أخذ في التولي عن الأدلة النقلية رويدًا رويدًا حتى بلغ القمة على يدي النظام، فبقدر ما يقربون من الفكر الفلسفي المترجم بقدر ما يبعدون عن الأدلة النقلية، فلما تعانق الفكر المعتزلي والفلسفي
стр. 184
على يد النظام استوت مقالة واصل بن عطاء على سوقها بعد أن اشتد عودها على يد أبي الهذيل لتعجب الفلاسفة وتغيظ أهل السنة، فكانت مقالة النظام إن الحجة العقلية قادرة على نسخ الأخبار (١)، وتجاوز النظام بقوله هذا قول صاحبيه من قبل واصل بن عطاء وأبي الهذيل وتمت مقالة المعتزلة على ثلاث مراحل:
الأولى: إطراح جميع الأخبار ما لم يتقرر عدم إمكان التواطؤ.
الثانية: الأخبار ريبة والحجة في المقاييس.
الثالثة: الحجة العقلية قد تنسخ الأخبار (٢).
وننتقل بعد ذلك إلى آخر مقررات المعتزلة لنرى حصاد الفكر الفلسفي المعتزلي، ولنزداد يقينًا بهذا الذي تقرر لنا من خلال تحليل نصوص أئمة المعتزلة.
قال القاضي عبد الجبار المعتزلي، تحت عنوان: "بيان ما يجوز أن يدل عليه الخطاب وسائر الأدلة السمعية" وأجاب عن اعتراض وُجّه إليه حاصله: أن الخطاب يدل كدلالة الخبر فإن لم تسلموا بذلك لزمكم القول بأن ما فى القرآن لا يدل على عقيدتكم .. ولا يجوز لكم الاحتجاج به.
فأجاب بقوله: "ليس بصحيح الاحتجاج بذلك في إثبات التوحيد والعدل وإنما نورده لنبين خروج المخالفين عن التمسك بالقرآن مع زعمهم أنهم أشد
стр. 185
تمسكًا به، ونبين أن القرآن كالعقل في أنه يدل على ما نقول وإن كان دلالته على طريق التأكيد" (١).
وقارن إن شئت بين محصلة قول أبي الهذيل الأخبار ريبة والحجة في المقاييس وبين قول متأخريهم، "ليس بصحيح الاحتجاج بذلك (أي بما في القرآن من الأخبار) في إثبات التوحيد".
وبعد تحليل نصوص أئمة الاعتزال الثلاثة يتبين لنا على وجه القطع أنهم لا يرون الحجة في اتباع الأخبار إلا بشروط عجيبة غريبة تدل بذاتها على عدم إثبات الحجة للأخبار الشرعية، ثم استقر الأمر عند المعتزلة على أن الحجة تعرف بالنظر العقلي وأن "الشريعة" قرآنًا وسنة لا يصح الاحتجاج بها على إفادة العلم، ومن خلال هذه الدراسة نبين بوضوح أن القول بتضعيف الأدلة النقلية نشأ على يد أئمة المعتزلة واصل بن عطاء، وأبي الهذيل والنظام، وهم كما تبين من تراجمهم سابقًا ما بين مبتدع هالك، وكذاب أفاك، وزنديق متستر ثم إن فكر الفلاسفة شجع المعتزلة على التمسك بالأهواء ومخالفة أهل السنة (٢)، وقد استخدمه النظام وشيخه في إسقاط الحجة عن الأخبار الشرعية، وحاصل ما نقرره في المبحثين السابقين ما يلي:
стр. 186
١ - أن عقيدة الصحابة والتابعين أن الأدلة النقلية تفيد العلم تعلموا هذه العقيدة من رسول الله ﷺ ، وعلمهم كيف يحتجون ويستدلون بها على العقيدة وسائر الأحكام سواء منها ما كان متواترًا أو أحادًا وذلك بإقرارهم على هذا المنهج البين الذي تدل عليه الشريعة (١).
٢ - أن القول بظنية الأدلة النقلية دين أحدثه أئمة المعتزلة ولم يعرف من قبل، وبدعة منكرة وشجرة خبيثة تتابع على غراسها وسقيها واصل بن عطاء وأبو الهذيل والنظام وغيرهم من شيوخ المعتزلة .. ثم سقاها الفكر الفلسفي واستظل بها أهل الأهواء وخدعوا بها كثيرًا من الناس، وظنوا أنها من الدين وما هي من الدين، ومثل كلمة المعتزلة هذه وكلمة اتصحابة والتابعين كما قال الله تعالى في سورة إبراهيم:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (٢).
فإفادت الشريعة العلم كلمة طيبة من قوم طيبين أصحاب عقيدة طيبة، هم صحابة النبي ﷺ والتابعين لهم بإحسان، والأدلة على هذه الكلمة ثابتة في الكتاب والسنة كما قدمنا، فمثلها مثل شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تعجب الزراع وتغيظ أهل الأهواء.
والقول بأن الأدلة النقلية لا تفيد العلم كلمة خبيثة - من قوم أصحاب
стр. 187
عقيدة خبيثة وسيرة خبيثة هم أتباع واصل بن عطاء رأس البدعة - سندها الأهواء وفكر الفلاسفة المنكرين للرسالات فمثلها مثل شجرة خبيثة زخرفت للناظرين لا ظل لها ولا ثمر .. تعجب الفلاسفة وتغيظ أهل السنة، وكان حريًا أن لا يكون لهذه الشجرة الخبيثة بقاء لوأن الفكر الإِسلامي سلم من شبه كثيرة ساعدت على قبول أجزاء مبعثرة من تلك الشجرة، وقد كان للفكر الفلسفي وما زال آثاره السيئة التي ضمنت لبعض تلك الأجزاء المتقطعة البقاء والاستمرار، وسأذكر أهم الأسباب التي ساعدت على انتشار القول بالظنية في المبحث الثالث بتوفيق الله وعونه (١).
* * *
стр. 188
المبحث الثالث
أهم الأسباب التي ساعدت على انتشار القول بالظنية
في هذا المبحث دراسة لأهم الأسباب التي أدت إلى سعة انتشار هذه البدعة، كي نتمكن من تفسير هذه الظاهرة، ونساعد على معالجة بعض الشبه التي تولدت عنها، أما الرد على هذه البدعة فيكفينا فيها ما أثبتناه من أن مقالة المعتزلة دين أحدثه أئمة الاعتزال اجتمع لهم فيه مخالفة الشريعة، ومخالفة الراسخين فيها وهم الصحابة والتابعون وقد أثبتنا اتفاقهم على أن الشريعة هي الحجة، وهذا يكفي لإسقاط الشرعيّة عن مقالة المعتزلة، والشهادة عليها بأنها بدعة، والحكم عليها بعد ذلك بالبطلان، ومقابلتها بالرفض والتشنيع.
وإليك أهم الأسباب التي ساعدت على انتشارها:
المطلب الأول
موقف الخوارج من رد السنة
وقد سبق بيان الفرق بينهم وبين موقف المعتزلة، والذي نضيفه هنا أن موقفهم ساعد على تحقق أمرين اثنين:
الأول: تسبب في وقوع المعتزلة في تلك البدعة، وذلك شأن كل صاحب بدعة يدعوا إليها كما هو فعل الخوارج فإنهم لما ردوا السنة وكفّروا الصحابة وانتصروا لهذه البدعة تشربتها قلوب المعتزلة، فمنهم من فسق الصحابة ومنهم من ضللهم .. وأصبحت هذه عقيدة متوارثة عندهم وقد سبقت الإِشارة إلى ذلك وهذا جعلهم يشاركون الخوارج في الطعن على الصحابة والاستنكاف عن
стр. 189
قبول السنة هذا مع ملاحظة أن الخوارج لم يذهبوا إلى القول بتقديم الحجة العقلية على القرآن مع طعنهم في السنة.
الثاني: أن موقف الخوارج مهّد لموقف المعتزلة، فعظيمة المعتزلة ليست أول عظيمة ترتكب في حق الشريعة، فقد سبقهم الخوارج في رد السنة فجرؤا المخالفين من أهل الأهواء على بدعهم وسَهُلَ على المعتزلة بعد ذلك الوصول إلى مقالة هي أخطر من مسلك الخوارج لأن هؤلاء بدعتهم لايسهل انتشارها في الأمة بعكس بدعة المعتزلة والواقع دليل يثبت هذا الذي نقول (١).
المطلب الثاني
موقف الفلاسفة وبيان وجه ارتباط تلك البدعة به، وذكر شبهة المعتزلة ومتكلمة الأشاعرة
الفلاسفة قوم ينكرون الرسالات ويتخذون العقل طريقًا للتعرف على "الصانع" أي خالق هذا الكون، ولهم طرق كثيرة يلتزمون بها في إثبات ذلك (٢)، وقد تُرجم فكر الفلاسفة اليونان في بداية القرن الثالث، وقد شهد أبو الهذيل وتلميذه النظام عصر الترجمة وأخذوا عن كتب الفلاسفة كما سبق بيانه.
وترتب على ذلك أن أثر هذا المسلك في عقل المعتزلة وتمكنت منهم بدعة الفلاسفة فتارة يجعلون أول النظر الواجب إثبات الصانع عن طريق العقل،
стр. 190
وتارة ينفون عنه بعض الصفات ويثبتون له صفات أخرى، وأما أخبار الرسول فهم وإن لم ينكروها كما صنعت الفلاسفة إلّا أنهم أعرضوا عنها وشاركوا الفلاسفة في عدم الانتفاع بها (١) اللهم إلا في الرد على خصومهم (٢). وهذا مما يبين أثر الفلسفة في فكر المعتزلة، والمهم هنا هو بيان الأسباب التي ساعدت على انتشار تلك البدعة، وهذا كاف في الربط العام بين فكر الفلاسفة وبين فكر المعتزلة.
ونبدأ من هنا في معالجة أهم الشبه التي خدع بها الفلاسفةُ المعتزلة ثم خدع بها المعتزلةُ متكلمة الأشاعرة ثم انتشرت بعد ذلك في كتب الأصول بدع كثيرة مبنية على هذه الشبه منها:
١ - تضعيف الأدلة النقلية ووصفها بالظنية بحيث لا يستدل بها إلا على سبيل التأكيد كما يقول القاضي عبد الجبار (٣) أو لا يستدل بها على العقليات كما يقول الأيجي في المواقف (٤).
٢ - أن أخبار الآحاد لا تفيد إلّا الظن (٥).
٣ - تقديم حكم العقل على النص (٦).
٤ - إنكار القياس والإِجماع كما فعل النظام المعتزلي (٧).
стр. 191
٥ - القول بأن الفقه من باب الظنيات كما فعل الرازي، واتباع المجتهد لما اتفق له في مسائل الاجتهاد بدون مرجح كما قال ابن الباقلاني (١).
٦ - وضع المقدمات العقلية الصرفة لأصول الفقه، وخلط علم الكلام به (٢).
وبمعالجة تلك الشبه يظهر لنا أثرها الضخم في إنشاء هذه البدع في أصول الفقه، ولا نحتاج إلى تصوير مذهب المعتزلة فقد سبق بيان معارضتهم للنصوص بعقولهم، بل نبني عليه فنذكر مذهب المتكلمين من الأشاعرة وهم القنطرة التي انتقل عليها فكر المعتزلة والفلاسفة حتى انتشر في أصول الفقه، وإليك أهم الشبه التي انخدع بها هؤلاء:
يقول الأيجي في "المواقف" الدلائل النقلية لا تفيد اليقين إلّا إذا عُدم المعارض العقلي "إذْ لو وجد لقدم على الدليل النقلي قطعًا، إذ لا يمكن العمل بهما ولا بنقيضهما، وتقديم النقل على العقل إبطال للأصل بالفرع وفيه إبطال الفرع، وإذا أدى إثبات الشيء إلى إبطاله كان مناقضًا لنفسه فكان باطلًا، لكن عدم المعارض العقلي غير يقيني إذْ الغاية عدم الوجدان وهذا لا يفيد القطع بعدم الوجود فقد تحقق أن دلالتها تتوقف على أمور ظنية فتكون ظنية لأن الفرع لا يزيد على الأصل في القوة".
ثم قال: "والحق أنها قد تفيد اليقين بقرائن مشاهدة أو متواترة تدل على انتفاء الاحتمالات ... نعم في إفادتها اليقين في العقليات نظر لأنه مبني على أنه
стр. 192
هل يحصل بمجردها الجزم بعدم المعارض العقلي وهل للقرينة مدخل في ذلك وهما مما لا يمكن الجزم بأحد طرفيه" (١).
وحاصل هذا الاستدلال ما يلي:
١ - أن النقل -وهو الشريعة- ثبتت عن طريق المعجزة التي ميّزت الرسول الصادق عن الدعي الكاذب، والمعجزة إنما تدرك صحتها بالعقل فهو الطريق إلى إثبات الرسالة، فإذا ورد في هذه الرسالة ما يعارضه فهو مردود لأنا لو قبلناه لقبلنا ما يعارض العقل، وهذا إلغاء له، وبه ثبتت الرسالة فإلغاءه إلغاء لها، فلابد من إلغاء ما يعارض العقل، وتوقف إفادة النقل للعلم على انعدام المعارض العقلي.
٢ - أن انعدامه ظني، فقد يكون هناك معارض عقلي للنص لا نعلمه نحن ويعلمه غيرنا، فإذًا تحقق المعارض العقلي ممكن، والعلم بانتفائه غير ممكن، ولذلك تبقى الأدلة النقلية ظنية لبقاء احتمال تحقق المعارض العقلي، ولا يُخْلّصنا من ذلك وجود القرينة التي تقوي الأدلة النقلية لأنّا لا يمكن لنا في العقليات أن نجزم على أساسها بعدم وجود المعارض العقلي.
المطلب الثالث
مناقشة شبهة المخالفين والجواب عنها بأكثر من وجه
قد سبق ذكر شبهة المعتزلة ومتكلمة الأشاعرة وهي أصل الأصول في مسلكهم في النظر، وظاهر أثر الفكر الفلسفي في مادة "دليلهم" وأسلوبه (٢).
стр. 193
وقد كتب شيخ الإِسلام أعظم كتبه في الرد عليهم وبدأه بتصوير مذهبهم وأجاب عن شبهتهم هذه بنحو أربعة وأربعين وجهًا من الجزء الأول إلى آخر الجزء السابع وما بعده من كتابه الجليل "درء تعارض النقل والعقل" وقد كسر فيه الفلاسفة والمتكلمين من المعتزلة والأشاعرة كسرًا لا يجبرون بعده أبدًا ويتخلل هذه الوجوه دراسات عقدية ونقول لا تحصى كثرة عن السلف الأول وإليك بعضًا من تلك الوجوه مع عرض ميسر لها يسهل فهمها:
١ - أن ثبوت المعجزة وإدراك ذلك بالعقل حتى يصدق ويؤمن بأن هذه المعجزة تدل على صدق الرسول في تبليغ الوحي الذي أنزله عليه سبحانه أمر طبيعي جدًا، لأن المعجزة إما مشاهدة في فترة زمنية أو مستمرة، وهي القرآن الكريم ... وبعد إدراكها والإِيمان بها وسجود العقل الإِنساني لذلك يسلّم بأن من جاء بها إنّما هو رسول صادق ورسالته معصومة من الخطأ والضلال والاختلاف والتناقض، وأنها هي الحق والعدل الذي أنزله الله العليم الحكيم، وشهادته "بأن الله هو الحكيم الخبير العدل، وأن حُكْمَه كذلك وأنّ هذا الرسول صادق في تبليغ أمر الله" تقتضي هذه الشهادة وهذا الإِيمان أن يسجد العقل والوجدان لكل حكم من أحكام هذه الرسالة التي آمن بها فليس العقل إذًا أصلًا للنقل في كل شيء، وإنما هو أصل في إدراك ثبوت المعجزة التي منها يستدل على قدرة الخالق ثم يلزمه الاستسلام كما قلنا آنفًا (١).
٢ - أن الشريعة الإِسلامية ثابتة في نفسها -هذا مقتضى إيمان العقل بالمعجزة- وذلك متحقق قبل عرضها على العقول، بل قبل وجود أصحابها وذلك لأن ثبوتها متحقق من كونها أمر الله سبحانه إما وحيًا بلفظه كالقرآن أو معنى كالسنة، وثابتة في نفسها قبل إيمان الصحابة بها وقبل وجود المعتزلة ووجودنا فهي لا تتوقف على ذلك، وسواء بذلك علمناها أو جهلناها، وأيضًا
стр. 194
فإن إيمان المؤمنين بالشريعة يعني أنها ثابتة عندهم علموا ذلك يقينًا ولا يضرهم جهل الأمم الأخرى بها، فثبوتها لايتوقف على وجود أحد، فضلًا عن وجود عقله، والعلم والإِيمان بها من أحد من الناس بعد أن يدرك المعجزة بعقله لا يعني ذلك أنها ليست ثابتة من قبل (١) ولا يعني تحكيم عقله في الشريعة بل الأمر الطبيعي أن إدراكه بعقله صحة المعجزة ثم إدراكه بعد ذلك ثبوت الشريعة وأنها حق كلها وصدق كلها وعدل كلها - وهذا مقتضى إيمانه بأنها من عند إله قادر حكيم عليم موصوف بصفات الكمال منزه عن صفات النقص - مقتضى ذلك أن يسجد بعقله وجميع جوارحه لكل ماجاءت به، فكيف يصح القول بمعارضته لشيء منها، بل كيف يصح القول بإيقاف العلم بها لاحتمال وجود المعارض العقلي.
٣ - إنّ دعوى أنّ العقل أصل للنقل هكذا على الإطلاق غير صحيح بل الحق كما سبق آنفًا أن العقل أصل لإِدراك المعجزة التي يُعلم بها صدق الرسول، فكأن ههنا مرحلتين:
الأولى: إدراك صدق الرسول وهذه الأداة فيها هي العقل.
الثانية: الالتزام بما جاء به الرسول علمًا وعملًا، وهذه العقل فيها تابع منقاد مستسلم لأنها إمّا غيب أو مبنية على الغيب، والعقل لا مدخل له هنا وليس أصلًا لها، بل هو هنا محل للعبودية والانقياد.
فإذا قال المعتزلة أو الأشاعرة أو الفلاسفة قديمًا أوحديثًا .. إنّ العقل أصل لثبوت المعجزة صدقناهم .. وإذا اشترطوا على النص أن لا يأتي بتكذيب المعجزة أو التشكيك فيها صدقناهم أيضًا (٢).
أمّا إذا جعلوا العقل أصلًا يُحتكم إليه في إثبات "العلم" للأدلة الشرعية وما كان قدحًا فيه صار قدحًا في الشرع فذلك لا يصدقهم فيه عاقل يريد أن
стр. 195
يعبد الله وحده، ولا يمكن أن توسع دائرة العقل البشري الذي يجهل أكثر مما يعلم ليصبح حاكمًا على الأدلة النقلية يصحح منها ما شاء ويبطل ما شاء، لأن ذلك يخرج العقل البشري من العبودية إلى الحاكمية، وهو باطل.
٤ - أن تقديمهم لعقولهم على الأدلة الشرعية ممتنع متناقض (١)، وأما تقديم الأدلة الشرعية على عقولهم فهو ممكن مؤتلف، فوجب الثاني دون الأول.
يدل على ذلك أن علم العقل بالشيء أو عدمه من الأمور النسبية الإضافية وليس صفة لازمة لشيء من الأشياء، فقد يعلم رجل بعقله ما لا يعلمه آخر، ويعلم الإِنسان ما يجهله هو نفسه في وقت سابق.
والمسائل التي يقال أنه قد عارض فيها الشرعُ العقلَ جميعها اختلف فيها العقلاء اختلافًا كبيرًا ولم يتفقوا أن موجب العقل فيها كذا (٢).
ويكفينا أن نعرف ما حدث داخل الأمة الإِسلامية وما هو حاصل في واقع البشرية اليوم لنجزم بهذه الحقيقة، أما ما حصل في داخل الأمة فقد نشأت فرق عد منها العلماء ما يقارب - اثنين وسبعين فرقة (٣) وهؤلاء فيهم من العقلاء
стр. 196
والأذكياء وأهل الفطنة خلق كثير، وطبقات علمائهم كثيرة وفي كل طبقة طائفة منهم ومع ذلك لم تجمعهم عقولهم على أمر واحد، بل إن الفرقة الواحدة تختلف اختلافًا عجيبًا مع أن أصولها واحدة وأهدافها واحدة ويقع عقلاؤها في العجائب من الأمور بحيث لا يصدق من عافاه الله من هذا الشر بأن هذا يصدر من أحد ينتسب إلى الإِسلام، ومع ذلك صدر عن هؤلاء وهم يملكون القدرة على التفكير والتدبر ومعهم الآلة التي تعينهم على ذلك ألا وهي العقل، هذا فيمن ينسبون إلى هذه الأمة، أما من لم ينتسبوا إليها فهم أشد تخبطًا وضلالًا، وفرق الديانات الجديدة في عالمنا اليوم كثيرة لا تحصى (١) وهؤلاء وأولئك يملكون آلة العقل، ويقدرون على التفكر والتدبر، فأين هذا "العقل" عن إدراك مصالحهم وجمع كلمتهم وتوحيد نظرتهم للكون والحياة والأشياء من حولهم .. !! ومرت العصور تلو العصور و"العقل" لم يمكنه أن يصنع ذلك ولو في فترة محدودة، ذلك لأنه عاجز عن تحقيق ذلك، ولا يملك القدرة عليه مهما بلغ في القوة من ناحية الإِنتاج المادي، أما الرسل ﵈ فقادرون على ذلك لا بوصفهم بشرًا عقلاء وإنما بوحي من الله ومشيئة منه، فكيف يقدم "العقل" على "الوحي" إذن.
٥ - والحاصل: أن قولهم أن العقل أصل النقل غير صحيح بل هو أصل الإِيمان بالمعجزة فقط، ولذلك: "إذا تعارض الشرع والعقل وجب تقديم الشرع، لأن العقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به، والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر به ولا العلم بصدقه موقوف على كل ما يخبر به العقل" (٢).
ويكفينا من العقل أن يُعلّمنا صدق الرسول ومعاني كلامه بالطريقة التي
стр. 197
يحددها الشرع (١) وذلك لأن العقل دل على أن الرسول ﷺ يجب تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر، دلالة عامة مطلقة (٢).
"وإذا كان الأمر كذلك فإذا علم الإِنسان بالعقل أن هذا رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، وعلم أنه أخبر بشيء ووجد في عقله ما ينازعه في خبره كان عقله يوجب عليه أن يُسلّم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه، وأن لا يُقدّم رأيه على قوله، ويعلم أن عقله قاصر بالنسبة إليه وأنه أعلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته واليوم الآخر منه" (٣).
"ولهذا كان من المعلوم بالاضطرار من دين الإِسلام أنه يجب على الخلق الإِيمان بالرسول إيمانًا مطلقًا جازمًا عامًا: بتصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أوجب وأمر، وأن كل ما عارض ذلك فهو باطل، وأن من قال يجب تصديق ما أدركته بعقلي ورد ما جاء به الرسول لرأيي وعقلي، وتقديم عقلي على ما أخبر به الرسول مع تصديقي بأن الرسول صادق فيما أخبر به فهو متناقض فاسد العقل ملحد في الشرع" (٤). وهذا المعلوم من الدين بالضرورة هو الحق وليس كما يظن بعض الناس أنه فكر خاص، يقول الإِمام الطحاوي "فمن سأل لِمَ فعل؟ فقد رد حكم الكتاب ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين" (٥) فكيف بمن عارضه بعقله، ويشرح هذا القاضي أبو العز الدمشقي (٦) فيقول "اعلم أن مبنى العبودية والإِيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع، ولهذا لم يحك الله سبحانه
стр. 198
عن أمة نبي صدقت نبيها وآمنت بما جاء به أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به ونهاها عنه، وبلغها عن ربها، ولو فعلت ذلك لما كانت مؤمنة بنبيها، بل انقادت وسلمت وأذعنت وما عرفت من الحكمة عرفته وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها وتسليمها على معرفته، ولا جعلت ذلك من شأنها وكان رسولها أعظم عندها من أن تسأله عن ذلك .. ولهذا كان سلف هذه الأمة التي هي أكمل الأمم عقولاً ومعارف وعلوماً لا تسأل نبيها لم أمر الله بكذا؟ ولم نهى عن كذا؟ ولم قدر كذا؟ ولم فعل كذا؟ لعلمهم أن ذلك مضاد للإِيمان والاستسلام، وأن قدم الإِسلام لا تثبت إلا على درجة التسليم" (١).
وهذا هو الجواب عن شبهة القائلين بالظنية وتضعيف الأدلة النقلية وببعض هذه الوجوه المذكورة تسقط شبهتهم.
وأنبه هنا إلى أمر مهم جداً -يفيدنا في ربط الشبه بعضها بالبعض الآخر ألا وهو تحديد المناط الذي ترتكز عليه تلك الشبه الأنفة الذكر، وهو وإن كان مناطاً فاسداً لمعارضته الدليل الشرعي إلّا أن تحديده يبصرنا بأمور مهمة، ومن خلال النظر في الشبه وجوابها يتبين أن المناط الذي بنيت عليه هو "الاحتمال العقلي" وله صورتان:
الأولى: احتمال المعارضة.
الثانية: احتمال عدم التمكن من نفيها (٢).
وأمام هذين الاحتمالين العقليين الفاسدين تقف الشريعة أي "الأدلة النقلية" لا تجاوز "الظنون" ولا تفيد العلم، حتى يتمكن أهل الأهواء من نفي
стр. 199
احتمال المعارضة وهم كما سبق يزعمون عدم تمكن النفي!! وقد صدق من قال: الكلام أوله سفسطة وآخره زندقة، وقد نقله الغزالي عن الإمامين أحمد وأبي يوسف (١).
والواقع كما شهد به المتكلمون أصدق شاهد عليهم فهم في شك وحيرة واضطراب بخلاف الذين اتبعوا السنة في الاعتقاد والعمل فإنهم يعلمون أن خبرها صادق لا يمكن أن يعارضه دليل عقلي صحيح ولا سمعي صحيح، وليس عند المخالفين إلا أوهام فاسدة تارة يسمونها عقليات وتارة برهانيات وتارة وجدانيات، وذوقيات، ومخاطبات ومكاشفات ومشاهدات وهي عندهم تحقيق وعرفان أو حكمة وحقيقة أو فلسفة ومعارف يقينة ونحو ذلك من الأسماء (٢).
ويقول ابنِ تيمية عن هذا كله -في كتابه الجليل عظيم الفائدة: "فنحن نعلم علماً يقينيًا لا يحتمل النقيض أن تلك جهليات وضلالات وخيالات وشبهات مكذوبات وحجج سوفسطائية وأوهام فاسدة وأن تلك الأسماء ليست مطابقة لمسماها بل هي من جنس تسمية الأوثان آلهة وأربابًا، وتسمية مسيلمة الكذاب وأمثاله أنبياء".
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٣).
"والمقصود أنه من جوّز أن يكون في علمه بحسه (٤) وعقله (٥) حجج صحيحة تعارض ذلك لم يثق بشيء من علمه ولم يبق له طريق إلى التصديق
стр. 200
بشيء من ذلك (١).
"وإذا كان ما أوجب الشك والريب ليس بدليل صحيح وإنما الدليل ما أفاد العلم واليقين وطريق هؤلاء لا يفيد العلم واليقين بل يفيد الشك والحيرة (٢) علم أنها فاسدة في العقل كما أنها إلحاد ونفاق في الشرع. وهذا كله بين لمن تدبره، والأمر فوق ما أصفه وأبينه" (٣).
"ولا ريب أن من قدم على كلام الله ورسوله ما يعارضه من معقول أو غيره وترك ما يلزمه من الإِيمان به كمن آمن بما يناقضه فقد آمن ببعض وكفر ببعض" (٤) وهذه حال من أقر ببعض ما أخبره به الرسول ﵇ دون أن يؤمن بالباقي حتى ينتفي المعارض العقلي .. فهذا قد أبطل فائدة تصديق العقل بالمعجزة وأبطل الشرع كذلك فلم يبق معه عقل ولا شرع (٥) وهذه حال أهل البدع والأهواء (٦).
وبعد أن ذكرت من الأدلة ما يفرق به الناصح لنفسه بين الحق والباطل أقول: إنَّه لا يمكن لأحد أن يدرك ثباتاً لأحكام هذه الشريعة ولا يحقق شمولها في واقع البشرية -بحيث تهيمن عليه بلا شريك وتنفرد بالحكم وتحول بين المجتمع وبين الشرك والبدعة وأحكامهما التي تمثلها المذاهب المنحرفة قديماً وحديثاً. أقول
إنه لا يمكن لأحد أن يتصور ذلك إلا أن يؤمن بهذه العقيدة التي بينا وجه
стр. 201
الاحتجاج لها بالكتاب والسنة والإجماع الذي نقله الأئمة الثقات العدول من أئمة السلف -وهذه هي عقيدة الإِسلام التي عرفها رسول الله وبلّغها وعلمها لأصحابه وبلغها أصحابه لمن بعدهم، ومقتضاه سجود القلب والعقل لهذه الشريعة، والوقوف عند ماحده الله وشرعه في الاعتقاد، ما كان منه خاصاً بالأمور الغيبية كأحوال الآخرة وما كان منه خاصاً بصفات الله سبحانه .. فلا مراجعة ولا معارضة ولا تعطيل ولا تشبيه، بل نثبت ما أثبته الله لنفسه وننفي ما نفاه، ونسلّم لأمره في العقيدة كما نسلّم له في الشريعة، ولا نقول كيف في الغيبيات ولا لِمَ في الأحكام، ولا نرد شيئاً من أمره سبحانه ولا نعارضه بعقل ولا بعرف ولا بشيء من الأشياء بل نؤمن ونذعن وننقاد، مستسلمةً قلوُبنا وعقولُنا وجوارحنا وليس بعد ذلك إلّا إحسان العمل والصبر على مهمة التربية والجهاد في واقع الأرض، وهذه هي طبيعة الجيل الأول الذي هو خير القرون .. ولا بد من بذل الجهد في تصحيح العلم والدعوة إليه بكل ما أمكن حتى نرجع إلى صفات ذلك الجيل، وننقي عقولنا وقلوبنا وكتبنا ومناهجنا وحياتنا كلها من آثار الانحراف الذي اجتمع على زخرفته وتزيينه ونشره الفرق الضالة قديماً والمذاهب المعاصرة حديثاً، ولنذْكر وجه الربط بينهما لنكشف عن شيء من خطورتهما ..
إن مسالك الفرق الضالة -التي منها مخالفة طريق الرسول ﵊ وأصحابه وتابعيهم بإحسان - والتي من أقبح نتائجها -كما أسلفت - تغيير منهج التلقي، والذي ترتب عليه اتباع مسالك منحرفة في الاستدلال أفرزت عقائد وأحكاماً مجافية "للوحي" فزادت فيه ما يناقضه .. ونقصت من صلبه ما أدى إلى انحرافهم، وأخطر من ذلك كله أنها سهّلت على كثير من الناس قبول الزيادة في الدين والنقص منه، وما زالت آثار هذا الانحراف تزداد بقدر ما لآراء الفرق من سعة في الانتشار .. فلما جاء الغزو الفكري الحديث الذي تمثله المذاهب الفكرية المعاصرة جاء ليرتكز على هذا الانحراف نفسه ويوسعه ويدافع عنه ويسعى لحمايته فكان أن تقبل العالم الإِسلامي هذه المذاهب لتزيد في الدين ما ليس منه ولتكون هذه الزيادة هي أحكام القوانين
стр. 202
الوضعية باعتبار أن الشريعة تقبلها ولا ترفضها (١)، ومن جانب آخر تنقص من هذه الشريعة ما شاءت ابتداء من أحكام السياسة والاقتصاد .. وانتهاء بأحكام الجهاد والحدود، ولو لم تكن مسالك الفرق الضالة قد انتشرت في الأمة لما استطاعت المذاهب الفكرية المعاصرة وأحكامها أن تدخل العالم الإِسلامي.
وإذا عرفنا خطورة الفريقين وأنهم جميعاً لم ينتفعوا "بالوحي" المنزل من عند الله، أما الذين أقروا بالرسول ﵊ فهم مع إقرارهم وتصديقهم اتخذوا مسلكًا غريباً يحول بينهم وبين الانتفاع بالوحي، وأما المنكرون له فأعرضوا عن التصديق وعن المتابعة (٢).
والمخرج من ذلك كله هو دعوة الفريقين إلى توحيد الإِتباع والطاعة الذي نذكر به في كل موضع مناسب من هذه الرسالة وتربية الأمة عليه، وتحذيرها من هذين الانحرافين، انحراف الفرق الضالة وانحراف المذاهب الفكرية المعاصرة، والبديل لهذا وذاك هو ردها لما جاء به الإِسلام عقيدة وشريعة كما دعا إليها خاتم الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وكما تعلمه أصحابه وعملوا به ودعوا إليه.
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (٣).
* * *
стр. 203
الباب الثاني
الاجتهاد وأهم طرقه وقضيّة الثبات والشمول
ويشتمل على هذه الفصول:
الفصل الأول: الاجتهاد وقضية الثبات والشمول.
الفصل الثاني: العموم وقضية الثبات والشمول.
الفصل الثالث: القياس وقضية الثبات والشمول.
الفصل الرابع: المصلحة وقضية الثبات والشمول.
الفصل الخامس: الإِجماع وقضية الثبات والشمول.
стр. 204
الفصل الأول
الاجتهاد وقضية الثبات والشمول
توطئة:
أتحدث في هذا الفصل عن حكم الاجتهاد وحكمته، وأنواعه وأهم شروطه، وضوابطه، وأثر ذلك على الثبات والشمول سلباً وإيجاباً.
ويكون ذلك حسب الترتيب السابق، وسبب هذا الترتيب أننا لا نستطيع أن ندرك ذلك الأثر إلا بعد أن نتصور الاجتهاد وندرك حكمه وحكمته، ثم إن معرفة أنواعه وأهم شروطه وضوابطه تزيد من تصورنا لحقيقته ولمراد الشارع منا، وكيف ينبغي لنا أن نؤدي مهمتنا التي كلفنا بها لكي يتحقق لنا الالتزام بهذه الشريعة دون أن نغير أحكامها أو نبدلها، وفي الوقت نفسه ننعم بشمولها وسعتها في غير ضيق ولا حرج، ونخرج عن الأطراف المذمومة التي سلم منها الجيل القدوة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم من أئمة السلف - رضوان الله عليهم -، والله الموفق والمعين.
стр. 205
المبحث الأول
حكمه وحكمته وأثر ذلك على الثبات والشمول
ينقسم الاجتهاد إلى واجب وجوباً عينياً وواجب وجوباً كفائياً، وإلى مندوب ومكروه ومحرم (١)، وقد نقل العلماء الثقات عن الصحابة رضوان الله عليهم الإِجماع على العمل بالقياس وهو نوع من الاجتهاد.
فثبت بذلك وقوع الاجتهاد منهم - رضوان الله عليهم - وأنهم مجمعون على مشروعيته (٢).
أما أقسام الاجتهاد من حيث الحكم التكليفي فهي كما يلي:
الأول: إذا تعين على المجتهد النظر في واقعةٍ ولم يجد من يفتي فيها غيره، أو نزلت بالمجتهد نازلة وخاف فوات الحادثة فإنه يجب عليه وجوباً عينياً الاجتهاد على الفور، وإن لم يخف فواتها وجب عليه الاجتهاد على التراخي.
وأما الثاني: فهو واجب وجوباً كفائيًا إذا قام به البعض سقط عن الباقين.
وأما الثالث: فهو المندوب وهو السؤال عن حادثة يمكن أن تقع ويحتاج
стр. 206
إليها، مثاله في السنة: ما رواه المقداد بن الأسود أنه قال: "يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال أسلمت لله أفأقتله يارسول الله بعد أن قالها قال رسول الله ﷺ لا تقتله .. " الحديث، وفيه دلالة على جواز السؤال بلفظ "أرأيت" عن المسائل التي يمكن أن تقع (١).
وأما الرابع: فهو المكروه أو المحرم وهو الاشتغال بالمسائل الفرضية التي لا يمكن أن ينبني عليها عمل أو لم تجر العادة بوقوعها (٢).
والإجماع المنعقد على وجوب الاجتهاد ومنه وجوب العمل بالقياس وهو نوع منه يتضمن الرد على من يقول بقفل باب الاجتهاد أو يدعو إليه، ذلك أن الإِجماع المنعقد لم يقصر الوجوب على عصر دون عصر بل الوجوب على الأمة وهي لا تنقطع في أي عصر إلى سقوط التكليف وذلك بفناء الدنيا، والإِجماع على وجوبه منقول عن الصحابة فهو إجماع متقدم ولا عبرة بمخالفة من خالف بعد ذلك، والمخالف لفرضية الاجتهاد لم يخالف في جميع أنواعه، بل إن العلماء من الأصوليين -وسيأتي بيانه- نصوا على أن تحقيق المناط وهو نوع من الاجتهاد لم يقل أحد بانقطاعه.
وأما مخالفتهم في الأنواع الأخرى فهم محجوجون بإجماع الصحابة وأن خلافهم ليس معتبراً، مع مصادمتهم للبدهيات ذلك أن النص إمّا أن يُعْلم بدون اجتهاد وذلك مستحيل، وإما أن يُعلم باجتهاد وهو المطلوب فالاجتهاد إذاً ضرورة بهذا المعنى، كما أنه الطريق إلى معرفة عجائب القرآن التي
стр. 207
لا تنقضي ... ولم يدرك المجتهدون في العصور المتقدمة كل عجائبه .. ومن ثم كان الاجتهاد ضرورة لفهم النص وتطبيقه ولا يسد مسده شيء آخر في فهم أحكام هذه الشريعة.
حكمة الاجتهاد وأثرها على الثبات والشمول:
أشار الإِمام الشافعي إلى حكمة الاجتهاد فبين أنها هي الابتلاء، وذلك أن الله أنزل القرآن على هذا النحو وكذلك السنة لكي يبتلي عباده فينظر أيجتهدون في طلب الحق مبتعدين عن تأثير الشبهات والشهوات أم يقصّرون في طلبه (١).
ومن الحكمة أيضاً ما أشار إليه الدكتور الأفغاني في كتابه "الاجتهاد": وذلك بالنسبة للرسول ﷺ وبالنسبة لأصحابه.
أما وقوعه من الرسول ﷺ فذلك تعليم للأمة من بعده، وأما حكمة شرعية الاجتهاد بالنسبة للصحابة في عصره فذلك لتدريبهم وتعليمهم كيفية الاجتهاد وحتى يكونوا مستعدين لحمل الأمانة الكبرى بعد وفاة الرسول ﷺ وهي الحكم بما أنزل الله، وإدخال الحوادث الجديدة تحت أحكام هذه الشريعة حتى يُعْلم حكم الشرع في كل ما ينزل بالمسلمين وتدريب من بعدهم على ذلك، ولولا الاجتهاد لزاد عدد الحوادث التي يتصرف فيها المسلمون بآرائهم المحضة أو بقوانين وأعراف غير دينية، وذلك مع طول الأمد سبب من أكبر الأسباب في الانحراف عن شريعة الإِسلام (٢).
وأجمل هنا بعض الحِكَمِ التي تظهر لي من فرضية الاجتهاد وكونه من الأحكام المجمع عليها في العصر الأول، وهي:
١ - أن هذا الدين أنزله الله على عباده مفرقاً ولم ينزله جملة واحدة قال تعالى:
стр. 208
﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (١).
ومعنى فرقناه أي أنزلناه جزءًا جزءًا ولم ننزله جملة واحدة (٢) وذلك في بضع وعشرين سنة تثبيتاً للرسول ﷺ ، حيث ينزل لكل حادثة تقع ما يخصها من الأحكام ويتعلمه الناس في غير عجلة، ويتدرج بهم حتى يربيهم ويفقهم، فيقترن العلم بالعمل آية آية وسورة سورة، ويقع لكل حدث ما يخصه من البيان والتوجيه.
وهذا المعنى الذي تحقق في عصر النبوة ما زال متحققًا في كل عصر -بعد ذلك- يسير في الطريق نفسه ويسعى للغاية التي خُلق العباد من أجلها وهي عبادة الله وحده بلا شريك.
وبيان ذلك: أن المسلمين بعد عصر النبوة يحتاجون إلى بيان الأحكام التي تخص الحوادث التي جاءت في عهدهم، وهذه الحوادث لم يكن فيها نص بعينها - ولا بد من الرجوع إلى الوحي لمعرفة هذه الأحكام.
ثم تأتي حوادث أخرى تحتاج إلى أحكام فلا بد من الرجوع إلى الوحي، وهكذا في كل عصر وفي كل مكان.
وحين يرجعون في المرة الأولى إنما يستنبطون الحكم للحادثة الأولى ثم يرجعون مرة أخرى وثالثة ورابعة وذلك حسب تجدد الحوادث فيجدون في الوحي العلم والفقه والتربية - وهم يسيرون في الوقت نفسه في طريقهم لا يقفون لحظة واحدة، تماماً كما كانوا في عصر النبوة عمل وجهاد وتربية وتعليم حتى تُوفي رسول الله ﷺ .
وهكذا يريد الله هذا الدين بعد وفاة رسول الله ﷺ ، دين عمل وجهاد وتربية
стр. 209
وتعليم، فتُبنى الحياة بناء إسلاميًا بحيث لا تخرج حادثة من حوادثها عن حكم الله وتُبنى النفوس كذلك ..
ولا يتم ذلك بتة إلا بالجهاد والاجتهاد، ولذلك كان الاجتهاد لازمًا لأنه هو الطريق لتحقيق هذه المهمة.
ولو تصورنا عدم فرضية الاجتهاد وتحقق النص على كل واقعة بحيث يعلمها كل أحد دون اجتهاد لم يكن لتلك الحكم أن تتحقق فلكي يكون هذا الدين دين عمل وتربية وتعليم ونمو وتجدد لا بد من الاجتهاد.
٢ - ويتفرع عن هذه الحكمة حكمة أخرى إلا وهي مراعاة قدرات المكلفين. إنّ أفعال المكلفين ليست على وزان واحد فهذا مكلف لا يُصلحه إلا نوع من التربية -بحسب حاله- وهذا مكلف آخر يُصلحه من التربية نوع آخر، وهذا مكلف يُوصى بوصية معينة، وآخر يُوصى بوصية أخرى، ولا يمكن مراعاة قدرات المكلفين إلا بتحقيق المناط الخاص، وهو من أنواع الاجتهاد.
واسمع إلى الإِمام الشاطبي يبين ذلك أحسن بيان: فقد قسم النوع الثالث من أنواع الاجتهاد وهو تحقيق المناط (١) إلى قسمين:
القسم الأول: "ما يرجع إلى الأنواع لا إلى الأشخاص كتعين نوع المثل في جزاء الصيد .. " وهذا تحقيق عام، وقد يرجع إلى الأشخاص، كمعرفة المجتهد للعدالة مثلًا، فإذا تحقق من وجودها في شخص على حسب ما ظهر له صح منه وقوع الشهادات والانتصاب للولايات وهكذا ..
القسم الثاني: تحقيق المناط الخاص، وهو أدق من القسم الأول، وهو ناشئ عن نتيجة التقوى المذكورة في قوله تعالى:
стр. 210
﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ (١).
ثم قال مبينًا فائدة العمل بمثل هذا النوع من الاجتهاد: "وعلى الجملة فتحقيق المناط الخاص نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان ومداخل الهوى والحظوظ العاجلة، حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرز من تلك المداخل، هذا بالنسبة إلى التكليف المتحتم وغيره، ويختص غير المتحتم بوجه آخر، وهو النظر فيما يصلح به كل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت، وحال دون حال، وشخص دون شخص، إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة (٢) على وزان واحد كما أنها في العلوم والصنائع كذلك فرب عمل صالح يدخل بسببه على رجل ضرر أو فترة ولا يكون كذلك بالنسبة إلى آخر، ورب عمل يكون حظ النفس والشيطان فيه بالنسبة إلى العامل أقوى منه في عمل آخر، ويكون بريئًا من ذلك في بعض الأعمال دون بعض، فصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رُزق نورًا يعرف به النفوس ومراميها وتفاوت إدراكها وقوة تحملها للتكاليف، وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها، بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف" (٣).
ثم يحدد بعد هذا البيان معنى تحقيق المناط (٤) فيقول إنّ المجتهد: "يخص
стр. 211
عموم المكلفين والتكاليف بهذا التحقيق، لكن مما ثبت عمومه أو يضم قيدًا أو قيودًا لما ثبت له في الأول (١) بعض القيود هذا معنى تحقيق المناط".
ثم أخذ في الاستدلال عليه -وذكر أن الأصوليين تكفلوا بما سواه- وذكر أدلة كثيرة منها:
"أن النبي ﷺ سُئل في أوقات مختلفة عن أفضل الأعمال وخير الأعمال، وعرف بذلك في بعض الأوقات من غير سؤال فأجاب بأجوبة مختلفة كل واحد منها لو حمل على اطلاقه أو عمومه لاقتضى مع غيره التضاد في التفضيل، ففي الصحيح أنه ﵊ "سئل -أي الأعمال أفضل؟ قال الجهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا، قال حج مبرور" (٢) وسئل ﵊ "أي الأعمال أفضل؟ قال الصلاة لوقتها، قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله" (٣)، وفي النسائي عن أبي أمامة: "قال أتيت النبي ﷺ ، فقلت مرني بأمر آخذه عنك، قال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له" وفي الترمذي: "أي الأعمال أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات" (٤).
стр. 212
وفي النسائي: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" (١) ...
"إلى أشياء من هذا النمط جميعها يدل على أن التفضيل ليس بمطلق ويشعر إشعارًا ظاهرًا بأن القصد إنما هو بالنسبة إلى الوقت أو إلى حال السائل" (٢). ثم أخذ في تأكيد الدلالة الشرعية على مثل هذا النوع فقال:
" ... وقد دعا ﵇ لأنس بكثرة المال فبورك له به (٣)، وقال لثعلبة بن حاطب حين سأله الدعاء له بكثرة المال: "قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه" (٤)، وقال لأبي ذر: "يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمّرن على اثنين ولا تولين مال يتيم" (٥) ومعلوم أن كلا العملين من أفضل الأعمال لمن قام فيه بحق الله، وقد قال في الإمارة والحكم: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن" الحديث (٦)، وقال: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة" (٧) ثم نهاه عنهما لما علم له خصوصًا في ذلك من الصلاح".
و"تحقيق المناط في الأنواع واتفاق الناس عليه في الجملة مما يشهد له كما تقدم وقد فرّع العلماء عليه كما قالوا في قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ الآية (٨).
стр. 213
إن الآية تقتضي مطلق التخيير ثم رأوا أنه مقيد بالاجتهاد، فالقتل في موضع، والصلب في موضع، والقطع في موضع، والنفي في موضع (١)، وكذلك التخيير في الأسارى من المن والفداء (٢).
وكذلك جاء في الشريعة الأمر بالنكاح وعدوه من السنن، ولكن قسموه إلى الأحكام الخمسة ونظروا في ذلك في حق كل مكلف وإن كان نظرًا نوعيًا فإنه لا يتم إلا بالنظر الشخصي (٣) فالجميع في معنى واحد، والاستدلال على الجميع واحد" (٤) وهكذا الشأن في انتصاب الأفراد في المجتمع الإِسلامي للولايات وجميع الأعمال العامة والخاصة، وهذه الحكمة وهي مراعاة قُدرات المكلفين لا يمكن تحقيقها إلا بتحقق هذا النوع من الاجتهاد، وهو ضروري لتطبيق الأحكام الشرعية في المجتمع الإِسلامي، كما أنه لا يتم بناؤه على الصفة المطلوبة شرعًا إلّا بمراعاة قدرات أفراده.
٣ - ليرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات (٥).
стр. 214
إن هذا الجهد في التعريف على الحق ونشره والتفقه فيه وتطبيقه على الحوادث إنما يكون من طائفة من المسلمين بذلت نفسها لتعلم العلم وتعليمه، كما قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١).
فهذا النفير والتفقه والنذارة إنّما يصبر عليه طائفة من المسلمين وهؤلاء يبرز منهم أئمة في الدين يهدون به وبه يعدلون، فينشرونه ويعلّمونه للناس ويقيمون به العدل في الأرض ومن العدل استنباط الأحكام لكل حادثة تعن وتطبيقها.
وعند تحقيق ذلك يرفعهم الله درجات، ويجعلهم منار هداية للناس لا تنقطع يتسلمها الناس جيلًا بعد جيل:
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٢).
وهذا التفقه والنذارة والهداية وإقامة العدل في الأرض لا يكون إلا بالاجتهاد.
أما الذين آمنوا فهم مكلفون جميعًا بإقامة فروض الكفاية، وذلك بأن يقيموا لكل فرض من فروض الكفاية طائفة منهم ويعينوهم على ذلك (٣)، فإذا سعى المؤمنون في تجهيز طائفة منهم ليتفقهوا في الدين حتى يصلوا إلى درجة الاجتهاد كان ذلك سببًا في رفع منزلتهم عند الله، وعن هذا الطريق تتحقق الهداية وإقامة العدل الرباني في هذه الأرض.
стр. 215
وهذه الحكمة لم تكن لتتحقق إذا لم ينفر بعض المسلمين -الذين تتوفر فيهم أهلية الإمامة- لإِقامة مهمة الاجتهاد، وهم موقنون بأنه تكليف حتم عليهم لا يسعهم إلا إقامته بقدر استطاعتهم وإلّا أثموا جميعًا (١).
٤ - كشف شبهة الذين يزعمون أن هذا الدين خاص بزمان قد مضى وليس له من الأمر شيء في حكم تطورات المجتمعات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وأن ذلك متروك لأهل كل عصر يحكمون أنفسهم بما يرونه مناسبًا من الأنظمة اتباعًا للمصالح بزعمهم، أو الحكم بالنظام الإِسلامي ولكن بعد خلطه بالنظم الأخرى الوضعية أمثال القوانين الأوروبية، وإخضاعه لروحها وطبيعتها، وذلك مسايرة لروح العصر ومدنية الغرب (٢).
والاجتهاد هو الطريقة العملية لبيان حقيقة الشمول في الشريعة، فإذا نظر المجتهدون في المسائل الجديدة وأدخلوها تحت حكم الشريعة إمّا بطريق القياس أو بطريق العموم أو عن طريق اعتبار المصالح التي شهد الشرع لنوعها أو جنسها، فإن ذلك يثبت للمخالفين في واقع الأمر شمول هذه الشريعة لكل المسائل الجديدة التي تنشأ بسبب تطور المجتمعات المادي، وبذلك تدحض شبهتهم وتقام الحجة عليهم ويتبين للمؤالف والمخالف زيفهم وافترائهم على هذه الشريعة.
أما المؤمنون فيزدادون إيمانًا إلى إيمانهم، وأصل الإِيمان متحقق فيهم بلا شك، ذلك بأنهم موقنون بأن الله العليم الحكيم قد أنزل شريعته وهي مبرئة من كل نقص وعوج لا تبديل لها قد فصلها تفصيلًا لا يخرج عن حكمها شيء علمه من علمه وجهله من جهله.