← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17821

الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية

عابد السفياني

Полный текст (594 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

عموم المكلفين والتكاليف بهذا التحقيق، لكن مما ثبت عمومه أو يضم قيدًا أو قيودًا لما ثبت له في الأول (١) بعض القيود هذا معنى تحقيق المناط". ثم أخذ في الاستدلال عليه -وذكر أن الأصوليين تكفلوا بما سواه- وذكر أدلة كثيرة منها: "أن النبي ﷺ سُئل في أوقات مختلفة عن أفضل الأعمال وخير الأعمال، وعرف بذلك في بعض الأوقات من غير سؤال فأجاب بأجوبة مختلفة كل واحد منها لو حمل على اطلاقه أو عمومه لاقتضى مع غيره التضاد في التفضيل، ففي الصحيح أنه ﵊ "سئل -أي الأعمال أفضل؟ قال الجهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا، قال حج مبرور" (٢) وسئل ﵊ "أي الأعمال أفضل؟ قال الصلاة لوقتها، قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله" (٣)، وفي النسائي عن أبي أمامة: "قال أتيت النبي ﷺ ، فقلت مرني بأمر آخذه عنك، قال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له" وفي الترمذي: "أي الأعمال أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات" (٤).

стр. 212

وفي النسائي: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" (١) ... "إلى أشياء من هذا النمط جميعها يدل على أن التفضيل ليس بمطلق ويشعر إشعارًا ظاهرًا بأن القصد إنما هو بالنسبة إلى الوقت أو إلى حال السائل" (٢). ثم أخذ في تأكيد الدلالة الشرعية على مثل هذا النوع فقال: " ... وقد دعا ﵇ لأنس بكثرة المال فبورك له به (٣)، وقال لثعلبة بن حاطب حين سأله الدعاء له بكثرة المال: "قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه" (٤)، وقال لأبي ذر: "يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمّرن على اثنين ولا تولين مال يتيم" (٥) ومعلوم أن كلا العملين من أفضل الأعمال لمن قام فيه بحق الله، وقد قال في الإمارة والحكم: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن" الحديث (٦)، وقال: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة" (٧) ثم نهاه عنهما لما علم له خصوصًا في ذلك من الصلاح". و"تحقيق المناط في الأنواع واتفاق الناس عليه في الجملة مما يشهد له كما تقدم وقد فرّع العلماء عليه كما قالوا في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ الآية (٨).

стр. 213

إن الآية تقتضي مطلق التخيير ثم رأوا أنه مقيد بالاجتهاد، فالقتل في موضع، والصلب في موضع، والقطع في موضع، والنفي في موضع (١)، وكذلك التخيير في الأسارى من المن والفداء (٢). وكذلك جاء في الشريعة الأمر بالنكاح وعدوه من السنن، ولكن قسموه إلى الأحكام الخمسة ونظروا في ذلك في حق كل مكلف وإن كان نظرًا نوعيًا فإنه لا يتم إلا بالنظر الشخصي (٣) فالجميع في معنى واحد، والاستدلال على الجميع واحد" (٤) وهكذا الشأن في انتصاب الأفراد في المجتمع الإِسلامي للولايات وجميع الأعمال العامة والخاصة، وهذه الحكمة وهي مراعاة قُدرات المكلفين لا يمكن تحقيقها إلا بتحقق هذا النوع من الاجتهاد، وهو ضروري لتطبيق الأحكام الشرعية في المجتمع الإِسلامي، كما أنه لا يتم بناؤه على الصفة المطلوبة شرعًا إلّا بمراعاة قدرات أفراده. ٣ - ليرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات (٥).

стр. 214

إن هذا الجهد في التعريف على الحق ونشره والتفقه فيه وتطبيقه على الحوادث إنما يكون من طائفة من المسلمين بذلت نفسها لتعلم العلم وتعليمه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١). فهذا النفير والتفقه والنذارة إنّما يصبر عليه طائفة من المسلمين وهؤلاء يبرز منهم أئمة في الدين يهدون به وبه يعدلون، فينشرونه ويعلّمونه للناس ويقيمون به العدل في الأرض ومن العدل استنباط الأحكام لكل حادثة تعن وتطبيقها. وعند تحقيق ذلك يرفعهم الله درجات، ويجعلهم منار هداية للناس لا تنقطع يتسلمها الناس جيلًا بعد جيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٢). وهذا التفقه والنذارة والهداية وإقامة العدل في الأرض لا يكون إلا بالاجتهاد. أما الذين آمنوا فهم مكلفون جميعًا بإقامة فروض الكفاية، وذلك بأن يقيموا لكل فرض من فروض الكفاية طائفة منهم ويعينوهم على ذلك (٣)، فإذا سعى المؤمنون في تجهيز طائفة منهم ليتفقهوا في الدين حتى يصلوا إلى درجة الاجتهاد كان ذلك سببًا في رفع منزلتهم عند الله، وعن هذا الطريق تتحقق الهداية وإقامة العدل الرباني في هذه الأرض.

стр. 215

وهذه الحكمة لم تكن لتتحقق إذا لم ينفر بعض المسلمين -الذين تتوفر فيهم أهلية الإمامة- لإِقامة مهمة الاجتهاد، وهم موقنون بأنه تكليف حتم عليهم لا يسعهم إلا إقامته بقدر استطاعتهم وإلّا أثموا جميعًا (١). ٤ - كشف شبهة الذين يزعمون أن هذا الدين خاص بزمان قد مضى وليس له من الأمر شيء في حكم تطورات المجتمعات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وأن ذلك متروك لأهل كل عصر يحكمون أنفسهم بما يرونه مناسبًا من الأنظمة اتباعًا للمصالح بزعمهم، أو الحكم بالنظام الإِسلامي ولكن بعد خلطه بالنظم الأخرى الوضعية أمثال القوانين الأوروبية، وإخضاعه لروحها وطبيعتها، وذلك مسايرة لروح العصر ومدنية الغرب (٢). والاجتهاد هو الطريقة العملية لبيان حقيقة الشمول في الشريعة، فإذا نظر المجتهدون في المسائل الجديدة وأدخلوها تحت حكم الشريعة إمّا بطريق القياس أو بطريق العموم أو عن طريق اعتبار المصالح التي شهد الشرع لنوعها أو جنسها، فإن ذلك يثبت للمخالفين في واقع الأمر شمول هذه الشريعة لكل المسائل الجديدة التي تنشأ بسبب تطور المجتمعات المادي، وبذلك تدحض شبهتهم وتقام الحجة عليهم ويتبين للمؤالف والمخالف زيفهم وافترائهم على هذه الشريعة. أما المؤمنون فيزدادون إيمانًا إلى إيمانهم، وأصل الإِيمان متحقق فيهم بلا شك، ذلك بأنهم موقنون بأن الله العليم الحكيم قد أنزل شريعته وهي مبرئة من كل نقص وعوج لا تبديل لها قد فصلها تفصيلًا لا يخرج عن حكمها شيء علمه من علمه وجهله من جهله.

стр. 216

أما هؤلاء الذين يزعمون أن الشريعة لم تعد صالحة في هذه العصور أولا تصلح حتى تختلط بالقوانين الأوروبية التي أنشأتها الأمم الكافرة فتطبعها بطابعها وتشملها بروحها ومدنيتها، فإنهم يحتاجون إلى أن يتعرفوا على عقيدة الإِسلام وشريعته فإن علموا أنها هي الحق وما سواها باطل وقبلوها جملة وعلى الغيب ورفضوا ما يخالفها جملة وعلى الغيب فإنهم حينئذ سيتعجبون من مواقفهم السابقة، أما إن أبوا ولم يؤمنوا بذلك فلا حيلة لنا فيهم ... ولا حيلة للمجتهدين فيهم اللهم إلّا دحض افترائهم وتحقيق الحكمة من الاجتهاد وذلك بإدخال جميع الوقائع الجديدة تحت حكم الشريعة وبيان شمول الشريعة، رفعًا لشبههم وكشفًا لزيفهم. ٥ - المحافظة على التزام هذه الأمة بعقيدتها ومنهجها: إن المجتمع الإِنساني لابد له من الحركة والنمو، لأن هذه هي طبيعة الإنسان الذي كُلف بمهمة إقامة الخلافة على هذه الأرض .. ويشترك المجتمع الإِسلامي مع سائر المجتمعات التي تحكمها الملل الأخرى في هذه الخاصية ويفترق عنها في أمور منها: (أ) أن المجتمع الإِسلامي يمثل الأمة الواحدة للبشرية جمعاء فلا يعرف القوميات بل يعيش الناس فيه أمة واحدة ولو كانوا من شعوب وقبائل مختلفة. (ب) أن مهمته إقامة الخلافة على الأرض طبقًا للمنهج الرباني لا كما تصنع المجتمعات الأخرى في إعراضها عن هذا المنهج. (ج) أن مهمته القُوامة على البشرية. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (١).

стр. 217

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١). فهو مجتمع يشترك مع المجتمعات المخالفة له في خاصية الحركة والنمو والتأثر والتأثير ويفارقها في كونه مجتمع عقيدة ربانية ومنهجًا إسلاميًا مهمته إقامة الخلافة على الأرض والقوامة على البشرية .. ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بطريق الاجتهاد. فالاجتهاد وهو عنوان "الحركة والنمو" هو السبيل الوحيد لحفظ توازن المجتمع الإِسلامي، ولا يقوم إلا بعد عمل وتفقه ينتشر ليغطي أكبر مساحة من المجتمع الإِسلامي، وهذا طريق لحفظ رسالته، ومن هذا الجهد ينشأ عمل آخر على مستوى أكبر يتدرج حتى يسلمنا إلى مرحلة وجود المجتهدين .. وإلى هنا يتحقق لنا أمران: (أ (قيام المجتمع بنشر الوعي الديني عن طريق تفقه الأمة في العلم (٢) .. وهذه هي القاعدة التي ينبني عليها ما بعدها. (ب) ظهور صفوة من الفقهاء يمثلون أهل الاجتهاد. وبهذا يُحفظ توازن المجتمع الإِسلامي فحركته ونموه الطبيعيين اتجها اتجاهًا سليمًا ونتج عن ذلك عمل إيجابي فهو من جانب حفظ جهد الأمة من أن يضيع وينحرف، ومن جانب آخر حمل الأمة على أداء رسالتها الخاصة بإقامة مجتمعها على المنهج الرباني. ومجتمع كهذا لابد وأن تنتشر رسالته لأنه قد مثلها في نفسه أحسن تمثيل

стр. 218

وهي رسالة الدين الخاتم الذي يحقق العدل الرباني في الأرض فإذا حدثت مرحلة التأثر والتأثير أو قل زادت وقويت فإن المجتمع الإِسلامي يحمل معه عدته وسلاحه، ومن أعظم عدته وسلاحه "الاجتهاد". إن المجتمع الإِسلامي كما يريد أن ينشر المنهج الرباني في الأرض -على الطريقة الربانية- فإن المجتمعات المخالفة تريد أن تدس جاهلياتها وانحرافاتها في المجتمع الإِسلامي أو تقذفها فيه .. وهي لا تصنع ذلك إلا وهو محفوف بكثير من المغريات المادية التي تشتمل على نفع محض بل وفيها حاجيات وضروريات، وقد يكون المجتمع الإِسلامي في بعض الأحيان لا يمتلكها ولم يقدر بعد على تصنيعها .. وهنا إنْ لم يكن المجتمع الإِسلامي يملك عدة "الاجتهاد" يضعف أمام هذه المغريات ثم يفقد توازنه ويبدأ تأثير الغزو الفكري يعمل عمله فيه، وأمّا إنْ كان يملك هذه العدة فإن موقفه سيكون إيجابيًا ونذكر من آثار هذا الموقف ما يؤكد ضرورة الاجتهاد للمجتمع الإِسلامي ومنها: ١ - أثر الاجتهاد في رفع معنوية الأمة وزيادة إيمانها بمنهجها الرباني. بيان ذلك: إن الأمة التي تبذل جهدها في بناء أفرادها على منهجها الخاص عن طريق التربية والتعليم ونشر مفاهيمِ دينها نشرًا صحيحًا وتعرف رسالتها حق المعرفة، إنها أمة ولا شك قوية معنويًا وهذه هي القاعدة التي ينبثق عنها الاجتهاد كما سبق وأن قلنا. وأما زيادة الإِيمان بهذا المنهج الرباني فيكون بأن يعلم أبناء المجتمع الإِسلامي في كل حين -مع كل حادثة تجد في المجتمع الإِسلامي- أن منهجهم يشملها بحكمه ورحمته وأنها لن تبقى معلقة بلا حكم .. ولن نذهب نبحث لها عن حكم في غير هذا المنهج وهنا تزداد الأمة تمسكًا بمنهجها وتزداد عزة وقوة. ٢ - أثر الاجتهاد في حفظ الأمة من أن تتسلل إليها آثار الغزو الفكري

стр. 219

الجاهلي .. وذلك يتحقق بأن يقوم المجتهدون بالنظر في جهد الأعداء المادي والمعنوي فينظرون في مجموعة ويفرقون بين الحق فيه والباطل، والنافع والضار ثم يختارون -ومنهجهم الرباني هو الحكم وعزتهم وقوتهم تجعلهم يحكّمون هذا المنهج ويختارون وهم في توازن كامل، فلا يقعون في متابعة أعدائهم ولا يرفضون كل شيء .. بل يختارون وهم لا يزالون يمثلون الرسالة الربانية والقوامة على البشرية، ولا يضرهم ولا ينقصهم في شيء أن يأخذوا ويختاروا ما ينفعهم .. ولا يضرهم ولا ينقصهم أن يرفضوا ما لا ينفعهم .. ولا يمكن أن نفرق بين الضار والنافع وما يوافق المنهج الرباني وما يخالفه إلا عن طريق "الإجتهاد". ٣ - أثر الاجتهاد في هداية الأمم الأخرى -وذلك قبل الجهاد- إن موقف المسلمين هذا لا شك سيكون له أكبر الأثر في أعدائهم فأول ما يعلمه الأعداء أنهم أمام أمة لا يمكن أن تُسْتغفل وتُمتطى وهذا له تأثير نفسي عميق يجعل الأعداء في موقف التأثر والإِعجاب والانبهار أمام هذه الأمة القوية التي تحسن أن تختار لنفسها حسب ما يرتضيه منهجها الرباني، والأثر الذي يتبعه مباشرة أن يعرف الأعداء -بعد انكسارهم النفسي- أن في الأرض منهجًا متوازنًا يفرق بين الحق والباطل والنافع والضار ولا يهدر طاقات العقل البشري النافعة .. ويحول في الوقت نفسه بين انحرافات البشرية وبين الفطرة الإنسانية ليقوم العدل في الأرض .. وهذا المنهج هو "الإِسلام" وهذه دعوة عملية لها من الإيجابية وحسن التأثير شيء عظيم. هذا هو بعض آثار الاجتهاد في داخل الأمة وفي علاقاتها مع أعدائها وهو دليل قاطع على ضرورته وفرضيته وأنه لا تصلح هذه الأمة إلا به ولا تهتدي البشرية إلا به، وإن لم يتحقق فإن تلك الأثار الإيجابية تنقلب لتكون آثارًا سلبية والضد بالضد. ولنتصور نقيض تلك الآثار وضدها .. لكي ندرك الخسارة التي وقعت

стр. 220

فيها هذه الأمة لمّا أهملت مهمة الاجتهاد (١) وخاصة لما اجتمعت عليها الأمم كما تجتمع الأكلة إلى قصعتها كل أمة من أمم الكفر معها نافع وضار، نافع يتمثل في ماديات ضرورية وحاجية وضار يتمثل في مبادئ ومفاهيم جاهلية لا تحفظ دينًا ولا عرضًا ولا عقلًا .. بل ترتكس في مجال العقائد والأخلاق إلى مستوى الكفر والشرك والفتنة والإِغراء ونتج عن ذلك أنظمة وضعية تعارفت عليها تلك الأمم وانبثقت من عقائدها وأخلاقها .. وكانت عملية الاجتهاد كفيلة بالتفريق بين الضار والنافع .. وكفيلة أيضًا بمراعاة الأحوال الجديدة التي نشأت من طبيعة المجتمع الصناعي واستنباط أحكامها الخاصة بها ومراعاة الضوابط التي تحفظ الضرورات الخمس الدين والعرض والنفس والعقل والمال، فإن المجتمع الصناعي -وإن كان محتاجًا إلى عملية الاجتهاد كما يحتاجها المجتمع الزراعي والرعوي- إلا أنه أشد حاجة لها، أضف إلى ذلك أن السلبيات التي تنتج عن تعطل مهمة الاجتهاد أو عدم القيام بها على الوجه المطلوب تظهر آثارها على نحو مخيف وخطير في المجتمع الصناعي أشد بكثير من ظهورها في غيره من المجتمعات ذلك أنه مجتمع الحركة الفوارة والتجدد المستمر فإن لم ينضبط بعملية الاجتهاد ازدادت تلك السلبيات واستمرت في الازدياد. وهذه الحكمة التي تحدثت عنها هي أعظم حكمة لمهمة الاجتهاد لأنها سبيل عظيم للمحافظة على التوحيد وأحكامه الذي تمثله هذه "الشريعة" والمحافظة على المجتمع الإِسلامي من آثار الشرك وأحكامه الذي يمثله الغزو الفكري الحديث.

стр. 221

هذا بعض ما يسر الله لي بيانه من حكمة "الاجتهاد" وفيه دلالة قوية على أنه ضروري لإِقامة الحياة الطبيعية لهذه الأمة، ولاستمرار تجدد نشاط المجتمع الإِسلامي في القيام بمهمته، وهو السبيل الأعظم لحفظ هذا المجتمع وحفظ عقيدته وشريعته من حيث ثباتها وشمولها ولنشر هذا الدين في الأمم الأخرى ولتطبيق الأحكام على الحوادث المتجددة، وفي هذا البيان كفاية لمحاولة العودة بالاجتهاد إلى طبيعته الأولى في الجيل الأول ليقوم بمهمة الكشف والتصحيح، ونقصد بالكشف: استخراج الكنوز من هذه الشريعة والكشف عما تضمنته من المعاني، ونقصد بالتصحيح: البناء على تلك الكنوز التي ورثها لنا الاجتهاد الشرعي الذي قام به أئمة السلف وتصحيح ما يحتاج إلى التصحيح، وبهذا تستمر عملية الاجتهاد كشفٌ وتصحيح، وأصل مشروعية هذين الأمرين معلوم من الدين بالضرورة، كيف لا وهو المعنى الذي دل عليه الإِجماع كما أشرت إليه سابقًا، وحكمته كما تبينت لنا لها دلالتها القوية على ذلك. وإذا كان المصلحون ينادون بالرجوع إلى ذلك الجيل -القدوة في منهج التلقي وتصحيح العقيدة والإِخلاص والتجرد وإحسان العمل بهذا الدين والدعوة إليه- فإن من معالمه التي برزت فيه ونحن في أشد الحاجة إليها اليوم -نظرته لعملية الاجتهاد- فلنأخذها عن الجيل القدوة باطمئنان وثقة ويقين، ولتستمر عملية الكشف عن كنوز هذه الشريعة ولتستمر عملية التصحيح، ولنعزم على الاقتداء وعلى بذل الجهد المستطاع. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١). وإن الاجتهاد الذي كلف الله به هذه الأمة وجعله ضروريًا لحياتها -كما بينا ذلك- لابد أن يكون في الوسع، وآية ذلك أن اجتهاد العلماء اليوم إنما هو مكمل لجهد علماء الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم .. فالقاعدة له ثابتة راسخة وأعمدتها قائمة مستكملة بل إن أكثر فروع البنيان تعجب الناظرين

стр. 222

فلم يبق إلا استكمال عملية البناء وبذل الجهد لاستمرار هذه العملية فيتحقق للأمة بإذن الله ما تحتاجه من كشف جديد عن بعض الأحكام ويتحقق لها تصحيح ما يحتاج إلى تصحيح من جهد السابقين، فيجمع الله لها حينئذ بين الاستفادة من الكتاب والسنة والاقتداء بمن سلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وأكرم بهم من قدوة، تعين على تحقيق تلك المهمة وربط هذه الأجيال بالكتاب والسنة، وإذا قام العلماء بهذه المهمة على هذا النحو -وهي في الوسع والحمد لله- تحصنوا وحصنوا أمتهم في ذلك الحصن الآمن وأكملوا البناء من حيث المحافظة عليه باستمرار عملية الكشف عما يحتاجون إليه وباستمرار عملية التصحيح فيما عساه يحتاج إلى التصحيح، وفي هذا تحقيق لحكمة الاجتهاد وتحقيقًا لمهمة الاقتداء ومحافظة على عملية البناء وربط آخر هذه الأمة بأولها لتقوم بمهمتها بما لديها من طاقات، ولا يقول قائل إن هناك فرقًا بين قدرات العلماء اليوم وقدراتهم فيما مضى، لأنا نقول ما نحتاجه اليوم إنما هو استكمال لا تأسيس والاستكمال لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه التأسيس. ونحن نحتاج أشد ما نحتاج إلى عملية الاجتهاد، وهي تحتاج إلى صدق المتابعة للجيل القدوة، والإخلاص والتجرد حتى ييسر الله لها أن تتحصن بذلك الحصن الآمن فلا تضل بها الأهواء وتقع في آثار الفكر المنحرف سواء ما أنشأته الفرق الضالة أو ما صدرته المذاهب الفكرية المعاصرة. وأما الطاقة العلمية ففيها كفاية بإذن الله لعملية استكمال البناء وخاصة إذا ضاعف العلماء المخلصون جهدهم واستفادوا مما ورثه لهم فقهاء السلف ﵏. وفي المباحث التالية حديث عن أنواع الاجتهاد وأهم شروطه وضوابطه فيه توجيه لعملية الاجتهاد بحيث تتحصن بذلك الحصن الآمن ويتحقق بذلك الثبات والشمول .. والله الموفق والمعين.

стр. 223

المبحث الثاني أنواع الاجتهاد وأثر ذلك على الثبات والشمول عرفنا فيما سبق أن الاجتهاد هو: "استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية". وهو بهذا المعنى يُعتبر الأداة العملية لإبراز شمول الشريعة وتعميم حكم النص، واستنباط الأحكام للمسائل التي لم يرد بخصوصها نص شرعي. ولذلك كان من عمل المجتهد "تنقيح المناط" أو "تخريجه" ليتعرف من خلال ذلك على مقاصد الشريعة التي وردت بها نصوص الكتاب والسنة فيحققها في واقع الناس، وذلك ما يسميه العلماء الأصوليون: "تحقيق المناط" وبيان هذه الأنواع في المطالب الآتية: المطلب الأول تنقيح المناط (١) وهو أن يذكر الوصف المعتبر في الحكم مع غير المعتبر فينقحه المجتهد حتى يعلم المعتبر من الملغى وذلك إنما يكون بالاجتهاد.

стр. 224

مثاله: حديث الصحيحين في حكم المواقعة في نهار رمضان: عن أبي هريرة ﵁ قال: "بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما لك؟ قال وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : هل تجد رقبة تعتقها؟ قال لا قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال لا، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال لا ... " الحديث (١). وفي رواية أخرى عن مالك عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب قال: "أتى أعرابي النبي ﷺ ينتف شعره ويضرب نحره ويقول هلك الأبعد فقال النبي ﷺ : وما ذاك، قال أصبت أهلي في نهار رمضان وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : "هل تستطيع أن تعتق رقبة قال لا، قال فهل تستطيع أن تهدي بدنة قال لا، قال فاجلس فأتى رسول الله ﷺ بفرق تمر فقال: خذ هذا فتصدق به فقال: ما أجد أحدًا أحوج مني قال فكله وصم يومًا مكان ما أصبت" الحديث (٢). وقد أدخله السبكي في مسالك العلة (٣).

стр. 225

فقال: "التاسع من مسالك العلة (تنقيح المناط وهو أن يدل) نص ظاهر على التعليل في محل الحكم (فيحذف بعضها) عن الاعتبار بالاجتهاد (ويناط) الحكم (بالباقي). وحاصله أنه الاجتهاد في الحذف والتعيين" (١). فقد حذف الإِمام الشافعي كون الواطئ أعرابيًا وكون الموطوءة زوجة وكون الوطء في القبل، ولم يعتبر شيئًا من ذلك، وعلق الحكم على الجماع فقط دون الأكل والشرب في نهار رمضان (٢). وأما أبو حنيفة ومالك فقد علقا الحكم بمطلق الإِفطار (٣). وقد اعتبره الغزالي، على أن هذا النوع من الاجتهاد متفق على العمل به وهو ليس من قبيل تحريم الشارع للخمر لأن العلة في تحريمها تُعلم بالاستنباط فيفهم المجتهد من مجرد ورود النص تعلق الحكم بالمحل المسمى، ولا يحتاج إلى تنقيح مناط كما هو الحال في المثال السابق (٤). بل هو من قبيل "تخريج المناط" كما سيأتي بيانه بعد قليل. وألاحظ هنا أن الغزالي نص على أن هذا النوع من الاجتهاد متفق على العمل به، وإذا أضفنا هذا إلى ما قاله الشاطبي من أن "تحقيق المناط" متفق على العمل به (٥)، تبين لنا موقف الأصوليين من هذين النوعين "تنقيح المناط" و"تحقيق المناط" وهو موقف جلي يُبعد عن قضية الاجتهاد تلك السلبيات التي

стр. 226

منها الحيلولة بين من تحققت فيه القدرة على استخراج الأحكام وبين الكتاب والسنة بدعوى أن باب الاجتهاد قد قفل. وإذا تذكرنا الإِجماع المنقول الدال على مشروعية الاجتهاد وتلك الحكم التي تبينت لنا أدركنا أن الاستنباط من الكتاب والسنة فوق أنه ضروري كذلك هو ممكن، ودليل إمكانه وقوعه واتفاق الأصوليين من المتأخرين على بقائه، ولم يبق بعد ذلك الأتوجيهه وجهة صالحة، وعلى الذين يطيقونه أن يبذلوا قصارى جهدهم لتحقيقه. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١). وسيأتي عند الحديث عن أهم شروط الاجتهاد بيان الضوابط التي نستطيع بها أن نحفظ عملية الاجتهاد من مناقضة قصد الشارع والانحراف إلى الأطراف المذمومة (٢). المطلب الثاني تخريج المناط وهي حالة عدم تعرض النص لذكر مناط الحكم، فيخرجه المجتهد بالبحث "وهو الاجتهاد القياسي" (٣). وسواء في ذلك الحكم الثابت بالنص أو الإِجماع. ومثاله: الحكم الوارد في تحريم الخمر، فإن النص لم يتعرض لذكر مناط الحكم، فبَحثَ المجتهدُ عنه وخرجه عن طريق الاستنباط والاجتهاد فوجد أن العلة هي "الِإسكار".

стр. 227

وفائدة هذا النوع من الاجتهاد إلحاق الفروع التي لم يرد بخصوصها نص معين بما ورد به النص (١). وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام عن القياس كطريق من طرق الاجتهاد وأثر ذلك على تحقق الثبات والشمول، ونشير في هذا الموضع إلى أن المخالفين في مشروعية العمل بالقياس لم يخالفوا في شرعية الاجتهاد، وإنما قالوا أن القياس ليس طريقًا من طرق الاجتهاد، وما يستنبطه القياسيون من الأحكام يستنبطه هؤلاء بطرق أخرى، وسيأتي بيان الصواب في ذلك في موضعه إن شاء الله. المطلب الثالث تحقيق المناط وهو الأداة العملية لشمول أحكام الشريعة لأفعال المكلفين وذلك أن المجتهد ينظر في وجود الوصف المعتبر المستنبط أو المنصوص عليه في سورة تطبيقه أخرى، فإذا علم مثلًا أن السرقة خفية من حرز قدر نصاب هي الوصف الذي أناط به الشارع الحكم وهو القطع ثم سُئِلَ عن النباش (٢) هل هو سارق أم لا؟ نظر، فإن تقرر أنه سارق تحقق مناط الحكم في هذه الصورة وأفتى بوجوب القطع، وإذا لم يتقرر لم يتحقق مناط الحكم فيفتي المجتهد بتخلف الحكم لتخلف مناطه، هذا معنى تحقيق المناط. وهذا النوع من الاجتهاد لا خلاف بين الأمة في قبوله، ولا ينقطع حتى

стр. 228

ينقطع أصل التكليف وذلك عند فناء الدنيا (١)، وهو المقصود من وضع الأدلة بلا نزاع (٢). أمثلة: قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣). في هذه الآية أمر بإشهاد العدل، والعدالة هي مناط الحكم بالشهادة، وعمل المجتهد هو تعيين محلها لأن الناس متفاوتون فيها تفاوتًا كبيرًا، وتعيين العدالة في الشهود كتعيين المسكر من الأشربة يحتاج إلى تحقيق المناط، فإذا نظر المكلف في نوع من أنواع الشراب، قيل له أهذا خمر أم لا؟ فإذا حقق المناط فوجد فيه أمارة الخمر أو حقيقتها بنظر معتبر، قيل له هذا حرام فاجتنبه (٤). وهذا النوع من الاجتهاد ضروري لكل مفت وحاكم، بل ولكل مكلف، فإن المكلف إذا سهى في صلاته فزاد فيها احتاج أن ينظر في هذه الزيادة هل هي كثيرة من غير جنس الصلاة فتبطلها أو يسيرة فتغتفر -وكذلك سائر تكليفاته. يقول الشاطبي عند حديثه عن بقاء هذا النوع من الاجتهاد: "ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تتنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن لأنها مطلقات وعمومات وما يرجع إلى ذلك منزلات على أفعال مطلقات كذلك، والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة، وإنما تقع معينة مشخصة فلا يكون الحكم واقعًا عليها إلا بعد المعرفة بأن هذا المعين يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام، وقد يكون ذلك سهلًا وقد لا يكون، وكله اجتهاد" (٥).

стр. 229

وهذا النوع من الاجتهاد يجوز وقوع التقليد في بعض مفرداته، فإن من تحقيق المناط في الأنواع تعيين المثل في جزاء الصيد الوارد في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١). وهذا الجزاء قد عينه المجتهدون من السلف، فجعلوا الكبش مثلًا للضبع، والعنز مثلًا للغزال، والبقرة مثلًا للبقرة الوحشية، والشاة مثلًا للشاة من الظباء، والعناق مثلًا للأرنب" (٢). ومع صحة التقليد في مثل هذا إلا أنه لا يغني عن تحقيق المناط في الأشخاص المعينة، فلا بد من هذا النوع من الاجتهاد لاستمرار التكليف، "لأن الشرائع إنما جاءت لتحكم على الفاعلين من جهة ما هم فاعلون" (٣)، ومن ثم فإن كل دليل شرعي مبني على مقدمتين إحداهما راجعة إلى تحقيق المناط الذي نحن بصدد الحديث عنه، والأخرى راجعة إلى النقل (٤). وبهذا نعلم مهمة المجتهد، وهي لا تخرج عن تنقيح المناط أو تخريجه أو تحقيقه، وذلك جماع الاجتهاد كما يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية (٥).

стр. 230

والأول والثالث نقلت الاتفاق على وجوب العمل بهما وذكرت من الأمثلة ما يوضح ذلك، وأما الثاني فكما أشرت سابقًا من أن الخلاف فيه إنما هو خلاف على الوسيلة وأما قضية الاجتهاد فمشروعة عند القياسيين وغير القياسيين، وننتقل إلى المبحث الثالث لنتحدث عن أهم شروط الاجتهاد التي بتحققها يتمكن الناظر من المحافظة على ثبات الأحكام الشرعية ويحقق شمولها في واقع المكلفين، والله الموفق والمعين.

стр. 231

المبحث الثالث أذكر أهم شروط الاجتهاد وأثرها على الثبات والشمول توطئة: قرر الأصوليون أن الاجتهاد الشرعي إنما يتحقق بشروط من أهمها العلم بمقاصد الشريعة، والعلم بمقاصد العربية، ونقتصر على ذكرهما هنا لأنهما من قواعد الشمول والثبات، فإن المجتهد إذا كان عالمًا بلغة العرب مدركًا لمقاصدها استطاع التعرف على دلالات الألفاظ وعرف دلالة العام المستنبطة من النص. وإذا أدرك مقاصد الشريعة -وذلك من النظر في الشريعة جملة واحدة أدرك لا محالة العموم المعنوي. والعموم اللفظي والعموم المعنوي معلمان من معالم شمول الشريعة، ونورد هنا ما قاله الأصوليون في اشتراط هذين الشرطين (١) مع التركيز على بعض الكتابات التي أولت هذين الشرطين كبير اهتمام وعناية.

стр. 232

ذلك أنه لا يمكن تحقيق شمول الشريعة في واقع الناس ما لم يعتمد المجتهدون في تفسيرها على لغة العرب، إذ القرآن نزل بلغتهم، ويعتبر فيه ما يعتبر فيها كما قال الإِمام الشافعي وسيأتي تفصيل ذلك، ومن لم يلتزم ذلك وقع في التغيير والتبديل ولم يدرك شمولها وسعتها. وكذلك إدراك مقاصد الشريعة التي جاءت بها، حتى لا يدخل في هذه الشريعة ما ليس منها ولا يسقط الناس في الحرج وذلك بتعطيل المسائل المستجدة عن حكمها الشرعي. فالشريعة كما يقول الشاطبي كجسد الإِنسان يتكون من مجموعة أعضاء ولا يمكن تصوره عن النظر في عضو واحد، ولا يحسن أداء مهمته إلا بمجموعه، فلابد من النظر فيها جملة، ولا يمكن أن يعيش الناس في خيرها العميم إلّا أن يدرك أهل الاجتهاد مقاصدها من خلال النظر فيها جملة واحدة. ومن هنا كان وجود العلماء أهل النظر الشرعي ضرورة لتحقيق شمول الشريعة لواقع الناس، كما كان وجود علماء الطب والهندسة ضرورة لتمكين الناس من الأخذ بالأسباب التي تبعدهم عن الأفات، وضرورة لقيام العمران واستخراج المياه ونحو ذلك. بل إن وجود العلماء بالشريعة أشد ضرورة، وبفقدهم يصبح الناس سدى بغير آمر ولا ناه ولا واعظ ولا معلم ولا حاكم بالشرع، ولذلك منّ الله على عباده فجعل من هذه الأمة طائفةً قائمة بأمر الله كما جاء في الحديث الذي يرويه معاوية ﵁ قال: "سمعت النبي ﷺ يقول: لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك" (١). وترجم الإِمام البخاري لهذا المعنى في كتاب الاعتصام بقوله: "باب قول

стр. 233

النبي ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق وهم أهل العلم" (١). فإذا انقرضوا جاء أمر الله وأذن سبحانه بانقطاع التكليف. ومن هنا ندرك ضرورة الاجتهاد للتعرف على مراد الله من نصوص الكتاب والسنة، وندلف بعد ذلك إلى دراسة أهم شروطه، وأقتصر على دراسة شرطين اثنين لقوة أثرها سلبًا وإيجابًا على حقيقة الثبات والشمول، وهما شرط العلم بلغة العرب وشرط العلم بمقاصد الشريعة، إضافة إلى أنهما شرطان ضروريان لتحقق ملكة الاجتهاد كما سيأتي بيانه إن شاء الله. المطلب الأول العلم بلغة العرب نزل هذا القرآن بلغة العرب كما قال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢). ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣). ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٤).

стр. 234

وقد استدل الإِمام الشافعي بهذه الآيات فقال: "إن على كل مكلف أن يتعلم من لغة العرب ما يقيم به دينه" (١). هذا على المكلف في خاصة نفسه، أما عن الذين يريدون أن يخبروا عن حكم الله ورسوله استنباطًا من النصوص فلابد لهم من العلم بلغة العرب ضرورة أن القرآن نزل بلغتهم ولا يمكن الإخبار عن مراد الله من كلامه بأنه قصد كذا أو كذا إلّا بمعرفة لغة العرب ومقاصدها، يقول الإِمام الشافعي في موضع آخر من كتابه: "الرسالة": مؤكدًا المعنى السابق: " .. فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها، وإن فطرته أن يخاطب بالشيء منه عامًا ظاهرًا يراد به العام الظاهر، ويستغنى بأول هذا منه عن آخره، وعامًا ظاهرًا يراد به العام ويدخله الخاصِ، فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه وعامًا ظاهرًا يراد به الخاص وظاهرًا يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره، فكل هذا موجود علمه في أول الكلام أو وسطه أو آخره. وتبتدئ الشيء من كلامها يبين أول لفظها فيه عن آخره وتبتدئ الشيء يبين آخر لفظها منه عن أوله. وتكلم بالشيء تعرفُه بالمعنى دون الِإيضاح باللفظ، كما تعرف الإِشارة، ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها، لانفراد أهل علمها به دون أهل جهالتها. وتسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة وتسمي بالاسم الواحد المعاني الكثيرة. وكانت هذه الوجوه التي وصفت اجتماعها في معرفة أهل العلم منها وإن اختلفت أسباب معرفتها معرفة واضحة عندها ومستنكرًا عند غيرها ممن جهل هذا من لسانها وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة فتكلف القول في علمها

стр. 235

تكلف ما يجهل بعضه، ومن تكلف ما جهل وما لم تثبته معرفته كانت موافقته للصواب -إن وافقه من حيث لا يعرفه- غير محمود والله أعلم. وكان بخطئه غير معذور إذا ما نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الخطأ والصواب فيه" (١). وظاهر كلام الإِمام الشافعي أن الملكة شرط، لأن الملكة تتحقق بكثرة الممارسة وإلا فكيف يعرف العام من الخاص، والمطلق من المقيد والعام الذي أريد به العموم .. من لا عنده إلّا حفظ مفردات اللغة، أو القدرة على الحصول عليها من الكتب، ولهذا فلا بد من الملكة القوية كما قال الشوكاني (٢). والملكة قوامها كثرة الممارسة وإدراك المقاصد من الخطاب بعد إدراك مواقعه والتمييز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه ومحكمه ومتشابهه ومطلقه ومقيده ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه" (٣). وهذه تتحقق وإن لم يتمكن من جمع جميع اللغة كما صرح الإِمام الشافعي بأن لغة العرب لا يجمعها إنسان غير نبي كما أن الأحاديث لا يجمعها أحد من علماء الأمة، وإن كان لا يضيع منها شيء على مجموع الأمة (٤). وقد نقل هذا المعنى الإِمام الشاطبي في كتابيه الموافقات والاعتصام ونبه إلى أن مقصود الشافعي أن القرآن في معانيه وأساليبه على ذلك الترتيب الذي جاء في لسان العرب. قال: "فكما أن لسان بعض الأعاجم لا يمكن أن يُفهم من جهة لسان العرب كذلك لا يمكن أن يفهم لسان العرب من جهة فَهْم لسان العجم لاختلاف الأوضاع والأساليب، والذي نبه على هذا المأخذ في المسألة

стр. 236

هو الشافعي الإِمام في رسالته الموضوعة في أصول الفقه وكثير ممن أتى بعده لم يأخذها هذا المأخذ فيجب التنبيه لذلك" (١). ونبه في موضع آخر في المقدمة الرابعة على المعنى نفسه، وزاد على أن بعض الناظرين في القرآن يحملونه بحسب ما يعطى العقل من الفهم لا بحسب الوضع، وسبب ذلك أنهم لا يسلكون في الاستنباط منه مسلك كلام العرب في تقرير معانيها ومنزعها في خطابها ولا يدركون أنواعه وخصائصه .. فيقعون بذلك في فساد كبير ويخرجون عن مقصد الشارع (٢)، وذلك كله مؤد إلى القول في الشريعة بغير علم ومن ثم مؤد إلى تغييرها وتبديلها، وأؤكد هنا ما قاله الإِمام الشافعي ونبه عليه الشاطبي من أن إدراك سعة لسان العرب سبب في إدراك سعة هذه الشريعة ولهذا كان اشتراط العلم بلغة العرب من أعظم شروط الاجتهاد. يقول الشاطبي: عن اشتراط العلم بالعربية: إن المجتهد لابد أن يقدر على فهم الخطاب ولا يتحقق ذلك إلّا أن يكون معه قدر يفهم به خطاب العرب وعاداتهم في الاستعمال، لأن الشريعة عربية "فلا يفهمها حق الفهم إلّا من فهم اللغة العربية حق الفهم، لأنهما سيان في النمط" (٣) والمجتهد مضطر إلى هذا العلم فيتوقف فرض الاجتهاد عليه (٤). والقدر الذي يحدده الشاطبي يدخل فيه العلم بالنحو والتصريف، واللغة وعلم المعاني .. ويستثنى علم الغريب والتصريف المسمى بالفعل وما يتعلق بالشعر من حيث هو شعر كالعروض والقافية، والمقصود بالقدر المحتاج إليه جملة علوم اللسان غير ما استثني (٥).

стр. 237

وقد أشار الدكتور الأفغاني إلى اشتراط العلم بالشعر لأنه طريق إلى معرفة ألفاظ اللغة ودلالتها (١)، وهو كذلك. هذا مما يحسن الإِشارة إليه بالنسبة لاشتراط العلم بالشعر دون العلم بالعروض والقافية. أما علم الغريب: فهو قسمان كما ذكر الأستاذ محمد عبد الله دراز -تعليقًا على الموافقات: القسم الأول: ما يخل بالفصاحة، فلا ضرورة للعلم به لأنه غير موجود في الشريعة، لأن نص الشرع معجز، والفصاحة من الإعجاز، وإذا لم يكن موجودًا في الشريعة فلا ضرورة للعلم به. والقسم الثاني: وهو الغريب الذي لا يخل بالفصاحة وهو موجود في القرآن والسنة (٢) فلابد من العلم به (٣). وهذا تعليق حسن منه ﵀ إذ كيف لا يحتاج المجتهد لمعرفة الغريب وقد وجد منه -ما لا يخل بالفصاحة- في القرآن والسنة. وبعد أن عرفنا القدر المطلوب ننتقل إلى مسألة أخرى وهي: بيان المقصود بالعلم بهذا القدر، هل هو جمعه والإِحاطة به، أم التمكن من معرفته والقدرة على العلم بمقاصده وهو ما يقصده الشاطبي بقوله: "فالحاصل أنه لا غنى للمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب بحيث يصير فهم خطابها له وصفًا غير متكلف ولا متوقف فيه في الغالب إلّا بمقدار توقف الفطن لكلام اللبيب" (٤).

стр. 238

ومن هذا المعنى ما أشار إليه فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين حيث قال في رسائل الإِصلاح ويجب عليه أن يختار على علم عند اختلاف علماء اللغة في قاعدة لغوية أو خاصية أسلوب من أساليب الكلام مما يتغير فهم النص من النصوص الشرعية على كل مذهب (١). وقد ناقش الدكتور الأفغاني هذا القول بأنه يقتضي تجزؤ الاجتهاد في اللغة، فقد أضاف إلى الشيخ محمد الخضر حسين أنه يقول بأن هذه الدرجة هي درجة الاجتهاد في اللغة، وهو لا يرى أن الأمر كذلك إذ كيف ينتج النظر في بعض قواعد العربية -والترجيح والاختيار لصاحبه درجة الاجتهاد- وهي معدودة محدودة (٢). والجواب: أن مقصوده أن درجة الاجتهاد في اللغة لا تنال إلّا بالملكة والقدرة على الاستنباط والترجيح وفهم المقاصد، وهو مقصود الشاطبي , أما الجمع والإحاطة فليست شرطًا، وكون مسائل الاجتهاد في اللغة والترجيح محدودة -إن صح- لا يهون من شأنها .. فإن من استطاع النظر والترجيح مجتهد، إذ لا يمكن ذلك إلّا بتحقق الملكة والمقدرة على الاستنباط والترجيح وفهم المقاصد .. وهذا هو الاجتهاد. والقدرة على الاجتهاد فيها لا يلزم منه الإِحاطة باللغة والبت في جميع مسائلها -فإن ذلك لا يكون لغير نبي كما صرح الشافعي. فقد يكون المجتهد، عربي الفهم بحيث يصير له فهم خطاب العرب وصفًا غير متكلف ولا متوقف فيه في الغالب كما كان شأن الصحابة كابن عباس وأبي بكر وعمر ﵃، ومع ذلك يجوز له التقليد في بعض المسائل ولا يوجب ذلك رفع وصف الاجتهاد عنه ولا يمنعه ذلك من أن يكون نظره معتبرًا في الشريعة.

стр. 239

وقد فصل هذا المعنى الإِمام الشاطبي في الاعتصام: ومنه قوله: "إن المجتهد" إذا أشكل عليه في الكتاب أو في السنة لفظ أو معنى فلا يقدم على القول فيه دون أن يستظهر بغيره ممن له علم بالعربية، فقد يكون إمامًا فيها ولكنه يخفى عليه الأمر في بعض الأوقات، فالأولى في حقه الاحتياط، إذ قد يذهب على العربي المحض بعض المعاني الخاصة حتى يسأل عنها" (١). ثم ضرب لذلك مثالين: الأول: ما نقل عن ابن عباس ﵄ أنه قال: كنت لا أدري ما ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها أي أنا ابتدأتها" (٣). الثاني: ما روي عن عمر ﵁ أنه سأل وهو على المنبر عن معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ (٤). فأخبره رجل من هذيل أن التخوف التنقص وأنشد: تخوف الرجل منها تامكًا قردًا ... كما تخوف عود النبعة السفن (٥) فقال عمر ﵁: أيها الناس تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم فإن فيه تفسير كتابكم (٦).

стр. 240

فإذا كان الأمر كذلك تبين مقصود الإِمام الشاطبي باشتراط الاجتهاد في اللغة: وأنه ليس الإحاطة والجمع، وليس الاستقلال بالنظر فيها مطلقًا بحيث لا يحتاج إلى غيره، بل مقصوده: هو أن تكون له ملكة يدرك بها معنى خطاب الشرع وأن يكون في ذلك كالعربي المحض .. وإن احتاج في بعض الأوقات إلى الاستظهار بغيره، كما كان العربي المحض يصنع ذلك، ونخلص بعد ذلك إلى أمور: الأول: أن تحقق هذه الدرجة مؤد إلى تحقق شمول الشريعة من حيث الاستنباط والتطبيق، لأن المجتهد سينظر فيها بلسان العرب، واتساع لسان العرب في تضمن المعاني والدلالة عليها كما قال الإِمام الشافعي لا يماثله فيه لسان. فيعرف المجتهد حينذاك العام الذي يراد به ظاهره، والعام الذي يراد به العام، والعام الذي يراد به الخاص، ويستدل على ذلك بالسياق، وبالكلام ينبئ أوله عن آخره وآخره عن أوله. وأن العرب تعرف مراد المتكلم تارة بالمعنى وتارة بالإِشارة وتعرف المعاني الكثيرة من الاسم الواحد، وتطلق الأسماء الكثيرة على الشيء الواحد .. ويدرك دلالات الألفاظ فيعرف المجمل من المطلق من المقيد، واستنباط المعاني من الألفاظ للقياس عليها (١). وهذا هو العلم الضروري لتحقيق شمول الشريعة إذ هو قاعدة الاستنباط منها، والمتمكن من هذه القاعدة متمكن من آلة الاجتهاد، مستحوذ على الملكة.

стр. 241

والتهوين من هذا الشرط سبب في تضييق دائرة الشمول .. ذلك أن من لم يتحقق من هذا الشرط على ما ذكر آنفًا فإنه ينظر في الشريعة نظرًا ضيقًا يكون سببًا في عدم إدراك معانيها، فمثله لا يدرك من ذلك إلّا بقدر علمه، فإن المبتدئ في فهم العربية مبتدئ في فهم الشريعة .. والمتوسط متوسط، فإذا بلغ الغاية في فهم العربية -مع حصوله على الشروط الأخرى- كان بالغ النهاية في فهم الشريعة (١). فلابد إذًا من بلوغ درجة الاجتهاد في اللغة على التفسير السابق، بحيث تكون للناظر ملكة وإن استظهر بغيره. الثاني: أن هناك من ظن أن في كلام الإِمام الشاطبي حدة في التركيز على شرط العربية، وأنه تارة: "صرح باشتراط معرفة اللغة معرفة اجتهادية عندما اشترط كون المجتهد في صف الخليل وسيبويه لكنه خفف من حدته بعد ذلك وصرح بأن مراده هو أن يضاهي المجتهد في الفقه العربي في فهم المقدار الذي يحتاج إليه لفهم الكتاب والسنة. ." (٢). وأنه رجع إلى ما قاله الأصوليون (٣). ولست أرى في كلام الشاطبي ما يحتاج إلى مثل هذا الظن، ذلك أن كلامه متسق مع ما يقصده .. ومع ما قرره الأصوليون أيضًا. وما تصوره البعض قد أشار إليه الشاطبي حيث قال: "ولا يقال أن الأصوليين قد نفوا هذه المبالغة في فهم العربية، فقالوا: ليس على الأصولي أن يبلغ في العربية مبلغ الخليل وسيبويه وأبي عبيدة والأصمعي والباحثين عن دقائق الإعراب ومشكلات اللغة، وإنما يكفيه أن يحصل منها على ما تتيسر به معرفة ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة" (٤). ثم أجاب عن هذا الاعتراض الذي قد يتصوره البعض. والجواب يتضمن أمورًا:

стр. 242

١ - أن الإِمام الشاطبي يريد أن يقول أن الملكة -في فهم خطاب العرب حتى يصبح الناظر في الشريعة كالعربي المحض- شرط في الاجتهاد. ٢ - وأن الملكة في فهم مقاصد العربية غير الإحاطة بالعربية وجمعها وإدراك دقاثق الإعراب ومشكلات اللغة، وليس شرطًا في المجتهد أن يكون كالخليل وسيبويه والأصمعي .. وذلك أنه لا يشترط في العربي أن يعرف جميع اللغة ولا دقائقها ومشكلاتها، ومع ذلك ففهمه للشريعة معتبر (١). ٣ - أن القول بعدم اشتراط الإحاطة والجمع وأن لا يكون الناظر كالخليل وسيبويه لا يعني أنه يبنى على التقليد المحض أو الاكتفاء ببعض الكتب ونحو ذلك (٢). هذا جواب الشاطبي عما قد يتصوره البعض .. ومع أنه ذكر جوابه هذا في الموافقات إلّا أن البعض رأى إِعادة الاعتراض مرة أخرى. ولننظر الآن فيما قاله الأصوليون: قال الغزالي في المستصفى: في اشتراط العلم بالعربية: "أعني القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال إِلى حد يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه ... والتحقيق فيه أنه لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرد وأن يعرف جميع اللغة ويتعمق في النحو. بل القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة ويستولى به على مواقع الخطاب ودرك حقائق المقاصد منه" (٣). وهذا ما يقوله الشاطبي، فكيف يقال أنه رجع إلى ما قاله الأصوليون! ويقوي ذلك ما ذهب إليه الشوكاني حيث قال: "الشرط الثاني: أن يكون عالمًا بلسان العرب بحيث يمكنه تفسير ما ورد في الكتاب والسنة من الغريب

стр. 243

ونحوه ولايشترط أن يكون حافظًا لها عن ظهر قلب .. وإنما يتمكن من معرفة معانيها وخواص تراكيبها وما اشتملت عليه من لطائف المزايا من كان عالمًا بعلم النحو والصرف والمعاني والبيان حتى يثبت له في كل فن من هذه ملكة يستحضر بها كل ما يحتاج إليه عند وروده عليه، فإنه عند ذلك ينظر في الدليل نظرًا صحيحًا ويستخرج منه الأحكام استخراجًا قويًا" (١). ثم حذر كما حذر الشاطبي: فقال مؤكدًا على اشتراط الملكة: "ومن جعل المقدار المحتاج إليه من هذه الفنون هو معرفة مختصراتها أو كتاب متوسط من المؤلفات الموضوعة فيها فقد أبعد، بل الاستكثار من الممارسة لها والتوسع في الاطلاع على مطولتها مما يزيد المجتهد قوة في البحث وبعدًا في الاستخراج وبصيرة في حصول مطلوبه، والحاصل أنه لا بد له من الملكة القوية في هذه العلوم، وإنما تثبت هذه الملكة بطول الممارسة وكثرة الملازمة لشيوخ هذا الفن" (٢). وبهذا الذي قاله الشوكاني يخرج الناظر في الشريعة من رتبة المقلدين وإن لم يرتفع إلى رتبة سيبويه والأصمعي. ويؤكد ذلك ما قاله الجويني وهو يتحدث عن إحدى صفات المجتهد وهي العلم بالعربية، يقول: "ولا يشترط التعمق والتبحر فيها حتى يصير الرجل علامة العرب ولا يقع الاكتفاء بالاستطراف وتحصيل المبادئ والأطراف، بل القول الضابط في ذلك أن يحصّل من اللغة العربية ما يترقى به عن رتبة المقلدين في معرفة الكتاب والسنة وهذا يستدعي منصبًا وسطًا في علم اللغة العربية" (٣). وهذه النصوص تجتمع على إفادة معنى واحد وهو أن يكون الناظر في الشريعة

стр. 244

وسطًا في العربية بين المقلدين وبين أمثال سيبويه والأصمعي، وذلك بأن يكون له من الملكة ما يرتفع به عن رتبة المقلدين وإن لم يرتفع إلى رتبة أئمة العربية، ويقول في موضع آخر وهو يتكلم عن شروط الاجتهاد: "الاستقلال باللغة العربية فإن شريعة المصطفى متلقاها ومستقاها الكتاب والسنن، وآثار الصحابة ووقائعهم وأقضيتهم في الأحكام وكلها بأفصح اللغات وأشرف العبارات فلابد من الارتواء من العربية فهي الذريعة إلى مدارك الشريعة" (١). ومقصد الشاطبي هو مقصد الجويني وغيره من الأصوليين ممن نقلت نصوصهم آنفًا وهو أن يكون الناظر في الشريعة مقتدرًا على معرفة مدارك الأحكام ومسالك الحلال والحرام ولا يتمكن من ذلك إلّا من فهم خطاب العرب الذي نزل القرآن بلغتهم، وهذا هو منهج الصحابة كما قال الجويني: "إنا سبرنا أحوال المفتين من صحب رسول الله الأكرمين فالفيناهم مقتدرين إلى مدارك الأحكام ومسالك الحلال والحرام ولكنهم كانوا مستقلين بالعربية، فإن الكتاب نزل بلسانهم، وما كان يخفى عليهم من فحوى خطاب الكتاب والسنة خافية" (٢). والحديث هنا عن جماعة الصحابة ﵃، فإن اللغة لا تضيع من مجموع الأمة في عصر من العصور كما قال الإِمام الشافعي .. وأما عن أحدهم فلا يتمكن منها غير نبي، وقد مر ما نقلته عن الشاطبي من أن المجتهد في اللغة قد يرجع إلى غيره إن أشكل عليه وذكر من فعل الصحابة ما يدل على ذلك، ويفسر كلام الجويني بالاستقلال هنا وأنه في معنى كلام الشافعي والشاطبي قوله: "إن اشتراط المصير إلى مبلغ لا يحتاج معه -أي المجتهد- إلى طلب وتفكر في الوقائع محال .. " (٣). وفي معنى الطلب المشاورة التي أشار إليها الشاطبي، حيث بين أن المجتهد يحتاج إلى المشاورة لغيره والاستظهار بما عنده، وظاهر من مجموع كلام الجويني اشتراط الملكة التي تعين

стр. 245

على فهم الخطاب، ومن هنا نجد الفارق بين قوله: "وهذا يستدعي وسطًا في علم اللغة والعربية" وبين قول ابن السبكي في وصف المجتهد بأنه: "ذو الدرجة الوسطى لغة وعربية" (١). إذ أنه لا يشترط الملكة خلافًا لأبيه فقد صرح باشتراطها، فقال: "المجتهد هو من هذه العلوم -ومنها العربية ملكة له وأحاط بمعظم قواعد الشرع ومارسها بحيث اكتسب قوة يفهم بها مقصود الشارع" (٢). وأجيب عن شبهة أخرى عرضت للمعترض على ترتيب الشاطبي في الموافقات وهي أن الشاطبي سوى بين العربي وبين المجتهد في اللغة العربية وبين المجتهد في الفقه بالنسبة لفهم اللغة واستعمالها، ويعتبر هذا تنقيصًا لمرتبة المجتهد في اللغة (٣). والجواب: أن التسوية التي يريدها الشاطبي هنا هي التسوية في إدراك مواقع الخطاب وفهم مقاصده، وهم لا شك يستوون في الحصول على الآلة التي تمكنهم من ذلك، فالعربي المحض بسليقته والمجتهد باجتهاده ... وهذا الاجتهاد الذي يطلبه الشاطبي، أمّا أن لكل منهم مزايا خاصة ودرجات فهذا لم ينكره الشاطبي، ألم تر إلى قوله فيما سبق أن المجتهد يلزمه الاستظهار بغيره إذا أشكل عليه كما صنع عمر وابن عباس ﵄، فالمجتهدون في اللغة عنده درجات كما أن فهم العرب الخلص درجات، فالتسوية التي أرادها الشاطبي محددة المعنى وهي التسوية في التمكن من فهم مواقع خطاب الشرع .. وهو معنى ما ذكره الشوكاني وغيره من التمكن من الملكة .. أما في غير ذلك فلم يقل الشاطبي شيئًا بل ميز بين مراتبهم، وليس في هذا تنقيصًا بهذا الاعتبار.

стр. 246

والحاصل أن شمول الشريعة وإدراك أحكامها لا يمكن أن يتحقق إلّا من مجتهد من أبرز شروطه أن تكون العربية ملكة له بحيث يدرك سعة لسان العرب ويفهم خطابها ولا يجهله، وأن ما أكد عليه الشاطبي وأبرزه واهتم به هو مذهب الأصوليين أمثال الشافعي والجويني والسبكي والغزالي والشوكاني، وبهذا يتحقق الناظر في الشريعة من معانيها ويدرك شمولها ويحققه في واقع الناس .. ويدرك في المقابل ثباتها ولايضرب بعضها ببعض ويسعى في تغييرها وتتناقض معانيها بين يديه لتفريطه في فهم مواقع خطابها ويرجع سبب ذلك في بعض الأحيان إلى تفريطه في حيازة الملكة في فهم العربية، وعدم الاستظهار بغيره عند الحاجة. أما إن قدر على الملكة -وإن لم يجمع مفردات اللغة- فإنه قادر بمشيئة الله على فهم شمول الشريعة حين الاستنباط منها محافظاً على ثباتها .. ولا ينقص من قدره أن يستظهر بغيره من علماء العربية إذا جهل منها شيء، وسيكون ذلك هو طريقه إلى تحقيق مهمة الاستنباط في سلامة من القصور في فهم الشريعة بحيث لا يعجز عن إدراك سعة معانيها، وفي سلامة من الزيادة عليها بما ليس منها بحيث لا يناقضها ولا يضادها. واشتراط الملكة دون الاحاطة والجمع والاشتغال بالدقائق مع جواز الاستظهار بالغير عند العجز .. هو السبيل الذي يحقق السلامة من القصور والزيادة. فلا الناظر يفقد الملكة بحيث لا يفهم معاني الخطاب ويختلط عليه العام والخاص والمطلق والمقيد .. ويفقد مع ذلك الضوابط التي يتحصن بها في الاستدلال فيحل الحرام ويحرم الحلال ويضيّق الواسع ويقول على الله بغير علم ويضطرب في فهم الشريعة ويقع في سوء جهله ويوقع من تابعه على ذلك .. كما ستأتي الإِشارة إليه من أمثال الذين وقعوا في مخالفة الإِجماع وغرائب الآراء يزعمون أنهم يجتهدون في فهم الشريعة، وهؤلاء تنقصهم الآلة، فلا هم حازوا الملكة في فهم الخطاب ولا هم إلتزموا بالضوابط التي تبنى على علم العربية كما

стр. 247

أشار إلى ذلك الإِمام الشافعي في رسالته في أصول الفقه، ومن ثم خلطوا الشريعة الربانية بأهواء البشر بسوء صنيعهم هذا. فلا بد إذاً من الملكة .. ولكي تكون في الإمكان لا نشترط الإِحاطة .. بل للناظر أن يستظهر بغيره فيما أشكل عليه وأعوزه، وهنا يستطيع أن يدرك مقاصد العربية ومن ثم يدرك مقاصد الشريعة، فيؤتي الاستنباط ثماره محققاً شمول الشريعة وثباتها، فلا نحن أقفلنا باب الاجتهاد وجعلناه من المستحيلات بحيث نوجب الإحاطة بعلم العربية ولا نحن تركنا الحبل على الغارب بحيث يدخل فيه كل دعي وإن جهل، وإلى الحديث عن الشرط الثاني وهو العلم بمقاصد الشريعة. المطلب الثاني معرفة مقاصد (١) الشارع وهذه المعرفة هي التي تؤهل الناظر لدرجة الاجتهاد، يقول الإِمام السبكي: "المجتهد هو: "من هذه العلوم ملكة له وأحاط بمعظم قواعد الشرع ومارسها بحيث اكتسب قوة يفهم بها مقصود الشارع" (٢).

стр. 248

والوسيلة التي يكتسب بها قوة يفهم بها مقصود الشارع هي جملة معارف أشار إليها الأصوليون (١). فإذا اكتسب هذه المعارف كمعرفة الكتاب والسنة وقواعد الشريعة وأصول الفقه والعربية .. لكن لم يتمكن بعد اكتساب هذه المعارف من فهم مقاصد الشريعة لأن تلك المعارف لم تصبح له ملكة فإنه والحال كذلك لم يبلغ درجة الاجتهاد. وقد تبين عند دراسة أثر العلم بالعربية على إدراك شمول وثبات الشريعة أن المقصود هنا هو تحقق الملكة لا مجرد الحفظ والنقل وكذلك القول عند ذكر الشرط الثاني وهو معرفة مقاصد الشريعة وقبل النظر في أثر علم المقاصد على إدراك ثبات وشمول الشريعة، نشير إلى وجه الربط بين اشتراط علم العربية وعلم المقاصد، ووجه الربط بيخهما: أن من اتبع معهود الأميين وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم علم أن العرب تجمع بين اعتبار المعاني واعتبار الألفاظ، ولا ترى للألفاظ تعبدًا بحيث تهدر معها المعاني، كما أنها لا تعتبر المعاني فقط وتهدر الألفاظ، بل تبني على أحدهما مرة وعلى الآخر مرة. وقد استدل الإِمام الشاطبي على ذلك في كتابه الموافقات (٢) بأن العرب جرت في كلامها على الاستغناء ببعض الألفاظ عما يراد منها أو يقاربها في المعنى بشرط أن يستقيم المعنى وذلك يدل على أنها لا تعتبر الألفاظ وحدها وإنما تعتبر

стр. 249

المعاني مع مراعاتها للألفاظ بحيث إذا لم يجر المعنى على استقامة لم تستبدل لفظاً بلفظ آخر، فالعبرة عندها بمجموع الأمرين معاً ولا تلتزم أحدهما وتهمل الآخر والعبرة بمراعاتها هذا أو ذاك أو مجموعهما هو جريان المعنى على استقامة. ولذلك أمثلة كثيرة في كلامها منها: ١ - ما حكاه ابن جني عن عيسى بن عمر وحكاه غيره أيضًا قال: سمعت ذا الرمة ينشد: وظاهر لها من يابس الشخت واستعن ... عليها الصبا واجعل يديك لها سترا (١) فقلت: أنشدتني من بائس، فقال: يابس وبائس واحد (٢)، فلم يعبأ بما بينهما من الاختلاف لما جرى معنى البيت على استقامة وكان صواباً على كلا الوجهين. ٢ - وعن أحمد بن يحيى قال أنشدني ابن الأعرابي: وموضع زير لا أريد مبيته ... كأني به من شدة الرّوع آنس فقال له شيخ من أصحابه: ليس هكذا أنشدتنا "وموضع ضيق" فقال سبحان الله تصحبنا منذ كذا وكذا ولا تعلم أن الزير والضيق بمعنى واحد؟ ٣ - ومن ذلك نزول القرآن على سبعة أحرف، وقد تفاوتت بعض القراءات وقرأ بها القراء - وهم يعتقدون أنهم قارئون للقرآن - وإن بدى بينها أول النظر اختلاف في المعنى - وسبب ذلك أنهم علموا أن الكلام جار على استقامة بحسب المقصود منه ومن أمثلة ذلك: (أ) ﴿وما يخادعون إلّا أنفسهم﴾.

стр. 250

﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ (١). (ب) (لنثوينهم من الجنة غرفًا). ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ (٢). وجميع ذلك لا تفاوت فيه من جهة المعنى بل هو جار على استقامة بحسب القصد الشرعي كما هو ظاهر من معنى الآيات، والقرآن في ذلك جار على معهود الأميين من العرب في اعتبار المعاني والمقاصد - دون أن ترى للألفاظ تعبداً وإن كانت تراعيها والعبرة بجريان المعنى على استقامه (٣). ولا يستقيم للمجتهد أن يدرك المعنى الشرعي للنص حتى يلاحظ مجموع الأمرين معاً فلا هو يقف عند مجرد التعبد بالألفاظ فيفوته مقصد الشارع - الذي يعرف من مجموع نصوصه - ولا هو يتبع المقاصد في ظنه وإن خالفت النصوص فيهدر الألفاظ ولا يهتم بجريان المعنى على الاستقامة بل ينبغي عليه ملاحظة الأمرين معاً ولا يعكر على هذا المعنى ما قرره الإِمام الشاطبي في موضع آخر تسهيلاً منه لتحقيق مهمة الاجتهاد - إذا تعلق بالمعاني والمقاصد مجردة عن النظر في النصوص أومسلمة من المجتهد - كأن أدركها مترجمة له ففهم مقاصد الشريعة من وضع الأحكام وبلغ فيها رتبة العلم بها صح منه الاجتهاد وكذلك إذا أخذ الناظر المقيس عليه (٤) مسلمًا فإنه لا يحتاج إلى النظر في مقتضيات الألفاظ.
следующие страницы →